المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مشروع اكبر تجمع روائي لروايات احلام وعبير


الصفحات : 1 2 [3] 4 5

الشغاف
06-21-2011, 10:06 PM
وما أن وقعت عيناها عليه , حتى فهمت أن النزهة ستكون ممتعة, وحين سمعها تقترب منه أبتسم, وشعرت برغم نظارتيه السوداوين أن لا قلق في عينيه.
سألها بفارغ الصبر:
" هل أنت حاضرة؟".
" نعم يا آلان".
منذ اليوم الأول الذي دعاها لتتناول طعام الغداء معه , أصر عليها بضرورة التخلي عن كل الأعراف والشكليات , وأحتاجت الى أكثر من أسبوع لتعتاد أن تناديه آلان بدلا من السيد تريفيل.
" هيا بنا أذا, لنسرع حتى لا تفوتنا الجولة الأولى".
كان الطقس جميلا ورائعا لمثل هذا النوع من النزهات, والجو حارا, لكن النسيم يمنع الحرارة من أن تكون لاهبة , أختارا مكانا هادئا , لأن آلان لا يحب الأزدحام , فقد طلب من السائق الذهاب والتمتع بوقته, وحدد له وقتا للعودة.
لم تكن فلورا تعرف أي شيء عن سباق الخيل, لكنها كانت تعرف بواسطة غريزتها كل ما يحبه آلان, راحت تصف له بدقة كل ما حولها بصورة تفصيلية جعلته يتحمس للأمر , وعندما حان وقت الغداء , فتحت سلة الأكل فأكلا بشهية كل ما طاب ولذ , وبعدها تمدد آلان على بطانية فرشت على الحشيش وقال لها وهو ينتهد:
" رائع! شكرا يا فلورا, عندما أعود الى وطني , عليك بزيارتي وسآخذك بدوري الى سباق الخيل هناك, (بفرح , أنها المرى الأولى التي يتحدث فيها عن رغبته في العودة الى بلده, أو يتكلم عن حياته الخاصة, كانت دائما تشعر بحاجة الى معرفة ولو شيء بسيط عن حياته الشخصية, لكنها كانت دائما تخشى أن يوبخها , لكن في هذه المرة, قررت المخاطرة وسألته في تردد:
" أين يقع منزلك يا آلان؟".
أجاب فجأة بعد أن ظهرت تجعيدة صغيرة على جبينه:
" قرب مدينة غراس".
توقف برهة ثم أضاف:
" غراس هي مدينة فرنسية وكذلك المركز الأساسي لصناعة العطور , خلال كل فصول السنة تتفتح الأزهار النامية بكثرة على طول الشاطىء التابع للبحر الأبيض المتوسط, مدينة كان مشهورة بالورد والأكاسيا والياسمين , ومدينة نيس مشهورة بالبنفسج والخزام , لكن من بين كل هذه الأمكنة غراس هي التي تتمتع بأكثر من شهرة, لأن هناك تنمو كل أنواع الأزهار وحيث تتم صناعة العطور".
كانت فلورا تصغي بأفتنان , ليس من العجب أذا أحب مداعبة الشمس , هو الذي أمضى كل حياته في جنة كهذه.
" الأزهار تنمو طيلة أيام السنة؟".
" طبعا , من كانون الثاني – يناير حتى آذار- مارس, نجد أزهار البنفسج والميموزا , وفي نيسان – أبريل وأيار- مايو وحزيران – يونيو , نجد الورد وفي حزيران –يونيو أيضا نجد الخزام والقرنفل والوزال , وفي تموز –يوليو مجموعة مختلفة من الأزهار بما فيها اللاوند والياسمين والمسك , وفي آب- أغسطس وأيلول سبتمبر وتشرين الأول- أكتوبر نجد النعناع والجيرانيوم , وحتى في الميلاد – نرى في كل مكان بحرا ذهبيا من المشمش الذي يعم المنطقة بعطره, على طول كيلوميترات في جميع الجهات".
قالت فلورا ضاحكة:
" كفى , لم يعد عقلي يستوعب أكثر! كم كنت سعيدا ومتفائلا لرؤية هذا الجمال , لا شك أنك ترغب في رؤية كل هذا من جديد!".
وما أن نطقت بهذا الكلام حتى عضّت على لسانها , لكن الأوان كان قد فات , لكنه لم يقم بأي حركة, لكنها غزيريا , شعرت بأنقباضه , نظرت اليه في قلق , لكنه لم يكن يخبىء أحاسيسه , كان جسده الطويل بكامله مرتاحا , فجأة لاحظت أنقباض معصمه , فندمت لما قالته ووضعت يدها في يده , وهي تدرك تماما مدى قلقه وقالت:
" سوف تستعيد نظرك يا آلان , بأذن الله, أنا متأكدة من ذلك! لا تدع اليأس يشوه حظك بالنجاح , من الضروري المحافظة على الأسترخاء وعلى روحك المعنوية , فسوف يقوم سير فرانك بالعملية الجراحية في الأسبوع المقبل".
أبعد يدها عنه بغضب وأصطكت أسنانه المشدودة وراح يقول:
" يا ألهي! لا تراعي خواطري يا فلورا! ماذا تفهمين من كل هذه العمليات الجراحية؟ ألا يكفي أنني تحملت ست محاولات فاشلة؟".
ثم تابع بسخرية كأنه يقلد صوتا آخر:
" لا تخافي , أن الندبات حول عيني تخف مع الأيام , لا تهمني الندبات أنها لا تنفع في شيء, كل ما أريده هو أن أرى!".
أنفجرت فلورا في البكاء , فهي غير قادرة على تصور ما يمكنه أن يفعل أذا عرف أن لا أمل في شفائه وأنه سوف يبقى ضريرا طوال حياته.

كانت على وشك الأنهيار , بقيت صامتة طوال الوقت, ومرة أخرى أنطوى على نفسه , لا شيء تقوله يمكنه أن يخرجه من هذه الحالة الأنطوائية, وراحت تصلي كي تمر الأيام المقبلة بسرعة , جسديا, ما زالت قادرة على المقاومة , لكن كم يبقى من الوقت أمام عقلها ليتحمل كل هذا العذاب , الذي أختارت بكامل أرادتها أن تعانيه من أجل مساعدة آلان تريفل في تحقيق أمنيته العزيزة؟

الشغاف
06-21-2011, 10:11 PM
3- قبلت عرضك
أنتهت العملية الجراحية , وبعد دقائق قليلة , وصلت جنيفر كالأعصار الى غرفة الأنتظار لتقول لفلورا أنهم بصدد أيصال آلان الى غرفته, وأن سير فران يريد التحدث اليها , كانت فلورا فريسة أحاسيس داخلية حزينة , هل فشلت العملية؟ هل يريد سير فرانك منها أطلاع آلان بهدوء على هذا الخبر تاسيء؟
راحت تذرع أرض الغرفة بخطى واسعة, ينخر قلبها القلق , وكانت الدقائق تمر ولا يزال فرانك لم يظهر بعد, أستمرت العملية ساعات عديدة , وخلال هذا الوقت كانت تأمل في حدوث المعجزة , أما الآن فكل ما تريده هو رؤية آلان والتأكد أنه لا يتألم.
أنفتح الباب ودخل سير فرانك وعلى وجهه ملامح متعبة:
"آه, آنسة مينارد , أشكرك لأنتظارك ! أود أن أكلمك في شأن آلان".
أنتظر منها الجلوس , فقرأت على وجهه المتعب علامات القلق , يداها مشدودتان على تنورتها , تنتظر ما سيقوله.
وما لبث أن أعلن بحدة:
" تمت زراعة القرنية في العين اليمنى , وكنت أنوي في الأيام المقبلة أن أباشر العمل في العين اليسرى, لا شك كنت تعرفين, والآن يعرف ذلك أيضا, أن العملية ستتم على مرحلتين".
هزت فلورا رأسها دليل الأيجاب , ثم تابع سير فرانك كلامه:
" بعد أن أجريت العملية في العين اليمنى , فحصت اليسرى بدقة...".
ثم توقف عن الكلام لبعض الوقت, فأنقبضت فلورا وسألته:
" و...؟".
هوى في المقعد ثم قال:
" أخشى ألا يكون التشخيص مشجعا...".
" هل تريد القول أن ألآن لن يستعيد نظره ثانية؟".
تردد وراح يبحث عن الكلمات التي تخفف الصدمة عليها:
" العين اليسرى متلفة , لكني كنت متأكدا أنها ليست متضررة بشكل يتعذر معه معالجتها , أما اليوم , فقد أكتشفت أنها ملتهبة قليلا , وعليّ أولا القضاء على هذا الألتهاب قبل الأستمرار في المعالجة , هذا يعني تأخير المرحلة الثانية من العملية الجراحية لبعض الوقت, لهذا السبب طلبت أن أحدثك , يا أبنتي العزيزة , لقد حققت أعجوبة مع آلان , في الأسابيع الماضية , وأريد أن أتأكد أنك ستبقين هنا ما دام هو في حاجة أليك, وأن تكوني بجانبه عندما أخبره كل هذه التفاصيل , وما أنوي فعله".
كان صوت الجراح يخترق الضباب ويرن في أذنيها رنة حزن , وراحت تتصور حالها مكان آلان وتتساءل: هل من العدل أن يتحمل عذاب سبع عمليات جراحية, ليصل في النهاية الى نتيجة سلبية كهذه؟ ألم يكن من الأفضل لو ترك بدون أي أمل؟ بدلا من أن يفرض عليه هذا التوتر المستمر بين الأمل واليأس؟ شعرت بالغضب والأسف وراحت تهاجم سير فرانك:
" لماذا ترك كل هذا؟ لماذا تظل تقدم اليه الوعود , وأنت تعرف أن لا شيء يمكن فعله في هذا الصدد؟".
أجابها في هدوء:
" هناك شيء يمكن فعله دائما , يا أبنتي العزيزة, لولم نكن نتمتع بهذا اليقين نحن الأطباء لما أجرينا أية عملية جراحية على الأطلاق, خيبة الأمل هذه تؤسفني أنا أيضا , وأرجوك أن تصدقيني , أنها فقط خيبة أمل... وأرجوك أن تساعدي آلان على تصديق ذلك أيضا , بعد سنة أو ربما أقل يمكنني أن أنهي العملية بنجاح هذه المرة, لكني في حاجة أليك لتقنعي آلان بأن لا يستسلم لليأس , هل يمكنني الأتكال عليك؟".

" لن يصدقني , لا الآن ولا في أي يوم , أنا متأكدة تماما من ذلك".

الشغاف
06-21-2011, 10:11 PM
شعرت فلورا بأن كلامها أفتر حماس فرانك, فسكت ثم قال:



" أذا, نطلب من الله أن يساعده ويساعد عائلته! والدته تعز علي كثيرا وكذلك كان والده, ولا شيء يفرحني سوى أن أتمكن من أعادة النظر اليه, لكن أذا كان ما تقولينه صحيحا, فمن المستحيل أذا أن أصل ألى هدفي ".



قالت فلورا والدموع تترقرق في عينيها:



" سأفعل كل ما في وسعي لأقناعه , لكن أذا رفض , أرجوك ألا تشعر بأنك مسؤول عن هذا, في المستقبل , عندما يتغلب على خيبة أمله, ربما يقبل حينئذ أن يقوم بمحاولة جديدة".



ربت على يدها وقال:



" أنت فتاة رائعة جدا, يا فلورا, لم أعد أستغرب لماذا يشدد وجودك من عزيمته , وأني متأكد من أنك أذا بقيت خلال الأشهر المقبلة الصعبة , فسوف تنقذينه من هذه الورطة , أما اذا كان ذلك مستحيلا , فلا يبقى لدينا سوى الأمل في تغلبه على خيبة الأمل ويتوصل ألى نتيجة حكيمة".



قبل عودتها الى منزلها, سمح لفلورا بأن ترى ألان في غرفته, لقد أكد لها سير فرانك أنه ما زال تحت تأثير المخدر, ولن يستعيد وعيه الا بعد ساعات, وأنه في حاجة ألى عناية فائقة , وأن الزيارات ممنوعة عليه.



وما أن دخلت فلورا غرفة المريض , حتى صوبت نظرها الى الوجه الراقد على الوسادة البيضاء , الضمادات تغطي عينيه , والركائز تجعل رأسه جامدا , وللمرة الأولى كانت أصابع يده الطويلة الشديدة الحساسية , ممددة بجانبه على السرير بدون حركة.



كانت فلورا في الغرفة ذلك الصباح عندما قرر سير فرانك أخبار ألان عن نتيجة الأبحاث , حدث ذلك بعد أسبوع من العملية , لم يكن ألان في سريره , أنما كان جالسا في كرسي قرب النافذة , ومئزره الغامق يزيد من شحوبه , وخلافا لجميع النصائح , كان قد أزاح الستائر , وأشعة الشمس تسطع على شعره وتدفىء ملامحه القاسية بنورها العسلي, ثم قام بحركة عبّر فيها عن أنزعاجه من أستمرار وجود الضمادات على عينيه , وتشنجت فلورا , لدى دخول سير فرانك الغرفة.



أقترب من ألان بخطى وفاجأه قائلا:



" أعتقد يا ألان أن الوقت قد حان لمحادثة صغيرة".



شعر ألان بعداء مباشر وقال بصوت حاد:



" لا شك, لنتحدث أذا , أذا كان الحديث ينهي هذه المسرحية الهزلية التي تحملتها طيلة هذا الأسبوع!".



ردد سير فرانك بلهجة معقدة:



" مسرحية هزلية؟".



لم تكن فلورا مستغربة عندما أجابه ألان بصوت بارد:



" هل تعتبرني أنسانا أبله؟ هل تعتقد أنني لا أعرف الأشارات الحسية المباشرة , فأن لطفك الزائد والقلق في صوتك , يكفيان لتحذيري ! فضلا عن محاولات فلورا المستمرة لمواساتي من دون أظهار ذلك, أنها تعرف أيضا , أن العملية الجراحية كانت فاشلة , فكل تعبير في صوتها , أعرفه تمام المعرفة , لقد فضحتها شفقتها العميقة التي تشعر بها أتجاهي , في مئات المرات , وبطرق عدة".



أن حقده العنيف ويأسه المميت جعل فلورا والسير فرانك يلتزمان الصمت , وفي عينيها المليئتين بالدموع كانت فلورا تنادي سير فرانك بصمت, لكن هذا الأخير هز كتفيه معلنا عن ضعف عزيمته , مما جعلها تكاد تخنق بكاءها في حنجرتها , وفي هذه المرة أيضا , أظهر ألان حساسيته المرهفة أذ قال:



" لا تذرفي دموعك من أجلي, لا أريد شفقتك! من الآن فصاعدا سوف أستسلم وأعيش حياة رجل أعمى , وأتعلم لغة البريل , وأنتقل مستعينا بعكازة بيضاء , كما يجب علي أن أتقبل الشفقة ومظاهر اللطف من الجميع... لكن ليس منك أنت يا فلورا , أبدا! يجب أن تبقي صادقة أتجاهي , هل تفهمين؟ واذا أكتشفت مرة وأحدة , أنك كذبت علي , فسيكون ذلك اليوم كارثة حقيقية عليّ".

الشغاف
06-21-2011, 10:12 PM
أستعادت فلورا هدوءها وقالت:

" لا يمكنني الكذب عليك أبدا يا ألان , ويجب أن تصدق كل ما سأقوله لك الآن , ما زال هناك أمل في شفائك, كان سير فرانك يحاول أن يطمئنك أن في وسعه بعد عدة شهور, أنهاء المرحلة الثانية من العملية بنجاح أكيد, عليه فقط معالجة ألتهاب بسيط , قبل أن يستأنف برنامج عمله في المرحلة الثانية , وبعدها كل شيء سيتم كما يجب, أرجوك , يا ألان أن تسمعه , أني أتوسل أليك!".
وكان جوابه بأن رفع يديه الى عينيه شاتما, وخلع عنهما الضمادات , ورماها أرضا , ثم رفع رأسه في عزم , رافضا كل الحجج بعد خيبة الأمل القاسية.
وخلال الأسابيع اللاحقة , لم يقم سير فرانك وفلورا أي أعتبار لرغبة ألان بعدم السماح لأحد في أستئناف الحديث حول مسألة مرضه, لكن ألان تمسك بعناده وتصلبه , وبدأ يسترجع قراه تدريجيا, ومع أقتراب موعد رحيله , فهم سير فرانك وفلورا أن عليهما تقبل فشلهما, غير أن فلورا كانت تشعر بوجود أمل خفي بأن ألان سيشعر أنه في حاجة لرؤية كل الأشياء التي أعتاد رؤيتها قبل الحادث , فلن يتحمل الأعتماد على حواسه الأخرى.
ولما سمح له سير فرانك بأستئناف النزهات التي كان يقوم بها, عادت الحياة الى مجراها الطبيعي من جديد, وكانت فلورا تمضي أوقات بعد الظهر برفقته , لكنها لم تتجرأ على التحدث اليه عن أمكان أجراء عملية جراحية أخرى, خوفا من أن يجرحها غضبه الذي يزداد مع تحسن صحته وأستعادة قواه.
وخلال فترة النقاهة , أصبح ألان بالنسبة الى فلورا زائرا مداوما , وبدأ والداها يشعران أتجاهه بمحبة كبيرة , ومن جهته كان يبدو متحمسا برفقتهم. وخلال أحدى زياراته , وبينما كان جالسا في الحديقة برفقة فلورا , يتمتعان معا بنعومة الطقس وعذوبة الهواء , فاجأها ألان سائلا بلهجة عادية:
" فلورا , هل توافقين على الزواج مني؟".
كان ممددا على كرسي طويل مريح , يمضغ عودا من الحشيش الأخضر , لا شك أنه أحس بأستغراب فلورا التي همست تقول:
"ماذا ... ماذا قلت؟".
رفع رأسه في حركة متلهفة ورمى عود الحشيش وقال:
" أنا بحاجة أليك يا فلورا, لا أستطيع العودة الى فرنسا , من غيرك , أتعدينني , على الأقل بالتفكير في الموضوع؟".
راح قلب فلورا ينبض بسرعة فائقة , حتى أنه خيل أليها أن كل أعضاء جسمها ترتجف بشدة أنها تحبه كثيرا الى درجة أنها مستعدة لأن تضحي بحيلتها من أجله , لكنه كان يظهر لامبالاة عندما طلب منها أن تصبح زوجته , فتحت فمها لتقول له أنها تحبه كثيرا, لكنه تابع حديثه بهدوي:
" سيكون زواجنا زواج مصلحة, لا أكثر ولا أقل , لن أطلب منك أكثر مما تقدمينه الى الآن , وما قدمته خلال الأسابيع الماضية , لقد أصبحت بصري الذي خسرته , وبفضلك أشعر وكأنني قد أستعدت بصري, كما أنني أعدك , أنك أنت أيضا سوف تحققين مكسبا من هذا الزواج".
ولما هدأت نيران كرامتها , أحست بسعادة خجولة ويائسة لم يكن في وسعه رؤية مدى تأثير كلامه عليها , هذا العرض الجاف والبارد للزواج منها , كان بالنسبة لها, أقصى العذاب الذي يمكنها أن تتحملع حتى الآن , وودت عزاءها الوحيد بأنها متأكدة تماما من أنه يجهل حقيقة عواطفها , ظل رأسه منحنيا , كأنه يصغي أو يحاول أدراك ردة فعلها , وهي ظلت جامدة تنتظر هدوء توتر أفكارها وحتى تستعيد السيطرة على نفسها مرة ثانية.
سألها فجأة :
" هل ما زلت هنا؟".
كانت كلماته تنم عن مدى حاجته الماسة اليها , وأرادت فلورا لطبيعتها المتسامحة أن تنسى ما ينطوي عليه عرضه المفاجىء لتحتفظ فقط بندائه اللاواعي وطلبه مساعدتها , فأجابت وهي تحاول التحدث في صوت هادىء:
" نعم, ما أنا ما زلت هنا".
أسترخى وأرتسمت على شفتيه أبتسامة صغيرة ثم قال:
" هذا أفضل , كنت أخشى ألا تكوني قد سمعت ما قلت, أذا ما هو جوابك يا فلورا؟ هل تقبلين بالزواج مني والعودة معي الى فرنسا؟".
أجابت في صوت خفيض جدا:
" نعم".
كبرت أبتسامته وقال وفي صوته بعض السخرية:
" شكرا, لقد كنت أتصور أن هذه الفكرة ستروقك".
حاولت فلورا جاهدة المحافظة على برودة أعصابها ,و ولتتذكر مدى حزنه ووحدته وحتى خوفه العميق الذي لا يريد أظهاره , منذ سنتين وهو يعيش أملا في أستعادة بصره, والآن , مات الأمل في داخله , ولكي يجابه المستقبل , فهو في حاجة الى مرساة , ألى أحد يفهم حاجاته ولا يتطلب منه أي عاطفة أو شعور ما , تذكرت فلورا كلمات سير فرانك:
" أني متأكد من أنك اذا بقيت معه خلال الأشهر المقبلة , الصعبة فسوف تنقذينه من هذه المحنة , ربما ما تفعله تضحية كبرى , وربما يكون ذلك جنونيا تتحمل وحدها نتائجه , لكنه طلب منها مساعدته وحبها له كبير الى حد أنها عاجزة عن رفض ما طلبه منها.
رفع حاجبيه في سخرية وسألها في صوت فاتر:
" تعجبك أذا فكرة أن تصبحي كونتيسة؟".
نظرت نحوه في أستغراب , لكنها تذكرت أنه لن يراها وتلعثمت وهي تقول:
" كون... كونتيسة؟".
قال وهو يضحك في أشمئزاز:
" هه! هه! هل تريدين الأدعاء أنك لا تعلمين حقا , أنك سوف تصبحين كونتيسة بزواجك مني؟ ستأخذ والدتي لقب كونتيسة بالتقاعد ... ولا شك أنها ستكون مسرورة ومرتاحة لتنقل اليك العبء كله, وحسب ما أتذكره , قالت مرة أنها متعبة من مسؤولية تنظيم جميع الأمور في القصر ولا شك أن مجيئك سيجعلها تتمتع ببعض الراحة".
شعرت فلورا بما يشبه الهلع يجتاح كيانها , قالت:
" لست أفهم شيئا , أتريد القول أنك أنت الكونت ألان تريفيل وأنك تملك قصرا؟ أذا كان الأمر كذلك فلا يمكنني قبول عرضك.... أن فكرة أن أصبح كونتيسة ترعبني! أرجوك , قل أن كلامك مزحة...!".
" كلا, لست أمزح, أن لقبنا من أقدم الألقاب في فرنسا , وقصر الزهور بناه أسلافي , في القرن الثاني عشر".
تنهدت فلورا مرتعبة:
" لكن لماذا , لم تقل لي ذلك من قبل؟".
سكت قليلا قبل أن يجيب:
" كنت أعتقد أنك تعرفين جيدا من أنا , لم يكن ذلك سرا فالجميع في المستشفى يعرفون من أكون , وبعض الممرضات كن يتجرأن بوقاحة وينادونني: الكونت الذي لا يطاق".
تذكرت فلورا أنها سمعت من جنيفر تعبيرا بهذا المعنى , وفي ذلك الوقت أعتقدت أنهم لقبوه بالكونت بسبب تصره الوقح والمتعجرف , ولم تعرف ألا الآن بالذات أنه حقيقة كونت, بكل ما في الكلمة من معنى.
عاد ألآن ليقول بلهجة معبرة:
" أن والدك على علم بذلك, هو أيضا , لقد أخبرته أني الكونت تريفيل , وذلك منذ أيام قليلة , عندما قررت طلب يدك, كان يجب أن أبدو أمام عائلتك أنني قادر على الأهتمام بك كما يجب".
" آه, ألان".
لم تستطع منع نفسها من الأبتسام أمام التعبير اللطيف, أن والدها , لا يعلق أهمية على الفوائد المادية , وما يهمه هو أن يعرف هوية الرجل الذي يرغب في الزواج من أبنته , هل هو يحبها , أم لا.
عرأف ألان الذي يتمتع بموهبة غريبة في أدراك ما تشعر به فلورا تماما , أن الفتاة في حيرة , فقرر على الفور تغيير الموضوع فقال:
" كفانا كلاما في هذا الموضوع , لقد قبلت العرض ولن أدعك تغيرين رأيك, يجب أخبار والديك بهذا القرار , ثم نهتم بالأجراءات اللازمة لهذا الزواج , أني أصر على الأحتفال به هنا في أنكلترا , وهكذا يمكنني أن أقدمك الى قصر الزهور على أنك زوجتي ... الكونتيسة تريفيل الجديدة!".
شعرت فلورا بالشكوك تستيقظ في داخلها , وفي أنزعاج عميق, رأته يرسم أبتسامة غير محببة , أبتسامة رجل وجد ضالته في طريقه ليصفي حساباته القديمة , لقد وجدت قليلا من الأرتياح لدى طلبه الزواج منها لأنه في حاجة اليها , وأنها تتساءل من سيكون ضحية الأنتقام الذي يحيكه ألان , في قصر الزهور , شعرت بدمها يتجمد لمجرد التفكير أنه يستعملها كسلاح لينفذ مآربه , أنها تحبه , وسواء شاءت أم أبت , فهي ستظل تحبه الى الأبد , لكن هذا لا يمنعها من رؤية أخطائه بوضوح , أنه أنسان قاس , حاقد , متغطرس , لا يشعر بأدنى أنفعال , أنه كل هذا , ولهذا السبب بالذات قبلت عرضه , ألان , الكونت تريفيل , يركض وراء خسارته , وهي تعرف أنها لن تتخلى عنه ما دام هناك أمل لمساعدته على الشفاء وأستعادة بصره!
جوابه بأن رفع يديه الى عينيه شاتما, وخلع عنهما الضمادات , ورماها أرضا , ثم رفع رأسه في عزم , رافضا كل الحجج بعد خيبة الأمل القاسية.
وخلال الأسابيع اللاحقة , لم يقم سير فرانك وفلورا أي أعتبار لرغبة ألان بعدم السماح لأحد في أستئناف الحديث حول مسألة مرضه, لكن ألان تمسك بعناده وتصلبه , وبدأ يسترجع قراه تدريجيا, ومع أقتراب موعد رحيله , فهم سير فرانك وفلورا أن عليهما تقبل فشلهما, غير أن فلورا كانت تشعر بوجود أمل خفي بأن ألان سيشعر أنه في حاجة لرؤية كل الأشياء التي أعتاد رؤيتها قبل الحادث , فلن يتحمل الأعتماد على حواسه الأخرى.
ولما سمح له سير فرانك بأستئناف النزهات التي كان يقوم بها, عادت الحياة الى مجراها الطبيعي من جديد, وكانت فلورا تمضي أوقات بعد الظهر برفقته , لكنها لم تتجرأ على التحدث اليه عن أمكان أجراء عملية جراحية أخرى, خوفا من أن يجرحها غضبه الذي يزداد مع تحسن صحته وأستعادة قواه.
وخلال فترة النقاهة , أصبح ألان بالنسبة الى فلورا زائرا مداوما , وبدأ والداها يشعران أتجاهه بمحبة كبيرة , ومن جهته كان يبدو متحمسا برفقتهم. وخلال أحدى زياراته , وبينما كان جالسا في الحديقة برفقة فلورا , يتمتعان معا بنعومة الطقس وعذوبة الهواء , فاجأها ألان سائلا بلهجة عادية:
" فلورا , هل توافقين على الزواج مني؟".
كان ممددا على كرسي طويل مريح , يمضغ عودا من الحشيش الأخضر , لا شك أنه أحس بأستغراب فلورا التي همست تقول:
"ماذا ... ماذا قلت؟".
رفع رأسه في حركة متلهفة ورمى عود الحشيش وقال:
" أنا بحاجة أليك يا فلورا, لا أستطيع العودة الى فرنسا , من غيرك , أتعدينني , على الأقل بالتفكير في الموضوع؟".
راح قلب فلورا ينبض بسرعة فائقة , حتى أنه خيل أليها أن كل أعضاء جسمها ترتجف بشدة أنها تحبه كثيرا الى درجة أنها مستعدة لأن تضحي بحيلتها من أجله , لكنه كان يظهر لامبالاة عندما طلب منها أن تصبح زوجته , فتحت فمها لتقول له أنها تحبه كثيرا, لكنه تابع حديثه بهدوي:
" سيكون زواجنا زواج مصلحة, لا أكثر ولا أقل , لن أطلب منك أكثر مما تقدمينه الى الآن , وما قدمته خلال الأسابيع الماضية , لقد أصبحت بصري الذي خسرته , وبفضلك أشعر وكأنني قد أستعدت بصري, كما أنني أعدك , أنك أنت أيضا سوف تحققين مكسبا من هذا الزواج".
ولما هدأت نيران كرامتها , أحست بسعادة خجولة ويائسة لم يكن في وسعه رؤية مدى تأثير كلامه عليها , هذا العرض الجاف والبارد للزواج منها , كان بالنسبة لها, أقصى العذاب الذي يمكنها أن تتحملع حتى الآن , وودت عزاءها الوحيد بأنها متأكدة تماما من أنه يجهل حقيقة عواطفها , ظل رأسه منحنيا , كأنه يصغي أو يحاول أدراك ردة فعلها , وهي ظلت جامدة تنتظر هدوء توتر أفكارها وحتى تستعيد السيطرة على نفسها مرة ثانية.
سألها فجأة :
" هل ما زلت هنا؟".
كانت كلماته تنم عن مدى حاجته الماسة اليها , وأرادت فلورا لطبيعتها المتسامحة أن تنسى ما ينطوي عليه عرضه المفاجىء لتحتفظ فقط بندائه اللاواعي وطلبه مساعدتها , فأجابت وهي تحاول التحدث في صوت هادىء:
" نعم, ما أنا ما زلت هنا".
أسترخى وأرتسمت على شفتيه أبتسامة صغيرة ثم قال:
" هذا أفضل , كنت أخشى ألا تكوني قد سمعت ما قلت, أذا ما هو جوابك يا فلورا؟ هل تقبلين بالزواج مني والعودة معي الى فرنسا؟".
أجابت في صوت خفيض جدا:
" نعم".
كبرت أبتسامته وقال وفي صوته بعض السخرية:
" شكرا, لقد كنت أتصور أن هذه الفكرة ستروقك".
حاولت فلورا جاهدة المحافظة على برودة أعصابها ,و ولتتذكر مدى حزنه ووحدته وحتى خوفه العميق الذي لا يريد أظهاره , منذ سنتين وهو يعيش أملا في أستعادة بصره, والآن , مات الأمل في داخله , ولكي يجابه المستقبل , فهو في حاجة الى مرساة , ألى أحد يفهم حاجاته ولا يتطلب منه أي عاطفة أو شعور ما , تذكرت فلورا كلمات سير فرانك:
" أني متأكد من أنك اذا بقيت معه خلال الأشهر المقبلة , الصعبة فسوف تنقذينه من هذه المحنة , ربما ما تفعله تضحية كبرى , وربما يكون ذلك جنونيا تتحمل وحدها نتائجه , لكنه طلب منها مساعدته وحبها له كبير الى حد أنها عاجزة عن رفض ما طلبه منها.
رفع حاجبيه في سخرية وسألها في صوت فاتر:
" تعجبك أذا فكرة أن تصبحي كونتيسة؟".
نظرت نحوه في أستغراب , لكنها تذكرت أنه لن يراها وتلعثمت وهي تقول:
" كون... كونتيسة؟".
قال وهو يضحك في أشمئزاز:
" هه! هه! هل تريدين الأدعاء أنك لا تعلمين حقا , أنك سوف تصبحين كونتيسة بزواجك مني؟ ستأخذ والدتي لقب كونتيسة بالتقاعد ... ولا شك أنها ستكون مسرورة ومرتاحة لتنقل اليك العبء كله, وحسب ما أتذكره , قالت مرة أنها متعبة من مسؤولية تنظيم جميع الأمور في القصر ولا شك أن مجيئك سيجعلها تتمتع ببعض الراحة".
شعرت فلورا بما يشبه الهلع يجتاح كيانها , قالت:
" لست أفهم شيئا , أتريد القول أنك أنت الكونت ألان تريفيل وأنك تملك قصرا؟ أذا كان الأمر كذلك فلا يمكنني قبول عرضك.... أن فكرة أن أصبح كونتيسة ترعبني! أرجوك , قل أن كلامك مزحة...!".
" كلا, لست أمزح, أن لقبنا من أقدم الألقاب في فرنسا , وقصر الزهور بناه أسلافي , في القرن الثاني عشر".
تنهدت فلورا مرتعبة:
" لكن لماذا , لم تقل لي ذلك من قبل؟".
سكت قليلا قبل أن يجيب:
" كنت أعتقد أنك تعرفين جيدا من أنا , لم يكن ذلك سرا فالجميع في المستشفى يعرفون من أكون , وبعض الممرضات كن يتجرأن بوقاحة وينادونني: الكونت الذي لا يطاق".
تذكرت فلورا أنها سمعت من جنيفر تعبيرا بهذا المعنى , وفي ذلك الوقت أعتقدت أنهم لقبوه بالكونت بسبب تصره الوقح والمتعجرف , ولم تعرف ألا الآن بالذات أنه حقيقة كونت, بكل ما في الكلمة من معنى.
عاد ألآن ليقول بلهجة معبرة:
" أن والدك على علم بذلك, هو أيضا , لقد أخبرته أني الكونت تريفيل , وذلك منذ أيام قليلة , عندما قررت طلب يدك, كان يجب أن أبدو أمام عائلتك أنني قادر على الأهتمام بك كما يجب".
" آه, ألان".
لم تستطع منع نفسها من الأبتسام أمام التعبير اللطيف, أن والدها , لا يعلق أهمية على الفوائد المادية , وما يهمه هو أن يعرف هوية الرجل الذي يرغب في الزواج من أبنته , هل هو يحبها , أم لا.
عرف ألان الذي يتمتع بموهبة غريبة في أدراك ما تشعر به فلورا تماما , أن الفتاة في حيرة , فقرر على الفور تغيير الموضوع فقال:
" كفانا كلاما في هذا الموضوع , لقد قبلت العرض ولن أدعك تغيرين رأيك, يجب أخبار والديك بهذا القرار , ثم نهتم بالأجراءات اللازمة لهذا الزواج , أني أصر على الأحتفال به هنا في أنكلترا , وهكذا يمكنني أن أقدمك الى قصر الزهور على أنك زوجتي ... الكونتيسة تريفيل الجديدة!".

شعرت فلورا بالشكوك تستيقظ في داخلها , وفي أنزعاج عميق, رأته يرسم أبتسامة غير محببة , أبتسامة رجل وجد ضالته في طريقه ليصفي حساباته القديمة , لقد وجدت قليلا من الأرتياح لدى طلبه الزواج منها لأنه في حاجة اليها , وأنها تتساءل من سيكون ضحية الأنتقام الذي يحيكه ألان , في قصر الزهور , شعرت بدمها يتجمد لمجرد التفكير أنه يستعملها كسلاح لينفذ مآربه , أنها تحبه , وسواء شاءت أم أبت , فهي ستظل تحبه الى الأبد , لكن هذا لا يمنعها من رؤية أخطائه بوضوح , أنه أنسان قاس , حاقد , متغطرس , لا يشعر بأدنى أنفعال , أنه كل هذا , ولهذا السبب بالذات قبلت عرضه , ألان , الكونت تريفيل , يركض وراء خسارته , وهي تعرف أنها لن تتخلى عنه ما دام هناك أمل لمساعدته على الشفاء وأستعادة بصره!

الشغاف
06-21-2011, 10:13 PM
4- رغبة الأنتقام
بعد مرور ثلاثة أسابيع , تم الزواج بين فلورا وألان , في كنيسة القرية الصغيرة , التي كانت شاهدة على طفولة فلورا وأصبحت بعد ذلك محور حياتها , لم ترتد لهذه المناسبة الثوب الأبيض الطويل . ولم تحمل باقة الزهور المعطرة , ولم تضع نقاب العروس , بل كانت ترتدي بذلة بيضاء قصيرة, وقبعة عادية متناسقة , وتحمل بين يديها كتاب الصلاة المغلف بالعاج, لكنها لاحظت رغن أضطرابها أن الكنيسة كانت مزينة بمختلف أنواع الزهور ذات الرائحة العطرة والألوان الزاهية , تلمع على الأثاث المصنوع من خشب الجوز الداكن , أبتسمت وهي تعرف جيدا أن والدتها هي التي قامت بتزيين الكنيسة , أنها مبادرة تمردية ضد قرار ألان القاطع بالأمتناع عن أقامة عرس أحتفالي.
كانت فلورا شاكرة لواليها لطفهما وجهدهما الكبير في أخفاء قلقهما العميق أتجاه مستقبل أبنتهما الوحيدة .
لم تكن تحدث أي صوت وهي تتقدم في بطء متأبطة ذراع سير فرانك , لكنها رأت ألان يرفع رأسه كأنه سمعها تقترب, ويلتفت نحوها , كان يبدو عليه الأرتياح في الظاهر , مد يده وشبكها بيدها , أي أنسان لا بد أن يدهش لدى رؤية تصرفات ألان الواثقة , لكن فلورا رأت أرتعاشة عصبية في زوايا شفتيه تدل على محاولته كبت غضبه , فلم تندم لتخليها عن الأحتفال والبذخ المألوف في مثل هذه المناسبات , من أجل تجنيبه هذه المحنة الطويلة.
كان ا؟لأحتفال بسيطا وقصيرا , ذهب الجميع الى القاعة الملحقة بالكنيسة لتناول الغداء , جنيفر التي كانت شاهدة زواجهما , مع سير فرانك , كانت الوحيدة التي أعربت عن فرحها , وساعدت ثرثرتها على أضفاء جو البهجة على الأحتفال , وبرغم توتره أظهر ألان لطفه أمام الحاضرين , لكن عندما حان الوقت للذهاب الى المطار , ترك نفسه ينزلق في مقعد السيارة التي وضعها سير فرانك تحت تصرفهما , وهمس قائلا:
" يا ألهي, أنني سعيد أن كل شيء أنتهى! لم أعد قادرا على الصبر دقيقة واحدة أخرى!".
لم ترد فلورا , أنها الآن وحدها مع الرجل الذي وعدت, منذ ساعات قليلة , بأن تحبه , وتحترمه وتتبعه , فجأة تملكها الذعر , محبسها الذهبي الثقيل كان بمثابة سلسلة تربطها به مدى الحياة , كانت ترغب في سحبه من أصبعها ورميه من نافذة السيارة.
لا بد أن ألان شعر بعصبيتها وحالتها النفسية , فراح يحدثها في هدوء ويقول بلطف:
" قريبا نصبح في طريقنا الى فرنسا, أني متأكد من أن الرحلة ستعجبك, هل قلت لك أن هناك طائرة خاصة تحت تصرفنا؟".
لم تستطع النطق , فأكتفت بهز كتفيها , فتابع ألان حديثه:
" عندما أتصلت بوالدتي هاتفيا لأعلمها أننا سوف نسافر عندما تتوفر لنا أماكن في الرحلات العادية , أخبرتني بعرض قدّمه جيراني بأن يضعوا طائرتهم الخاصة تحت تصرفي".
قالت فلورا في صوت خفيض:
" لجيرانك طائرة خاصة؟".
" نعم , أنهم أصحاب مصانع كبرى , يملكون قصرا بالقرب من قصرنا, يقطنونه أشهرا قليلة خلال السنة كلها , وقد بنوا مدرجا وأشتروا طائرة , وهكذا يستطيعون السفر متى أرادوا وبالسرعة المرجوة , لكن السيد شيسينيه يستعمل الطائرة من أجل القيام بأعماله العديدة , وهذا يعني أن أمتلاكهم لطائرة , ليس ترفا كما ظننت ".
تنهدت فلورا:
" آه , أنني أفهم الآن, أنها تلائمهم وتريحهم".
أعتبر ألان أن جوابها ساخر , فعاد الى صمته وأستعاد نظرته الداكنة ولم يقم بأي جهد ليسري عنها من جديد.
وبعد ساعتين , عرفت فلورا للمرة الأولى في حياتها ما يمكن أن تعنيه كلمة ترف , ساعدهما سائق سير فرانك لأنجاز الأجراءات , ثم عهد بهما الى قبطان الطائرة , وهو شاب فرنسي , فراح يدلهما على الطريق التي تأخذهما الى المدرج حيث رأت فلورا طائرة, عنابية اللون ذات شكل متناسق , وراحت تتساءل كيف يملك هذه الطائرة أنسان واحد , وقامت مضيفة بمساعدة ألان على تسلق سلم الطائرة وأدخلتهما بعد ذلك الى غرفة فاخرة وواسعة في ذات الوقت , تسع ثمانية أشخاص , مقاعدها من الجلد الثمين , وفي الأرض سجادة عنابية سميكة , وبعد أن أطلق زفرة أرتياح , سقط ألان في مقعده وأمر المضيفة:
"عندما تقلع الطائرة , أحضري لي شيئا أشربه".
" بكل تأكيد يا سيدي , وهل ترغب السيدة في شيء هي أيضا؟".
السيدة! الصدمة أفقدت فلورا النطق , ولأول مرة فهمت أنها دخلت الى حياة ألان بصورة نهائية , كانت المضيفة تنتظر بصبر, لكن صوت ألان الملح , أنتزع المرأة من حلم اليقظة الذي تعيشه وسألها طالبا منها جوابا سريعا:
" فلورا؟ أين أنت؟ لماذا لا تردين؟".
" أني هنا بقربك يا ألان , كما سأظل دائما".
وراء النظارات السوداء تصعب قراءة ما في عينيه , لكن عندما بدأ يسترخي في مقعده , رأت فلورا أبتسامة ترتسم على شفتيه.
وبدورها أسترخت , وحل مكان القلق الذي يعتريها نوع من الأرتياح , أنها سفرتها الأولى وأطلالتها الأولى على عالم جديد يبدو مليئا بالوعود المدهشة والساحرة , وخلال الرحلة كانت تحدق من خلال نافذة الطائرة بين سماء جامدة وبحر هائج , لكن للأسف , بينما كانت تنتظر بفارغ صبر أكتشاف فرنسا , تكدست الغيوم أمام عينيها ,ولمدة طويلة لم تكن قادرة على رؤية المنظر المعروض تحت أجنحة الطائرة.
وعندما جاءت المضيفة لتقدم لها الطعام اللذيذ , قالت لفلورا , أن الطائرة تحلق الآن فوق ساحل البحر األأبيض المتوسط وقالت لها بأن الغيوم ستختفي بعد قليل وسيكون في أستطاعتها أكتشاف أجمل مناظر المنطقة , ألان ظل صامتا , لا يتدخل في الحديث , كما رفض مد يده الى الطعام وأكتفى بأحتساء القهوة , وبدأ يتوتر شيئا فشيئا مع مرور الوقت , أخيرا , عندما أعلن الطيار قائلا:
" نستعد للهبوط , سيدي الكونت".
شدت قبضة ألان على الفنجان في قوة جعلته يتحطم في يده .
" ألان ! هل جرحت؟".
أنحنت فلورا لترى عن كثب ماذا حل بيده , لكنه ترك حطام الزجاج يتناثر ثم وضع يده المتشنجة داخل جيب سترته , وهو يقول بلهجة آمرة :
" لا شيء".
كان وجهه خاليا من أي لون والعرق يتصبب على جبينه:
" أرجوك لا تتصرفي في تكلف".
لم يكن لديها الوقت للمناقشة , أذ وصلت المضيفة لتتأكد بنفسها من وضع أحزمة الأمان , لكن قلب فلورا هبط بسرعة مع هبوط الطائرة التي ستعيدهم الى الأرض من جديد.

الشغاف
06-21-2011, 10:14 PM
كانت على وشك الأنهيار فلم تنتبه الى حديقة البناء الأنيق حيث هبطت الطائرة , لكنها شاهدته من بعيد وقالت لنفسها أن مالكي هذا المكان أشخاص محظوظون وأثرياء , ثم جلست مع ألان في المقعد الخلفي لسيارة ليموزين فخمة, وكانت السيارة تسير بسرعة كبيرة من خلال المناظر الخلابة التي لم ترها من قبل الا على شاشة السينما , الى يسارها , وبعيدا وحتى الأفق, تنتصب الجبال المغطاة بالثلوج, والى يمينها البحر الأزرق , وكانت الطلايق تتعرج بين التلال المزروعة صعترا ووزالا ومردقوشا وأكليل الزهر , منازل صغيرة مختبئة حتى سقفها داخل غابات الصنوبر ومجاري المياه الضيقة تسيل في أعماق الوديان , ومجموعة متناسقة لتؤلف أريجا لا يمكن أن يصنعه أحد.
أنها بحق كالجنة بما تحمله الكلمة من معنى , وكانت السيارة تمر من وقت الى آخر , أمام فيلات جميلة مبنية في وسط الحدائق الرائعة حيث أشجار النخيل والزهور الغريبة , وفي كل مكان أشجار السرو والشربين , تنتصب عالية كأنها تلتصق بالسماء.
كانت فلورا ترغب في الصراخ من فرط أعجابها أمام كل منظر جديد, لكن ألان يبدو كئيبا , متوترا , مما أثبط من عزيمتها وحيويتها , فظلت ساكتة , مكتوفة اليدين , تحتفظ لنفسها بتأثير المناظر الساحرة عليها.
وما أن خفت سرعة السيارة لتدخل بين جدارين من الحجارة الثقيلة المشبكة بقضبان الحديد, حتى عادت فلورا الى الواقع في عنف جعل قلبها يقفز من مكانه , هل هذا حقا منزل ألان... البناء الضخم الذي يترايى لها من بعيد يوحي بأنه قلعة , ومع مرور الزمن أكتسبت أسواره لونا عسليا , لكنه لم يفقد شيئا من عظمته , القسم المتوسط المستطيل , يلتصق بالزوايا الأربع لأبراج متصلة , ولن تستغرب فلورا أذا رأت الحراس في بذلاتهم الرسمية يرفعون أسلحتهم , أو أذا سمعت طلقات المدفع تحيي وصولهما , ولما أقتربت السيترة راحت فلورا تميز مجموعة من الناس مجتمعين في الساحة المتوسطة وعلى بعد بضعة أمتار حاجزان من الرجال يحملون أبواقا , وما أن ظهرت السيارة حتى أعطيت الأشارة , وأذا بالرجال يعزفون لحنا حماسيا على شرف الكونت وزوجته الشابة, كان هذا الأحتفال كبيرا وتقليديا لدرجة أن فلورا أعتقدت أنها أنتقلت الى القرن الثاني عشر , لم تعد تستغرب تصرفات ألان, أن تعجرفه اللاواعي ليس ناتجا عن غروره , أنما هو نتيجة طبيعية لتربيته.
أصوات الأبواق جعلت ألان ينتصب , راح يشد على فكيه ويحاول أستعادة برودة أعصابه أمام هذه التجربة التي تنتظره , منذ سنتين وهو يصر على عدم العودة قبل أستعادة بصره , لكنه قرر في النهاية التخلي عن أمنيته وكبريائه , كان قلب لورا ينزف شفقة عليه , لكنها رفضت أظهار أنفعالاتها , لأنها لم تنس الأهانة التي تعرضت لها في الماضي , لذلك كبتت قلقها وقالت بهدوء:
" ما هذا الأستقبال يا ألان! أنه لشيء عظيم أن ينتظر عودتك هذا الجكع الغفير من الناس".
لاحظت مجموعة صغيرة تقف على درج مدخل القصر.
" أعتقد أنني أرى والدتك , تبدو نافذة الصبر ومتلهفة".
" ومن معها؟".
طرح هذا السؤال في صوت مبحوح , فحدقت فلورا جيدا في هذه المجموعة الصغيرة , وقرب شبح المرأة المسنة النحيلة , وقف رجل يصغر ألان بسنوات قليلة وفتاة شابة, فلورا على وشك وصفهم لزوجها عندما خففت السيارة سرعتها , وتوقفت , قفز السائق من مقعده ليساعدهما على النزول.
صرخة كبيرة تعبر عن الفرحة خرجت من الحضور , وفي أحترام وضعت فلورا يدها تحت أبط ألان لتساعده في الدخول الى المنزل , وفوجئت لقبوله مساعدتها من غير أن يكفهر وجهه أو يقطب حاجبيه , وللمرة الأولى فضّل تحمل تدخلها بدلا من أثارة السخرية أذا تعثرت قدماه أمام هذا الجمهور الغفير.
وأندفع الموجودون نحوه , لنساء والفتيات , معظمهن يرتدين الثياب السوداء والمناديل أتقاء لحرارة شمس ذلك اليوم , الأولاد ذو البشرة السمراء يمسكون بأيدي آبائهم , العجائز يخلعون قبعاتهم أحتراما للكونت الشاب , الذي لا شك أن الجميع يحبونه.

الشغاف
06-21-2011, 10:16 PM
وتألقت ملامح ألان بأبتسامة عفوية حقيقية شاهدتها فلورا للمرة الأولى , كان يرد على كل صوت بأسم الشخص الذي يناديه , كأنه يرى ويعرف كل واحد, أندست بين الجمع أمرأة مسنة حتى وصلت الى المقدمة , وأذا بها تتمسك به وهو مار بقربها , كانت الدموع تنهمر بغزارة على وجهها الأسمر المتجعد , وصرخت تقول:
"آه, يا ولدي ألان المسكين".
كانت فلورا تفهم بصعوبة ما تقوله هذه العجوز , لكن لم يكن هناك مجال للشك في العطفة الجياشة التي كانت تعبر عنها, وتخوفت فلورا من ردة الفعل التي يمكن أن تصدر عن ألان حيال هذا , لكنه مد يده باحثا عن يد المرأة العجوز ولما شد عليها , أجاب بلطف:
" شكرا , يا عجوز فيكتوريا , شكرا لتعاطفك ومحبتك".
وما لبث أن تحرر من قبضته وأكمل سيره.
ولما وصلا الى مقربة من عائلة ألان , كانت فلورا تحبس دموعها, ولحسن حظها , وقبل أن تلفت أنتباه زوجها أن عليه تسلق السلالم , نزل الشاب الذي كان يقف قرب الكونتيسة الأم السلالم مسرعا:
" أهلا وسهلا يا ألان! لقد طال غيابك!".
وتأبط ذراع ألان ليساعده على تسلق الأدراج.
وما أن سمع ألان صوت الرجل حتى غابت الأبتسامة عن شفتيه وأجابه بلهجة تدل عن حقيقة عواطفه أتجاهه.
" الفأر لا يحب عودة الهر , يا لويس , ألا أذا أعتقدت أن ذكائي ذهب مع نظري؟".
" أهكذا يا ألان, ترد على تحية أبن عمك؟".
أنحنى الرجل أمام فلورا في أحترام, ولاحظ عينيها الكبيرتين وتجعيدة فمها الحزينة ,وبعد تقطيب حاجبه , هز كتفيه وأبتلع خيبة أمله وقال مبتهجا:
" تبدو زوجتك تحت تأثير الصدمة , أرجوك يا ألان أن تطمئنها , قل لها أنني لست أنسانا سيئا كما ستعتقد عندما سمعت كلامك".
قام ألان بتقديم نسيبه في لهجة يغلب عليها الأحتقار:
" فلورا , أقدم اليك أبن عمي لويس , أذا كنت أنسانة عاقلة , فلا تكترثي بما يمكن أن يقوله , لا شك في أنه رجل مسالم , لكنه لن يتردد في أضاعة وقتك وأعتماد الكذب ليبرر تصرفاته".
ألقت فلورا نظرة متعاطفة أتجاه لويس , لكنها أدارت رأسها بعد تحية مقتضبة , أذ أنها شعرت بالحرج أمام أبتسامته الوقحة , وشعرت بأرتياح عندما وصلا أمام والدة ألان , كانت جامدة تتبع بنظرها كل خطوة من خطوات أبنها , كانت تشجعه وتسانده بسكوتها ألا يتعثر قبل وصوله اليها , وكانت فلورا مقتنعة بأن والدته على وشك التخلي عن وقارها والأندفاع أمامه ومعانقته , لولا وجود مشاهدين عديدين , لكن في مثل هذه المناسبة , كانت تكبت أندفاعها الغريزي وتتصرف كما يجب أت تتصرف الكونتيسة الأم.
وشعرت فلورا ببرود لدى تفكيرها بأن الجميع ينتظرون منها مثل هذا التصرف الأرستقراطي , فهي تعرف أنها لن تستطيع تحمل عبء بهذا الثقل.
" ولدي الحبيب!".
مد ألان ذراعيه نحو والدته التي أقتربت منه في نفس الوقت , وتعانقا طويلا ثم أبعدها عنه وأستدار نحو فلورا التي أسرعت تضع يدها الباردة في يده.
قال ألان ببساطة:
" أمي , لا شك أنك مشتاقة للتعرف الى زوجة أبنك, فلورا , هذه أمي, آمل أن تحبيها بقدر ما أحبها أنا".

كانت لحظة حارة ومؤثرة , وبرغم أضطرابها , تنبهت فلورا للزفرة الناقمة التي أطلقتها الفتاة التي كانت في أنتظار عودة ألان , وأدركت أنه هو أيضا سمعها , أذ أنقبض فجأة وأستدار .

الشغاف
06-21-2011, 10:16 PM
وهنا لم تعد فلورا تتذكر ما قالته لوالدة زوجها , ولا حتى ما ردت به حماتها , كانت تعرف أنهم أستقبلوها بحرارة وحنين, وكآبة في ذات الوقت . وتبين لها أنه من السهل عليها أن تحب الكونتيسة المسنة . لكن ذهنها كان منهمكا بتفاصيل اللقاء بين ألان والفتاة التي أحدث وجودها تأثيرا كبيرا عليه, كانت الفتاة تتمتع بجمال فاتن, سمراء داكنه, شفتاها مليئتان وناعمتان كالمخمل , كانت قامتها قصيرة وترتدي فستانا أنيقا.
أبيض اللون , لا شك أنها أشترته من دور الأزياء الرفيعة في باريس, كانت تفرس في وجه ألان , بدون أخفاء ذعرها وغضبها أمام خبر زواجه المفاجىء لها , دام الصمت وقتا طويلا قطعه ألان قائلا:
" أنت سولانج؟".
تشنجت فلورا وهي تحس في صوت ألان ببعض القسوة وتابع يقول في أنشراح يشوبه الكدر:
" سولانج , أحب أن أقدم أليك زوجتي ... الكونتيسة نريفيل الجديدة!".
أنها اللحظة التي كان ألان ينتظرها منذ البداية ! لأسباب تجهلها كانت الفتاة الجميلة هي الضحية التي ستسقط فريسة أنتقامه.

الشغاف
06-21-2011, 10:19 PM
5- حادث أليم
كانت فلورا تتأمل بأعجاب خزانة الثياب الضخمة التي تحتل جدار الغرفة بكامله , فقد أنتهت لتوها من تعليق آخر فستان لها, وكانت تبعد الفساتين عن بعضها ومع ذلك ظل الفراغ واسعا يزيد من فقر جهازها , أقفلت الباب وهي تهز كتفيها , مقررة أبعاد كل الأفكار التي تضايقها عن مخيلتها , أصلها البسيط وعدم قدرتها على الظهور في مستوى العظمة التي تحيط بها , أبتداء من اليوم , حول عائلة ألان , ووالدته الحارة والودية والأرستقراطية , وأبن عمه الجذاب , وأخيرا صديقته , سولانج شيسينيه , التي قامت بجهد كبير لأخفاء نقمتها , والتي كانت عيناها الغامضتان تكذبان الكلمات اللطيفة التي أضطرت للتعلق بها رغما عنها.
ونتيجة لتفكيرها بكل هؤلاء الأشخاص شعرت برعشة تخترق جسمها , الجميع سيتناولون طعام العشاء معا, وعندما أقترحت الكونتيسة الأم على فلورا أن تأخذ قليلا من الراحة قبل العشاء , أستقبلت الفتاة الفكرة بفرح كبير , لكنها شعرت بأن عقلها لم يتوقف عن التفكير وهذا لن يساعدها على الأستمتاع بالراحة المرجوة , فأدارت نظرها عن الأثاث الفخم, وأقتربت من النافذة وحاولت جاهدة أستعادة توازنها , وراحت تتأمل الطبيعة , لكن لا فرق ففي الخارج كما في الداخل , كان الترف نفسه , مما جعلها تحن ألى منزلها العائلي وطراوة المرج الأنكليزي , كانت على وشك البكاء عندما سمعت طرقا خفيفا على الباب , وبسرعة , وضعت يدها على عينيها قبل أن تجيب:
" أدخل!".
كانت تنتظر رؤية أحدى الخادمات , لكنها فوجئت عندما أنفتح الباب وظهرت والدة ألان.
" كونتيسة ! لم أكن أتصور أن يكون الطارق أنت...".
أحمر وجه فلورا مثل تلميذة صغيرة أرتكبت ذنبا ثم تابعت كلامها وهي تقدم لها كرسيا.
" أرجوك أن تجلسي".
وفي أبتسامة أنيقة , جلست الكونتيسة , كانت ترتدي فستانا رماديا مخرما , يشع ألماس من عقدها ومن خواتمها العديدة , كانت تجسد الترف الذي يجعل فلورا تشعر بعقدة النقص ويزيد من توتر أعصابها.
قالت الكونتيسة بلطف:
" أجلسي يا أبنتي , يجب أن نتحدث , أنت وأنا فقط , أنني أدرك بوضوح التوتر الذي تعانيه وتتحملينه , ولأني عرفت أن ذلك يمنعك من الأسترخاء والأخلاد الى الراحة , فكرت في أغتنام هذه الفرصة لأتحدث اليك, هل هذا يزعجك , يا أبنتي ... هل تفضلين أن أذهب وأتركك وحدك...".
أجابت فلورا في حماسة:
" آه, لا , بالعكس , أهلا وسهلا بك , كونتيسة!".
أنحنت المرأة العجوز في مودة وربتت على يدها وقالت في تردد :
" أذا في البداية , لنتفق على الطريقة التي التي ستنادينني بها... يا أبنتي العزيزة , أحب أن تناديني أمي كما يفعل ألان , أرجو أن تعجبك هذه الفكرة...".
فوجئت فلورا بهذه المبادرة , فهذه المرأة العجوز الأرستقراطية تخشى أن يساء أستقبالها , وهذا ما تخشاه كل حماه! أنزلقت فلورا من مقعدها وركعت أمام الكونتيسة , كانت تبتلع دموعها , رفعت عينيها وقالت ببساطة:
" هذا لطف منك . يا أمي , أن تتيحي لي هذا الشرف الكبير!".
وللحظة كانت الكونتيسة على وشك الأستسلام لأنفعالها , لكن سنوات التدريب المنظم الطويلة ساعدتها , فشدت على شفتيها المرتجفتين , وقالت في صوت خال من الجرأة:
"هل تعرفين أنني أتوقع أحداثا سعيدة مع وصولك الى هنا كزوجة لألان ... مثلا , ألم تلاحظي أن أسمك مناسب جدا...".
قالت فلورا مبتسمة:
" لأنني أدعى فلورا أي زهرة , ونحن في قصر الزهور؟ نعم أنها حقا صدفة غريبة".
وأكملت الكونتيسة وهي مرتجفة اليدين:
" وفوق ذلك, واليوم, مضى على حادث ألان سنتان بالضبط , ولا شك أن عودته كانت مثيرة لو لم تكوني بقربه وتخففي عنه كل هذا الألم".

أختفت أبتسامة فلورا , كان ألان في الحقيقة وحيدا , وكانت تتعذب أذ أكتشفت أنه نادرا ما يبوح لها بأسراره , لا شك أنه يرغب في كتم كل الحوادث الماضية , ومع ذلك , فعليها الرد على بعض الأسئلة وألا تعتبرها العائلة وأصدقاء زوجها عديمة الأحساس , هم الذين يتوقعون أنها على علم بكل ما يجري في الحاضر وما جرى في الماضي.

الشغاف
06-21-2011, 10:21 PM
سألت على مضض:
" كيف ... كيف وقع الحادث يا أمي؟".
تراجعت الكونتيسة قليلا, لكن تعبير فلورا والعذاب الظاهر في عينيها الزرقاوين ونظرتها التوسلية , كلها تدل على أن الفتاة تريد جوابا على سؤالها , تغلبت المرأة العجوز على حسرتها وأجابت:
" لا أحد , حتى اليوم , يعرف كيف حصل الحادث على وجه الدقة , كان ألان يعمل في المقطرة . ويقوم بتجارب عديدة على عطر جديد صنعه , وكان يبدو فخورا بهذا الأنجاز بالذات".
وأمام نظرة فلورا المفاجئة , شرحت تقول:
" عائلتنا , منذ قرون عديدة , تعمل في صناعة العطور , يا أبنتي العزيزة , لا شك أنك سمعت عن عطور تريفيل؟".
تذكرت فلورا على الفور القارورة الصغيرة لعطر غالي الثمن قدمته لها مرة صديقتها جنيفر في عيد ميلادها , كانت تستعمله بدقة حتى القطرة الأخيرة , كما أنها حافظت على القارورة الفارغة في درج خزانتها لتعطر بها مناديلها.
أجابت فلورا :
" بكل تأكيد . الجميع يعرفون عطورات تريفيل!".
هزت الكونتيسة رأسها في رضى وتابعت تقول:
" لدينا شهرة كبيرة نستحقها , على ما أعتقد , أن ألان خبير وماهر , وبالتأكيد لديه سنوات عديدة من الخبرة وحياة أمضاها في أتصال دائم مع هذه الصناعة , ولويس كذلك , لكنه مع الأسف لا يملك نصف مؤهلات وقدرة ألان البارعة, لأبني حاسة مميزة ومرهفة ونادرة, تمكنه من كشف جميع الفوارق الدقيقة الموجودة في العطر وتعيين كل نوع وعنصر يتألف منه هذا العطر بكل دقة وتمكن, لكن موهبته الحقيقية هي قدرته على خلط خلاصة كل زهرة بأخرى وتنويعها , من أجل أنتاج عطورات جديدة متناسقة , حتى أن الخبير الماهر لا يمكنه معرفة مصنوعات العطر الا بصعوبة كبيرة , نعم أن غياب ألان أثر كثيرا على هذه الصناعة , صحيح أن لويس ما زال هنا, لكنه لا يملك الشرارة الخاصة بالعباقرة , أنه يقوم بجهد كبير قدر المستطاع , لكنه ما زال صغيرا ولديه الميل في البحث عن ملذات أخرى خارج العمل ... وحديثا , كان ألان , هو أيضا , غير مبال ... وغير مكترث...".
توقفت عن الكلام وقامت بحركة صغيرة كأنها تريد التخلص من ذكرى معينة طافت بمخيلتها , ثم أكملت في صوت حازم:
" يجب أن تطلب من لويس أن يأخذك لزيارة المعمل, يا فلورا , يعرف تماما أن يكون رفيقا رائعا ولطيفا, وأنني متأكدة تماما أنك ستجدين نفسك مهتمة بالأمر".
قالت فلورا:
" لا شك في ذلك , يا أمي".
هذه الأفكار كانت تقلقها بعض الشيء , لأنها كانت تخشى ألا يوافق ألان على هذا التخطيط , لكنها لم تر عذر مقبول لرفض هذه الدعوة.
قالت الكونتيسة:
" سوف تذهبين في الغد , دعيني أكلم لويس في الأمر".
قالت فلورا في هدوء:
" كنت ستحديثينني عن حادث ألان...".
لكن الكونتيسة قالت وهي تهز كتفيها بخفة:
" ليس هناك ما أضيفه, لقد جاء أحد العاملين في المصنع الى هنا ليخبرنا أن ألان أصيب في عينيه من مادة الأسيد , بينما كان يعمل في مختبره , يستعمل الأسيد لتنظيف الآليات , حتى لا تفسد التجربة تجربة أخرى ... وسولانج نفسها , التي كانت تعمل معه في ذلك الوقت لم تتمكن من تزويدنا بالتفاصيل الدقيقة عما حدث آنذاك, منذ سنتين تماما, بالنسبة ألى ألان , فقد رفض التحدث مع أي أحد بالأمر".
شعرت فلورا بقشعريرة تعبر جسدها , لكن قبل أن تتمكن من طرح أسئلة أخرى, نهضت الكونتيسة وقالت بحنان:
" سوف نتحدث عن ذلك مرة أخرى , يجب أن أرتاح قليلا , قبل موعد السهرة".
توجهت نحو الباب , ثم توقفت:
" يا أبنتي فلورا , جئت لأقول لك كم أنا سعيدة لأنك قبلت ألان زوجا لك, أن الحياة بالنسبة أليك , ربما تكون... صعبة ... لكن أؤكد لك أنك تصرفت بشكل جيد , حتى ولو أظهر بعض الأحيان قسوة وأبتعد بعض الشيء فأنك بكل تأكيد , ضرورية لسعادته ... وهو ضروري لسعادتك أنت أيضا , أرجوك أقبلي بركتي وأمتناني".
ظلت فلورا جامدة تفكر بكلمات الكونتيسة بعد ذهابها , لقد عبرت عن عاطفتها بصراحة وصدق وأفهمتها مدى الحيرة والأرتباك حيال التغيير الذي طرأ على أبنها , وفلورا نفسها , لم تلاحظ في لقائها الأول بالكونت هذه الأناقة وهذا اللطف وهذه الطلاقة التي تسحر المرأة , وضعت يدها على حنجرتها التي كانت تؤلمها , أنها مقتنعة بأن ألان سيصبح هكذا من جديد , أذا تخلص من مزاجه الحزين المسيطر عليه , لكن, هل سيلجأ اليها , فيما بعد, هي الفتاة البسيطة , أبنة الكاهن , ليشاطرها فرحه وأحلامه أو يلجأ الى سولانج بسهولة أكثر ؟ فجأة شعرت بالحرارى تخنقها , فقررت أخذ حمام سريع فاتر قبل موعد العشاء.
أنها وآلان يتقاسمان الجناح ذاته, فهي تشغل الغرفة الواسعة , وهو يشغل الغرفة الصغيرة , ويفصل بين الغرفتين حمام مشترك , عندما دخلت الحمام لم تسمع أية حركة داخل غرفته, دخلت الى الحجرة الشفافة وفتحت الحنفية وراحت تتمتع بالماء , ولم تقرر أنهاء الحمام الا حين شعرت بأن البرد بدأ يخدرها , فتناولت منشفة الحمام وراحت تدلك جسدها بهمة ونشاط , فكانت منهمكة الى درجة أنها لم تسمع الباب ينفتح , ولم تحس بوجود ألان ألا بعدما رفعت رأسها ورأته , كان مرتديا مئزر الحمام, ويتقدم بتمهل نحو الحنفية , واذا بفلورا تضع يدها على فمها لتخنق صرخة كادت تنطلق , لكنه سمعها وقال بنبرة قاطعة:
" من هنا؟".
لم ترد , أرتبكت من الرهبة , برغم معرفتها بعدم قدرته على رؤيتها .
" من هنا؟ أريد جوابا في الحال".
تقدم خطوة ألى الأمام لكنه تعثر أذ أرتطم بكرسي صغير , فركضت تتمسك به كيلا يفقد توازنه ويسقط , فتمسك بها, ومن جراء هذا الأتصال الجسدي الأول شعرت أنها لم تعد تلك الفتاة الصغيرة الخجولة الحالمة , لكنها أمرأة , ترتعش فرحا ورغبة لدى لمس زوجها لها .
قال بصوت خفيض:
" فلورا!".
كان على وشك أبعادها في غضب, لكنها تلعثمت قائلة:
" أرجو أن تسامحني , يا ألان".

الشغاف
06-21-2011, 10:24 PM
وتذكرت بصعوبة أن العينين السوداوين المحدقتين بها لا تبصران في الواقع.
" حاولت قفل الباب بالمفتاح , لكنني لم أتمكن من ذلك , أعتقد أن القفل معطل...".
كان جامدا في مكانه لا يتحرك . وما زال متمسكا بها, يضمها بشدة نحوه , وفي عينيه الخاليتين من النظارات , يلمع نور خفيض وعلى فمه ترتسم أبتسامة غامضة , وبهدوء , جذبها نحوه ورفع خصلات شعرها الخفيفة المجعدة فوق جبينها , راح يتكلم في صوت حنون , ما تعودت سماعه.
" قال لي لويس أنك أمرأة تتمتعين بجمال خارق , لقد قال لي بالحرف : أنها وردة أنكليزية رائعة".
كانت ترتجف بين يديه , غير قادرة على الرد وتشعر به قريبا منها , وتابع كلامه:
" هل تسمحين لي بأن أحكم بنفسي؟ أن وضعي سيء , لست قادرا على أن أرسم في عقلي صورة زوجة سيحسدني عليها كل أصدقائي , كما قال لويس!".
لم تتراجع فلورا عندما وضع ألان يديه على مجهها , وبنعومة وببطء كانت يداه تمران على جبينها المالس وفوق عينيها , تلمسان رموشها ثم تمتدان الى خديها.
همس وهو يردد كلمات لويس:
"عينان زرقاوان بريئتان , تشبهان أزهار البنفسج , بأتساعهما ونعومتهما المخملية , شعر كثيف وأشقر كالذهب , شفتان تشبهان الورد".
كانت فلورا تتخبط بين الخوف وأضطرام العاطفة, كان النبض يقفز في أذنيها , وشعرت بنفسها فريسة أحاسيس غريبة تزداد تطلبا كلما أمتدت أصابع ألان حول عنقها المرهف لتتوقف طويلا على كتفيها.
وصارت كالمجنونة عندما أنزلقت المنشفة عن جسمها , وفي تلك اللحظة بالذات أظهر ألان بدهشة مخنوقة عدم قدرته على السيطرة على نفسه أكثر , وبقوة شد زوجته نحوه وعانقها , ومن كل أعماق قلبها المحب, كانت فلورا تشاركه هذا الأحساس , كانت غارقة في حبها , وفي الوقت نفسه كانت تسمع صوتا يقول لها أن هذه الرغبة الجامحة التي يتظاهر ألان بها , لم تكن موجهة أليها , أنما لشبح في الماضي , لكنها رفضت الأصغاء الى ذلك الصوت , من كل قلبها , من كل روحها , كانت تحب ألان حبا عميقا, الى درجة أنها كانت مستعدة لتبادله كل عواطفه.
وفجأة أبعدها عنه وقال بصوت لاهث , وفم متقلص:
" أرجوك أن تغفري لي تصرفي هذا , ما كان يجب أن يحصل ما حصل!".
راح يحاول أستعادة برودة أعصابه:
" لا أجد عذرا لمثل هذا التصرف , أنه جدير بالأحتقار ! فلورا هل تسامحينني؟".
فوجئت أذ رأت الكآبة موسومة على وجهه , فقالت:
" ليس لك أن تعتذر , يا ألان".
قامت بحركة لتضع يدها حول عنقه , فتمسك بمعصميها , فصرخت:
" ألان! لا داعي للأعتذار , أنا زوجتك!".
جوابه البارد أطفأ في داخلها كل أمل:
" كان لي هدف من الزواج منك, لكنه لم يكن هذا الهدف , أنني في حاجة ألى وجودك , لكن يا ألهي , لا أعرف لماذا!".
كان يبدو مرتبكا وغير منطقي وتابع:
" بدأت أفهم أنك أرتكبت غلطة كبرى بالزواج من نصف رجل حي, عندما عرضت عليك الزواج , كنت أعتقد أنني أخدمك بذلك".
" تخدمني؟".
وبعد صمت مزعج , عاد يقول في تردد مضطرب:
" سأكون صريحا معك , كنت دائما صادقة معي , وسأجابهك بالمثل , على الأقل".
تصلبت وتماسكت وهي تنتظر أعترافه , وفي لا وعي , لاحظت حركات يده المرتعشة وتشعث شعره, لكنها تمالكت نفسها لتتمكن من أستيعاب ما سيقول:
لأسباب عدة , كنت في حاجة الى زوجة , وكنت أنت المرشحة المثالية , عندما سألتك أن تزوجيني , كنت أعتقد أنك أمرأة في سن متقدمة, وسيدة مطيعة لا ترفض متطلبات والدها , وليس لها أمل بالخروج من الوضع الشاق الذي كانت متوطة فيه".
رفع يده ليفرض عليها الصمت , عندما سمع آهة تعجب أطلقتها فلورا وأضاف بعنف:
" لم يقل لي أحد أنك فتاة شابة ورائعة الجمال, قادرة على جذب الرجال , لا أحد , قبل لويس ... بعد أن فات الأوان ,كنت أعتقد بأن صدقك عائد الى تربية قاسية , لو عرفت أن سبب ذلك أنك ما زلت شابة , لما أستغللت ثقتك وأرادتك الطيبة , بالنسبة الي كنت الرفيقة الممتعة , التي لم أكن بحاجة وأنا معها ألى أرتداء أي قناع , أرجوك أن تصدقيني , كنت مندهشا ومضطربا عندما وصفك لويس , أعتقدت أولا أنها مزحة من مزحاته التافهة , ولهذا السبب تصرفت الآن بهذا التصرف المؤسف , فقد كان يجب علي أن أعرف !".
شعرت فلورا بالخدر يتسرب الى جسمها , لكنها تمكنت من أطلاق ضحكة سريعة قبل أن تسأل:
" أذا كنت تعتبرني عانسا حقا , فلماذا أردت أن تتزوجني؟".
ومن خلال سحابة الدموع المغرورقة في عينيها , رأته يهز كتفيه ويقول:
" يمكنك أن تعتبرينني جبانا, أذا أردت , لكنني كنت أبحث عن أنسان أحتمي به من العواطف الجياشة التي تنتظرني هنا لدى عودتي , كما كنت بحاجة ألى عينين تريان وتصفان لي مفصلا كل ما يجب أن أعرفه , وكنت أريد أنسانا صادقا لا يموه الحقيقة أو يقنعها , لكنني أرى الآن أن الترف والمال وكل ما يمكن أن أقدمه أليك بديلا , ليس ذا أهمية بالنسبة الى المرأة التي أصورها...".
ثم أكمل يقول:
" لكنني لا أفهم لماذا قبلت عرضي , وما هو السبب الذي تقبلين الزواج من أعمى؟".
شعرت فلورا بقلبها ينقبض في صدرها , من الأفضل لها أن تتركه يعتقد أن هناك دوافع مثيرة وذات أهمية كانت السبب لما أقدمت عليه , أجابت في لهجة حازمة ومحاولة السيطرة على أرتجاف فمها:
"ربما كان حكمك علي خاطئا , أن قريتي غلينغهام بمثابة سجن حقيقي وكنت دائما أحلم بالفرار والعيش بعيدا , لذلك عندما أقترحت على الزواج والمجيء الى فرنسا , أردت ألا أدع الفرصة تفوتني, لذلك ليس من الداعي أن تحكم على نفسك أو على أعمالك يا ألان , لقد أشتريتني وأنا كنت مستعدة لأبيع نفسي , الزمن هو الوحيد الذي سيقول من منا الذي قام بصفقة أفضل ".

كان أنف ألان الكبريائي يرتعش , كان يبدو مرتبكا الى درجة أنه لم يجد أي جواب وضاعت الكلمة على شفتيه , لكن سرعان ما أبتسم أبتسامة ساخرة وأستعادت عيناه رونقهما الداكن , ثم أستدار وتمتم بتحية سريعة وخرج من الباب تاركا فلوا وحيدة , راحت تبكي بحرقة وترتجف من البرد في هذه الغرفة الفارغة.

الشغاف
06-21-2011, 10:25 PM
6- ليلة دافئة
حينما يصل الأنسان الى قمة العذاب , يتوصل الى معرفة الخدر المفرح والأحساس به , وبعدما أستعرضت فلةرا كلمات ألان القاسية , وعندما أضطرت الى الأعتراف بأنه لا يعني لها الكثير , وبأنه لم يطرح أي سؤال حول منظرها الخارجي أو حول عواطفها , توصلت الى الأحساس بذلك الخدر الذي ساعدها على تمضية الليل ولو بصعوبة.
بعدما خرجت من الحمام , جلست على حافة سريرها وراحت تفكر في السلوك الذي يجب عليها أتباعه كي لا ينزعج الأشخاص المعنيون , لقد طرحت بعيدا فكرة العودة الى أنكلترا , أذ لم تكن تريد بأي ثمن رؤية والديها يتعذبان من أجلها.
الكونتيسة الأم... هي أيضا, يجب ألا تعرف عمق الهوة التي تفصل أبنها عن عروسه الشابة , وشدد ألان على هذه النقطة بالذات عندما ورد الحديث حول الأقامة في جناح مشترك , فقد أفهمها أن والدته سعيدة جدا بزواجه ولا شيء يجب أن يكدر هذه السعادة , وقبلت فلورا لعب هذا الدور في وجود الكونتيسة , ولذلك يجب عليها الأستمرار في تنفيذ وعدها , حتى أذا كان ذلك يعني أن عليها البقاء في القصر الى الأبد , أو على الأقل, الى فترة من الزمن يوافق عليها ألان بنفسه , ومع ذلك أتخذت قرارا حازما, لن تعود من الأن فصاعدا تلك المرأة الوديعة التي تطيع كل نزواته , ولا تلك المرأة المستسلمة التي تقبل كل كلماته القاسية , ستكون لها حياتها الخاصة , هي أيضا, صحيح مستقبلها يبدو صعبا , لكنها لن تترك زوجها يجعله مستحيلا.
أرتدت ملابسها أستعدادا للعشاء , ونزلت على مضض لمجابهة محيطها الجديد , أن أتساع المكان وحجمه الضخم يبثان في قلبها الرعب, رفعت عينيها الواسعتين نحو السقف العالي , نوافذ طويلة وضيقة حيث تدخل أشعة الشمس التي تنير الأثاث الخشبي المنحوت بفن رفيع, هناوهناك تجد المشاكك المحفورة في الجدران والتي تحتوي على التماثيل الفاخرة والدقيقة , درابزين الدرج الواسع المصنوع من الحديد المنحوت بدقة كما ينسج العنكبوت بيته , وفي الطابق الأرضي كان البلاط أيضا مبلطا بالرخام ذي المربعات الوردية البيضاء , وتطل على البهو أبواب عدة , رأت فلورا أن أحد هذه الأبواب مفتوحة , فأتجهت صوبه.
الغرفة التي دخلتها كانت غرفة المكتبة , جدرانها الأربعة مكتسية بالكتب المجلد بمختلف الألوان والأحجام والممتدة من السقف حتى الأرض, سلالم نقالة متحركة تسهل الوصول الى الرفوف العالية , وفجأة سمعت صوتا:
" آه , الزهرة الجميلة! أنني سعيد بمجيئك مبكرة , سوف يتسنى لنا التعرف عن كثب".
فوجئت فلورا , لكن لويس أبتسم معتذرا:
" عفوا أذا كنت قد أخفتك , دعيني أقدم لك شيئا دليل الأعتذار".
ردت عليه بأبتسامة عريضة , هذا الرجل جذاب وعفوي , ومن المستحيل مقاومة سحره.
أجابت:
" شكرا".
توجه نحو طاولة عليها كل أنواع المشروبات:
" ما رأيك بعصير الليمون؟".
" عظيم".
قدم لها العصير وهو ينظر اليها في ثوبها الأزرق البسيط الذي حاكته والدتها, كانت فلورا بالنسبة أليه أنتعاشة جديدة , وبينما كان يلقي نظرة على فمها المرتجف , وعينيها الجميلتين الخائفتين فهم كيف تفشل المرأة من الهرب وكيف تخاف أن تعترف , تترك لعينيها ويديها وشفتيها شرف الأعتراف.
كانت تحتسي مشروبها في جرعات صغيرة وتتساءل متى سينضم اليهم الآخرون , نظرات لويس الوقحة لم تزعجها كما كان يتمنى , لكن أحتمال لقاء جديد مع سولانج أزعجها.
أعلن لويس بنبرة حادة تشبه نبرة ألان:
" لا شك أن سولاج تفعل المستحيل كي تبدو بمظهر رائع تتحدى فيه كل الأشاعات التي تهدد مركزها كأجمل أمرأة في المنطقة ...".
حدقت فلورا في عيني لويس وقالت بهدوء:
" أنك تقصد ألان بالذات , أليس كذلك؟ أذا كان هناك شيء علي معرفته لماذا لا تكون صريحا معي وتتكلم؟".
شعر لويس بأنزعاج أمام هذا الصدق البسيط لكنه سرعان ما قال وهو يهز كتفيه:
" الناس هنا, يعرفون أن سولانج وألان كانا على وشك الزواج , وربما أنت تعلمين بذلك أيضا".
رآها تعض على شفتيها , فسارع يطمئنها قائلا:
" لا تقاقي , لم يعد ذلك واردا منذ سنتين , فقد تخلت سولانج عن ألان بعد الحادث بقليل , كان ألان وقتئذ في المستشفى والجميع وجدوا أنها لم تصرف معه كما يجب, ولا أعتقد أن الكونتيسة غفرت لها هذا الفعل, بعد ذلك رفض ألان أن يسمع أي شيء عن سولانج , لذلك فوجئت اليوم من تصرفه , لقد حاول أقناع سولانج بمغادرة القصر قبل مجيء أبن عمي , لكنها أصرت على أن تكون موجودة لأستقباله, وبالطبع كانت تعتقد أنه سيكون بمفرده, لقد طلبت مني الكونتيسة أن أعدها بألا أخبر سولانج عن زواج ألان...".
سألته فلورا:
"هل يعني هذا أن سولانج كانت تنوي مصالحته الآن؟".
أجاب لويس مقطبا حاجبيه:
"ليس في أستطاعة أحد الدخول الى أعماق سولانج , منذ سنتين لم نرها في القصر ألا نادرا, حسب رأيي , لا شك أنها توقعت نجاح العملية الأخيرة , وقد تكون صممت لنفسها شيئا , جاءت الى هنا منذ أسبوع وقامت بالترتيبات اللازمة لتؤمن عودة ألان بطائرة والدها , هل كنت تعرفين ذلك".
هزت رأسها فأضاف لويس :
" ربما شعرت بصدمة قاسية لدى سماعها بفشل العملية , وكذلك صدمت مرة ثانية لكنها أقوى لدى أكتشافها زواجكما, أنا أعتقد أنه السبب الذي جعلها تقرر البقاء في القصر, أنها تعتبر أن ألان يخصها وحدها, وبرغم رفضها قضاء الحياة بكاملها مع رجل ضرير , ألا أنها لا تستطيع أن تتصور أن أمرأة أخرى خطفت منها ألان".
ثم أضاف:
" يا فلورا , عليك بالحذر منها يمكنها أن تكون خطرة , ولن تتردد من أن تجعلك تدفعين ثمن خيبة أملها".
أصفر وجه فلورا , كلمات لويس تكاد تحبط من عزيمتها , لقد أفهمها لويس بدون أن يدري موقف زوجها , أراد الأنتقام من سولانج بزواجه منها , وشعرت أنها على وشك البكاء , وكادت تسقط لو لم يسارع لويس الى تدارك ذلك في الوقت المناسب , وهنا دخلت سولانج وقالت في صوت ساخر:
" ماذا أرى! هكذا أذا , يا لويس , أنك الآن تمارس مواهبك".
ثم أستدارت نحو ألان وقالت:
" ليتك ترى فلورا ولويس , أنهما الآن في ذروة تفاهمهما".
كانت وجنتا فلورا محمرتين كالنار وهي تتملص من بين ذراعي لويس , لم تكن تحدق ألا بألان وحده , وشعرت بأنقباض في قلبها , عندما رأت الغضب باديا في وجه ألان , وهي وحدها لاحظت أنفعاله , وعندما أقترب منها قال في لهجة خفيفة:
" ماذا بعد يا سولانج , أكملي حديثك , لولاك ولولا تنبهك اليقظ لكنت مضحكة أمام الجميع".
سقطت الأبتسامة من على شفتي الفتاة وأحست فلورا بأرتعاشة تعبر جسدها , أن لويس على حق , سولانج قد تكون عدوا خطيرا.
وهنا وصلت الكونتيسة , ومنذ دخولها غرفة المكتبة , تنبهت غريزيا أن شيئا ما يحدث , كان ألان أول من حيّا والدته:
" آه , يا أمي الحبيبة , أنت هنا! والآن يمكننا البدء في العشاء".
عادت اليها بشاشتها وأجابت:
" آلان ! أنك لا تتغير أنك توبخني دائما على تأخري ! لكنني سعيدة لعودتك ولذلك أسامحك ".
وفجأة سألت سولانج :
" كيف عرفت , يا ألان , أن أمك هنا؟".
" هل نسيت بهذه السرعة , سا سولانج؟".
تبادلت الكونتيسة ولويس الأبتسام , فلورا وحدها لم تفهم شيئا.
قالت سولانج في أشمئزاز وأستياء:
" كلا, بالطبع, أن والدتك تتعطر بالعطر الذي صنعته خصيصا لها , وأنت شممته حتى قبل دخولها الغرفة , أنك ما زلت تحب هذه اللعبة , أليس كذلك يا ألان. وتعتز بقدرتك, وأنت أعمى , على أن تعرف متى تدخل أمك الغرفة".
أختفت نظرة الأشمئزاز من عينيها وأعترى صوتها نبرة حميمة وقالت:
" لكن هل نسيت يا ألان , أنك وعدتني بأبتكار عطر خاص بي؟ هل كان ذلك العطر الذي كنت تصنعه خلال الحادث , أم أنك أضعت الوصفة؟".
أصفر وجه ألان , فتقدمت فلورا نحوه , لكن لويس شدها من ذراعها , فقال ألان وأسنانه تصطك:
" ليست الوصفة وحدها التي ضاعت, في ذلك اليوم , ويكفي ضياع نظري لأتحرر من هذا الوعد , أذا كنت قد قمت بأي وعد ما!".
كأنه لم يتكلم ولم يتعذب , أذ تقدمت سولانج منه كأنها تتوسل اليه, وقالت فلورا لنفسها أن ألان عاجز عن تأمل هذه المرأة الجميلة ذات القوام الممشوق.
قالت سولانج بألحاح:
" يجب أن تتابع تجاربك يا ألان, أن موهبتك الأساسية هي حاسة الشم وما زلت تملكها , ولم تخسر خبرتك المكتسبة خلال السنوات الماضية , ينقصك النظر فقط , وأنا يمكنني أن أهبك أياه , كنت تقول دائما أنني أساعدك في المختبر , ويمكنني مساعدتك الآن أيضا, أنت وأنا , يا ألان. يمكننا أستعادة السحر الذي جعل من عطور تريفيل شيئا نادرا".
تدخلت الكونتيسة وعيناها تلمعان غضبا:
" أتريدين أن هذا السحر لم يعد موجودا؟".
قالت سولانج وهي تهز كتفيها :
" أن عطور تريفيل تتمتع بشهرة تستحقها , وهذا ما نعرفه جميعا , ويجب الأعتراف, أيتها الكونتيسة العزيزة , أن غياب ألان ترك فراغا لا يمكن أن يملؤه أحد , ومنذ سنتين لم يتم صنع أي عطر فريد من نوعه وهذا يجعل المتنافسون يبتهون فرحا , لذا أنتم في حاجة ألى عبقرية ألان, أذا أردتم المحافظة على شهرتكم .
غضب لويس لكنه ظل صامتا , أشفقت فلورا عليه , خلف قناع اللامبالاة , شعرت بأنزعاج هذا الشاب الذي حاول أن يحل مكان أبن عمه الكبير , لكنه فشل بصورة مؤسفة .
قال ألان بنبرة واضحة :
" لا شك أن معلوماتك واسعة يا سولانج , لكن أرجوك ألا تتحدثي عن أي شيء يخص ما حدث , أول ليلة بعد عودتي , لويس وأنا كنا دائما على أتصال , خلال غيالبي".
أنتصب بقامته ولفظ كلماته بلهجة حازمة وهو يضيف :
" أما فيما يتعلق بعرض خدمتك . فأن هذا لطف منك أن تقترحي مساعدتي, لكن آمل ألا تتهمينني بنكران الجميل أذا رفضت مساعدتك , لقد نسيت على ما أعتقد , أن لدي شريكة دائمة يمكنها مساعدتي في كل شيء ... فلورا زوجتي".
كانت كلماته قاسية بالنسبة الى سولانج مثل دوش بارد , وفرحت فلورا لأنها لم تكن عرضة لسخرية ألان , الذي كان يبتسم بينما الجميع يلزمون الصمت , أنه وسولانج الممثلان الأساسيان في المسرحية , كل الممثلين لا أدوار لهم , لكنهم مسحورون , يراقبون الأنفعالات تتتابع على وجه سولانج: المفاجأة , الأحتقار, والغضب وأخيرا الأستسلام الحنون الظاهر في عينيها , أقتربت من ألان وضمته بين ذراعيها وهي تقول:
" أنت على حق فعلا , فأنا أتدخل فيما لا يعنيني ,. لو كان أبي موجودا , لقال لك أن هذا أحد أخطائي الكبرى , هل تسامحني يا صديقي؟".
بدا ألان وكأن أستسلم , وضع يد سولانج على شفتيه وقبل طرف أصابعها وقال:
" ليس لك طلب غفران , يا سولانج الجميلة , أنت تعرفين تماما أننا متفقان جيدا والكلمات بيننا تفقد معناها".
ثم أستدار نحو المجموعة الصغيرة وابتسم قائلا:
"أعتقد أن الوقت حان لتناول العشاء".
خلال العشاء , كانت فلورا معجبة بلويس الذي أحاطها بكل مظاهر الرعاية واللطف , في حين أستأثرت سولانج بأنتباه ألان , الى درجة نسيا معها الآخرين , لكن الكونتيسة لم تكن موافقة , كانت تحاول مضاعفة جهدها لتدع الحديث يكون شاملا الجميع , ومن دون أخفاء أنزعاجها , قاطعت نكتة أطلقتها سولانج:
" ألان , طلبت من لويس أن يأخذ فلورا الى زيارة المقطرة غدا , الأمر يهمها على ما أعتقد".
رفع رأسه ووضع شوكته على صحنه وسأل:
" لماذا لويس؟ هل هناك سبب يمنعني من أصطحابها بنفسي؟".
" يمكنك الذهاب أنت معهما أيضا , يا بني , لويس يطلعك على التغيرات التي حصلت خلال غيابك , وفي الوقت نفسه يطوف مع فلورا في كل الأمكنة".
أحمرت وجنتا الكونتيسة , فأستدارت نحو كنتها وعادت لتقول بعصبية:
" يجب أن يأخذاك الى حقل الزهور , أنه منظر ذو جمال خلاب , وستلتقين هناك القطافين , أن بعضهم من هنا , لكن معظمهم يأتوم فقط خلال الموسم , وبينهم عائلات كثيرة تعمل عندنا منذ أجيال عديدة , العديدون كانوا هنا عندما جئت أنا الى القصر , وكنت عروسا , وكبر أولادهم مع ألان ولويس , ويكادون يكونون أخوة ...".
فجأة خفت صوتها المرتعش , وشعرت فلورا بأن ألان هو المتسبب في أضطراب والدته نتيجة برودة أعصابه , كانت يدا الكونتيسة ترتجفان , رفعت كأسها وأحتست جرعة منه ثم وضعت فوطة على شفتيها لتخفي أرتجافها , أبتسمت فلورا وقالت بهدوء:
" لا شك أنك كنت عروسا رائعة في ذلك الوقت يا أمي , أن سحرك وأهتمامك قد ساعدا كثيرا في جعل العمال مخلصين لعائلتك".
" هذا لطف كبير منك يا أبنتي ! لكن ليس الفضل في ذلك لي وحدي , كان زوجي العزيز رجلا طيبا وكريما , كان يعتني بهؤلاء الناس بشكل ممتاز , أنه أرستقراطي حقيقي , لكنه كان يظهر لطفه وأهتمامه بالعاملين لديه أكثر بكثير من جيراننا البورجوازيين".
وبسرعة البرق وجهت نظرها الى سولانج , وتساءلت فلورا ما أذا كانت عائلة شيسينيه من هذه الفئة من الناس , لكنها تأكدت من هذه الحقيقة عندما ضحك لويس , ويبدو أن الكونتيسة أدركت أنها تمادت فأسرعت تقول:
" كما قلت لألان , يا عزيزتي فلورا , لا تترددي أذا رأيت شيئا لم يعجبك داخل القصر , من أن تدخلي عليه بعض التغيرات المناسبة , منذ قرون عديدة , كما تلاحظين بقي الديكور نفسه, لقد تم تجديده بالطبع , لكنه ظل محافظا على طابعه الأصلي , أن لكل غرفة نموزجا خاصا وزخرفة معينة , غرفتك هي الغرفة الوردية , بينما غرفتي أنا هي الغرفة الصفراء , والغرف الأخرى بعضها يحمل ألوان البنفسج والاوند والجيرانيوم والزئبق ... وخلاصة كل الأزهار التي تنبت حول القصر".
" ستظل الأمور كما هي عليه , فيما يختص بي , يا أمي , أنني أرى الفكرة رائعة , أصلية ومبتكرة".
ضحكت سولانج بحدة ورددت بلهجة ساخرة:
" أصلية ؟ مبتكرة؟ كيف يمكن أعتبار هذه الفكرة مبتكرة وكل العرائس الشابات بقين يحترمنها منذ قرون وحتى اليوم ؟ بالنسبة ألي, كل شيء مبتكر وأصلي يعني أنه لا يوجد شيء مثله قطعيا , ثوبي مثلا, أنه الوحيد من نوعه".
ثم أضافت بخبث:
"مثلا, أنظروا الى ثوب فلورا , أليس هذا تقليدا بشعا لزي معين!".
خيم صمت كئيب وفهمت سولانج أنها ذهبت بعيدا بوقاحتها , وشعرت فلورا بالأحمرار يعبق وجهها , لكنها كانت شاكرة للويس الذي راح يدافع عنها أذ قال بنبرة ساخرة جعلت الفتاة تنتفض غضبا :
" لكن يا سولانج , يا ملاكي , أنني أتعجب دائما أن أرى , أن النساء مثلك , يخترن ملابسهن من مشاهير الخياطين , يتمتعن جميعا بنفس المظهر , بينما فلورا تملك جمالا طبيعيا يسطع حتى ولو كانت ترتدي الفساتين العادية! وهذه الميزة وحدها كافية لتجعلها رائعة أمام زوجها".
قطب ألان حاجبيه , في حين ظلت سولانج لا تعرف ماذا تقول لترد على لويس.
نهضت الكونتيسة وأعلنت بصوت حازم:
" أعتقد أن الوقت حان لأن ندع فلورا وألان يتمتعان بوحدتهما , أننا لا شك نسينا أن نهارهما كان مليئا , وفي كل حال, أنها ليلة زواجهما , ويجب علينا شكرهما أذ أتاحا لنا قليلا من الوقت لنستمتع بالعروسين الجديدين".
أقتربت من ألان وربتت على كتفه:
" لكنني , ألان , أطلب منك أن تأخذ فلورا الى غرفتها , أن الأبنة المسكينة تكاد تموت تعبا".
رفعت فلورا نحو ألان عينيها القلقتين : ماذا ستكون ردة فعله أمام الأمر الذي فرضته عليه الكونتيسة ؟ لا بد أن الكونتيسة تتساءل ما يمكنها أن تتوقع من أبنها الغريب هذا . لكنها رأت بأرتياح أنه كان مرتاحا , ربما قرر أطاعتها , لتسامحه على كلماته القاسية , سمعت فلورا لويس يتنهد طويلا وينتفض لدى سماع صوت ألان يقول:
" لا شك أنك على حق يا أمي".
ثم جال بعينيه الضريرتين حول المائدة وأضاف:
" فلورا, أذا كنت مستعدة فأننا نستطيع العودة الى جناحنا الخاص".
أنتفض لويس وقال:
"دعني أساعدك يا ألان".
أجابه ألان بلهجة ساخطة:
" لا , شكرا, ستتكفل فلورا بالأمر , تصبحين على خير يا أمي , تصبح على خير يا لويس , وشكرا يا سولانج , ربما نلتقي غدا , على الفطور".
وبأشمئزاز أجابت سولانج:
" ربما...".

الشغاف
06-21-2011, 10:26 PM
خرج ألان وفلورا من غرفة الطعام وتسلقا السلالم التي تؤدي ألى جناحهما , أنتظر ألان دخول فلورا غرفتها ثم توجه الى غرفته , وراحت فلورا تتساءل وهي تخلع ثيابها , أن لدى ألان القدرة على الظهور لطيفا ومهذبا , وأحيانا وقحا لا يطاق , ومن المستحيل معرفة حقيقة أفكاره , أو توقع ردات فعله , دخلت الحمام لتأخذ حماما سريعا .
وبعد أقل من عشر دقائق كانت ترتدي قميص النوم المصنوع من قماش النايلون الأسود المخرم الذي أخترته لليلة عرسها , والتي أعتبرته أسرافا , شعرت بغصة في حنجرتها عندما أشترته ... كان الجو مثقلا , فأزاحت الستائر وفتحت النافذة , في السماء القمر هلال , ولا نجمة واحدة تبعد عن فلورا الحزن والكآبة , كأنها غارقة في حلم ., راحت فلورا تتنشق الروائح الفردوسية من كل مكان حولها ,وبقيت أمام النافذة مخدرة لفترة طويلة , ثم تنبهت أذ سمعت ضجة آتية من غرفة ألان , صوت خطواته اللجوجة ذهابا وأيابا داخل الغرفة الصغيرة , أنتفض قلب فلورا , هل ألان مريض؟ راحت تصغي , كانت الخطوات أيقاعية متناسقة , ثلاث خطوات صوت درج أنفتح , خمس خطوات وصوت قاطع التيار , ست خطوات وصرير الباب , فهمت للحال , أنه يتدرب ليتعلم المشي في غرفته , وهمست في صوت متقطع : آه يا حبيبي المسكين , لو تسمح لي فقط بمساعدتك! . تصلبت فلورا , الخطوات تقف أمام الباب , جفت الدموع على خديها الساخنتين بينما تنتظر , لا تجرؤ على التنفس البطىء , وأرتاحت عندما سمعت ضربة خفيفة على الباب .
قالت بهدوء:
" أدخل!".
أزدادت نبضات قلبها الى درجة الأحساس بالألم .
لم تشعل نور الغرفة , وظهر شبح ألان في مئزره الغامق وهو يدخل الغرفة.
سألها في صوت متوتر:
" هل أزعجك؟ لم أكن قادرا على النوم وتسائلت... ربما يمكننا أن نتحدث...".
بذلت فلورا جهدا كبيرا حتى تحافظ على نبرة صوتها الخفيفة , لأنها تعرف أنها يجب عدم أظهار شفقتها, فقالت:
" بكل تأكيد , أدخل, وأنا كذلك لم أستطع النوم, ومن الأفضل أن نتحدث".
وبهدوء بدأت فلورا في الحديث حول كل شيء وحول لا شيء , الى أن أحست بالجو يهدأ , فسكتت , وأكتفت بالبقاء قربه , أمام النافذة , تاركة لليل العذب أكمال المهمة.
" أنت أنسانة مريحة جدا , يا فلورا , هادية وساكنة ! أنها الصفات التي جذبتني اليك في البداية ".
ثم أضاف بلهجة أكثر قسوة:
" ربما لأنها تعاكس كليا مزاجي الشيطاني , ونزواتي المتفجرة , التي لا تطاق!".
قالت بهدوء:
" رويدا يا ألان , دع عقلك يستريح , ليرتاح جسدك".
قال وهو يشد على معصميه :
" نعم ... كل الذين حولي يتمنون أن يحدث لي ذلك , لقد وصل بي الحال الى أن أجرح شعور والدتي".
فجأة أمسك بالستائر بيده في عنف , جعل فلورا تعتقد أنه سوف يقتلعها , ثم تابع يقول وأسنانه تصطك توترا:
" لا أحد يفهم , لا أحد يمكنه تصور العذاب الذي أقاسيه , أنني أسمع أصواتا , وأصغي الى الكلمات وأتساءل ياستمرار عما يمكن أن يفوتني من عدم قدرتي على رؤية التعابير على وجه محدثي , منذ سنتين وأنا أتعذب من الكذب , حتي أنني لا أثق بأية كلمة تقال لي عندما آكل , أتساءل . هل طريقتي وحركاتي منفرة , أم هل أستطيع الوثوق بالذين يتعجبون من قدرتي الهائلة ؟ أنني أرتاب حتى من كلمات والدتي , لكنني أتحملها لأنني أعرف جيدا أنها لا تخونني أبدا بأرادتها , لكن أنت , يا فلورا ؟".
أمسك كتفيها في قوة وقال:
" لقد أعتقدت أنك حنونة وطيبة , وتصورت أنك لا تفكرين الا بالغير , لكنك خيبت أملي نهائيا فيك عندما أعترفت بصراحة أنك أرتشيت ... كنت للبيع وأنا أشتريتك !".
تابع كلامه وهو يهزها بقوة حتى أنها أضطرت الى حبس صرخة مؤلمة من حلقها :
" يا ألهي! لا أعرف لماذا , لكن خيبة الأمل تؤلمني أكثر من أي شيء آخر, أنني بحاجة لوجودك بقربي , لكنني أرفض التصرف كشحاذ أعمى! قولي الحقيقة , من هي المرأة التي تزوجتها ؟ أبنة الكاهن الناعمة , الرقيقة أو المرأة المبذرة؟".
كانت تقاوم وهي مضطربة وخائفة من نفوره وغضبه ولم تلاحظ أنه طرح عليها سؤالا , كانت يدا ألان تلهبان كتفيها وعيناه تلتمعان غضبا , ومن خلال موجة الرعب التي غرقت بها فلورا , أستيقظت فيها الشفقة, لكنها كانت خفيفة لا تساعدها على التغلب على الخوف الذي كان يقترب منها , خوف أصبح جنونا عندما جذبها نحوه وهمس في أذنيها :
" هكذا أذا , الخل يمنعك من الأجابة ؟".
أحست بألان وهو يرفعها عن الأرض ويحملها الى السرير , أرادت الأعتراض على ذلك , لكن الدموع خنقت الكلمات في حنجرتها , ولم تعد تقاوم وظلت ممددة , رافعة عينيها الواسعتين هلما نحو الرجل , الأعمى نفسيا وجسديا , نحو زوجها , الذي تزوجته هذا الصباح بالذات على يد والدها القسيس.
أنحنى أمامها ورأت على وجهه أبتسامة متعطشة , وبعد لحظة , كان شعر فلورا الأشقر ينتشر على يد ألان كباقة ذهب , وكان غضب الرجل قويا وعنيفا , ويشعر بتجاوب خجول من جانبها.
أريج الأزهار يعبق في النافذة المفتوحة وينتشر في جميع أنحاء الغرفة , ستظل فلورا تتذكر هذه الليلة التي ولد فيها أحساس , يصعب وصفه , من رجل أعمى , قلبه هو عيناه.
وبينما كانت تحاول ترتاح قربه , كانت تحاول سبر أغوار عواطفها الصاخبة , الفرح والألم , الحب والخجل ,هل يحبها ؟ هل يكرهها؟ هل هو يمتلكها كزوجة أو كعاهرة يدفع لها ثمن خدماتها؟

تحرك ألان وناداها هامسا ثم شدّها من جديد بين ذراعيه , فأسترخت فلورا وبأبتسامة سعيدة , أغمضت عينيها , تاركة السؤال من دون جواب.

الشغاف
06-21-2011, 10:27 PM
7- نار الغيرة
عندما أستيقظت فلورا في صباح اليوم التالي, لم يكن ألان بقربها , حاولت كل جهدها ألا تفكر بما حدث لها الليلة الماضية , لكن سؤالا ظل يقلقها , كيف سيتصرف ألان عندما سيواجهها وجها لوجه؟
جلست على كرسي أمام المرآن وأخذت ترتب شعرها ويدها ترتجف , وأذا بصورة ألان تظهر أمامها في المرآة , فوجئت وتركت الفرشاة تقع على الطاولة محدثة ضجة عالية.
وسألها من دون أي تأنيب ضمير:
"هل أخفتك؟".
كان يرتدي بذلة فاتحة اللون وقميصا من الحرير وربطة عنق معقودة بطريقة مثالية , وشعره الأسود المبلل بعد الحمام.
ردت عليه في صوت غامض وهي تحاول تهدئة نفسها:
" كان يجب أن تطرق الباب".
قال بأهمال:
" لماذا؟ فأنا لا أستطيع أن أراك , في كل حال , ليس هناك فرق بيننا بعد الآن".
أن برودة صوته لا تحتمل , نهضت فلورا على الفور وأرادت الأبتعاد , لكنه شعر بحركتها وأمسكها من كتفيها , زاما شفتيه:
" لم آت كي أعتذر , ما حصل مساء أمس , لم يكن محضرا أة مرغوبا فيه , هل تصدقيني؟".
أي أمل جديد في أعماق فلورا مات, يبدو وكأنه من المستحيل صدور هذه الكلمات المجردة عن رجل همس في أذنيها منذ ساعات قليلة , كلمات الغزل, والذي أيقظ فيها أحاسيس غريبة كانت تجهلها تماما.
ولأنها لم تجبه , هز كتفيه وتركها :
" أرى أنك لا تصدقيني , هذا لا طائل فيه , سأحرص على حصولك على المكافأة اللازمة , الوقت لا يسمح لي بأن أرافقك الى باريس, لكنني سأطلب من دار أشهر الخياطين أن يرسلوا لنا كل مستحدثات الأزياء , وسأطلب من أمي أن تريك كل مجوهرات العايلة, وهي تنصحك بأختيار ما يليق بك ".
كل كلمة كانت تنعر قلب فلورا مثل نصل سيف حاد , وراحت تتساءل ما أذا كان بأمكان الأنسان أن يموت من الخجل أو العار , وما أذا كان قلب مصاب بجرح عميق يمكنه أن ينزف حتى الموت , وراحت تهاوى تحت تأثير غثيان مزعج , خار جسدها النحيل , وعنقها النحيف يحمل ثقل رأسها بصعوبة , وفمها يرتجف ألما وخيبة.
لماذا لا تردين على سؤالي ؟ أذا كنت ترغبين في شيء ما , ما عليك ألا أن تطلبيه".
أستعادت أنفاسها قبل أن تقول في صوت مرتجف :
" أريد البقاء وحدي , أرجوك , دعني".
رفع ألان حاجبيه وبدا وجهه قد أكتسى بأمارات الحيرة , كانت عيناه تتفحصان ملامح فلورا محاولة معرفة سبب ضيقها.
سألها:
" ماذا قلت حتى تتوتر أعصابك هكذا؟".
ثم أضاف بهدوء كأنه أستوعب الفكرة:
"ربما أكون قد أخطئت؟".
أخذها من جديد من كتفيها وشدها بعنف نحوه:
" قولي من جديد , لماذا تزوجت مني؟".
لو أنه طرح هذا السؤال قبل خمس دقائق, لربما قالت له الحقيقة, مجردة من أي وهم , تفضل الموت على أن تتركه يعرف أنها تحبه بقوة , أن ضعفها أيقظ فيها الغضب الذي ساعدها على لعب دورها عن أقناع , تحررت من عناق ألان وتراجعت خطوات الى الوراء , وراحت تؤدي دور الممثلة البارعة مستخدمة نبرة أنسانة مدللة أصيلة وقالت:
" متوترة؟ لماذا؟ بصراحة يا ألان , يؤسفني أن يكون ميلك الى أعتبار اللذة بهذه الجدية , لقد كنت أعتقد أن الفرنسيين هم أشخاص مولعون بالغرام ومفعمون بالحماس , من دون أي كبت , لكن أنت تبدو على العكس تماما من ذلك , لا داعي للقلق , أني أرفض كليا أفساد وعدي بمستقبل رائع!".
تمثيلها الشجاع والبطولي أتى بنتائجه , فقد أعتلى وجه ألان قناع القسوة والكره الغاضب , مما جعل فلورا تتراجع الى الوراء وقد أعتراها القرف من نفسها.
قال ألان:
" أني آسف أن أكون قد خيبت آمالك الى هذا الحد , ولحسن الحظ أن تلك الغلطة لن تتكرر".
" لا أفهم...".
أني حزين على نفسي , أذ تنقصي برودة الأعصاب , لكن ما أسمعه الآن يعفيني من ضرورة الأعتذار منك , في أي حال أنت أمرأة لا تستحق الأعتذار, فأنت لا تبحثين الا عن الملذات المادية , وأنا سعيد بأن أقدمها لك وذلك لأحرر نفسي من أي دين لي أتجاهك".
وراح يشد على معصميه محاولا السيطرة على غضبه , وكان على وشك أن يقول أكثر من ذلك , لكنه تحاول على نفسه وخرج من الغرفة بعد أن صفق الباب وراءه بشدة, ألقت فلورا بجسمها على السرير , في حالة يأس , مقررة ألا تبكي , لكنها كانت عاجزة عن أن تكبت النشيج المؤلم الذي كان يهزها بكاملها .

الشغاف
06-21-2011, 10:28 PM
بعد نصف ساعة , نزلت فلورا الى غرفة الطعام , كان لويس قد فرغ من فطوره , كانت قد غسلت وجهها وأستعادت ضبط نفسها , لكن روح الفروسية التي يتمتع بها لويس أستيقظت فيه عندما لاحظ ظلالا تحت عينيها الرائعتين , وفي لياقة غير معهودة نهض وسألها ماذا تريد أن تأكل.
" لا شيء. شكرا يا لويس".
وفي الحال, شعر بالغضب من ألان, أنه يعرف فلورا بما فيه الكفاية, وهي لن تسمح له بأنتقاد زوجها, لكنه قرر التحدث الى ألان على حزن زوجته العميق.
قالت وهي تلتفت نحو الباب بأستمرار , كأنها تخشى رؤية زوجها يدخل منه:
" أتسمح لي بفنجان قهوة؟".
" بكل تأكيد".
راح يصب لها القهوة, ثم قال فجأة:
" هل كلّفك ألان أن تقولي لي شيئا؟".
هزت رأسها علامة النفي, فعقد لويس حاجبيه ثم قال:
" سأذهب الى المقطرة هذا الصباح , عليّ أنتظاره , لكنه ليس هنا ولن أنتظره أكثر من ذلك, هل تحبين مرافقتي؟".
أحس بالأرتياح يرتسم على وجهها المضطرب , ولم تنتظر لتكمل قهوتها , فنهضت وهي تقول:
" نعم, يسرني ذلك, سأصعد الى غرفتي لأصطحب حقيبة يدي, سأعود في الحال".
" أنتظري! هذه قهوتك....".
لكنها كانت قد غادرت الغرفة.
كانت السيارة تقودهما وسط حقول الزهر وخصوصا الورد والياسمين والقرنفل التي يعطر أريجها الهواء, وبينما فلورا منغمسة في أفكارها, كان لويس يحدثها بلا راط عن صناعة العطور ولحسن حظها لم يكن ينتظر منها أي تعليق على ما يقول, لم يكن عقلها يسجل ألا قليلا مما كان يقوله, لكنها لم تمنع نفسها من الأستغراب عندما قال لها أن ليترا واحدا من العطر يحتاج الى سبعمائة زهرة.
قال لويس وهو يبتسم بخفة:
" في العالم , خمسة عشر شخصا بمقدورهم التمييز بين ستة آلاف نوع من العطور , ومن بينهم ست أشخاص يعيشون هنا في غراس... وبالطبع, ألان هو واحد من بين هؤىء الأشخاص ".
" وأنت يا لويس ؟ أنني متلأكدة أنك تتقن مهنتك جيدا , لكن لا أعرف لماذا تبدو كأنك لا تريد الأعتراف بذلك".
أبتسم لها أبتسامة عريضة وقال:
" في كل الألتزامات التي حققناها كان ألان أقوى مني , فرأيت أنه لا طائل من منافسته , فقد أعلنت منذ سنوات عديدة , أنني لن أكون سوى تريفيل من الدرجة الثانية , والد آلان ووالدي كانا توأمين, ورث والده القصر والممتلكات بينما والدي كان عليه أن يكتفي بما تركوا له, وذلك لأنه يكبره بعشر دقائق, كنت لا أزال صغيرا عندما قتل أبي وأمي في حادث طائرة, والكونتيسة التي أناديها اليوم أمي , جاءت بي الى القصر , ومنذ ذلك الحين وأنا أعيش هنا".
ثم أضاف بسخرية ومرارة:
" لكن ألان هو الأساس وأنا لست سوى الظل".
لهجته الحزينة أثرت في فلورا كل التأثير , فأنحنت أمامه لتؤكد له في أقتناع:
" ليس هذا صحيحا يا لويس , وأريد منك ألا تفكر هكذا بعد الآن".
لم يعد لويس قادرا على السيطرة على برودة أعصابه أمام أهتمام فلورا الصادق , وأذ به يشدها نحوه ويعانقها , لكن فلورا أبتعدت عنه في الحال, وأمسكت بصعوبة بمقود السيارة التي لم يعد يسيطر عليها لويس , لكنه سرعان ما أعتذر منها :
" أنني متأسف يا فلورا , متأسف جدا! لقد تصرفت بتحريض من عواطفي أمام لطفك وحنانك , أرجوك سامحيني!".
وللمرة الأولى في حياته , يهتم لويس بما يمكن أن تفكر به المرأة , وبالنسبة اليه , كانت فلورا تشكل كل ما كان يبحث عنه, وما يعذبه في الأمر , أنه أكتشف المرأة المثالية , لكن في وقت متأخر , لأنها زوجة أبن عمه, هذا الرجل الذي لا يشعر سوى بالغضب أو الأنانية , أنه لا شك يعامل زوجته في أستهتار ولا مبالاة كما يعامل بقية أفراد العائلة , وهذا ظاهر على وجه فلورا بالذات.
وتأكدت فلورا أنه نادم على ما قام به, فسامحته وقالت له بقسوة ممزوجة بشيء من الرقة:
" أنني أسامحك شرط ألا تتصرف هكذا بعد الآن".
أرتجت شفتا لويس في أبتسامة , وبدورها أبتسمت , وسعان ما زال التوتر بينهما وراحا يضحكان معا من صميم قلبهما , فأضطر لويس الى أيقاف السيارة الى جانب الطريق , ريثما تنتهي نوبة الضحك , وما أن أستعاد لويس رباطة جأشه حتى مسح عينيه الدامعتين وأعلن في حزم:
"شكرا, يا زهرتي الجميلة , لقد أرحت أعصابي , أن نهارا من دون ضحك هو نهار ضائع!".
لمعت عينا فلورا وتبددت أفكارها الحزينة فردت بأبتسامة صافية :
" وأنت أيضا كنت بحاجة لهذا , يا لويس".
" أذا أنا سعيد لأنني أستطعت تقديم خدمة مفيدة لك, علي أن أعانقك كلما رأيتك حزينة ويائسة".
عادت الى الضحك من جديد , وأستعدت للأستفادة من بقية الرحلة , كانا لا يزالان في مزاج رائع عندما وصلا الى غراس , كانت السيارة تعبر جادة واسعة تظللها أشجار الدلب وتطل على حقول الزهر , فسأل رفيقته:
"ما رأيك بهذا المنظر؟".
" أنه لا شك رائع... غريب ... آه , لا أجد الصفات الملائمة لأصفه لك".
" أسمعيني يا فلورا , لست في حاجة الى الذهاب فورا الى العمل , دعيني أطوف بك الأحياء القديمة , أنني متأكد من أنها ستعجبك , بعدئذ , يمكننا تناول طعام الغداء في مطعم أعرفه جيدا , حيث يقدمون أفخر المأكولات اللذيذة في المنطقة , ما رأيك؟".
لم تكن فلورا في حاجة الى جهد لتقتنع بفكرة لويس , كانت الشمس حارة والسماء شديدة الزرقة , وكان لويس رفيقا لطيفا , وفوق ذلك كانت تخشى لقاء ألان في المقطرة, هزت رأسها أيجابا, فشكرها مقبلا أصابعها , وراحا يتمشيان برشاقة , يدها في يده, ثم تسلقا درجا عريضا أخذهما الى المدينة القديمة.
كان لويس دليلا رائعا , أراها المنازل العائدة الى القرن الثامن عشر, ذات الأعمدة المتفاوتة الأقسام , وزارا معا كاتدرائية قديمة العهد , ثم تمشيا في الأزقة الصغيرة الرائعة , أمام كل باب درجة مبنية من الحجارة , وكل درجة مزينة بالنباتات المزهرة التي تتسلل حتى قارعة الطريق , وأمام بعض المنازل , النساء المسنات يرتدين الفساتين الطويلة السوداء وفوقها المراويل البيضاء , وعلى رؤوسهن قمطات من الحرير الأبيض, يراقبن الأولاد الذين يلعبون على الطريق , كانت فلورا مسحورة ومأخوذة أمام كل هذه المشاكل , وأحبت التوقف مطولا أمام الحوانيت الصغيرة حيث يمكن أن يجد الأنسان ما يريد , من الأشياء النحاسية , الى الجواهر القديمة وحتى اللوحات الفنية , لكنها فوجئت عندما سمعت لويس يقول:
" علينا تناول الطعام قبل الذهاب الى المعمل , أعدك بأن أصحبك مرة أخرى الى هنا , ما دمت تحبين هذا الحي القديم".
تنهدت فلورا :
" يا ألهي! هل أنت متأكد أن هناك وقتا لتناول الغداء؟ ألا يجب الذهاب فورا الى المعمل , ربما يحتاجون أليك هناك؟".

الشغاف
06-21-2011, 10:29 PM
لكنه كان مصرا على أن يأخذها الى هذا المطعم ويدعها تتذوق الطعام الجيد.
كان حساء السمك لذيذ الطعم بشكل كبير , بحيث فقدت فلورا شهيتها لتناول الوجبة الثانية , وبدأت تقلق بعدما مر على وجودها في المطعم قرابة ساعة, لكنها أدركت أن لويس لا ينوي الذهاب, راحت تحاول أقناعه بمغادرة المكان فرضي مرغما, كان لويس متعبا لفرط ما أكل وشرب , وكانت فلورا ممسكة قلبها بيديها طول الطريق حتى وصلا أمام بناء ضخم مبني بحجارة القرميد وعلى مدخله كتب بأحرف مذهبة ( عطورات تريفيل).
ولرغبتها الشديد في الترجل من السيارة لم تلاحظ أن سيارة توقفت وراءهما من دون أحداث أي ضجة , فألتفتت لدى سماعها صوت سولانج:
"ها أنتما وصلتما أخيرا ! لقد فتشت عنكما في كل أنحاء غراس".
أبتسمت سولانج في خبث وسوء نية مما جعل فلورا تشعر بالقرف والأشمئزاز.
" أن ألان غاضب بشدة".
وأضافت سولانج بلذة لم تستطع أخفاءها.
تركت لويس يدخل الى المعمل , وتبعت سولانج ثم تسلقتا سلما من الحجارة يصل الى المختبرات حيث يعمل ألان طيلة الوقت , وكانت سولانج تساعده منذ الصباح.
" عندما عرفنا أنك ولويس خرجتما , قررت أصطحاب ألان الى هنا, كنا نأمل أن نجدكما لدى وصولنا , وكان ألان في حاجة الى أحد يساعده في وزن مختلف العطور , وبما أنك لم تكوني هنا, عرضت عليه مساعدته , في أي حال , من الأفضل ألا تكوني هنا ., فلست يا عزيزتي لديك خبرة بهذه الأمور , مثلي أنا , وأسمحي لي أن أقول لك , أنك كنت أزعجت ألان بوجودك أكثر من مساعدته".
لم ترد فلورا , فتابعت سولانج تقول:
" ولدي سبب آخر في مساعدتي له في هذا المشروع , أن الأختراع الذي يعمل عليه سيكون طرفة رائعة , كان قد وصل تقريبا الى النتيجة النهائية عندما حصل له الحادث".
ثم أضافت بعد أطلاقها زفرة أمتنان عميقة:
" أنه عطر خاص بي!".
كانتا قد وصلتا الى أعلى السلم, لكن سولانج توقفت عن الصعود , أذ كانت مقررة أن تفهم فلورا عن الدور الكبير الذي تحتله في حياة ألان.
خلال الغداء أظهر ألان أستياءه من غيابك الذي طال... وغياب لويس, حاولي ألا تلوميه أذا أظهر بعض الغيرة , لقد سبق له مرة أن شك في المرأة التي كان يحبها وأتهمها بالخيانة , ومن ثم لم يعد يثق في أحد".
رددت فلورا قائلة:
" المرأة التي كان يحبها؟ هل تعنين بذلك أنت يا سولانج؟".
قالت الفتاة , وقد فوجئت من كلام فلورا:
" هل أنت على معرفة بذلك؟ هل أخبرك لويس؟".
هزت فلورا رأسها بالأيجاب , وتغيرت سولانج بشكل كامل.
وقالت وفمها يرتجف:
"أنني أتألم كلما فكرت بالأمر , كنا ألان وأنا ننوي الزواج بعد شهر من الحادث , وليلة الحادث , جاء من يقول له أن لي عشيقا".
تحطم صوتها , لكنها أنتصبت وقالت بشجاعة:
" أنها كذبة بالطبع , منذ أن تمت خطبتي لألان لم أفكر بأي رجل آخر , لكن ألان رفض يصديقي وفسخ الخطبة".
وأتسعت عينا فلورا لأنها لم تصدق ما تقوله سولانج التي أدركت بأن فلورا ستقاطعها فأكملت تقول بسرعة:
" وراح يقول للجميع أنني أنا التي تركته وذلك ليراعيني , لكنه هو الذي فسخ الخطبة , ورفض الحديث مع أي أحد بذلك , حتى والدته , ولا شيء مما قلته غيّر رأيه في قراره...".

الشغاف
06-21-2011, 10:30 PM
كانت تحدق في فلورا كأنه تريد أختراق أفكارها وتابعت:
" هل تفهمين الآن لماذا عليك الأحتراس لما تقولينه وما تفعلينه مع ألان, أنه يعي وضعه بصورة مؤلمة ويغار جدا على ما يملكه".
أرتعبت فلورا لفكرة أن ألان رجل متزمت , ولم تفهم كيف أنه فضّل أن يثق بأقوال شخص آخر غير سولانج بدلا من أن يثق بالفتاة التي ينوي الزواج منها , وكانت سولانج تبدو صادقة في كلامها ومن المستحيل عدم تصديقها , كيف يمكن لألان , الذي أحب سولانج كثيرا , أن يرفض الأستماع اليها عندما شاءت أن تقدم له البراهين؟ لماذا أصبح في هذه المرارة والشك؟ وسمعت فلورا كلمات والدها ترن في أذنيها: لقد أصبح هذا الأنسان مثل أنسان آلي , لا حس فيه , ولديه شعور بأنه أصيب بجرح عميق, ليس فقط جسديا , بل أن كل الأحاسيس في نفسه ماتت.
وضعت فلورا يدها على فمها لتمنع صرخة ألم من الخروج من حلقها , أنا تتألم من أجله, هو الذي تعذّب نفسيا من تصوره لخيانة سولانج له , أكثر عمقا من العذاب الذي تحدثه أدوات الجراح, كانت فلورا تدرك جيدا أن لألان أسبابا أخرى غير التي أعلنها من أجل زواجه منها , وهي تعرف جيدا ما هي تلك الأسباب , كان يريد أن يضع سولانج أمام الأمر الواقع , بزواجه من أي أمرأة كان , للأنتقام من حبيبته , التي يعتقد أنها خانته يوما ما مع رجل آخر , تزوج منها لأنه في حاجة الى حاجز , يقيه جاذبية الفتاة التي ما زالت تؤثر به , وكذلك لتملأ الفراغ الذي تركته سولانج في حياته , وأمام هذا الأكتشاف شعرت فلورا بنفسها يتقطع , لقد هجرته هذا الصباح! لا شك أنه كان في حاجة أليها لتساعده في عمله فأضطرته الى اللجوء الى سولانج!
" أين ألان ؟ يجب أن أوافيه".
بدت قلقة جدا مما جعل سولانج تبتعد تاركة لها المجال لأن تعبر الممر , أضافت فلورا تقول عندما رأت سولانج تتبعها:
" أرجوك, أريد التحدث اليه بمفردي".
قطبت سولانج جبينها , لكن أمام قرار فلورا , أدركت أن لا مجال للمناقشة , هزت كتفيها وعادت الى نزول السلم , وقالت في لهجة تحد:
" عظيم . سأكون مع لويس , أذا طلبني ألان".
لكن فلورا كانت قد أختفت داخل المختبر.
وجدت ألان يتحدث مع رجل شاب يرتدي مريولا أبيض , ويصب بدقة من قنينة سوداء ,كمية صغيرة جدا من سائل ما, قناني متنوعة حول طاولة العمل , وتذكرت فلورا ما أخبرها لويس , عن مجموعات الزيوت الأساسية الذي يختار منها كل المحتويات التي ينوي أستعمالها لتجاربه, أنابيب مخبرية , مصاف كيميائية , مقطرات, كلها موزعة على طاولة العمل المغلفة بألواح زجاجية خشنة.
وأذا بالرجل يتحدث الى ألان ليخبره بوصول أمرأة راح يصفها له, وشعرت بأنقباض ألان الذي رد على مساعده بدون الألتفات نحوها, نظر اليها الرجل وقدّم أعتذاره وخلع مريوله وأختفى تاركا العروسين وحدهما.
تلعثمت فلورا في خجل مثل فتاة تشعر بالخطأ الذي أرتكبته وتحاول الأعتذار , حين قالت:
" أنني آسفة لتأخري , ربما كان يجب عليّ أخبارك في الصباح أنني سأذهب مع لويس , لكن لماذا لم تنبهني أنك ستكون في حاجة الى مساعدتي , لم أفكر بما فعلته".
ألتفت فجأة , رافعا رأسه بغطرسة وقال بنبرة متهمة:
" لم تفكري بما فيه الكفاية.... أو بالعكس , لقد فكرت أكثرمما يجب؟ أنني أعرف الأساليب التي يستعملها أبن عمي أتجاه الجنس اللطيف , وللأسف لن يعجبك أذا قلت لك أن المال ينقصه , لديه فقط ما يكفي لأرضاء ذوقه الغريب , ويجب عليّ أن أحذرك بأنك, أذا كنت تخططين للأستفادة من أمواله , فأنك تضيعين وقتك سدى".
كانت كلماته بمثابة صفعة على وجه فلورا , فأبتلعت أحتجاجها وبقيت مسمرة جامدة في مكانها , لا فائدة من التعبير عن حاجتها لتؤكد له صدقها وتقنعه بأنها نادمة على أختيار رفقة لويس بدلا من رفقته هو بالذات, لن يصدقها في أية حال , لكنها كانت على وشك أن تشرح ما حدث , ألا أن صوت ألان أوقفها عند حدها , فقد ألتفت نحو طاولة العمل , يبحث بيده عن شيء لم يتمكن من العثور عليه , أطلق شتيمة وقال :
" أنني في حاجة الى سولانج, أرجوك أن ترسلي وراءها حالا , أطلبي من أحد العمال أ ن يأخذك الى القصر , لا تختاري لويس , لأن وجوده هنا ضروري , لدينا أعمال كثيرة نريد تحقيقها , كما أنني لا أريد منك تشجيعه على الكسل".
قامت فلورا بجهد كبير لترد عليه في عزة نفس لكنها لم تكن قادرة على أخفاء أرتجاف صوتها كليا:
" عظيم, سأفعل ما تطلبه مني ,. لكن لا داعي لأن تنصنحي بعدم أزعاج أي كان , ليس في نيتي منع لويس من العمل , أو منعك أنت , ألى اللقاء يا ألان".
كبتت الدموع التي كانت تحرق جفونها وتابعت تقول:
" سأخبر سولانج أنك في حاجة أليها قل الذهاب الى القصر".
خلال الأيام التالية , حاولت فلورا أن تتحاشى الألتقاء بألان قدر أستطاعتها , كانت تنتظر مغادرة السيارة التي تقل ألان, لويس وسولانج , قبل توجهها الى غرفة الطعام لتناول الفطور.
وفي الصباح كانت تذهب الى حقول الزهر , حيث الجمال وأستقبال القطافين الحماسي لها , كانا حميمين بالنسبة أليها , ألان ولويس وسولانج لن يعودوا الا قبل موعد العشاء بقليل , وفلورا ستتناول طعام الغداء مع الكونتيسة , وبعدها تمضيان ساعة من الوقت تتحدثان وهما جالستان مع بعضهما في الحديقة , الى أن يأتي موعد الكونتيسة الأم في الخلود الى القيلولة الغالية على قلبها, أن العطف والحنان والمحبة التي كانت الكونتيسة تكنها لفلورا , كلها بمثابة عزاء لعواطفها الجريحة والمهانة, وكانت بدورها توفر لها الحنان بالمقابل وذلك في شوق وحماسة عائدين الى سحر وتفهم المرأة العجوز , ومن جهة أخرى الى الوحدة القاسية التي تشعر بها فلورا كلما فكرت بوالديها والحب الذي أحاطاها به.
وخلال أحدى تلك الجلسات , أظهرت الكونتيسة شعورها بأن الأمور بين أبنها وعروسه تبدو وكأنها ليست على ما يرام , كانتا جالستين في الحديقة , قرب سبيل ماء يخر , عندما حدقت الكونتيسة في عيني فلورا اللامعتين وقالت:
" لست سعيدة , أبنتي ,كنت آمل في أن طبيعتك سوف تؤثر على ألان, لكن أرى أن العكس هو الذي حصل, أن طبعه بدأ يدخل الى قلبك".
كانت فلورا على وشك أنكار ذلك عندما أضافت الكونتيسة:
" لا تنكري ذلك , يا حبيبتي , أنك تبذلين جهدا كبيرا لتظهري بمظهر المرأة المرتاحة , لكن حتى في الراحة , يبدو وجهك الناعم متوترا , أن أبني زوج صعب , أليس كذلك؟".
أصفر وجه فلورا فجأة , فأعتذرت الكونتيسة :
" سامحيني أذا كنت تتألمين , يا صغيرتي , أنني فعلا أمرأة لا يغفر لها!".
قالت فلورا وهي تحاول الأبتسام:
" لا شيء يا أمي , أنني أعرف أنك قلقة على ألان وأنك تريدين له كل السعادة , لكن للأسف, أخشى أنه لن يجد سعادته معي".
قالت الكونتيسة في أقتناع:
" أذا , فلن يجدها مع أحد غيرك, كنت أتمنى أن أوبخ ألان على أهماله لزوجته , لكنه لم يعد الأبن الذي كنت أعرفه , الرجل الطيب اللطيف والرائع , والا لما تأخرت لحظة واحدة عن القيام بذلك, لكن الولد الذي عرفته وأحببته ضاع الى الأبد".
أحتجت فلورا في أقتناع:
" لا , يا أمي , لا تدعي نفسك تصدقين ذلك ! أنه سيعود كما كان عندما يسترد بصره , أن في وسعنا أقناعه بأن العملية الأخيرة ضرورية له".
تألق وجه الكونتيسة وقالت:
" أذا , يجب أن نحاول ذلك يا حبيبتي , يجب أيجاد طريقة لأقناعه , أنا وأنت يمكننا ايجاد هذه الطريقة".
وأخذت الكونتيسة يد فلورا بيدها الناعمة , وشعرت المرأة الشابة بأملها ينتعش كأعجوبة من جديد , وذلك بفضل الجهد الذي قامت به لتبدد فتور عزيمة المرأة العجوز ,وبنشاط متجدد , أستجمعت فلورا أفكارها, لا بد أن هناك هاعة أو صدعا في بنية ألان, وعليها أن تكتشفها مهما كلف الأمر , كان على وشك تدميرها , وفي محبتها له, أتاحت له المجال ليحقق هدفه , لكن اذا تمكن من تحقيق سعادته , في تدميرها , فأن التضحية تكون عندئذ مبررة.
" كم يكون ذلك رائعا حين أستعيد ولدي , كان ألان يذكرني بزوجي العزيز بصورة مستمرة , أنه يشبهه تماما حتى أنه يتهيأ لي أنني لم أخسر زوجي, ولهذا السبب أرى نفسي حزينة جدا من جراء الحادث الذي أفقد ألان, لا بصره فحسب بل طبيعته المحبة والكريمة أيضا".
وأضافت حالمة:
" زوجي كان رجلا متقلب المزاج , ينتقل بسرعة من الحنان الى الغضب , وفي ظرف ثوان قليلة يمكن أن تصيبه نوبة غيرة شديدة التخريب والتدمير".
ضحكت بعض الشيء حينما تذكرت ذلك , فالذكريات تجعل عينيها حنونتين :
" لكن بعد أن تهدأ نوبته كان يبدو نادما ومنسحق القلب , وكان يخجل من فقدانه برودة أعصابه ورباطة جأشه , كان يقول دائما لطلب المعذرة : يجب أن تعتبري ذلك مديحا لك, لو لم أكن أحبك , لما كنت غيورا عليك الى هذه الدرجة , أي أمرأة يمكنها مقاومة هذا المنطق؟ كان مؤثرا , وحيويا, وغير قادر على مقاومة رغباته الطبيعية...".
أخرجت زفرة عميقة وأضافت :
" أن ألان مختلف عن والده, فالغضب والحقد البارد والغيظ كلها تسيطر عليه الى درجة تجعلني أتساءل ما أذا كان مجردا من أية عاطفة...".
وخلال فترة غير قليلة , حاولت في صمت التخلص من توترها , فجأة تنهدت الكونتيسة , فرفعت فلورا عينيها ورأتها تضحك , في ضحكة خبيثة كانت تنعكس في عينيها.
" لقد وجدتها!".
راحت الكونتيسة تفرقع في أصابعها في حيوية ونشاط , كأنها لا زالت شابة , ثم نظرت الى فلورا التي كانت متعجبة وراحت تضحك , وفاجأت كنتها قائلة:
" يجب أن تجعلي ألان يغار عليك".
تلعثمت فلورا وهي تقول:
" ألان يغار؟ لكن لماذا.... كيف يمكن ذلك؟".
أجابت الكونتيسة في لهجة حازمة:
" لأتك, بهذه الطريقة , تبرهنين له وفي الوقت نفسه لك أيضا أنه ليس بالفعل الأنسان الآلي وفاقد الأحساس".
وراحت تشدد على أقوالها:
" الغيرة هي أخت الحب , وعندما نوقظ الأولى , نكون قد أيقظنا الثانية حتما".
شعرت فلورا أن قلبها ينتفض , كل شيء يبدو سهلا في نظر الكونتيسة , لكن الوضع بينها وبين ألان أكثر تعقيدا مما تظنه المرأة العجوز , ففي رأي الكونتيسة , أنه يكفي أخراج ألان من اليأس الذي نتج عن الحادث , فهي تجهل أنه لم يكن للحب أي دور يلعبه في هذا الزواج الغريب منذ البداية , ولا يمكن لفلورا ألا تفي بوعدها لألان بعدم أطلاع الكونتيسة على حقيقة زواجهما , وبهدوء قالت:
" أني أخشى أن يكون مشروعك عديم القيمة , ياأمي , لن يغار ألان علي أبدا , ليس هناك أي سبب يجعله يغار ما دام يعرف أنني أقضي وقتي معك أو في الحقول".
" هه... يجب أن ندخل لويس في خطتنا هذه ... أنني أعرف تماما أن لويس سريع النكتة , وهو حاضر بأستمرار ليلعب الدور المطلوب منه , نعم, يجب علينا أستشارة لويس بالأمر".
كان يبدو لفلورا أن عليها أقناع الكونتيسة بعدم جدوى تنفيذ هذا المشروع , لكن قبل أيجادها الحجج اللازمة , قالت الكونتيسة :
" يجب أقامة حفل في القصر".
نهضت الكونتيسة وأخذت تتمشى طولا وعرضا وقالت:
" أصدقاؤنا وجيراننا في أنتظار أن نتيح لهم المجال ليرحبوا بعودة ألان , وليتعرفوا أليك , أنت الكونتيسة الشابة , يا أبنتي العزيزة , لقد أخرت موعد اللقاء وأعتذرت أذ قلت أنكما لا تزالان في شهر العسل , لكنهم يعرفون أن ألان يتردد يوميا على المصنع , ولا مجال ليرفض أقامة حفلة عشاء عندما أخبره بذلك".
توقفت ثم سألت فلورا فجأة :
" والآن , أخبريني , هل عندك الجرأة لذلك؟".
لم تجد فلورا الشجاعة الكافية لتهدئة آمالها وحماسها , كانت تنظر الى حماتها من دون قول شيء , ولما صفقت الكونتيسة بقدمها علامة نفاذ الصبر , همست فلورا تقول:
" عظيم , أذا كنت تعتقدين أن ذلك يعطي النتيجة المرجوة... لا مانع من التجربة".
أسترخت العجوز وقالت ببساطة:
"لن يتأخر ألان في أن يجد فيك كل اللطف والسحر , يا عزيزتي , ولا شك أننا متى وصلنا الى غايتنا , فلن ندعه يشفق على حاله وسوف يرغب حينذاك بأستعادة بصره, أذا لن يعود قادرا على تحمل أي عائق في طريقه".
قالت فلورا بصوت ضعيف:
" آه يا أمي , آمل ألا تكوني مخطئة في تقديرك , أنني أود أن يحصل ذلك من كل قلبي".
أنحنت الكونتيسة ووضعت يدها على ذقن فلورا ورأت الدموع في عينيها وقالت بلطف:
" لا تذرفي الدمع , يا صغيرتي العزيزة , ألا أذا كانت دموع الفرح, هيا, أمسحي عينيك , هناك شيء أريد أن أريك أياه".
نهضت فلورا فتأبطت الكونتيسة ذراعها وأدخلتها الى القصر ثم قالت:
" صباح اليوم, طلب مني ألان أن أريك جواهر العائلة , كي تختاري منها ما يناسبك , لكنني تذكرت الآن , أنني على يقين من أنك توافقين هلى أن هذه البادرة من جانب ألان يبشر بالخير".
لا للأسف , هذا ما كانت فلورا ترغب في قوله للكونتيسة , وهي تتبعها في أتجاه المكتب , أن الكونتيسة لا تعرف أن ألان يريد من أعطائها الجواهر تسديد الدفعة الأولى من الدين الذي يعتقد أن فلورا تستحقه.

الشغاف
06-21-2011, 10:31 PM
8- وجها لوجه
لم يدر بخلد فلورا المنظر الرائع لهذه الجواهر فاللآليء البيضاء كلون الحليب متناسقة على أكمل وجه , وتشكل حبات عقد طويل يصل حتى الخاصرة , وطقم من المجوهرات المصنوعة من الماس والؤلؤ يتكون من الحلى , كالياقوت الأسود , والياقوت الأزرق والزمرد , مركبة على الذهب الناعم , تشكل مجموعة متناسقة من الخواتم والعقود والأساور والحلق والبروشات , لقد أخرجت الكونتيسة جميع ثروتها من صندوق مجوهرات كان مخزونا وراء جدار في غرفة المكتبة , وفتحت معظم العلب بعد أن وضعتها على الطاولة أمامها , وأمام هذه الروعة , تراجعت فلورا الى الوراء , الى حد الأشمئزاز .
كان يمكن لها أن تفرح أمام غنى الألولن , وأمام نضارة الرسوم في هياكل الحلى , لكن بالنسبة اليها , كل لؤلؤة هي دمعة , وكل حبة ماس تذكرها بقسوة عيني ألان .
فقالت الونتيسة وهي تحني رأسها:
" أية حلية تفضلين؟".
تلعثمت المرأة الشابة:
" أنها كلها رائعة حقا يا أمي, أنها شديدة الجمال والروعة الى درجة أنني لا أستطيع وضعها عليّ , سيتملكني خوف كبير أذا أضعت شيئا منها".
" هيا أذا أنت الكونتيسة تريفيل , وستعتادين بسرعة أرتداء المجوهرات الثمينة والقيّمة, أن جيراننا يستقبلون كثيرا وعليك تلبية دعواتهم, لنرى ونقرر معا أي نوع من الحلى يناسب جمالك الناعم!".
لكن برغم رغبتها القوية في أرضاء الكونتيسة , لم تكن فلورا قادرة على أظهار حماس حقيقي , وسرعان ما شعرت المرأة العجوز بعدم أهتمام كنتها بالأمر , وفي أرتباك هزت الكونتيسة الأم كتفيها وأعادت الحلى الى علبها وأغلقتها بخشونة , تعبر بها عن خيبة الأمل التي أحست بها ,
شعرت فلورا بأنها جرحت شعور حماتها وأرادت التخفيف من خيبتها, وفي أحدى العلب المخفية في طرف الصندوق وجدت ميدالية صغيرة من الخزف الأزرق , تحملها سلسلة ذهبية نحيفة, مدت فلورا يدها مصطنعة اللطف وتناولت بنبرة نادمة جعلت الكونتيسة تضحك بالرغم منها.
هذا ... هذه الجوهرة تعجبني".
تناولت منها الميدالية وقالت:
" هذه؟ أنها تقريبا من دون قيمة تذكر, يا أبنتي! لقد أهداني أياها لويس منذ سنوات عديدة, في مناسبة عيد زواجي, وأعتقد أنه منذ ذلك الوقت والميدالية هنا".
كانت الميدالية تتأرجح في طرف السلسلة , محدثة بريقا أزرق تحت تأثير نور الشمس.
قالت فلورا بأرتباك ظاهر:
" هذا يعني أن عليك الأحتفاظ بها داخل العلبة".
" كلا , أنني مسرورة لأنك وجدت شيئا يناسبك , يا أبنتي الصغيرة , أنظري".
كانت تشير الى نقش على الميدالية يقول: متحدان , لكن منفصلان, دائما.
شعرت فلورا بقلبها ينبض بسرعة مؤلمة , يا لهذا الماكر , الذي أرادها أن تختار بالضبط ما يعبر عن الوضع الحالي بينها وبين ألان.
الثوب الحريري الذي كانت ترتديه في السهرة , كان في حاجة الى شيء يخفف من حدته , فجاءت بالميدالية الصغيرة لتؤدي هذا الدور بشكل رائع, وتراءى لها أن كل زفرة تخرج من صدرها هي صدى للكلمات المنقوشة على الميدالية التي لا تراها العين بقدر ما هي محفورة بأحرف نارية.
" متحدان لكن , منفصلان دائما".
ألان وهي كانا في ليلة عرسهما أنسانا واحدا , لقد نبض قلب زوجها فوق قلبها في حرارة , لا تزال حتى اليوم , تترك آثارها على شفتيها الحنونتين , وفي جسمها المتشوق , واذا لم تبق لها ألا ذكرى تلك الليلة , فلن يساورها الندم , ولو أضطرا في المستقبل الى أن يبتعدا , فستظل لحظات الأنصهار الكلي ملازمة أياها الى الأبد.
أغمضت عينيها لتبعد عنها تعاستها المنعكسة في المرآة , وظلت جامدة لفترة طويلة , تحاول حبس الدموع التي تتدفق من عينيها.
دخل ألان من دون ضجة , وعندما سمعت فلورا صوته , أنتفضت مذعورة :
" كنت مع والدتي منذ برهة , وأخبرتني أنك لم تعجبي بأي من الحلى والمجوهرات!".
ألتفتت فلورا اليه ومن دون وعي وضعت يدها على الميدالية الصغيرة الزرقاء كأنها تعويذة تحميها من الخطر المحدق بها, وقالت بصوت صدر عن حنجرتها المؤلمة:
" بالعكس , أن الحلى ذات جمال رائع , وثمن باهظ , لا يمكنني وضعها بدون خوف من أضاعتها , يجب يا ألان , ألا تنسى أنني فلاحة من قرية صغيرة , ولست معتادة على هذا الغنى , أرجوك أن تفسح المجال حتى أعتاد ذلك".
كانت تنتظر منه جوابا ساخرا , لذلك كتمت أنفاسها , لكن صوت ألات كان يحمل ظلا من الحنان:
" أيته الفتاة المسكينة البسيطة , لماذا تصرين على هذا المنطق؟".
وأمام هذا اللطف الذي لم يعودها ألان عليه , أتسعت عينا فلورا الزرقاوان قلقا , أقترب ألان منها فتراجعت الى الوراء بعنف جعلها تسقط على الكرسي الصغير , الذي أصطدم بالطاولة , فتلاطمت قوارير العطور محدثة ضجة عالية , حينئذ , وضع يده في جيبه , كأنه يعلن الهدنة.
شعرت بالندم وتقدمت منه , تنوي ملامسته , لتبادله شعوره من دون كلام, لكن وجه ألان الجميل الداكن تسمر , وأعتلى الحقد المتزمت شفتيه وقال:
" لا داعي للتهرب مني! لقد جئت لأراك بناء على طلب أمي التيترى أنني أهملك , وهي تجهل أنك تفضلين لامبالاتي على أهتماماتي ولا أريدها أن تعرف هذا".

الشغاف
06-21-2011, 10:32 PM
أرادت الأحتجاج لكنه تابع يقول:
" لقد أجبرتني على قبول مشروع آخر , لا يعجبني أيضا , لكني وعدتها بأن أشترك فيه , سوف نقيم حفلة عشاء كبيرة من أجل أن يتعرف أصدقاؤنا وجيرننا الى الكونتيسة الجديدة , والدتي ستساعدك في تنظيم كل شيء , أنها مضيفة رائعة , وليس لك سوى أتباع نصائحها , سأنهمك في أعمالي داخل المختبر , في هذين الأسبوعين , ولن يكون في أستطاعتي مساعدتك , لكني متأكد أنك ووالدتي سوف تدبران الأمور بنجاح , وبذلك تطمئن والدتي على موقفي أتجاهك , وستكون, بالنسبة أليك, فرصة رائعة لتعتادي وضعك الجديد , في المقابل , الجميع سيكونون فرحين".
راحت فلورا تقول لنفسها وهي تحدق فيه, أنها لم تر في حياتها أنسانا أتعس منه, ويبدو أنه حتى وجود سولانج الدائم وأستعادة صداقتهما القديمة , غير كافيين لأزالة التعاسة من نفسه.
" سوف ننزل معا الى قاعة الأستقبال".
وقدّم لها ذراعه لتتأبطها , ومن دون همسة وضعت أطراف أصابعها على كم بذلته البيضاء , فتقلصت عضلات ذراعه تحت تأثير هذا الضغط الخفيف , كأنه يحاول السيطرة على أي ردة فعل يمكن أعتبارها دليل صداقة.
وخلال العشاء لم تستطع فلورا التوقف عن التفكير بالخطة التي رسمتها الكونتيسة في النهار ذاته , فقد أخبرت لويس بالأمر , وما أن جلست فلورا على الطاولة حتى بدأ لويس يغازلها.
أنحنى صوبها وغمس نظره في نظرها وهمس قائلا:
" هذا مديح منك وأطراء أنك رغبت في أرتداء هذه الميدالية , التي هي أسهام متواضع مني لكنوز تريفيل العظيمة , هل هذه الميدالية بالذات أعجبتك . أو لأنني أنا من أشتراها وأنت تحبين ما أختاره؟".
فوجئت فلورا ولم يتسن لها الوقت لكي ترد عليه , فأخذت الكونتيسة الكلام عنها , ومن دون أي أرتجاف في عينيها , أعلنت في صوت عال:
" أعجبت فلورا بهذه الميدالية , منذ اللحظة التي وقع نظرها عليها , يا لويس , فقد أهملت كل ما تبقى من جواهر لصالح جوهرة صغيرة أهديتني أياها منذ زمن بعيد , هل أنت حاقد علي لأنني تنازلت عنها لفلورا؟".
" أنا, بالعكس , أنني مبتهج لأبعد الحدود , يا أمي , لقد وهبت فلورا الحياة لتلك الميدالية , أني أحسدها لأنها معلقة على صدرها".
أحمر وجه فلورا بشدة , ولم تستطع تجاهل ألان , الذي كان يبدو هاذئا يصغي الى الحديث من دون أهتمام, لكن فلورا لاحظت أن يديه تحاولان السيطرة على النفس , أما سولانج, اليقظة بأستمرار , فقد قالت في نبرة ساخرة وعيناها تحدقان في وجه فلورا المحمر خجلا:
" يا فلورا المسكينة! لا داعي للأرتباك الى هذا الحد, أن لويس يحب التنكيت ويجب عدم أعتبار كلامه جديا , خاصة من فتاة بسيطة مثلك".
ثم ألتفتت نحو لويس وأضافت:
" لكن يجب الأعتراف أن مزاجك له تأثير سعيد. أن وجنتي فلورا الورديتين وعينيها اللامعتين , تجعلها جميلة أليس كذلك؟".
ومن دون أن تدري , كانت سولانج تشارك في المؤامرة الموضوعة وكانت الكونتيسة الأم مبتهجة لهذا الأمر , فقالت مؤيدة:
" كلامك صحيح يا سولانج ".
ثم وجهت كلامها الى لويس :
" يبدو ,يا لويس , أنك تملك موهبة أبهاج فلورا , فهي تبدو شديدة السعادة من خلال الطاولة".
" وفي المقابل , أنني أتمتع بأستمرار بالذوق الرفيع لأسعاد النساء الجميلات , خاصة أن جمال فلورا هو نادر وفريد من نوعه ".
وفي عنف مفاجىء , وجه حديثه الى ألان:
" أليس مزعجا للغاية, يا أبن عمي العزيز , لأنسان مثلك أن يملك زوجة ذات جمال يحسده عليها كل الرجال , وهو غير قادر على الأستمتاع بها كليا , لو كنت مكانك لما تخليت يوما عن الأستمتاع بالمرأة التي أملك".
قالت الكونتيسة في نبرة أحتجاج:
" لويس!".
كانت تريد أفهمامه أنه ذهب بعيدا , لكنه أكتفى في هز كتفيه من الشعور بأي ندم وتابع يقول:
" هل أنت من رأيي يا ألان , أو أنت متألم من الكبت والحرمان ؟ لو كنت مكانك...".
وبحركة عصبية طوى ألان فوطته , كانت فلورا تراقبه في نظرة قلقة عندما قال بصوت مزعزع:
" لو كنت مكاني يا لويس؟ لكن هذه الأمنية ليست جديدة بالنسبة أليك , أليس كذلك؟ أنها تعذبك مدى الحياة , لو كنت مكاني , لتسلمت أدارة أعمالنا وكل الأموال التي تريد صرفها , وكم نحن سعداء أنك لست مكاني , لن يتسنى لك المجال لكي تضع يدك على الأعمال , وعلى القصر ... ولا حتى على زوجتي!".
كانت عيناه كأنهما في شعلة باردة:
نهضت فلورا , العداوة التي أكتشفتها فجأة بين الرجلين ترعبها بشكل كبير.
" لا , يا ألان, يجب ألا تتحدث بهذه اللهجة! أنت فهمت خطأ , يحاول لويس أن يفيد...".
" نفسه".
كان يتحداها أن عاكسته , كانت تريد تبني هذا التحدي , ربما كان لويس أنسانا ضعيفا , لكنه ليس الرجل الضال كما يراه ألان, لكن الونتيسة تدخلت:
" ألان , لويس ".
كان صوتها حاد كالحديد.
" سوف تنهيان هذا المشهد المؤسف , في الحال".
لكن في غضب لا يراعي شعور أحد, نهضا وجها لوجه , كأنهما على أستعداد للمبارزة بين لحظة وأخرى , بينما كانت الكونتيسة تنتظر أن يطيعا أمرها , كانت عينا سولانج تلمعتن فرحا وشماتة , انها أمام تجربة لن تشهد مثلها في مجتمعها المتمدن , وفي هذا الصمت المتوتر , تنهدت فلورا , فألتفت لويس نحوها , وأمام محنتها بدا خجولا ونادما . فقالت متمتمة:
" لويس , أرجوك !".
فأبتلع غضبه وضحك. وبنبرة خفيفة , أعلن عن أنهزامه وقال معتذرا:
" سامحني يا ألان , أن كلماتي غير لائقة فأرجو أن تعذرني".
وبدلا من الأسترخاء, خاب أمل ألان لدى رؤية فريسته تتهرب منه , أكتفى بأن هز رأسه المتغطرس ومد يده في أتجاه سولانج حتى تقوده خارج الغرفة.
وعندما أنغلق الباب, ترك لويس جسده يقع على الكرسي , منهوك القوى , وقال بأرتياح:
" أوف , لقد أعتقدت للحظة أننا سنتبارز".

الشغاف
06-21-2011, 10:33 PM
ألتفت نحو الكونتيسة التي كانت ما تزال مضطربة :



" أمي, أرجوك , أذا كانت لديك أفكار أخرى , من أجل أثارة أنفعالات ألان, أرجوك ألا تشركيني فيها , أفضل مئة مرة أن أضايق نمرا على أن أعيش من جديد لحظات كهذه".



لكن الكونتيسة لم تبد فرحة بهذه النتيجة , كانت ترتجف , جلست على الكرسي وقالت بصوت قاس ومتهم:



" لقد أظهرت قسوة كبرى أتجاه ألان يا لويس من دون شفقة وعن قصد... وهذا لن أسامحك عليه مطلقا".



ثم أضافت بصوت دامع:



" لماذا , يا لويس؟".



وأمام نظرات الكونتيسة المليئة باللوم والتأنيب , أحمر وجه لويس وراح يرتجف بأنزعاج , أراد الرد عليها, مرر يده في شعره وراح يباشر الدفاع عن نفسه أذ قال:



" فكرت أن الطريقة الوحيدة لأخراجه من قوقعته هي مهاجمته فيما يتعلق بعاهته, وحب ما فهمته منك , هذا هو الهدف المفروض أصابته".



بهدوء وضعت فلورا يدها على كتفه معبرة عن تعاطفها معه ثم قالت:



" أن تصرفك وليس ما نطقت به من كلام هو الذي جعل التوتر يدخل الى قلب أمي".



ثم أضافت والقشعريرة تختلجها:



" أنه شيء مؤسف ومروع حين نراك على أستعداد لخوض معركة مع أبن عمك ... الأعمى".



أصفر وجهه وقال:



" أنني أفهم ".



وبعد صمت قصير أستطرد يقول:



" أن تكهنه ينسينس أنه أعمى أحيانا , عندما أراه ينزل مسرعا , أو عندما يتوجه نحو مقعده من دون تردد , أتساءل ما أذا كان أعمى بالفعل , أو أنه يتصنع ذلك ليخدعنا جميعا".



أرادتا مقاطعته , لكنه هز كتفيه:



" نعم, أعرف , أعرف, هذا مستحيل ! أنه أعمى حقا, وأني خجول لمحاولة تحديه , لكن ما أطلبه منكما , هو أن تشرحا لي , كيف في أستطاعته تدبر أمره بهذه السهولة ؟ هل يملك حسا أضافيا , لا نملكه نحن؟".



أجابت فلورا ببساطة:



" أنه يعد...".



ردد لويس بأستغراب:



" يعد؟".



" نعم, وفي أي مكان يتنقل بهذه السهولة والطمأنينة , يكون قد عد سريا الخطوات مسبقا , حتى أنه يعرف تماما كم هو في حاجة الى خطوات ليحقق هدفه".



ظل لويس متعجبا كالأخرس , فقالت فلورا:



" نعم, لقد سمعته, ليلة بعد ليلة, عندما يعتقد أن الجميع نائمون, يسير في الممرات وعلى الرج وفي غرفته... ويعد من دون توقف, ثم يعود ويظل يعد , ألى أن يتأكد تماما من قدرته على التنقل بدون أن يخشى التعثر".



قال لويس في صوت مبحوح وعيناه تحدقان في وجه فلورا الهاديء:



"يا ألهي , ما هذه المعاناة ... وما هذه الشجاعة!".



تدخلت الكونتيسة وقالت:



" ما من أحد يشك في ذلك, حتى ولو كانت فيه بعض النواقص , فأن ألان برهن أنه شجاع بما فيه الكفاية".



وللحظات قصيرة كانت فلورا تخشى فقد أعصابها التي تحافظ عليها, لكن المرأة العجوز رفعت رأسها ووجهت للجميع أبتسامة عريضة وقالت:



" هيا , يا أولادي , ما حدث معنا الليلة يجب ألا يفسد مخططنا , أتفقنا؟".



أستعاد لويس طبيعته وقال وهو يحي الكونتيسة تحية عسكرية :



" أتفقنا , أيتها الكولونيل!".



لكن عندما تطلعت الكونتيسة , الى فلورا , أحمرت المرأة الشابة وجاهدت قبل أن تقول بصعوبة:



" أنني ,,, أنني سأحاول قدر أستطاعتي... ما دمت متأكدة , من أن هذا سوف يساعد ألان".

الشغاف
06-21-2011, 10:40 PM
رفضت تناول الخبز والجبنة الحادة والبصل , لكنها تناولت فنجان قهوة, كانت الأم فيكتوريا تحدق فيها وهي تشرب. فلاحظت شحوب وجها فعاتبتها لأنها لم تكن تضع قبعة على رأسها.



" شمسنا أكثر حرارة من شمس أنكلترا , يا كونتيسة".



ثم صرخت في صبي كان يمر راكضا:



" جان بول! أذهب وأسأل والدتك أذا كان في أمكانها أن تعير قبعتها الجديدة الى الكونتيسة بسرعة!قل لها أنني التي أرسلتك".



أحتجت فلورا :



" لا , ليس هذا ضروريا ..."



لكنها سمعت الفتاة الشابة ذات العينين السوداوين الواسعتين اللتين لم تتوقفا عن التحديق في وجهها تقول في خجل:



" أن الأم فيكتوريا على حق, يا سيدتي الكونتيسة , حرام أن تفسدي لون بشرتك الناعمة".



ووافقت المجموعة التي تحيط بها على ما قالته الفتاة , فأحمر وجه فلورا بشدة , وتدخل أحد القطافين ليمدح فلورا قائلا:



" أن أسمك يليق بك, يا سيدة فلورا , وأذا سمحت لي فأني أقول أن بين كل الأزهار التي تنبت من حولنا , أنت أجملها, ونملك لآن السبب للأحتفال , ما دام السيد ألان أنهى تجاربه , أولا : الأحتفال بقدوم أجمل زهرة ألى عائلة تريفيل , وثانيا أختراع أدق عطر لم يسبق لمعامل تريفيل أن صنعت مثله".



وضع أصابعه على شفتيه وراح يقبلها ويقول:



" آه , أي نصر حققه سيدي الكونت".



هكذا أذا , أنهى ألان أعماله , ولم تجرؤ فلورا على القول لهؤلاء الرجال أن العطر ليس لها , وأن لسولانج الحق فيه أكثر منها.



فجأة , أختلطت الوجوه السعيدة التي تحيط بها , بكثافة السحب في الفضاء , ولم تعد قادرة على رؤيتهم الا من خلال الضباب الحار, أن عطر الزهر , الثقيل يختلط برائحة الأجبان والثوم, وشعرت بعدم قدرتها على التنفس , والأصوات حولها بدت وكأنها قرقعة وضجيج , أخيرا, أنزلقت من مقعدها وتركت الغياهب تبتلعها وتجرفها في موجة لا ترد.



عندما أستعادت وعيها , كانت ممددة على الفراش الصغير, في أحد منازل القطافين , الغرفة مظلمة , والصمت يعم , وللحظة ما , تساءلت فلورا أين هي , أرادت النهوض , لكن وجه الأم فيكتوريا المتجعد ظهر فوق رأسها:



"لا تتحركي يا أبنتي , أنتظري قليلا , دعي الوقت يساعدك لتستردي قواك".



تركت فلورا رأسها يقع على الوسادة وقالت:



" معك كل الحق في أن توبخيني , أيتها الأم فيكتوريا , لا شك أنني تعرضت الى ضربة شمس".



قالت الفلاحة العجوز وهي تهز رأسها معبرة عن القلق:



" نعم, كان علينا تنبيهك مسبقا ألى تأثيرات الشمس, وما سيقوله السيد الكونت , عندما يطّلع على أهمالنا , لا أجرؤ على التفكير بذلك, أننا نستحق أن يقبض علينا , لأننا أغبياء".



" آه , أنك لا شك تمزحين".



وحاولت فلورا من جديد الجلوس , لكنها شعرت بدوار , فعدلت عن ذلك, وراحت تحاول التخفيف عن العجوز من المخاوف التي تساورها , فقالت بصوت خفيض:



" أنا الوحيدة المسؤولة عما حدث لي , ما كان ينبغي أن أتنزه عارية الرأس في هذا الحر اللاهب , وبعد أن أستريح قليلا , سأعود ألى القصر , ولا أجعل أحدا يعلم ماذا حدث".



صرخت العجوز وقد شحب لونها:



" يا ألهي ! ليس ذلك واردا على الأطلاق, يا كونتيسة! أن أحدا من رجالنا سيقودك الى القصر , يكفي ما عانيته من حماقتنا , ولن يبدر منا أي تقصير أو أهمال مرة أخرى! عندما تشعرين بالراحة وتصبحين على أستعداد , سنأخذك الى القصر في أحدى الشاحنات".



لم تستطع فلورا أقناع المرأة العجوز بالعدول عن رأيها فقد أصرت على موقفها بقوة , وهكذا بدلا من أن يكون في أستطاعتها أن تدخل الى غرفتها سرا من باب خفي , كما كانت تنوي أن تفعل , أنزلت الشاحنة فلورا أمام القصر محدثة ضجة أيقظت الجميع.



خرج الخدم لتوهم, فشرح لهم السائق ما حدث لفلورا , وفي أثناء ذلك ظهرت الكونتيسة الأم على أحدى الشرفات وراحت تسأل بدورها طالبة تفسيرا مفصلا , ألقت نظرة الى وجه فلورا الشاحب وأعطت للحال أوامر واضحة , وقبل أن يتسنى لفلورا أن تعي ماذا حدث , وجدت نفسها بين أيدي أشخاص يحملونها ويضعونها في سريرها ويقفلون الستائر لأخفاء النور القوي , فشعرت بألم بالغ يحفر في رأسها ويقرع كالطبل .



لم تلمها الكونتيسة , لكنها كانت قلقة على فلورا وهي تتأمل وجهها المشدود من شدة الألم , فقالت لها:



" حاولي أن ترتاحي قليلا , يا أبنتي الصغيرة, فلن يتأخر الطبيب عن المجيء".

لم تستطع فلورا الكلام , كانت تتنفس في عمق وتغمض عينيها , خرجت المرأة المسنة من الغرفة على رؤوس أصابعها وأغلقت الباب وراءها من دون أحداث ضجة.

الشغاف
06-21-2011, 10:41 PM
أستيقظت فلورا بعد ساعات طويلة , وشعرت بأن الألم زايلها, وبحذر, رفعت رأسها , ثم تركته يسقط في الوسادة من جديد , وأبتسمت بأرتياح , وللحظة , تساءلت ما أذا كانت حالتها ستمنعها من حضور حفلة العشاء , بالنسبة أليها , لن تستفيد من ذلك شيئا , لكن بالنسبة ألى الكونتيسة , فستكون حزينة كثيرا لأضاعة كل هذه الأستعدادات التي أستمرت أسابيع سدى.
تحركت في سريرها , وفوجئت عندما سمعت صوتا سألها في عتمة الغرفة:
" هل أستيقظت؟".
نظرت حولها نحو مصدر الصوت, وشاهدت ألان واقفا قرب النافذة.
أجابت بصوت ضعيف وكأنها تلميذة في أنتظار التأنيب :
" نعم, شكرا".
تكلم بصوت خفيض , وراح قلب فلورا ينبض بسرعة جنونية , وعندما أقترب ألان نحوها , شبكت يديها وحاولت جاهدة السيطرة على أرتعاش جسمها , جلس على طرف السرير قريبا منها , وقال:
" قيل لي أنك لم تكوني في حالة جيدة في الأسابيع الماضية , كان يجب أعلامي يالأمر قبل الآن".
وقطب حاجبيه وأضاف:
" واليوم بعد الظهر , طلبت من الطبيب أن يجري لك فحوصات شاملة".
تلعثمت فلورا وقالت:
" هل جاء الطبب ؟".
هز رأسه:
" أنا الذي جئت به الى هنا , عندما أتصلت بي أمي هاتفيا لتعلمني أنك مريضة , وعندما وصلنا الى هنا, كنت نائمة , لكنه تمكن من أجراء الفحوصات اللازمة من دون أيقاظك , قرر أنك في حاجة الى نظام غذائي خفيف , ولمدة أسبوع عليك ألا تعرضي نفسك ألى أشعة الشمس وخاصة عند الظهيرة , أي في الساعات الأكثر حرارة , يمكنك النهوض من سريرك ساعة تشائين . لكن عليك ألا تقومي بأي جهد متعب".
أرتسمت على شفتيه أبتسامة لم تكن تنتظرها , وقال وهو يرفع حاجبيه :
" الكلاب المصابة بمرض الكلب , والأنكليز , هم الذين يخرجون في هذا الحر من دون قبعات على رؤوسهم , حتى القطافين المعتادين على هذا الحر لا يعرضون أجسامهم الى شمس الظهيرة أطلاقا , أما أنت فقد فعلت العكس كيف ستدافعين عن جنونك وكبرئاؤك وأستقلاليتك البريطانية؟ هل تعديني بأن تكوني أكثر حذرا وتعقلا في المستقبل؟".
كان جواب فلورا بالنسبة أليه ذا أهمية كبيرة, ويبدو أنه قرر البقاء مكانه حتى يتأكد من أنها ستفعل ما طلبه منها.
" نعم, أنني أعدك".
وللحظة غاصت الغرفة في صمت عميق ولم يقم ألان بأية مبادرة ليكسره , وكانت فلورا تعي أكثر فأكثر هذا الجسد النحيف والقوي , القريب جدا منها , تركت يديها ترتاحان على غطاء السرير الحريري , وحركة أصابعها المتوترة جعلت يداها تلتصقان بيدي ألان, ورأدت أبعادها , لكن أحست بقبضة ألان تشد عليهما , فأرتعبت من الذهول الذي أجتاحها , أنها المرة الأولى التي يتم فيها تقارب حقيقي بينهما , منذ ليلة عرسهما , عندما أثار الغضب والأحتقار الشغف عند ألان الذي فقد كل مراقبة على تصرفاته , لكن هذه المرة لم يلعب الغضب أي دور , وفي هذه اللحظة القصيرة , شعرت فلورا أن في داخل ألان عاطفة عميقة , عاطفة يعمل على أخفائها بتصرفاته وحبه للسيطرة.
أتصال أصابعهما ألهب جميع أنحاء جسمها , وأسرع نبضات قلبها ألى درجة أنها شعرت بالدم ينبض في أذنيها , حاولت مرة أخرى سحب يدها, لكنه شد على قبضتها مرة أخرى.
قالت في نبرة توسلية:
" أني ... أني أشعر بتحسن كبير , ويمكنني النهوض حالا , ربما حان وقت الأساعداد للعشاء".
أجابها بهدوء:
" لا داعي للعجلة , مضى زمن طويل لم نتبادل فيه الحديث , لماذا لا نستفيد من هذه الفرصة المناسبة الآن؟".
قطبت وجهها وهي تتذكر ما دار في المحادثة الأخيرة معه , وحاولت الأسترخاء , لكن , عندما راحت يد ألان تداعب خدها , شعرت وكأن كل حواسها أستنفرت وصارت في حالة تأهب مفاجئة.
همس ألان:
" جلدتك بنعومة المخمل , هل تحمرين خجلا ؟ أن خدك يلتهب تحت أصابعي".
كان يلامسها بحنان غريب حتى أنها لم تعد لديها قدرة على الأبتعاد عنه , كانت مداعبته ناعمة, ليس فقط على خدها الحار, لكن أيضا في قلبها المضطرب , وللمرة الأولى منذ أسابيع , بدأت تشعر بسلام داخلي.
همست فلورا:
" يمكنك أن تظهر تفهما , عندما تريد ذلك, يا ألان".
فوجىء , أذ جمدت أصابعه للحظة قبل أن تلمس كتفها وقال:
" أحترسي يا فلورا, لست مراهقا يمكن أزعاجه قبل أن نقول له أن يخرج للعب".
كلماته تؤكد اللامبالاة التي ما زالت مستمرة فيه , وقلب فلورا ينبض بألم, ملاحظة بسيطة تكفي لتحطيم توازنه العابر وأدخاله من جديد في قوقعته , وببطء , همست والدموع تبلل عينيها:
" أنني زوجتك , يا ألان".
شد ألان على كتفها بأصابعه في عنف قوي وفضّلت أحتمال الألم من أن تفسد هذه اللحظة المذهلة.
أفلت أسمها من بين شفتي ألان بالرغم منه , كان على وشك أن يشدها نحوه عندما سمع طرقة على الباب , وصوت الكونتيسة يمزق نسيج أنفعالاتها الدقيق.
" يا أبنتي العزيزة, كيف تشعرين الآن؟".
راحت عيناها اللامعتان تتنقلان من وجه فلورا الى وجه ألان , كان قد نهض لدى دخول والدته ووقف على بعد خطوات قليلة من السرير , لم تكن ملامحه سوى قناع لا يتحرك , كانت الكونتيسة تخطط بأستمرار لأنجاح خطتها , وبنظرة معبرة موجهة الى فلورا قالت:
" هل يمكن للويس أن يدخل , أنه قلق منذ أخبرته عن مرضك وهو يلوم نفسه لأنه لم يعتن بك كما يجب, ولن يرتاح ألا أذا تأكد بنفسه أنك تحسنت!".
تجهم وجه ألان لدى سماعه اسم لويس على لسان أمه, وبأسى أسقطت فلورا رأسها على الوسادة , وبرغم نواياها الجيدة , فأن تدخل الكونتيسة دمّر خيط التفاهم الدقيق , بذلت جهدا للتغلب على محنتها وأجابت:
" لا مانع لدي , أرجوك دعيه يدخل".
وأغمضت عينيها حتى لا ترى ألان وهو يخرج من الغرفة في خطى واسعة.
هدأت فلورا ظاهريا وراحت تستعد للسهرة , أن خزانتها الواسعة لم تعد فارغة كما كانت, منذ أيام قليلة وصلت الملابس التي وعد بها ألان , وأمامها الآن أختيار واسع من الفساتين لمختلف المناسبات , لكن أمتلاكها لهذه الثياب كما بالنسبة الى المجوهرات , لم يكن يدخل الفرح الى قلبها.
وقفت أمام الملابس العديدة وراحت تتساءل أي فستان تختار , وأخيرا تناولت فستانا مصنوعا من النسيج الحريري الثقيل , لونه يشبه لون الزهرة التي تكاد تتفتح , وضعته على السرير , لترتديه بعد تزيين وجهها , أقتربت من المرآة وراحت تسرح شعرها اللماع , ثم لفته في مؤخرة رأسها بشكل كعكة , ليصبح شعرها بعد ذلك وكأنه تاج ملكي على رأسها , سوّدت رموش عينيها , ووضعت على شفتيها حمرة باهتة.
وصل الى مسامعها صوت التفتة الرنان وهي ترفع الفستان , أرتدته وأقفلت السحابة , مع كل خطوة تخطوها كان حفيف الفستان يزداد , مما جعلها تتخيل أن ثمة شبحا غاضبا يائسا يلحق بها بأستمرار , عندما كانت ما تزال في أنكلترا , قال لها ألان أنه يحبها أن ترتدي الثياب المصنوعة من قماش التفتة , وهكذا يمكنه على الأقل أن يسمعها عندما تتحرك , وليش غريبا أنه أختار معظم ثياب السهرة من نفس نوع القماش.
نظرت فلورا في المرآة ودهشت لأناقتها , عضت على شفتيها وقطبت حاجبيها , ما زال الأرتجاف حول فمها , عليها أن تخفيه , الكآبة السوداء في أعماق عينيها ستثير أستغراب الناس الذين ينتظرون التعرف الى عروس متألقة مبتهجة.
سمعت طرقا على الباب , وتقلصت من دون وعي , كانت ردة فعلها أن أزاحت من درب ألان حذاء ربما تعثر به, أقترب ألان , ثم توقف وأحنى رأسه جانبا , فهمت أنه سمع حفيف ثوبها.
قال وهو يلتفت يمينا ويسارا:
" فلورا؟".
أنتظر ردها لتؤكد له مكان وجودها , فقالت:
" أنا هنا".
كانت تتأمله برصانة , وتتعجب من ضبط نفسه الذي يساعده على السيطرة على الغضب الذي ما زال كامنا في أعماقه , وبعد تردد قصير , قدم لها ما كان يمسك في يده وأمرها:
" آمل منك أن تضعي هذا العطر , في المساء , أنه أختراعي الأخير , هو الذي جعلني منهمكا منذ وصولي , آمل أن يعجبك ".
فوجئت فلورا وتناولت الزجاجة الصغيرة التي تضم العطر الذي كانت سولانج تحلم به , لماذا يقدمه الآن لها هي؟ ووجدت جوابا على سؤالها عندما أضاف يقول في لهجة باردة:
" أن معظم المدعوين الليلة هم أصدقاء وفي نفس الوقت منافسون , ولا شك أن الجميع سمعوا بالعطر الجديد , وفكرت أنها المناسبة الوحيدة لأقدم لهم أختراعي الجديد وزوجتي التي هي الكونتيسة الجديدة".
أجابت فلورا:
" أني أفهم تماما".
وبطريقة آلية أبعدت عنها الأمل المؤقت الذي أخذ يراودها , لا , لم يخترها عمدا ليقدم أختراعه الجديد , على الكونت تريفيل أن يحافظ على مركزه , وأن يحترم الشرف العائلي , وبعد أن تنتهي المجاملات واللياقة , يعود العطر الى صاحبته الشرعية أي ألى سولانج!
أنتفضت بعنف عندما أقترب منها وقال:
" سأضع العطر بنفسي ".
كان صوته باردا كأن الحنان الذي عبّر عنه منذ ساعة تقريبا كان حلما وليس حقيقة , كانت ترغب في الرفض , لكنه أخذ منها الزجاجة وفتحها وأخذ يضع من العطر على معصميها ويقول:
" من هنا يجب البدء بوضع العطر , ثم في تجويف الكوع...".
كانت تشعر كأن أصابعه تحرق جلدها.
" وبعد ذلك, العنق...".
نبض شريان نقها بسرعة جنونية , بتأثير الأتصال وقامت بجهد يائس لتتوقف عن الأرتجاف .
أضاف يقول بصوت أقل وطأة :
" لمسة هنا , ولمسة أخرى على الشفة العليا , وننتهي".
تركها ورجع خطوة ألى الوراء , هادىء الأعصاب , كانت فلورا تشعر وكأنها تحلق فوق سحابة من العطر الساحر.
سألها بتهذيب كما لو أن جوابها ليس له أهمية كبيرة:
" هل يعجبك؟".
" نعم , كثيرا".
أستدارت حول نفسها فأمتدت التموجات العطرة حولها .
" أشعر وكأنني في قريتي من جديد, في الحديقة , بعد المطر, عندما يكون الهواء منعشا وكل شيء ذا رائحة طيبة , نعم , أنه هذا حقا".
ومن دون الأنتباه الى نشوتها قال:
" لا تضعي أبدا عطرا خلف الأذن أو على الرقبة , فالرائحة سوف تختفي وراءك , لكن وعندما يستعمل العطر كما يجب , يمكن أن يحدث معجزات , ليس هناك طريقة للتعبير أكثر براءة أو دقة من تعبير العطر , يمكنه أن يعبر عن روح المرأة وعن طبيعتها , أنه ملجأ لكل أمرأة تتمنى أن تبدو أكثر جاذبية وأكثر أنوثة".

الشغاف
06-21-2011, 10:43 PM
كانت تر شقه بنظراتها من غير أن تفهم , أذا كان العطر شخصيا الى هذا الحد بنظره , كيف يقبل أن تضعه أمرأة غير التي صممه خصيصا لها , وخاصة أذا كانت تختلف عنها أختلافا كبيرا ؟ شعرت للحظة أنها لا يمكن أحتمال هذا , أن أنفعالاتها المعقدة وضعف جسدها, ينذرانها بأنهيار عصبي بالغ الأهمية , لو كان أمامها الوقت الكافي , لتوجهت مسرعة الى الحمام وغسلت كل جسمها من العطر الذي صنع خصيصا لغيرها , شعرت بالأحساس نفسه الذي تشعر به لو أنها أضطرت الى أرتداء ثياب أمرأة أخرى, ونفرت لهذه الفكرة, صوتها عبّر بوضوح عن هذا الأشمئزاز عندما أجابت:
" من يسمعك الآن , يعتقد أنك تتكلم عن أكسير المحبة المخصص لأيقاع الرجل في المصيدة , وما تقوله يدل على وجود علاقة أساسية بين العطر والشخصية, وأذا كان ما تقوله صحيحا , يا ألان , عليك أن تعمّق معلوماتك النفسية , بالنسبة الى فنك فلست مستعدة أن أحمل عطرا هدفه أيقاظ بعض الأنفعالات لدى الرجال , وسأكون شاكرة لك أذا أعطيت ما تبقى من هذا العطر للمرأة التي صنعته من أجلها , أما بالنسبة ألي, فلن أستعمله ابدا".
قطّب حاجبيه السوداوين ورفع ذقنه بأعتزاز وأجابها في كبرياء:
"كما تريدين! كوني حاضرة خلال خمس دقائق لأستقبال الزوار".
عندما غادر ألان الغرفة , طلت فلورا للحظة مترددة , ساعدها حزنها العميق في التغلب على ترددها , ترك ألان الزجاجة العطر على الطاولة بجوارها , فحملتها بسرعة وخرجت الى الممشى , كانت غرفة سولانج قريبة من غرفتها , ولما وصلت أمام الباب , دخلت من دون أن تطرقه , قبل أن تخونها شجاعتها , كانت قد قررت أعادة العطر الى صاحبته , صحيح أنه يتوجب عليها أن تمثل دورا في هذه المسرحية الهزلية التي فرضت عليها , لكن يجب أقناع سولانج , أن هذه المسرحية ستنتهي هذه الليلة .
كانت الغرفة فارغة , لا شك أن سولانج غادرتها لتوها, أغراضها مشتتة في كل مكان من الغرفة, ولم يتح للخادم الوقت لترتيبها , وفي أشمئزاز وقرف , راحت فلورا توسع خطاها فوق الملابس الملقاة أرضا , حتى وصلت الى منضدة الزينة حيث محارم الورق وسدائد القطن , ودبابيس الشعر , تفضح الأهمال الكبير لسولانج , وبنشاط أزاحت الأغراض ووضعت الزجاجة, وبعدها خرجت بسرعة من الغرفة ونزلت تلحق بألان والكونتيسة.
بدأ وصول المدعوين في الوقت الذي وصلت فلورا قرب ألان, وخلال الساعة التالية كانت فلورا منهمكة في حفظ أسماء ووجوه الناس الذين يمرون أمامها, النساء الأنيقات , والرجال المتميزون , الجميع يعبرون عن فضول طبيعي وعن لطف عفوي أمام خجل فلورا, لرجال خاصة لم يتوانوا عن أظهار أعجابهم بها, وشيئا فشيئا , غابت عن ملامح ألان البرودة واللامبالاة , وعندما جلس الجميع الى مائدة الطعام , كان تصرف ألان حيال زوجته طبيعيا الى درجة كبيرة, هي تعرف جيدا , أن أهتمامه بها ليس الا لخداع أصحابه , وبرغم ذلك, كانت فلورا شديدة السعادة, أذ شعّت البهجة في وجهها وبرقت عيناها وأرتسمت على شفتيها أبتسامة ناعمة.
ولخيبة أمل سولانج كانت تجلس بعيدة جدا عن ألان بحيث أصبح صعبا عليها التحدث اليه , لكنها كانت تكتفي بألقاء نظرات كره نحو فلورا, أما لويس فكان يجلس مواجها لفلورا , لكن, بعد العشاء, عندما بدأ المدعوون يتنقلون ويجلسون جماعات جماعات في غرفة الأستقبال , تمكنت فلورا من الأسراع نحو ألان.
كان يثرثر مع بعض رجال الأعمال الذين راحوا يمدحون العطر الجديد, فلورا تتسلى بمراقبة هؤلاء الأشخاص الفضوليين , وكانت تغرق في الضحك عندما أخذ السيد دوفيرو , وهو أحد المنافسين لزوجها , يد فلورا وراح يشم العطر.
" آه".
راح يفكر مليا ثم قال:
" أنها علامة غالية ومنعشة وناعمة".
وفي تحد, أضاف:
" تفاح البرغموت , زهر البرتقال, حامض , فيرفين , ليمون أفندي!".
" ماذا أيضا؟".
وأمام هذا اللغز المحير , بدا السيد دوفيرو وكأنه معرض لنوبة قلبية, وراح السيد دي أسارت , وهو مدعو آخر يشرح لفلورا التي كانت مستغربة:
" السيد دوفيرو يتباهى بأنه ذو بصيرة يا كونتيسة, يرفض الأعتراف بعجزه أمام تقدير المحتويات التي أستعملها زوجك لعطره الجديد , أن على الأختصاصي أن يكون قادرا على تحديد كل الفوارق الدقيقة لخلاصة الزهر , ومعرفة ما أذا كانت طبيعية أو أصطناعية , لكن الخليط الذي يمزجه ألان لا يمكن تحقيقه لأنه بالغ النفقات".
وفرحت فلورا لمعرفتها أن ألان ما زال يحافظ على مهارته التي أعطته شهرة واسعة , كانت على وشك تقديم الشكر الى السيد دي أسارت عندما تدخل صوت سولانج في الحديث:
" هل وجدت أسما لهذا العطر , يا ألان؟".
كان السؤال تحديا , لكن ألان لم ينزعج أبدا, فأجابها:
" نعم, سأدعوه : زهرة الحب".
وفي غمرة التهاني , كانت فلورا وحدها التي لاحظت الغيظ الذي أرتسم على وجه سولانج , هي أيضا فوجئت مما قاله زوجها ولم تستطع منع نفسها من التحديق بالفتاة كي تفهمها أن ألان ليس في نيته أن يجرح شعورها , أن العطر ملك سولانج فقد أخترعه لها , وليس الأسم الذي أختاره ألان سوى لخداع أصدقائه, كانت فلورا متأكدة من هذا لدرجة أنها أنتفضت عندما سمعت دي أسارت يقول من جديد:
"آه, زهرة الحب! أسم يليق بصاحبته يا صديقي , أن أختراعك الأخير يرمز تماما الى جمال زوجتك وشخصيتها , ويستحق أن يدعى بأسمها!".
أنتفض قلب فلورا من هذا الكلام, وسمعت السيد دوفيرو يعترف قائلا:
" نعم, هذا صحيح , لم تفقد شيئا من موهبتك يا ألان".
ثم أنحنى أمام فلورا وأضاف:
" لا يمكن لأحد الشك في أن الكونتيسة زوجتك هي التي أوحت لك به... زهرة الحب! أن هذا المزيج الدقيق يعبر تماما عن شخصيتها".
كان عليها أن تسأل مهما كلفها الأمر, فقالت في صوت مبحوح:
" أنني أشكركم جميعا على مديحكم هذا , لكن هل العطر الجديد لا يصلح أيضا لبقية النساء , لسولانج مثلا؟".
واجهها المدعوون بأحتجاجات جماعية مما جعل فلورا تتراجع عن موقفها , لا شك أنها أساءت فهم نيات ألان, وتطوع دي أسارت لأن يقدم لها البرهان وراح يشرح لفلورا التي كانت تسمعه وهي في أضطراب متصاعد:
" أنت على حق يا كونتيسة, أن بعض النساء اللواتي يتمتعن بجمالك وشخيتك , يمكنهن أستعمال هذا العطر؟ لكن سولانج لا يمكن أبدا, أن نوع جمالها يتطلب عطرا شرقيا , مثلا مزيج من الياسمين والبتولي التي تستعمله الليلة".
لم تجرؤ فلورا على التطلع بألان, أنها مقتنعة تماما أن ملامحه تعبر عن شعور سيء , لا شك أنها جرحت شعوره برفضها العطر! حتى ولو أن ذلك يعني بالنسبة اليه دفعة من الدين الذي يعتبره واجبا عليه أتجاهها, فهو يستحق أن يرى أستقبالا أكثر لياقة لكرمه هذا, وهي أعطت عطره ألى أمرأة أخرى! شعرت بالندم وراحت تبحث عن طريقة لتكفر عن خطأها هذا, وبلحظة البرق , أستعادت الى ذاكرتها غرفة سولانج لا شك أن العطر لا زال مكانه! وللحال ألتفتت نحو سولانج , التي كانت تهز كتفيها في أستخفاف وتحول نظرها عن هؤلاء الرجال الذين لا يقدمون لها الأهتمام بالقدر المطلوب.
أعتذرت فلورا وأبتعدت عن هذه المجموعة الصغيرة ولم ينتبه أحد لغيابها , بسبب أنصرافهم الى الأحاديث المتبادلة , توجهت نحو الباب وهي تبتسم وتهز رأسها لمن يحييها , لكنها لم تدع أحدا يؤخرها أو يلهيها , كانت يدها على مسكة الباب عندما سمعت صوت لويس يقول وهو يضحك:
" ألى أين أنت ذاهبة في هذه العجلة؟".
تلعثمت وأحمرت وجنتاها:
" نسيت شيئا في غرفتي .... منديلي , وكنت ذاهبة لأحضاره".
قال من دون أن يبعد عينيه عنها:
" سأرسل أحدى الخادمات لأحضاره".
أجابت في توتر:
" لا تتصرف كالأحمق . أنت تعرف جيدا , يا لويس, أنني لم أتعود اللجوء الى الخدم , لأقل شيء , لا مجال لأن أكلف أحدا بشيء يمكنني القيام به".
قطب جبينه وأنحنى لينظر اليها وجها لوجه, وقال ملاحظا:
" لست أنت نفسك , هذا المساء, لاحظت ذلك خلال العشاء من دون معرفة السبب , في البداية أعتقدت أن السبب هو فستانك , لكن على ما يبدو , أن سبب تغيرك ليس ماديا , لاحظت أرتجاف شفتيك , يداك كانتا ترتجفان كلما رفعت كأسك , ومرة أو أكثر , عندما كلمتك كنت تنتفضين كأنني أقتلعتك من حلم, ماذا يجري يا فلورا؟ ما هذا التوتر الذي يجعلك تنظرين الى العالم بعينين مليئتين حنانا وأسرارا مؤلمة".
راحت تتساءل ما أذا كان رأي الناس الموجودين يتطابق مع رأي لويس , لكنها أطمأنت لأنها تعرف أن لويس بشكل خاص رجل ثاقب النظر , مثل ألان وحتى أكثر , لأنه يرى , قامت بجهد لضبط هلعها وأطلقت ضحكة خفيفة وقالت:
" أنك تتمتع بمخيلة واسعة , يا لويس! لماذا لا تهتم أكثر بالمدعوات الشابات وتمارس خيالك عليهن , أني متأكدة من أنهن سيسعدن بالتحدث معك".
ومن دون أن تنتظر جوابا, كانت قد فتحت الباب وتسلقت السلم بسرعة وتوجهت نحو غرفة سولانج.

الشغاف
06-21-2011, 10:45 PM
الغرفة لا زالت كما هي, وعلى رؤوس أصابعها مشت فلورا نحو منضدة الزينة وأقفلت يدها على زجاجة العطر , حين سمع صوتا يرتفع في الغرفة الصامتة :
" هل يمكنك أن تشرحي لي ماذا تفعلين هنا؟".
ألتفتت فلورا الى الوراء لتصبح وجها لوجه , مع سولانج , التي كانت تحدق فيها في غيظ بأنتظار جواب فلورا التي قالت:
" أرجو أن تعذيني لكن, نسيت شيئا يخصني وجئت لآخذه".
" شيء يخصك؟ هنا في غرفتي؟".
أقتربت سولانج من منضدة الزينة وشحب وجهها وهي تنظر الى زجاجة العطر , فسألتها بلهجة حاسمة:
" من جاء بهذه الزجاجة الى هنا؟".
فهمت فلورا أنه لا فائدة من المواربة فأعترفت تقول:
" جئت بها قبل العشاء , لقد أخطأت عندما أعتقدت أن ألان صمم هذا العطر لك , كنت أعرف أنه يتحتم علي وضع شيء منه الليلة , بسبب أصدقائه, لكنني كنت مصرة أن تحصلي على الباقي".
تنفست عميقا وأغمضت عينيها لفترة ثم أضافت:
" لكنني ما سمعته منذ قليل , أفهمني أنني أرتكبت غلطة كبيرة , أن العطر صنع من أجلي , ولذا جئت أستعيده".
زفرت سولانج بقوة, وظهر الغضب على وجهها الجميل وقالت:
" من الصعب أن أسامح ألان , لقد جعلني أظن أن هذا العطر خاص بي , وأنتظر مناسبة كهذه ليقوم بحيلته الجهنمية!".
سألتها فلورا وهي تتراجع أمام لهجة صوتها العدائية:
" تريدين القول أن ألان تصرف عمدا , من أجل أن يجرح شعورك؟".
" هل هناك شيء غير ذلك, فهمت أن لديه شيئا سريا عندما أراد التخلي عن خدماتي والأستعانة بالآخرين , لكنني لم أكن أصدق أنه يريد خداعي هكذا ! خلال الأسابيع الماضية , كدت أموت من الضجر في المعمل, وكيف كان جزائي ؟ أهانة من كونت لا يرحم , ولا تستكين أهانته ألا بعد أن يفرغ كل ما في جعبته من شتائم".
أستشفت فلورا بريق أمل , فسألت في صوت متردد:
" هل تريدين القول أنك , خلال الأسابيع التي أمضيتها في المعمل لم تكوني معه الا نادرا؟".
أرتسمت على شفتي سولانج علامات الأشمئزاز وقالت:
" بالطبع , يا عزيزتي , أنها جزء من العقاب , أراد الأنتقام من أخطاء خيالية! لكن لا تظني أن كل شيء أنتهى بيننا , لا تتوهمي , أنظري الى الحقيقة بلا خوف! لماذا يعتبر هذا الأنتقام ضروريا ؟ رجل لا يشعر أتجاه المرأة الا باللامبالاة هل يقوم بكل هذا المجهود ليعذبها؟".
أبتسمت سولانج وتأكدت من أنها توصلت الى تحقيق هدفها وأضافت:
" ألان وأنا , متفاهمان كما يجب, أن علاقتنا من نوع الحقد العاطفي , هذا شيء يختلف تمام الأختلاف عن الأنفعال التافه الذي تسمونه أنتم الأنكليز , الحب, وأذكر أنه سيعود اليّ عندما أريد ذلك , ومهما فعلت الكونتيسة الأم لتذكره بواجباته أتجاهك , فأن العلاقة التي تربطنا هي أقوى بكثير من روابط الزواج , وهو يعرف ذلك والكونتيسة أيضا, والآن جاء دورك لتعرفي".
هزت فلورا رأسها , الأقناع بكلمات سولانج بهرها , وخدّرها العذاب الى درجة لم تعد تطيق الأستمرار في سماع كلماتها , كيف يمكنها دحض هذه التصريحات وهي تعرف مسبقا أنها حقيقة؟ أن طبيعة ألان المعقدة تجعله يشعر باللذة , وهو يعذب حتى أقرب المقربين أليه , تجربتها في أنكلترا أكبر دليل على ذلك, لأسابيع كانت هي وحدها تحمل نتائج مزاجه المتقلب , ألم ترك منذ البداية أن هناك علاقة حميمة بين سولانج وألان أشد عمقا مما كان يبدو للوهلة الأولى؟
أنتصبت فلورا وأستعدت للخروج , كانت سولانج تراقبها وأبتسامة رشيقة ترتسم على شفتيها , ولما وصلت فلورا الى الباب سألتها سولانج في سخرية:
" وعطرك؟ أليس هذا ما جئت من أجله؟".
وأستعانت فلورا بما تبقى لها من كرامة لترد عليها في هدوء:
" أشكرك , لكنني أحب أن أقدمه أليك , وأرجوك أن تقبليه فلا أنوي أستعماله أبدا".
وبعد أنصراف فلورا , أختفت الأبتسامة من وجه سولانج, المدعوون بدأوا بالأنصراف , فقررت سولانجألا تنزل من جديد , كان نظرها على الزجاجة الصغيرة , أخذتها بيدها وتأملتها مطولا , ثم دخلت الحمام.
فلورا, هي أيضا , شاهدت أنصراف المدعووين , دون الأشتراك في مراسيم الوداع , وعرفت أنها ستجد أعذارا تقدمها لتغيبها , فأتجهت توا الى غرفتها وأقفلت الباب شاعرة بأرتياح وأنفراج , لم تعد في حاجة الى التظاهر بأن الأمور بينها وبين ألان , فالجهد اللازم لتمثيل دور الزوجة والزوج المحبين كان صعبا ومرهقا أكثر مما كانت تتصور بكثير.
راحت تستعد للنوم , لكن وقتا طويلا مر وهي في أنتظار أن يتغلب عليها النعاس وتنام , لكن من دون جدوى.
حاولت بصعوبة ألا تفكر بالمقابلة التي جرت بينها وبين سولانج , عادت كلمات سولانج تقلقها, أن طبيعتها العادلة تتمرد أمام فكرة تصديق سولانج كليا, من دون أن تطلب من ألان تأكيد هذه التصريحات , أنه أنسان صادق وشريف ولا يمكنه أقامة علاقة مع سولانج وهو ما زال زوجها , صحيح أنه قبل الزواج أفهمها بوضوح أنه لا يطلب منها الحب وليس عنده ما يعطيه , غير أنها كانت مقتنعة تماما بأنه يحترمها , وهو مصمم على ألا يجعلها تندم على قبولها أن تصبح زوجته , كانت تتعلق بيأس بهذه القناعات , حتى تجد الشجاعة , هل تضع ألان أمام الأمر الواقع : عليه أن يؤكد كلمات سولانج أو ينفيها .
سمعته يمر أمام باب غرفتها متوجها نحو غرفته , كانت تفضل الذهاب اليه في الحال , لكن الوقت كان متأخرا والأسئلة التي تريد طرحها عليه يتقبلها أكثر في صباح الغد , حيث يمكنها , كما تأمل , أن تكون قادرة على التحكم في نفسها.
وفي هذه اللحظة بالذات سمعت طرقة خفيفة على الباب الذي يصل غرفتها بغرفة الحمام المشتركة بينها وبين ألان , أنتفضت , لكنها ظلت جامدة , عيناها على مصراع الباب , لم تسمع شيئا فأسترخت , لا شك أن الطرقة ليست حقيقية بل هي من صنع مخيلتها المشوشة , لكنها كانت قلقة في الوقت نفسه , نهضت من فراشها وأقتربت من الباب , وبعد تردد فتحت الباب ودخلت.
في الجهة الثانية من غرفة الحمام , شعاع نور خفيف يبدو من فتحة باب غرفة ألان , ومن فتحة الباب الضيقة , أكتشفت ما يدور داخل الغرفة : سولانج , الرائعة في مئزرها الأبيض, تقترب من ألان وتبقى لحظة بقربه من دون كلمة ثم تمد ذراعيها حول عنقه في حركة عفوية , في البداية بدا ألان وكأنه فوجىء بوجودها , كأنه لم ينتظر حدوث هذه الزيارة , لكن وجهه تغير فجأة تحت تأثير الفرح الكبير , وفهمت فلورا في هذه اللحظة بالذات أنها أمام عاشق ولهان.
وعندما وضع ألان ذراعيه حول سولانج , لم تعد فلورا قادرة على التحمل أكثر من ذلك , فتراجعت الى الوراء , لكنها سمعت صوت ألان يهمس في أنفعال قوي:
" آه يا حبيبتي لو تعرفين كم كنتمشتاقا أن آخذك بين ذراعي من جديد!
دخلت فلورا الى غرفتها في خطى مترنحة وقد أختل توازنها وألقت بنفسها على السرير , عيناها الحزينتان بقيتا تراقبان السقف فوق رأسها , كأنها تبحث عن حل للمشكلة , أصبحت فجأة مستعصية الحل.

الشغاف
06-21-2011, 10:47 PM
10- صدمات متلاحقة
لم تكن الساعة قد تجاوزت الرابعة صباحا عندما غادرت فلورا القصر, نزلت الى الطابق الأرضي دون أن تحدث أي حركة ويدها متعلقة بمسكة حقيبتها التي تحتوي فقط على الأغراض التي جلبتها معها من أنكلترا, وبرغم الوقت المبكر , وعلى غير ما توقعت كان القصر حافلا بضجة غير منتظرة.
أنفتحت الأبواب الضخمة من دون صعوبة بين أصابعها , وما أن أصبحت في الخارج حتى وضعت قدميها على الحشيش الأخضر وبدأت تركض بكل قوتها على طول المسالك , خففت من سرعتها فقط عندما رأت أمامها الشباك الحديدية العالية : فعرفت حينئذ أنه لم يعد ثمة مجال لأن يراها أي أحد من سكان القصر.
كان الطريق خاليا , ولم يكن لديها فكرة معينة حول الأتجاه الذي تريد أتخاذه , كل ما تعرفه أن عليها الوصول الى مطار نيس حيث تستقل الطائرة التي تأخذها وتعود بها الى أنكلترا .... ألى بلدها ... الى عائلتها.
أختارت أن تدير ظهرها لمدينة غراس , ذلك أن المدينة واقعة في داخل الأ**** , والقصر ينتصب بينها وبين الساحل , وهكذا تكون قد أخذت الأتجاه الصحيح.
وبعد أن مشت في الطريق المحاطة بالأشجار , مدة طويلة قاطعة مسافة واسعة , من دون أن ترى أية أشارة الى أي طريق , ولا أي أنسان , قررت التخفيف من سرعتها , لم تفكر في أخذ شيء معها لتأكله , والآن بعد أن تنشقت الهواء العذب , وسارت طويلا , شعرت بجوع شديد.
وعندما جلست لترتاح سمعت صوت محرك ضخم , فعمدت الى الأختباء , لكنها سرعان ما أدركت أن لا أحد في القصر يستعمل سيارة بطيئة للبحث عنها , وأنتظرت حتى ظهرت العربة , التي كانت جرارة عربة تحمل سلات من الزهر المقطع , وسألت فلورا:
" هل أنت ذاهب في طريق المطار؟".
هز السائق رأسه وقال:
" نعم, يا آنسة !".
كانت تريد أن تقّبل وجه السائق الشاب عندما ساعدها على الصعود والجلوس بقربه , أن الأحاديث العديدة التي تبادلتها مع القطافين جعلتها تتأقلم مع لهجة المنطقة المحكية , وفهمت كلام الشاب بسهولة عندما أخبرها أن وجهته هي سوق الزهور في نيس , كان يبدو سعيدا برفقتها , برغم صوت المحرك العالي والذي جعل أي حديث صعبا سماعه , وعندما أخرج من جيبه ربطة تحمل خبزا وجبنة وقدم لها بعضها , قبلتها بفرح لا يصدق.
راحت تأكل بشهية الخبز الطازج الذي ما زال ساخنا والجبنة , وتتأمل الشاطيء يقترب رويدا رويدا , وللمرة الأولى منذ أن أكتشفت خيانة ألان شعرت بسلام داخلي , قريبا جدا ستصل الى بلدها , الى أهلها الذين يحبونها وألى أصدقائها الذين يشتاقون أليها لتنتهي جميع مشاكلها وتساءلت فلورا ما أذا كانت الكونتيسة الأم ستندم على رحيلها , وفي الحماس الذي دفعها الى الهرب لم يتسنى لها كتابة كلمة واحدة , لكنها وعدت نفسها أنها حين تصل ألى بلدها ستبعث برسالة المرأة المسنة وتشرح لها سبب تصرفها هذا مع مراعاة شعورها.
دخلت الجرارة الى نيس , الشوارع العريضة والجادات كلها لا تزال فارغة, فقط بائع أو أكثر بدأوا بفرش الطاولات داخل ساحة السوق أستعدادا لعرض الزهور , نزلت فلورا من العربة , وشكرت السائق وتوجهت الى محطة التاكسي , لتستقل وأحدا يقلها الى المطار, بدأت تشعر أن الوقت يمر بسرعة وهي ترجو أن تكون في طريقها الى أنكلترا قبل أكتشافهم غيابها ,
ولمحت تاكسي يسير ببطء , لألتقاط الزبائن , فأشارت اليه , فتوقف وصعدت , ثم قالت:
" الى المطار , بسرعة من فضلك!".
كانت قد قطعت نصف الطريق عندما أدركت أن يديها ترتجفان , وقلبها يطرق بقساوة على أضلاعها.
وصلت السيارة الى المطار فدفعت للسائق أجرته وتوجهت مسرعة الى داخل المبنى وسدت على الحقيبة , أقتربت من أحد المكاتب وقالت:
"للموظف المسؤول:
" تذكرة سفر واحدة على متن الرحلة الأولى الذاهبة الى أنكلترا , من فضلك".
أبتسم لها الموظف أبتسامة لطيفة ومطمئنة وظن أن قلق فلورا المرسوم على وجهها راجع لخوفها من ركوب الطائرة , فقال:
" لا تقلقي , يا آنسة , ستكونين في أمان! أنتظري سماع رقم الرحلة وأتجهي بعدها الى الباب المحدد , وهناك تساعدك المضيفة على الدخول الى الطائرة ".
ولما رآها تتناول بطاقتها بسرعة كأنها تريد الهرب , أضاف:
" لديك الوقت الكافي , لن تقلع الطائرة الا بعد ساعتين!".
ساعتان! لم تفكر أبدا أنه يتوجب عليها الأنتظار , وفي حمى تفكيرها تصورت أنها ما أن تصل الى المطار حتى تستقل الطائرة التي ستأخذها الى أنكلترا , من غير أن يتسنى لها الوقت لأعادة التفكير في الموضوع, ساعتان : أنه وقت كاف أمام زوجها لأبلاغ البوليس ونصف أبناء المنطقة!
وجدت في غرفة الأنتظار مقعدا وراء أناء زرع فيه شجرة نخل كبيرة , جلست مختبئة وراء الشجرة تنظر في مواجهة المدرج, قررت ألا تترك أفكارها تتركز على ألان وما حدث أمس قبل رحيلها وأن تفكر في شيء آخر , في البداية كان من السهل أن تتلهى برؤية ذهاب الطائرات وأيابها , لكن مع وصول الركاب , بدأت تتهيأ لرؤية شبح طويل نحيف بين الناس , مما جعل قلبها ينبض بسرعة.
نظرت الى ساعة يدها عشرات المرات كأنها تريد أن تقدم عقاربها, أخيرا سمعت أعلانا عن رقم رحلتها , فأندفعت نحو الباب المذكور , كانت تنظر أمامها وأفكارها كلها مركزة على الهدف الأول الذي تريد تحقيقه الى درجة أنها لم تسمع أحدا يناديها بأسمها, وما أن وصلت الى أول الصف حتى شعرت بيد تلتف على ذراعها وصوتا يقول بأستغراب:
" فلورا! شكرا يا الله, لقد وجدتك!".
كان وجهها بلون الرماد, فأستدارت:
" لويس!".
كانت شفتاها تتوسلان اليه ألا يحتجزها , بينما بقية الركاب يتوجهون نحو الطائرة.
" فلورا , أنتظري ! يجب أن أكلمك الآن!".
أجابته :
" ليس الآن , يا لويس , والا فاتتني الطائرة, سأكتب لك عند وصولي , أعدك بذلك!".
كانت قد وصلت الى الباب عندما أخذها من ذراعها وأدارها صوبه, وللمرة الأولى لاحظت القلق المرسوم على ملامح وجهه , كان شعره مشعثا وهو يتنفس بصعوبة كأنه كان يركض بلا توقف.
" فلورا, الأمر يتعلق بالكونتيسة , أصابتها نوبة, والطبيب معها , لكنها تطلب رؤيتك...".
" أمي ؟ آه , لا ...!".
وضاع أستغرابها المفاجىء مع صوت المحركات , لم تعد تفكر بالطائرة التي تنتظرها .
" خذني أليها , يا لويس! بسرعة!".
وفي السيارة التي تنقلها الى القصر , راح لويس يشرح لها ما حدث.
" الخادمة التي صعدت الى غرفتك حاملة فنجاي الشاي وجدت الكونتيسة ممددة على السجادة في غرفتك , لقد كانت قلقة عليك مساء البارحة وعندما لم تنزلي من جديد , قال ألان للمدعوين أنك خلال النهار عانيت من ضربة شمس ولا شك أنك رغبت في الخلود الى النوم باكرا , وبدا على أمي أنها قبلت هذا العذر , لكنها أستيقظت هذا الصباح باكرا , جدا وأرادت أن تعرف كيف تشعرين , حاولت الوصول الى الجرس لترنه طلبا للمساعدة لكنها سقطت قبل أن تفعل ذلك, ومن حسن الحظ لم يمض أكثر من ساعة على أكتشافها , والا لكانت النتائج أشد خطرة بكثير , أن النوبات القلبية تقلق وخاصة مع أمرأة في سن الكونتيسة ".

الشغاف
06-21-2011, 10:49 PM
همست فلورا:
" كيف هي الآن؟".
" جزء كامل من جسدها مشلول , لكن الطبيب يؤكد بشدة العناية الضرورية من شأنها أن تؤدي ألى تحسن صحتها , وعندما أرادت أن تتكلم , ألان وحده فهم ما قالته , كانت تتلفظ بأسمك وتطلبك, لم نصل ألى تهدئتها الا بعد أن وعدتها بأنني سأذهب على الفور للبحث عنك , وشكرا لله لأنني بدأت في المطار , دقائق قليلة وكنت الآن في طريقك الى أنكلترا!".
كان يركز تفكيره على قيادة السيارة التي كانت تنطلق بسرعة كبيرة , لكن ضيق فلورا القوي ورعبها المخيف جعلاه يصرخ قائلا:
" فلورا! هل تشعرين الآن بالمسؤولية لما حدث لأمي... لا . لا يمكنك أن تأبهي لما يمكن أن يحصل للآخرين و....".
لكن عندما أسترخت فلورا على المقعد وراحت تشهق بالبكاء , أخذ يلوم نسه وتوقف على جانب الطريق , وجذب فلورا بين ذراعيه وراح يحاول تهدئتها , لكن الندم الذي كانت تشعر به كان شديد العمق فلم تستطع التوقف عن النحيب وسماع كلمات لويس الذي كان يقول وهو يهزها:
" ليس ما حدث بسببك , هل تسمعين؟ أن الكونتيسة مسنة ... ربما يكون رحيلك هو الذي سبب النوبة , لكن كان من المنتظر أن تحدث في أي وقت , ينبغي أن تصدقيني يا فلورا!".
لكنها ظلت جامدة , فقرر لويس أن ينشلها من هذا التوتر ويطلب مساعدتها:
" ليس في نيتي أن أطرح عليك الأسئلة , يا فلورا, لكن يبدو واضحا أن الوضع بينك وبين ألان أصبح متأزما وخطرا أكثر مما كنت أتصور , وسأطلب منك خدمة , هل توافقين على البقاء في القصر؟ أمي في أمس الحاجة ألى أمرأة تحبها وتفهمها , الخدم كلهم يحبونها , لكن ما من أحد يمكنه أن يحل مكان عائلتها , و .... يا فلورا..".
رفعت فلورا رأسها وبدأ خداها بالأحمرار , وأضاف لويس :
" أعتقد أن بأمكاني طلب هذه الخدمة منك , من أجل الكونتيسة ومن أجل ألان , ولا يمكنك , بالطبع , بعد فرارك أن تعتقدي بأن عنفوان ألان وكبرياءه وغطرسته ستسمح له بأن يطلب منك ذلك".
وفجأة عاد الشحوب الى وجه فلورا:
" لا شك أنه يكرهني نتيجة ما سببت من ألم لوالدته , ولن يحتاج ألى مساعدتي في وجود سولانج؟".
" لقد غادرت صباح اليوم حاملة معها كل أمتعتها".
" هل عرف ألان بذلك؟".
" هو الذي أخبرني بذلك , فعلى ما يبدو أنه طلب منها الرحيل البارحة , وفي الصباح برغم ما حدث للكونتيسة لم تفكر سولانج لحظة بتغيير مخططاتها .... لقد ذهبت الى غير رجعة !".
وعم الصمت بينهما , كان لويس يأمل في أعماق قلبه أن تغير فلورا موقفها وتبقى معهم , وهي تفكر بأن المرأة التي تحبها كادت تموت بسببها .
عاد لويس ليقول:
"ماذا قررت , لا مجال أمامي للتأثير عليك , لكن أذا كنت تعتقدين بعدم قدرتك على البقاء , فأفضل لأمي أن تذهبي منذ الآن , من دون أن تراك , وصدقيني أذا كان هذا قرارك فسأتفهمه وأعيدك فورا الى المطار".
كان يتكلم كأن أمام فلورا حرية الأختيار , وتعرف جيدا أنها غير قادرة على ترك الكونتيسة وهي في حاجة أليها , لكن يجب في الوقت نفسه أن تجابه ألان... قامت بجهد كبير لتهمس:
" هيا بنا نسرع , يا لويس , يجب أن أبقى بكل تأكيد".
ولما وصلا الى القصر, صعدت فلورا على الفور الى غرفة الكونتيسة , كان الطبيب قد غادر القصر تاركا المرأة بين يدي ممرضة القصر , وتقدمت فلورا منها على مهل بدون أحداث أي صوت , كانت الكونتيسة نائمة.
رفعت الممرضة يدها طالبة من فلورا ألا تتكلم, لكن فرقعة مريولها المنشى , أحدث دويا مما جعل المرأة العجوز تتحرك في سريرها وهي تتأوه , ثم فتحت عينيها في الوقت الذي أخفت فلورا وجهها القلق , فبرقت عينا الونتيسة وأرادت التكلم, لكن الجهد الذي كانت تبذله كان مؤلما , وبعد زفرة , غابت عن وعيها من جديد , وعلى زاوية فمها , أبتسامة صغيرة , علامة الرضى والأمتنان .
أشارت الممرضة الى فلورا بالخروج ثم لحقت بها :
" لقد عرفتك يا سيدة , وهي هادئة البال ومرتاحة الآن , لن تستيقظ الا بعد أن ينتهي تأثير الدواء المسكن , ويجب عليك أنت أن ترتاحي لساعة أو ساعتين , تبدين في حاجة ماسة الى الراحة ".
شكرتها فلورا وأكدت لها أنها ستنفذ نصيحتها , لكن ما أن دخلت الى غرفتها , حتى تأكدت من عدم أستطاعتها النوم , غسلت وجهها جيدا لتبعد عن عينيها آثار الدموع ووضعت فستانا مريحا ثم نزلت تبحث عن ألان.
وجدته وحيدا في غرفة المكتبة , يجلس في أريكة واسعة من الجلد قرب النافذة , وأشعة الشمس تقع على رأسه الأسمر مثل شفرة الرمح الفضية , دخلت فلورا من الباب المفتوح في هدوء , وقعت عيناها على يدي ألان المتقلصتين , فأنقبض قلبها.
" ألان!".
لم يكن صوتها سوى همس خائف , لكنها لاحظت أنه سمعها فتقلص جسده وجمدت يداه, أقتربت منه وهي تشعر بجسدها يرتجف وقالت:
" ألان. أنني آسفة".
فنهض وقال:
" هل شاهدت الوالدة؟".
أجابت في صوت خانق:
" نعم , لقد عرفتني ... وأبتسمت لي...".
لم تتمكن من مواصلة الكلام , وأسترخى فم ألان , قام بحركة مترددة , وكادت تصطدم قدمه بكرسي ويفقد توازنه .
أقتربت منه لكنه كان قد أنتصب يحاول العثور على ظهر أريكة.
شعرت فلورا بأضطراب , لأنها تراه للمرة الأولى مسلوخا ومجردا من ثقته التي كانت ترمز لها أستقلاليته الكاملة أتجاه محيطه وبيئته .
لم يتسن لها الوقت لسؤاله عن هذا التغير الذي أصابه , وفي نبرة مترفعة , سألها :
" هل تتفضلين بالجلوس , يا فلورا , أرجوك؟ أعتقد أن الوقت حان لنتحدث عن مستقبلنا".
شعرت بتأثير عميق وهي تراه يمرر أصابعه في شعره , في حركة متعبة , عديم الشجاعة , يائسا , كأنه يعترف أن كل معاركه أنتهت الى الأبد, وعرفت حينئذ أنه يفهم جيدا أنها نادمة على ما فعلته , كلمات عديدة تغص في قلبها لكن شفتيها المرتجفتين لم تنطقا ألا بالكلمات ذاتها:
" أنني آسفة , يا ألان , آسفة جدا...".
أصفر وجهه وحتى فمه وقال:
" أنني آسف , أنا كذلك , يا فلورا , آسف لأنني أقنعتك بالقبول بزواج لم يجلب لك الا الندم , لقد أرتكبت غلطة كبيرة في حقك , ولو أن الزمن يرجع الى الوراء لأعفيتك من عذابات أخرى...",
أحست فلورا بألم شديد يخترق كيانها , لا داعي لمتابعة أقواله, والتعبير بدقة عن الرغبة التي يشعر بها أتجاه سولانج , فلم تنس فلورا مدى حبه لتلك المرأة , أذ كانت شاهدة حية على ذلك , فيجب عليها أن تمنعه من قول المزيد .
" لا داعي للقلق يا ألان , سأبقى حتى تستعيد والدتك صحتها , لكن بعد ذلك...".
" شكرا, هذه شهامة مك , ما دامت الظروف تريد ذلك, أني أعرف كم يعني لها وجودك هنا , لن أحاول أقناعك بالبقاء , لكن...".
بدا وكأنه يختار كل كلمة يلفظها بعناية , ثم تابع بصوت مبحوح وبارد:
" هل تعتقدين أن أمكانية أقامتك هنا من جديد تبدو أكثر سهولة عليك أذا قلت لك أن في نيتي التغيب عن القصر بعض الوقت".
قالت في كبرياء:
"ربما".
نهض وأدار ظهره وأبتعد ثم قال في عنف مفاجىء :
" هل وصلت لامبالاتك ألى حد ألا تسألي الى أين أذهب؟".
تكفي كلمة واحدة للرد عليه , ومن دون أي تردد , أجابت:
" لا!".
وهرعت خارجة من الغرفة , لماذا تسأله الى أين سيذهب فهذا لم يعد من شأنها , أن سولانج في باريس....

الشغاف
06-21-2011, 10:50 PM
11- ميلاد جديد
كانت فلورا تجر الكرسي النقال الذي تجلس عليه الكونتيسة على طول الممر الذي يتعرج في حديقة القصر , الطقس خريفي, في أحد أيام شهر أكتوبر – تشرين الأول , وكان شهران قد مضيا على حادث الكونتيسة وعلى رحيل ألان , الشمس تسطع على الأزهار , العطر وحده هو الذي تغير , فقد حل محل الورد والميموزا أريج أكثر عنفا هو أريج الجرانيوم والنعناع البري.
أوقفت فلورا الكونتيسة في ظل أشجار السرو العالية , ثم جلست في مقعد بأتجاه الكونتيسة.
" هل أنت مرتاحة يا أمي؟ هل تريدين وسادة تحت رأسك؟".
قالت المرأة العجوز وهي تبتسم بلطف:
" لا تقلقي علي بعد الآن , الطبيب بنفسه أكد لك أنني قد شفيت تماما , وأنت تدللينني كأنني ما زلت ضعيفة الى درجة الذوبان تحت أشعة الشمس".
أسترخت فلورا مرتاحة لكلام الكونتيسة , صحيح أن صحتها ضعيفة وتتعب بسرعة, لكن تحسنها كان مذهلا , لأسابيع طويلة ظلت فلورا تسهر على راحتها , لا تركها لا في الليل ولا في النهار , الى أن نصحها الأطباء بضرورة اللجوء الى الراحة , وحتى في راحتها كانت تقصد المريضة بأستمرار , الى أن تأكدت بنفسها من التحسن الملموس في صحتها , وخف لديها الشعور بالذنب.
غياب ألان كان يحمل بالنسبة اليها أكثر من علامة أستفهام , ولا مرة , سألت الكونتيسة فلورا عن السبب الذي جعلها تغادر القصر , كأنها تريد أزالة هذا الحادث من ذاكرتها , والتصرف كأنه لم يحدث أبدا , وفلورا هي أيضا كانت تفضل هذا الحل , فهي لا تعرف أن المرأة العجوز ليست في صحة جيدة يمكنها معه أحتمال هذا الموضوع المؤلم , ولا بد أن يأتي يوم يستطيعان أن تتحدثا فيه عن الموضوع , عاجلا أم آجلا , لأن ألان سيعترف بحبه لسولانج.
سألتها المرأة العجوز فجأة وهي ترمقها بنظرة ثاقبة:
" هل عرفت أن ألان تحدث معي مساء أمس بالهاتف؟".
أنتفضت فلورا ووضعت يدها على وجهها لتخفي أحمراره المفاجىء , كانت تعرف أن ألان يتصل بوالدته بأستمرار , لكن, ولا مرة طلب التحدث الى زوجته , وهي أبت عليها كرامتها للسؤال عن أخباره.
أجابت بصوت خاطف:
" كلا, لم أكن أعرف , كيف حاله؟".
" كان يبدو في مزاج رائع , كان صوته واضحا وواثقا ومليئا بالنشاط , حتى أنه بدا لي أنه عاد كما كان قبل أن يفقد بصره".
مسحت دمعة قبل أكمال حديثها في لهجة أكثر عنفا:
" رفض أن يحدثني عن أحواله , حاولت معرفة موعد عودته الى القصر , لكنه أكتفى بالقول: أفضل أن أفاجئك وعندما أعود سأطلعك على خبر سار...".
ثم تابعت وهي مقطبة الحاجبين:
" أنه يزعجني بأسراره , لماذا يرفض حتى أن يقول لي أين هو ؟ ما هو السبب الذي من أجله يريد ألا نعرف عنه أي شيء؟".
لم ترد فلورا , كانت تتعذب لأنها تعلم أنه في باريس مع سولانج , ومرا ت عديدة , خلال الأسابيع التي مضت , كانت تستيقظ في الليل وتتصوره واضعا ذراعيه حولها , هامسا بصوته الحزين , فتشعر بالسعادة الكبرى لبرهة قصيرة , وتتساءل اذا كان هو أيضا يتذكر تلك الليلة عندما كانت رائحة الأزهار تدخل من النافذة المفتوحة , تضفي نعومتها على الوقت الثمين الذي أمضته , هل هذه الذكريات هي التي جعلته يطلق عطره الجديد بأسم زهرة الحب؟
لكن كلمات الكونتيسة كانت بمثابة أستهزاء بها , لأن أحلامها الكبيرة لم تكن سوى وهم وخرافة , أنه يبدو لها في مزاج مرتفع ومليء بالثقة والنشاط وأذا كان سبب هذا التغير في شخصيته عائدا الى سولانج بالذات , فهي ولا شك تستحق عن ذلك كل تهنئة , حتى الكونتيسة نفسها التي لا تشعر أتجاه سولانج بأي أنفعال ايجابي , لن تجد مانعا من زواجها من ألان , وخاصة عندما يفهمها ابنها أن سعادته متعلقة بوجود سولانج بقربه.
لم يعد بأستطاعتها أن تتحمل أكثر , فنهضت بحيوية وكبتت دموعها حتى لا تزعج المرأة العجوز وقالت:
" أنا متأكدة من أن ألان لن يجعلك تنتظرين مجيئه مطولا , يا أمي, ويجب أن تكفي عن الأضطراب , وأدركي كم سيكون حزينا أن هو عاد ووجد أنك ما زلت مريضة وضعيفة".
ثم تابعت وهي تسوي الوسائد تحت رأس الكونتيسة:
" هيا , أغمضي عينيك, أنها ساعة القيلولة".
بقيت حوالي عشر دقائق قرب الكونتيسة , لكن ما أن تأكدت أنها نائمة , حتى أبتعدت بهدوء نحو مكانها المفضل حيث يمكنها رؤية منظر شديد الروعة يطل على حقول الزهر وعلى القرية المجاورة.
وهناك وجدها لويس, فأستقبلته وعلى وجهها أبتسامة صادقة:
" من غير العادة أن أراك في مثل هذه الساعة يا لويس! وصباح اليوم , قالت لي أمي أننا نراك نادرا في هذه الأيام , كأنك أصبحت فجأة رجل أعمال".
جلس على العشب بقربها وقال في رصانة:
" فلورا, يجب أن أكلمك:
فتحت فلورا عينيها وقد أنتابها القلق, وألقت نظرة على الكونتيسة فأسرع يطمئنها :
" أنها في صحة جيدة , عندما مررت أمامها , كانت تنام نوما عميقا".
" لكن , ماذا عندك تقوله, يا لويس؟ لماذا هذه النظرة الجادة".
بدا وكأنه يجد الكلمات بصعوبة , فأنتظرت فلورا حتى ينسق أفكاره , لكنه تقلص عندما قال فجأة:
" هل أنتهى كل شيء , أقصد بينك وبين ألان؟".
أحمر وجهها وهمست:
" ليس لك الحق في أن تطرح علي مثل هذا السؤال".
أفقده جوابها ضبط النفس الذي حاول جاهدا المحافظة عليه, فألتفت نحوها في غضب:
" ما من أحد في هذا العالم يعنيه الأمر أكثر مني! منذ أسابيع وأنا أراك تتمزقين, في أنتظار كلمة أو حركة واحدة من الرجل الذي تخلى عنك , خاسرا بذلك حتى حقوقه كزوج ! ويوما بعد يوم تصبح عيناك أكثر حزنا , ووجهك الجميل يفقد عذوبته . لست سوى ظل صغير صامت, وقلب مثقل بالندم , أنك منهارة الى حد لم تلاحظي مقدار الحب الذي أكنه لك والذي لم أستطع أخفاءه , أنني أحبك, يا فلورا!".
" أرحلي معي ... الآن , وأنني أعدك بأن أكرس حياتي كلها لأريحك من العذاب الذي سببه لك ألان".

الشغاف
06-21-2011, 10:51 PM
وعندما جذبها نحوه , محاولا معانقتها , أستعادت فجأة رباطة جأشها وأبعدته عنها , فأضطر الى تركها , وقالت:
" كيف يمكنك التصرف معي هكذا ؟ كيف يمكنك أن تخون ليس فقط صداقتي لك , بل أيضا ثقة العائلة بك ؟ ألم تفكر بأمي؟ أني أعرف أنك غير متفق مع ألان, لكنه لم يفعل شيئا ضدك ليستحق خيانةكهذه! أنني زوجته يا لويس! ربما تكون قادرا على أن تنساه .... وهو كذلك .... أما أنا فأبدا!".
أنخطف صوتها في بكاء لم تملك القدرة على كبته , لفترة طويلة , عم الصمت الى أن قال لويس في لهجة مترددة :
" حاولت كثيرا مقاومة عاطفتي, يا فلورا . لست عديم الضمير الى درجة أقدامي على خطف زوجة رجل أعمى, لقد أمضيت الأسابيع الماضية في عمل شاق محاولا نسيان حبك, لكن ألان لا يستحق كل هذا الأحترام , لقد تركك تعتنين بأمي وحدك ورحل من غير أن يفكر بك أو بأمي, فكيف تدافعين عنه؟".
سألته فلورا في بساطة:
" هل يجب أن أكرهه بحجة أنه غير قادر على مبادلتي الحب؟".
أجاب وأسنانه مشدودة:
" هذا ما تفعله أغلبية النساء اللواتي أعرفهن".
" أذا , فلا أستغرب أن يكون ظنك قد خاب , يا لويس".
" يا ألهي!".
هز كتفيه في حركة تدل على أنهزامه.
" كان عليّ أن أفهم أنك غير قادرة على حبي, وما زال لألان حظ أكثر مما كنت أصوره".
خبأ يديه في جيبي بنطاله ورفس حجرا وقال:
" لم يعد أمامي حل سوى مغادرة القصر...".
" لا, يا لويس, هذا مستحيل! ... وأمي, كيف يمكنك التفكير في التخلي عنها , وهي في هذه الحالة الصحية المتدهورة؟ يجب أن تبقى, من أجلها ومن أجل عطورات تريفيل , من سيتخذ القرارات اللازمة في غيابك وفي غياب ألان؟".
" ألان ! ألان! لا تفكرين الا به!".
أن عذاب فلورا هو الذي يعنيه , وبسببها هي يترك لغضبه العنان. وفهمت أن عليها أخباره بدقة ما يجري بينها وبين ألان , فكبتت أنفعالاتها وقالت:
" أنا من سيغادر القصر قريبا , عندما يعود ألان , ستعود سولانج معه ... الى الأبد".
" هذا مستحيل! هل أنت متأكدة من ذلك؟".
" نعم , أنني متأكدة من ذلك كل التأكيد".
شاهدت في عينيه بريق أمل وأضطرت أن تنزع منه كل وهم.
" لكن ذلك لا يغير شيئا في عواطفي أتجاهك , يا لويس".
ابتلعت ريقها بصعوبة ثم تابعت في صوت هامس:
" لا يمكنني أن أحب شخصا آخر غير ألان , أبدا...".
وضعت يدها على الميدالية الزرقاء التي ترتديها بأستمرار , وفهم أنها تفكر بالكلام المنقوش الذي يعبر تماما عن وضعها , كأنها حفرت خصيصا لها ولألان : متحدان , لكنهما دائما منفصلان لأن الزواج هو الذي يوحدهما لكن لا شيء يملأ الهوة السحيقة التي تفصلهما , الشجاعة التي تتحلى بها فلورا أرهقت لويس وأهانته في الوقت نفسه , وشعر بالخجل , ولأول مرة يرى نفسه كما يجب أن يبدو في عيني فلورا , وأكتشفت فجأة أنه قادر على الأحساس بالخجل , وهذه التجربة بدت صعبة كي يتحملها , أخيرا قال:
" سأبقى , ولكن فقط لأنك تطلبين ذلك مني , وأذا كنت تعتقدين أن وجودي هنا ضروري فلا أستطيع الرحيل".
أستدار وأبتعد , تردد ثم أستدار نحوها:
" فلورا؟".
" تعم, يا لويس؟".
كانت ترتجف وعلى وشك البكاء.
" أذا كنت جرحت شعورك , فأنا آسف جدا , هل تسامحينني ".
وفهمت أنها طريقته ليؤكد لها أن الموضوع قد أقفل ولن يعاد فتحه بعد الآن , أبتسمت وقالت:
" أن صداقتك ستظل دائما عزيزة على قلبي , يا لويس , لا أريد أن أخسرك , لا شيء يستحق الغفران".
في المساء , عندما فتحت خزانة الثياب لتختار ثوبا لها , وقعت عيناها على فستان من الحرير الرمادي الغامق , ذي قبة بيضاء تتلائم تماما مع مزاجها.
كان القماش الحريري يتطاير حولها أزاء كل حركة تقوم بها, ويداعب كاحلي قدميها النحيفتين , من غير أحداث أي صوت , ثم راحت تلمس شعرها , لكنها لم تكن في حالة تسمح لها برفع شعرها على شكل كعكة , فتركته ينسدل في حرية على كتفيها.
أصوات غير عادية بدأت تصدر من الطابق الأرضي , الباب يطرق وأصوات تدوي في البهو, ثم خطوات تصعد السلم ... خطوات سريعة , نشيطة , تعبر عن نفاذ صبر شخص وصل لتوه , ولما توقفت الخطوات في الممر , أمام باب فلورا , أنقبضت أعصابها وجف حلقها.
أنفتح الباب ومع نسمة الهواء التي دخلت أرتفع فستانها الخفيف حولها , ألى درجة أنها بدت خيالية, ساحرة , جمدت للحال وأنتظرت ثم أطلقت زفرة طويلة عندما دخل ألان بقامته الفارعة الى الغرفة , بلهفة كانت تنظر اليه يقترب نحوها , نظارتان سوداوان تحميان عينيه , لكن من خلال الزجاجتين الرماديتن كانت عيناه تحدقان بها في نظرة حادة مركزة , أحمرت بشدة خجلا , ولما توقف بقربها , بدأت تسمع نبضات قلبها.
لم تستطع تحمل هذا الصمت الرهيب أكثر من ذلك فقالت:
" ألان, لقد عدت...".
" مساء الخير يا فلورا".
كان يكلمها كأنهما يلتقيان للمرة الأولى , شعرت فلورا أنه نافذ الصبر , غير قادر على تحمل المقدمات , أن والدته على حق, فقد تغير وبرغم شحوب وجهه الذي يفسر أقامته في باريس , فأنه ينضح بالحيوية والنشاط.
" هل أنت سعيدة لرؤيتي؟".
كأنه عاد يلعب لعبة الهر والفأر مرة أخرى , لم تعد تتحمل العذاب الذي يعاقبها به, كان مليئا بالفرح من دون شك , لكن هل من الضروري أن يعرض سعادته أمامها؟ ربما كانت سولانج تنتظره في البهو, مستعدة لمناقشة الطريقة الفضلى للتخلص من زوجة غير مرغوب فيها , وأمام هذه الفكرة , رفعت فلورا وجهها في فخر فخر وأعتزاز , أنه يجهل أنها تعرف أين كان يمضي كل هذه الأسابيع الفائتة , وحان الوقت لأعلامه بالأمر.
سألته في صوت هادىء وبارد:
" كيف كانت رحلتك الى باريس؟".
كانت تنتظر رؤيته وهو يعترف بذنبه , لكن ملامح وجهه عبرت عن أرتباك , رفع حاجبيه وردد :
" باريس؟".
" أنني أعرف أنك كنت في باريس مع سولانج! أرجوك , يا ألان , لا تحاول أنكار ذلك".
عضت على شفتيها لتمنعهما من الأرتجاف , وأضافت:
" لقد قلت لي ذات يوم أنك لن تنتظر مني سوى الحقيقة , ألا يحق لي أن أتوقع الشيء نفسه منك؟".
ظل ألان يحدق فيها مستغربا محاولا أستيعاب ما كانت تقوله , فتراجعت أمام عينيه اللتين تبدوان كأنهما تخترقان أعماقها, لكنه مد يده وأقفلها على معصم زوجته وقال في نعومة وهو يتهمها:
" لماذا العجلة في أبداء رأيك وأظهار قناعتك يا فلورا , فأنا لم أذهب الى باريس , ولم أر سولانج ولم أتصل بها منذ ذلك اليوم الذي غادرت فيه القصر".
أحست كأن قلبها سقط من صدرها , وقالت:
" أرجوك أن تسامحني , ربما تسرعت في أبداء رأيي , لكن هذا لا أهمية له , أليس كذلك؟ أنني أعلم أنك واقع في غرام سولانج ... لقد رأيتها في غرفتك ... وسمعت ما كنت تقول لها...".
أنخطف صوتها المرتجف , فسكتت وأدارت وجهها , فأنهى عنها ما كانت تريد أن تقوله:
"وفي اليوم التالي قررت الهرب".
فنظرت نحوه من جديد بعينيها الدامعتين , فترك معصمها وتوجه صوب النافذة وجلس على فتحة النافذة العريضة , وأمرها:
" تعالي وأجلسي بقربي".
أرادت مقاومته , لكنه ردد هذه المرة في قوة:
" تعالي , يا فلورا, أريدك بقربي".
أطاعت على مضض , فجلست على الطرف الآخر بعيدة عنه, لكن ألان أخذها بذراعها وشدها عنوة صوبه , فراحت ترتجف وسمعته يقول:
" أنك مقتنعة بأنني أحب سولانج , مما يجعلني أقاسمك سرا لا يعرفه سوى سولانج وأنا".
كان يتكلم بصوت خال من أي تعبير , لكن ملامحه كانت رصينة تدل على أهمية ما سوف يقوله:
" بسبب غلطة سولانج , أصبحت أعمى".
أرتعدت فلورا من هول هذه المفاجأة , وكبتت صرخة كانت على وشك الأفلات , وراحت تسمعه يقول:
" كنا مخطوبين , الخطبة تمت تلقائيا كما يحدث لشخصين يعرفان بعضهما منذ الطفولة... في البداية, لم أهتك كثيرا بنزواتها وتقلباتها , أنها فتاة وحيدة ومدللة , وكان والدها يلبي كل طلباتها , لكن عندما بدأت أهتم أكثر فأكثر بعلاقتنا , بدأت أكرس وقتا أكثر للعناية بها , وبدأنا نصطدم ونتشاجر , فأقتنعت حينئذ أنه يتوجب علي فسخ الخطبة".
شد يده على معصم فلورا التي كانت تصغي اليه في أنتباه حتى أنها لم تشعر بألم معصمها .
أضاف زاما شفتيه:
" وجاء اليوم الذي أعلنت فيه قراري بفسخ الخطبة , كنا معا في المختبر , أنهيت عملي وكنت أنظف الآليات والمعدات التي أستخدمها في التجارب , ربما كانت غلطتي أنا أيضا , فقد كنت مشغولا بما سوف أعلنه , ولا شك أنني سكبت بعض المساحيق في عيار أكثر مما يلزم , لكن هذا ليس أساس ما حصل , غضبت سولانج مما قلته , فرمتني بشيء لم أعد أتذكره , فوقع في الأناء الذي كنت أمسكه بيدي وتطاير السائل الى عيني".
سكت فجأة كأنه يعايش رعب تلك اللحظة من جديد , كانت فلورا تشعر بأنقباض جسمه كله , كان الخجل والرأفة يشدان على حنجرتها مما جعلها تقول:
" آه , ألان , كيف أستطعت أن ... كيف يمكن لأنسان...".
نفض جسمه ليتخلص من هذه الذكريات , ووضع ذراعه حول خصر زوجته ليجذبها نحو قلبه:
" لا تحكمي عليها يا فلورا , أنني لا أزال مدينا لها بعرفان الجميل".
" عرفان الجميل؟ كيف يمكنك أن تتكلم عن عرفان الجميل فيما يتعلق بسولانج؟".
بقيت جامدة بين ذراعيه ووجهها مخبأ في صدره الذي كان يعلو ويهبط بسرعة زائدة , كان يشلها نوع من الخجل , لم تجرؤ على رفع عينيها , لكنه أمسك بذقنها وأجبرها على التطلع اليه وجها لوجه , ثم أضاف يقول:
" الليلة التي تلت حفلة العشاء ... الليلة التي رأيت سولانج في غرفتي ... كنت أظن أنها أنت , يا فلورا...".
كان يعلق أهمية كبرى على ردة فعلها أمام هذا التصريح ,شعرت بذراعيه يتشنجان بينما كان ينتظر جوابها .
فتلعثمت وقلبها ينبض بسرعة:
" كنت تعتقد أنها أنا؟ لكن كيف...؟".
" عندما دخلت الى غرفتي , سمعت صوتا ... يشبه حفيف الفستان الذي أرتديته تلك الليلة , وكذلك تنشقت العطر الجديد الذي صنعته خصيصا لك , وحسب علمي , لا أحد غيرك وصل اليه , أذا بالطبع...".
أكملت فلورا, غير مصدقة:
" أعتقدت أن الذراعين اللتين لفتا عنقد في تلك الليلة هما ذراعي".
وأستعادت المشهد في خلال ثوان قليلة , تذكرت الطرقة الخفيفة على باب غرفتها , لا شك أن سولانج كانت تنتظر في الحمام وسمعت خطوات ألان في الممشى.
" آه , لقد لعبت دورها في كمال!".
قال ألان بصوت ملتهب:
" فلورا!".
شعرت فلورا أنها تذوب تحت نظرات عينيه , وخاصة عندما تذكرت الكلمات التي لفظها لسولانج في تلك الليلة : آه , يا حبيبتي , لو تعرفين كم كنت مشتاقا أن آخذك بين ذراعي من جديد .
سألها في أنفعال :
" هل تريدين مني أن أشرح لك أكثر , أن تصرفاتي كانت ناتجة في أغلب الأحيان من رغبتي في رؤية الزوجة الحنون التي أخذتني في أحدى الليالي الى عتبة الفردوس ".
همس بشغف وهو يقترب من فلورا أكثر فأكثر :
" يا ألهي ! أذا كانت لديك أسئلة أخرى , فيجب ألا تنتظري لأرد عليها فأنني أرفض الصبر أكثر من ذلك".
عانقها بحنان وشعرت بأنها تقبض على كل ما في الدنيا من سعادة , مرت فترة طويلة قبل أن يحررها من قبضته , لكنه ظل يشدها اليه وأمام وجه فلورا الولهان همس:
" فلورا , ملاكي , أنني أحبك".
ثم أضاف:
" ظننت بأن لويس كان يبالغ عندما كان يصف جمالك, لكنه كان يقلل من قيمته , أنت أجمل بكثير مما كنت أتصور , ولم أر جمالا في ... ولذلك عندما عرفت أن أمي لم تعد في خطر , عدت الى المستشفى لأجراء الجراحة , والآن , يا حبيبتي, أذا أردت برهانا أنني لم أذهب الى باريس , فيمكنني تقديمه لك".
كانت الصدمة بالغة الأهمية الى درجة أنها أحتاجت ألى كل قواها لتضبط الأنفعالات التي تختلج في نفسها , لكنه لم يكن ينوي الأنتظار مثل هذه الروعة من قبل".
تسمرت قبل أن ترفع عينيها المتضرعتين نحو نظارتيه السوداوين , وهنا خلعهما , فذهلت أمام البريق المنبثق من عينيه وأجتاحتها غبطة عارمة جعلتها عاجزة عن النطق .
وفهم ما تعانيه فأبتسم وهز رأسه ليبرهن لها أنه يقرأ هذا السؤال في عينيها:
" نعم يا فلورا , أنني أراك! لهذا السبب فقط أنا مدين لسولانج بعرفان الجميل , عندما جاءت الى غرفتي تلك الليلة , أخبرتها حقيقة شعوري نحوها وقلت لها أنني قررت أن لا ذراع غير ذراع فلورا يمكن أغرائي ... ولذلك عندما عرفت أن أمي لم تعد في خطر , عدت الى المستشفى لأجراء الجراحة , والآن, يا حبيبتي, أذا أردت برهانا أنني لم أذهب الى باريس , فيمكنني تقديمه لك".
كانت الصدمة بالغة الأهمية الى درجة أنها أحتاجت الى كل قواها لتضبط الأنفعالات التي تختلج في نفسها , لكنه لم يكن ينوي الأنتظار ليسمع ردها , فأكتفت بالهمس:
" ألان , هل هذا صحيح؟".
شدها نحو قلبه وعانقها طويلا , وراح يداعبها , لكن شيئا في داخلها ,ما زال يرتجف , شك بسيط ما زال يقبع في زاوية صغيرة من عقلها.
" قولي أنك تحبينني يا فلورا , أريد أن أسمع ذلك منك".
" لقد أحببتك دائما , يا ألان".
" دائما؟".
أبعدها عنه وحدق في نظرها , كانت سعيدة جدا أنه أستعاد بصره , لكنها لم تعد قادرة على أخفاء ذلك الشك البسيط فسألته:
" هل صحيح أنك صدقت في البداية ... أنني تزوجتك من أجل ثروتك؟".
أغمضت عينيها وأنتظرت , أجاب برصانة , من دون حذر:
" أبدا, ي أبنتي الصغيرة , أقسم لك بذلك , كنت أريد أقناع نفسي بذلك, وكنت أبحث عن حجة أو ذريعة للأنتقام ممن أهانني وذلني , لقد عاملتك معاملة سيئة , لكن , مع أسفي لمعاملتي والعذاب الذي قاسيته , فأنني لست مستعدا للندم على تصرفي معك في تلك الليلة , لقد توجهت اليك مليئا بالغضب والمرارة وتركتك وقلبي مليء بالحب والسلام والطمأنينة ".
" كنت تحبني حينذاك؟".
كانت صرخة آتية من أعماق القلب, أنه صدى عذاب كير يرتجف لمجرد تذكر العذابات التي قاستها , رفعت عينيها فرأت الندم في ملامحه , لكنه شدها وقال:
" نعم, كنت أحبك حينذاك , كما سأخبرك الى الأبد , يا قلبي العزيز , كن أغار من لويس , وكنت فاقد الأمل من أستعادة بصري, لكن لا شيء يمكن أن يعادل العذاب الضاري الذي كنت أشعر به أمام فكرة أن أخسرك!".
أخذها بين ذراعيه وعانقها من جديد بحرارة ولهفة ... ولم تشعر فلورا بأنقطاع السلسلة حول عنقها وبسقوط الميدالية الزرقاء , وتبشر ما كان منقوشا عليها بأستثناء كلمتين فقط متحدا ن.... دائما!...".

**** تــــــمــــــــــــت ****

الشغاف
06-23-2011, 02:54 AM
119- بدر الأندلس - آن ويل - روايات عبير القديمة

الملخص


السفر ولقاء الآخرين ...الأفق وما يخبئه الأفق وراء المسافة...لا شئ من هذا كان يخيفها, فهي قادرة على مواجهة كل أنواع الأخطار الممكنة ولو أنها فتاة جميلة ولم تتجاوز عمر الربيع , غير أن شيئا في ذاكرتها حملها أخيرا الى أسبانيا - الأندلس وكان القدر بأنتظارها فالتقت صوفيا بكارلوس مرة ثانية وتعرفت معه ومن خلاله الى البلاد التي ترك العرب بصمامتهم على كل خلية منها , الا أن القدر نفسه شاء أن تعود صوفيا بسرعة لتشييع جدها في بريطانيا, وهو أعز انسان لديها.
بعد موته قررت الهجرة الى نيوزيلندا مع عمتها روزا...الى ان سمعت قرعا على الباب..

الشغاف
06-23-2011, 02:55 AM
1- الحلم والواقع


بلغت صوفيا ليتغوود السابعة عشرة من عمرها , ي االصيف بعدما أنتهت من أكمال دراستها الثانوية وما زالت بعد غير قادرة على أتخاذ قرار بالنسبة الى مستقبلها , وفي هذا الصيف بالذات تلقت صوفيا ما أدهشها من رجل غريب في مكتبة برامفيليد حيث تباع الكتب القديمة.
وهذا ما حدث بعدما ألقت نظرة الى ساعة يدها مدركة أنا أمضت حوالي ساعة بين الكتب , مع أنها دخلت المكتبة لبضع دقائق فقط.
كان ذلك يوم الأثنين وكان جدها قد دعا رجلا أميركيا , هو أمين المكتبة , الى الغداء والرجل وصل على بغتة في صباح اليوم نفسه.
فبقايا الدجاج من طعام أمس لم تكن كافية لأطعام الضيف , لذلك أرسل صوفيا لشراء ضلع خروف من الجزار الذي يملك دكانا صغيرة في الحي المجاور , والآن عليها الأسراع في قيادة دراجتها كي تصل الى المنزل قبل وصول الضيف.
وضعت الكتاب المثير مكانه وتناولت سلتها الممتلئة أغراضا شتى وسارت بين الممرات العتيقة بأتجاه السلالم الى الطابق الأرضي ومن ثم الى الخارج , وبينما كانت تبحث عن طريق مختصرة في قبو المكتبة أرتطمت برجل شاب طويل القامة , أطول بكثير مما هي عليه صوفيا , كانت ردة فعله سريعة أذ أمسكها بكتفيها وتمكن من تجميدها نحو صدره ومنعها من السقوط , فوجئت بأنزعاج.
في أنزعاج ودهشة وغيظ لفظت بتلعثم كلمات الأعتذار , فألتقى نظرها بعينيه الرماديتين الساخرتين وسط وجهه الأسمر الذي يعلوه شعر أسود كثيف وبدلا من أن يفلت قبضته ويرجع الى الوراء لتتمكن من المرور , أخفض الرجل الغريب رأسه وعانقها.
كان عناقا قصيرا وغامضا , لكن صوفيا باتت مضطربة , تلعثمت من شدة الذعر وظلت بضعة ثوان كأنها مشلولة وفي الوقت الذي بدأ فيه الرجل الغريب بفتح فمه , نجحت في أستعادة كامل وعيها , وأفلتت منه وولت هاربة.
وظل قلبها ينبض بسرعة جنونية عندما أطلّت الى مطبخ المنزل , لكن السيدة ستيل لشدة أنهماكها بتحضير الغداء لم تلاحظ أضطراب أبنة أخيها وتوترها.
في كل حال , هل غريب أن تحمر صوفيا وتلهث بعد قيادة دراجتها صعودا الى قمة التلة التي تؤدي بها الى المنزل؟
ولدت صوفيا في تايبيغ , في ماليا الشمالية ,عندما أعلنت حالة الطوارىء في بداية الخمسينات , بعد خمسة أشهر على ولادتها قتل والدها الجندي وزوجته في كمين وضعه المقاومون.....
ولحسن حظها كان لها جد وعمة للأهتمام بها , ولما كانت صوفيا تسمع أحيانا من رفيقاتها في المدرسة عن تذمرهم أتجاه أهلهم , كانت تتساءل ما أذا كانت أكثر سعادة عند جدها وعمتها روزا مما لو أنها تعيش مع والديها أذا ما زالوا على قيد الحياة.
وحتى سن التقاعد كان جدها محاميا وفي الوقت نفسه كان يلم ألماما كبيرا بمطالعة الكتب النادرة , وكان فرحا للغاية لأكتشافه أن حفيدته ولي هي أيضا الأهتمام نفسه.
أما بالنسبة الى روزا ستيل , عمة صوفيا ,فكانت مطرزة من الدرجة الأولى , ترملت وهي في العشرين من عمرها ولم تتزوج مرة ثانية ,كرّست حياتها لتربية أبنة أخيها وأبداع تحف فنية رائعة في عالم التطريز , وخاصة للكنائس والمباني العامة.
وكانت روزا تسمع دائما من صديقاتها المتزوجات عن الصعوبات التي يواجهنها مع بناتهن , وتستغرب عدم وجود أي مشكلة تواجهها هي مع أبنة أخيها صوفيا.
ومنذ اليوم الذي توجهت فيه روزا مع والدها الى ساوثها متون لأستلام الطفلة اليتيمة من يد ممرضة عسكرية , لم تكف لحظة أن تكون الشعاع الوحيد في وجودهما , هذه الطفلة الممتلئة الهادئة أصبحت فتاة صغيرة مرحة وحنونة , تقضي ساعات طويلة تنظر الى البواخر من المنظار الذي أشتراه جدها خصيصا لها ... كما كانت تجمع الأصداف والحجارة على الشاطىء , وتحيك الملابس للعبتها من فضلات القماش والخيطان التي تحفظها عمتها لها.
ومع الأيام , كبرت الفتاة وأصبحت تحب مطالعة الكتب مثل جدها , في منزل جدها كان ساعي البريد يصل باكرا , ويتم فطور الصباح في صمت غريب , وبينما كانت روزا تقرأ الصحيفة المحلية , كان السيد لينغوود وحفيدته منصبين في قراءة المجلات النفيسة المتعلقة بهواة الكتب أو الفهارس الرائعة التي ينشرها أمناء المكاتب المختصين بالمنشورات القديمة.
وأظهرت صوفيا سهولة كبيرة داخل المنزل , لكن ذلك لم يكن واردا في المدرسة حيث كانت دفاترها وكتبها مليئة بعلامات التعجب الجافية وعن أشارات الىسوء الطبع : مهملة ! عديمة النظام! نقص في روح التعاون ! عدم أجتهاد! شاردة وحالمة بصورة مستمرة!
قال لها مرة جدها بلهجة متسامحة:
" يا ألهي , يا صوفيا , أنت دائما في القمر , حسب ما أرى!".
" أنا متأسفة يا جدي , أحاول الأجتهاد , أرجوك أن تصدقني , لكن التاريخ مدة مملة مع الآنسة سميث , بالنسبة اليها بوثويل شخصية كريهة , ومن جهتي أنا , لا يمكنني أن أمتنع عن أعتباره رجلا رائعا!".
نظر اليها جدها بحنان وقال:
" معلمتك يا صبيتي أنسانة واقعية , بينما أنت فتاة خيالية , لكن... الوقت ربما يحسن الأمور..........".

الشغاف
06-23-2011, 02:58 AM
لكن الوقت لم يفعل شيئا بصوفيا من هذه الناحية , فمن سن الثانية عشرة الى سن السادسة عشرة طرأت على وجود صوفيا سلسلة متوالية من الولع والأنجذاب الغريب لأبطال التاريخ الراحلين وبينما كانت رفيقاتها يضعن على جدران غرفهن صور الفنانين المشهورين , كان خيال صوفيا المجنّح مرتكزا على ( الكابتن الكبير ) غونزافيه دي كوردو , وعن نابليون وهتلر ولورد بايرون الشرير.
لكن بعد هذا العناق الخاطف في قبو مكتبة برافيلد , تخلت صوفيا أخيرا عن شخصياتها الأسطورية العزيزة على قلبها , لتبدأ بالحلم ببطل من لحم ودم , ولمدة أسابيع عديدة , مباشرة بعد هذا اللقاء السريع , ظلت تحلم وتأمل في رؤيته من جديد , لم تعد تنسى تلميع أحذيتها وغسل شعرها مرتين في الأسبوع , كما بدأت تهتم بتحسين أطافرها وأختيار الملابس الأنيقة وخف! تدريجا أهتمامها بالكتب والمطالعة.
ولا شك أن هذا الرجل الطويل القامة , ذا العينين الرماديتين الساحرتين , هو من أصل أسباني لكون شعره أسود وبشرته سمراء لوّحتها الشمس وكانت صوفيا أكيدة أن هذا الرجل ليس من العامة , أسبانيا كان أم لا , ولا شك أنه ينتمي الى عائلة عريقة , من المستحيل أن تتصوره يرتدي سترة بيضاء منشاة ويضع على ذراعه فوطة وينحني أمام الزبائن ليتلقى البقشيش ! هل هو أذن مدير فندق ؟ رجل أعمال ؟ لا ,كانت بشرته سمراء من شدة تعرضها للشمس وذراعاه قويتين , هاتان الذراعان اللتان ضمتاها للحظة قصيرة.
حلّ الصيف وبدأ الخريف ولم تره , وبات عليها أن تقبل بالأمر الواقع : هذا الرجل سائح مرّ مرور الكرام.
دخلت صوفيا مدرسة السكريتاريا ولم تعد تقول لنفسها بحماس كلما غادرت المنزل : ) ربما سألتقي به اليوم).
لكن ظاّ حسّها يقول لها بأنه سيأتي يوم ويلتقيا من جديد , ولا شك أن هذا الرجل الغريب سيتذكر لقاءهما الأول العابر وسيقع في غرامها.
أهداها جدها كتاب ( حكايات الحمراء ) للكاتب المشهور , واشنطن أيرفنغ الذي نشر عام 1832 , كما أهدتها عمتها روزا دثارا للسهرة مصنوعا من قماش المخمل الأخضر , وطرزت قبعة بحجارة الؤلؤ , وفي اليوم التالي كان عليها أن تجتاز بحر المانش لأستلام وظيفتها في بلاد الأندلس.
فرحت صوفيا بالهديتين وأرتدت الدثار وراحت تدور حوله في الصالون المتواضع كعارضة أزياء , لكن سرعان ما سئمت هذا الدور ورمت القبعة الى الوراء وخرجت تضحك وتقول:
" أليس هذا رائعا يا جدّي ؟".
وبحماس وروع لمست التطريز الفاخر تماما , كما لمست منذ قليل غلاف الكتاب القديم.
قبّلت عمتها وقالت:
" أنت كنز لا تقدّر قيمته , وشكرا على هذا الأبداع افني الذي أخذ من وقتك قسطا كبيرا".
" أنا دائما سعيدة عندما أخيط لك الأشياء الجميلة , يا صوفيا".
" وتسمين ذلك ( خياطة )!".
كانت تعرف تماما أن عمتها فنانة من نوعها , تقنيتها الكاملة وموهبتها المدهشة للرسم يجعلان منها أنسانة مشهورة مثلما كانت عليه ريبيكا كرومتون قبل الحرب.
وأسترخت صوفيا على حافة النافذة تحدق بجدها الجالس على كرسي هزاز , يتأمل حفيدته التي كانت تبدو , بمعطفها الغريب فوق قامتها الممشوقة , مثل عذراء من عصر النهضة.
" لن أزور الحمراء في النهار وذلك بسبب كثافة االسيّاح , أنني أفضل أن أن أزورها في المساء , تحت ضوء القمر , مغلّفة بدثاري , وسألتقي بأمير أسباني , يتوسل اليّ راكعا أن أتقاسم قصره الضائع مع قلب سلسلة جبال السييّرا ..... لكنه سيغيّر حتما رأيه عندما يراني في وضح النهار , في سروال الجينز".
.... والعجوز ما زال ينظر اليها حالما , ويتساءل ما أذا كان سيظل حيا يرزق لدى عودتها , بعد ستة أشهر , رأى وجه صوفيا يتغير شيئا فشيئا ليأخذ تعبيرا بعيدا لم يألف أن رآه من قبل.
كانت الفتاة تتذكر اللقاء العابر الغريب الذي حصل قبل أربع سنوات ونصف , في مكتبة الحي عندما عانقها الرجل الغريب ,ولم تتمكن أبدا أن تنساه كليا.
وخلال أشهر طويلة كانت هذه الذكرى تنمي أحلامها وخاصة أحلام اليقظة , كل مساء كانت تتمدد في العتمة بعدما تطفىء الأضواء وتقص على نفسها حلقة جديدة من مسلسل قصتهما العاطفية , الحوادث تدور في أماكن وعصور مختلفة , في القطب الشمالي , في فيينا الرومنطيقية أو في جزر الكناري ..... فقط الشخصيات لا تتغير , وهي دائما البطلة وهو البطل , لم تطلق عليه أسما , فقط عندما كانت تعطيه دور أمير أسباني في عهد الملكة أيزابيل الأولى , حينذاك كانت تطلق عليه أسم : حاكم سييّرا , يخطفها الى قصره المبني على قمة جبل مرتفع , وكم من مرة تخيلت عملية الخطف ورحلة الخيل التي تليها ومحاولة الهرب , وأخيرا المشهد في القصر المضاء بالشموع حيث كانت هادئة تأكل عشاء لذيذا بأوان فضية مذهبة , وتخاف أن يتركها الخدم وحيدة مع خاطفها ! لكن في غالب الأحيان كانت تغوص في نوم عميق قبل هذه الحظة الحاسمة ....

الشغاف
06-23-2011, 03:04 AM
وبعد سنة , جاء فرنسي ليحل مكان حاكم السييّرا....... ألتقت صوفيا بالفرنسي غي أوليرون حيث كانت تقضي الصيف عند صاحب فندق من بوردو يملك منزلا صيفيا صغيرا في الجزيرة جاءت لتهتم بالأولاد وتحدثهم الأنكليزية , وغي كان طالبا ويعمل خلال العطلة الصيفية في مخيّم قريب من المنزل , وخلال الأستراحة من العمل كانا يلتقيان ويتناولان وجبات الطعام في المطاعم حيث كانت تستمتع بكل الأسماك وفاكهة البحر , ومن هذه الرفقة التي دامت شهرين , تعلمت صوفيا اللغة الفرنسية وأصبحت تتقنها بطلاقة ظاهرة.
وكانت علاقتهما تقتصر على العناق الناعم في الممرات الهادئة وفوق الصخور القريبة من الشاطىء , لكنها كانت ترفض مرافقته الى التلال الرملية , وكان غي يصرّ عليها قائلا:
" لماذا ترفضين , يا صوفيا ؟ سنكون هناك في هدوء وبعيدا عن المارة".
أجابته ضاحكة:
" ولهذا السبب لا أريد الذهاب".
كانت تحبه كصديق حميم , خاصة عندما يلامس شعرها ويهمس في أذنيها كلمات الحب بالفرنسية , لكن لشدة فرحها بوجودها في الغربة لأول مرة , كانت ترفض غريزيا كل ما يمكنه أن يسيء الى حريتها.
لم تكن تتمتع بعواطف خاصة أو طموحات معينة , كانت تحب أن تتزوج وتنجب الأولاد وتلعب دور الزوجة والأم معا , ولن تشعر بأن حياتها قد بدأت فعلا ألا يوم تقع في غرام أحد ما وبأنتظار ذلك , تريد الأستمتاع بحريتها لتسافر وترى أقصى ما يمكنها أن تراه.
من يدري ما يخبىء لها المستقبل ؟ عمتها روزا لم تعرف سوى حب عابر خطفه الموت.... وأنها ؟ ماذا وهبها الزواج ؟ رحلة الى الشرق الأقصى , وطفلة وموت سريع , بأمكان صوفيا أن تجد نفسها يوما متزوجة من رجل بوليفي يصطحبا الى بلاده , أو بحّار غائب عن المنزل في أغلب الأوقات ربما أضطرت الى السكن في قرية نائية حيث لا يمكنها أن تجد وسيلة للخروج.
أذن لماذا لا تستفيد من عزوبيتها لتزور الأماكن التي طالما حلمت بها , القصور الرائعة التابعة للويس الثاني في بافيير , وقبر لورد بوثوبل في الدانمارك , والمروج في جبال الألب وحقول الثلج الباهرة التي وصفها الكاتب أرنولد لون في أحد كتبه على أنها ( جبال الشباب).
كان السيد لينغوود وأبنته روزا على حق في ألا يقلقا على دراسة صوفيا , ذلك لأن الفتاة تتمتع بصفات أكثر أفادة من الشهادات للحياة اليدوية التي تحب أن تععيشها , أنها فتاة جادة ورصينة وعندها موهبة جمع الأصدقاء في كل مكان , لا تبقى أبدا فترة طويلة من دون عمل , وفي كل بلد تزوره , تجد دائما شابا تصادقه ويساعدها على أتقان لغة البلاد....
بعد غي , تعرفت على آلان في سويسرا الذي علّمها رياضة التزلج وأسرار القواعد الألمانية , وبعده جاء باولو ذو الشعر المجعّد الذي لقّنها قليلا من اللغة الأيطالية , ومن أيطاليا ذهبت الى هولندا , وبما أن الجميع يتكلمون اللغة الأنكليزية أختارت أن تتعلم اللغة الأسبانية بجدية.
وبعد الأحتفال الحادي والعشرين ذهبت صوفيا الى محطة القطارات للقاء صديقتها كاتي ديلهام , وستسافران معا الى كوستا برافا , حيث وجدت كاتي لنفسها عملا مؤقتا في مكتب عقاري يديره رجل أنكليزي , ثم تكمل صوفيا طريقها نحو الجنوب.
قالت لها كاتي في اليوم التالي , بينما كانتا تدخلان السيارة الى الطائرة الشراعية التي تقطع بحر المانش:
" أنت فتاة محظوظة لأنك تملكين سيارة ,فأذا سئمت من مواصلة عملك في مكان ما , بأمكانك أن ترحلي وتبحثي عن عمل آخر في مكان آخر , أما أنا , فسأضطر للبقاء حيث أنا , طيلة الموسم , على الأقل".
" جدّي أهداني هذه السيارة".
أنها سيارة صغيرة مستعملة , وضعت صوفيا في داخلها خيمة وفراشا يملأ بالهواء المضغوط وأمتعة النوم , وكل الوسائل التي تؤمن النوم في المخيم , لأن ذلك يعود اليها أوفر من النزول في الفنادق.
قالت صوفيا:
" لو لم يهدني جدي هذه السيارة , لكنت بعت بعضا من كتبي الثمينة القديمة وأشتريت لنفسي سيارة".
كانت كاتي تحسد صوفيا على حبها للمطالعة وجمع الكتب القديمة النادرة , أذ بأمكانها أن تبيع جزءا منها عند الحاجة , وكانت تحسدها أيضا على حياتها العاطفية الخالية من المعقد والمشاكل , كانت كاتي كلما ألتقت بشاب أعجبها تعتقد أنها وقعت في غرامه , وهذه المغامرات العاطفية محكومة بالفشل الذريع , أما بالنسبة الى صوفيا فكانت تمع كلمات الغزل من أفواه شباب , لكنها لم تكن تنتظر بقلق رسالة أو مكالمة هاتفية , وفي كل حال , تتجاوز صوفيا نقطة اللاعودة مع أي رجل عرفته , كما هو الحال مع صديقتها التي كانت تندم على ما تفعله بمرارة.
ومرة سألتها كاتي :
" أذا هدّد ويليام بتركك لو أستمريت في رفضك له , أعني أذا لم تمارسي معه المغامرة العاطفية , ماذا تفعلين؟".

الشغاف
06-23-2011, 03:05 AM
أجابت صوفيا من دون أي تردد:
" هذا سهل جدا , أتركه , أنا لست واقعة في حبه , وحتى أذا كنت أحبه , لن أستسلم لمثل هذا التهديد الأعتيادي".
" يبدو أنك لا تعانين أي مشكلة مع أصدقائك الرجال , لكن كيف يقبلون أن يتصرفوا معك مثل النسّاك؟".
" مثل النسّاك .... عاجلا أم آجلا سيحاولون حظهم , ويكفي أن أقول لهم كلا بحزم.. لكن أحيانا يرفضون أن يفهموا ....".
" معظم البنات يقلن نعم".
" لست أكيدة من ذلك , وفي كل حال , أنا لست مضطرة أن أفعل مثل الجميع ؟ أفضّل الرجال الذين يهتمون بي لغايات أخرى".
راحت الطائرة الشراعية تزويع في أغبرار من الزبد , وهدير المحرك طغى على جميع الأصوات فسكتت كاتي نادمة لأنها لم تسمع نصيحة صوفيا.
وفي كاليه , بعدما غادرتا الجمارك , قالت كاتي:
" أتساءل كيف هم الرجال الأسبان".
كان صوتها مليئا بالمرارة , أشفقت صوفيا عليها قائلة في أعماقها ( يا لكاتي المسكينة , لم تعد قادرة على أصدار حكم معين , تتأرجح بين رجل سكير ورجل متزوج ! بأنتظار رجل آخر...........).
أجابت صوفيا:
" لم يسبق أن تعرفت عليهم , ما عدا خدام المقهى بالطبع , هل تتذكرين الخادم في مطعم أمبريال الذي جعل ساندرا تغضب حتى النفور؟".
" ستتزوج ساندرا في الشهر المقبل , ألتقيتها صدفة الأسبوع الماضي , تحمل في أصبعها خاتما من الياقوت , لا شك أ خطيبها رجل ثري أنه..".
لم تعد صوفيا تصغي أليها , للمرة الثانية في خلال 24 ساعة كانت مخيلتها تأخذها الى الرجل الغريب , ذي الشعر الأسود الكاحل والعينين الرماديتين , ربما هو السبب اللاواعي في حمايتها من السقوط في الأخطاء التي أرتكبتها كاتي , ذلك لأنها ما تزال تتذكره منذ العناق الأول , صحيح أنها لم تعد تحلم به , لكن لقاءهما السريع عند بائع الكتب جعلها تفكر به كرجل حياتها ولا أحد غيره.
ظلّ الطقس جميلا طيلة الرحلة كلها , دخلت صوفيا الحدود الأسبانية وبشرتها سمراء من شدة تعرضها لأشعة الشمس , بعد شتاء قارس أمضته في سويسرا في مركز التزلج , فهي الآن في المتوسط مستعدة للأستفادة من البحر والشمس وكل معطيات الريف الأسباني .
وقبل أن تنفصل الفتاتان , كان عليهما تمضية ليلة في بارشلونة عند أصدقاء والد كاتي , وآل هيلنغتون يسكنون في شقة فاخرة وسط المدينة , ولما أوقفت صوفيا سيارتها في مرآب البناية , أطلقت زفرة أرتياح , بعد السير البطيء داخل المدينة المكتظة بالسيارات والناس.
لو نزلتا في فندق صغير , لأمضت صوفيا السهرة في القراءة , بعد نزهة قصيرة قصيرة في الهواء الطلق لتنشط قدميها , لكن هنا , ليس لها الخيار.. كان آل هيلنغتون مدعوين الى حفل أستقبال وأصرّوا على أصطحاب الفتاتين معهما.
قالت لهما السيدة هيلنغتون :
" لن تبدأ الحفلة قبل الساعة التاسعة , وأمامكما الوقت لزيارة المزيّن سآخذ لكما موعدا وستقوم الخادمة بكيّ ملابسكما للسهرة , الأسبانيات نساء أنيقات ويعتنين بشكلهن الخارجي وأناقتهن بشكل دائم".
لكن صوفيا , عكس كاتي , رفضت بألحاح الذهاب الى المزين لأنها تكره ذلك كثيرا , في كل حال كانت قد غسلت شعرها في الصباح وربطته بشريطة زرقاء , يكفي أن تسرّحه جيدا كي تعيد اليه رونقه.
ثم أضافت تقول:
" أفضل أن أستريح , ربما أنام قليلا فأستعيد نشاطي وحيويتي".
قالت ربة المنزل عن عدم رضى:
" حسنا , في كل حال , ستقوم ماريا بتشذيب أظافرك وطلائها , الأسبانيات يعتنين بأيديهن بصورة خاصة".
أخيرا , قررت صوفيا , لأرضاء آل هلينغتون , أن ترفع شعرها كعكة فوق رأسها , وتشكله بمشط قديم من الخزف المزيّن بحبات اللؤلؤ , أهداها أياه ويليام لأنه يحب أن ترفع شعرها كعكة.
عندما رأتها السيدة هيلنغتون تدخل الى الصالون مرتدية الدثار المخملي الأخضر قالت بأستغراب وفخر :
" بالكاد عرفت أنك صوفيا , يا أبنتي العزيزة !".
وتحت الدثار كانت صوفيا ترتدي فستانا ضيقا طويلا وبسيطا جدا , من قماش الموسلين العاجي اللون , بينما أرتدت كاتي طقما مؤلفا من سروال وسترة مصنوعين من الحرير الأحمر الغامق , أما ربة المنزل فكانت ترتدي فستانا من الكريب الأخضر الفاتح وتهتز تحت الماس والزمرد.
" ينقصك بروشا , يا كاتي , سأعيرك واحدامن عندي".
توجهت بها الى غرفة النوم وبقيت صوفيا وحدها مع السيد هيلنغتون الذي قال:
" ستجدين صعوبة كي تعتادي على أوقات الطعام هنا , نتناول الغداء في الثانية والعشاء في العاشرة , وبعد الغداء نأخذ قيلولة , في الصيف لا يمكن العمل في الساعات الحارة , هل تخشين الحر , يا آنسة؟".
" ليس بالتأكيد , أنا معتادة على البلدان الحارة".
بقيا يثرثران الى حين عودة كاتي والسيدة هيلنغتون التي لم تكتف بأعارتها البروش بل نصحتها بوضع زوجي أقراط وأسوار من ذهب , ولحسن حظ صوفيا ,لم تصر عليها المرأة أن تعيرها شيئا من مجوهراتها , كونها رفضت الذهاب الى المزيّن.

الشغاف
06-23-2011, 03:06 AM
جلست صوفيا قرب السائق في سيارة الليموزين السوداء اللماعة , بينما جلس الباقون في المقعد الخلفي.
كانت حفلة الأستقبال في شقة كبيرة وفاخرة , وفي المدخل المزيّن بالتحف والسجاد الثمين , توافد الخدم لمساعدتهم على خلع معاطفهم وكان أصحاب المنزل من الأميركيين الأثرياء وأصحاب نفوذ , كرهتهم صوفيا من النظرة الأولى , ذلك لأن السيدة كينباكر كانت ترمقها بنظرات غريبة تعني بها أنها لم تعجب ببساطة فستان صوفيا وغياب المجوهرات عنها.
قالت صوفيا وهي تتبع السيدة هيلنغتون وسط الحضور الكثيف:
" يا ألهي , كأننا في قصر الملوك!".
ومما لا شك فيه أن العائلتين ينتميان الى وسط أرستقراطي حيث الغنى والترف وحب الظهور أشياء أعتيادية , وصوفيا التي تضع غنى العقل فوق كل شيء كانت تفضل مثلا الليلك البريّ العطر على الورد الثمين الذي غاب عطره.
وكان معظم المدعوين من الأنكليز والأميركيين , أما الأسبانيون القلائل فكانوا يتكلمون اللغة الأنكليزية بطلاقة , فبدا أذن من المستحيل على صوفيا أن تمتحن معلوماتها اللغوية المنوّعة , وبعد ساعة من الثرثرة الخفيفة والضجة والدخان , شعرت صوفيا بألم خفيف في رأسها.
كانت تحتسي كأسها ببطء وتصغي بأذنين شاردتين , عندما لمحت فجأة على بعد أمتار قليلة رجلا طويلا .. فأشتبكت نظراتها بنظراته.
أنتفضت الفتاة وراح قلبها ينبض بسرعة قوية ,أنه هو .... حاكم السييّرا...
بعد ثوان قليلة أبتسم لها تلك الأبتسامة الساخرة التي ما نسيتها أبدا , فردت عليه بأبتسامة فرحة , لكن كان عليها في الوقت نفسه أن ترد على سؤال طرحه عليها رجل كان يجلس قربها , ولما نظرت من جديد بأتجاهه كان قد أختفى.
وتساءلت صوفيا ما أذا كانت تحلم , لا , لا يمكنها أن تخترع هذا الوجه النحيل الأسمر المضاء بعينين رماديتين غريبتين , وهذه الفكرة وحدها كافية أن ترجّفها.
أمضت الدقائق التالية في زوربعة من الأنفعالات المتناقضة : فرح برؤية بدء المغامرة الكبرى في حياتها , خوف من عدم رؤيته مرة أخرى وخوف من أن يكون متزوجا ..... أو مخطوبا ..... أختفى وبدأ أملها يخيب , الى أن شعرت بيد تلمس كتفها , فألتفتت ورأته , قال:
" مساء الخير , أنها مفاجأة حلوة أن أراك هنا , لن أسألك كيف حالك , لأنه كما تبدين , أنت على أحسن ما يرام , أنك المرأة الوحيدة التي لم تزين نفسها لتلفت الأنتباه.
راحت صوفيا تضحك وتلألأت عيناها الجوزيتين ولفها الفرح , فمدّ لها يده , وفوجئت بنظراته تحدق لبدها اليسرى الخالية من أي خاتم .
" كيف بأمكانك أن تتحملي هذه الضجة ؟ تعالي لنتعشى معا , أعرف مطعما قرب المرفأ حيث بأمكاننا أن نتحدث ونسمع بعضنا".
" أقتراحك يعجبني , لكنني جئت الى هنا مع آل هيلنغتون ومن الصعب أن.........".
" لن يعارضوا على مجيئك معك , سأشرح لهم الأمر".
كانت عيناه تلمعان سخرية , ثم أضاف ضاحكا:
" قدمي لي السيدة هيلنغتون ....... وفي حال نسيت أسمي , أدعى كارلوس ولسينغهام".
كادت صوفيا أن تعطي أسمها لكنها غيّرت رأيها , كيف ستتدبر أمرها؟
لم تكن السيدة هيلنغتون بعيدة عنها , كانت تثرثر مع أمرأة أسبانية قصيرة وممتلئة , رفعت حاجبيهالدى رؤية صوفيا برفقة رجل وسيم.
" هل بأمكاني أن أقدم لك كارلوس ولسينغهام".
" مساء الخير , يا سيد".
أنحنى كارلوس وطبع قبلة على اليد المليئة بالخواتم , وبعدها قدمت السيدة هيلنغتون صوفيا وكارلوس الى السيدة روث سألها كارلوس:
" آمل أن تسمحي لي أن أصطحب الآنسة لينغوود الى العشاء خارجا".
حبست صوفيا أبتسامتها وهي تسمعه يذكر أسمها بسهولة , هذا الأسم الذي كلن يجهله منذ لحظة , ثم أضافت قائلة:
" غدا , سأغادر برشلونة , وليس أمامنا ألا هذا المساء لنجدد صداقتنا".
" طبعا....... طبعا..... الى الغد يا عزيزتي , لا تتأخري في العودة , ولا تنسي أن أمامك رحلة طويلة".
وبينما كانا بأنتظار أحضار معطفيهما عاد يقول بلهجة ساخرة:
" لنر الآن , أين ألتقينا ؟ في دافوس؟ في سان تروبيز ؟ في بروكسيل؟".
" لقاؤنا بعيد جدا ... أستغربت أن تكون تتذكره".
" كيف أنسى عينيك الجميلتين ؟ آه , هذا معطفك".
حمل الدثار من يد الخادم ووضعه على كتفي صوفيا ,ولما وصلا الى الطابق الأرضي , ناوله الحارس محفظة مفاتيحه وقال لها:
" علينا أن ننتظر عدة دقائق , الله وحده يعرف أين تمكنت من أيقاف سيارتي .... أذن , أنت مارّة مرور الكرام , مثلي؟ أين تذهبين غدا؟ هل أنت عائدة الى أنكلترا؟".
" كلا , ذاهبة نحو الجنوب , الى بلاد الأندلس".
" صحيح! وأنا كذلك , ربما نلتقي هناك".
أبتسمت وقالت:
" ربما".
لو أنها مع أي أنسان آخر , لبقيت صوفيا متحفظة وفي الأوقات العادية , لما قبلت بتاتا أن تغادر السهرة على هذا النحو.

الشغاف
06-23-2011, 03:07 AM
أوقفت سيارة فاخرة مكشوفة أمامهما , وبعد أن أعطى الحارس بقشيشا , ساعد صوفي على الصعود في المقعد الأمامي , ثم دخل بدوره أمام المقود , وبعد قليل قالت صوفيا:
" سيارة فرنسية , وأسم أوله أسباني وثانيه أنكليزي , أنت كما يقال مواطن عالمي!".
كان يقود السيارة بهدوء وسهولة يحسد عليها , فبالنسبة الى صوفيا , هذا دليل نضج وثقة , قال شارحا:
" أمي أسبانية , أرسلتها عائلتها خلال الحرب الأهلية الى أنكلترا , وهناك تزوجت من رجل أنكليزي ,لكن والدي قتل في أواخر الحرب العالمية , ولما دخلت الجامعة عادت والدتي الى أسبانيا وتزوجت من جديد , وهكذا كنت أتنقل بين جامعتي الأنكليزية ومنزل والدتي الأسباني , عالمان مختلفان كليا عن بعضهما , وأنت , يا آنسة أي خليط أعطاك هذا الجمال الغريب , النادر؟".
" حسب معرفتي , أنا أنكليزية مئة بالمئة , لكنني ولدت في الشرق الأقصى وأسافر كثيرا في السنوات الأخيرة , لكن هذه هي المرة الأولى التي أزور فيها أسبانيا".
آمل أن يكون لك في هذا البلد ذكريات جميلة".
وبينما كانت صوفيا تتأمل ملامح وجه رفيقها كانت تقول في داخلها بأن هذه السهرة ستكون رائعة ولن تنساها مدى الحياة.....
وبعدما أجتازت السيارة الشوارع الفرعية للحي الغوطي , وصلت الى الطريق الساحلية .
فقال كارلوس مشيرا الى السفن الراسية على طول الرصيف البحري المضاء:
" هل ترين البواخر الليلية المتجهة الى الباليار؟ ستصل في الغد عند شروق الشمس , وهذه الباخرة هناك تقليد لسفينة ( سانتا ماريا) العائدة الى القرن السادس عشر".
" أي الباخرة التي كان عليها كريستوفر كولومبوس عندما أكتشف أمريكا؟".
" تماما".
المطعم كان نظيفا وعاديا , داخله خليط من الحرفيين والعمال , فوجئت صوفيا برؤية كارلوس يحيي الجميع , كانت العيون السوداء تحدق بها بفضول وتهمس بكلمات الأطراء والأعجاب.
ولما جلسا أمام الطاولة قال لها كارلوس:
" كلمة ( غوابا) تعني حلوة أو جميلة , وتسمعينها دائما في أسبانيا , أما أذا وجهت اليك , فتعني بأنك رائعة".
كادت صوفيا أن تقول له بأن أتقانها الأسبانية شرط أساسي لوظيفتها المنتظرة , لكن الخادم أقترب فأكتفت بالأبتسام .
" ربما أنك تأتين الى أسبانيا للمرة الأولى , عليك أن تتذوقي ( الباييلا ) أنها وجبتنا الوطنية , في المطاعم المخصصة للسيّاح تكون عادية في الأجمال , لكن هنا , أنها رائعة , أنت جائعة , أليس كذلك؟".
" جدا , هل تقصد هذا المطعم دائما؟ يبدو أنك تعرف الجميع؟".
" لا أبدا , لكن في أسبانيا العادات تفرض بنا أن نحيي الجميع في الأماكن العامة , الأسبان شعب حار وصديق , سوف تكتشفين ذلك بنفسك".
جاء الخادم حاملا صينية المشروب وصحنا مليئا بالمقبلات , فأندهشت صوفيا لرؤية الأصفاد المقلية والتمر المحشو بالجوز واللوز , والزيتون الأسود الكبير , والسمك الصغير المقلي والمتبّل بصالصة حمرتء حارة.
فجأة قال كارلوس:
" سأقول لك بصراحة ........أنني لم أعد أتذكر أسمك الأول".
" صوفيا".
" يعود هذا الأسم الى القرن التاسع عشر ويذكر في عدد كبير من الروايات القديمة , يذكرني هذا الأسم بأحدى لوحات الرسام الشهير فرانس كريستوفر جانيك".
" أسمي يعود بالتحديد الى القرن الثالث , وباللغة اليونانية صوفيا تعني ( الحكمة ) ليس هناك أي علاقة لهذا الأسم بشخصيات هذا الرسام النمساوي".
وتساءلت صوفيا في قلق غامض : هل يفضل كارلوس النساء السهلات الفارغات والممتلئات , اللواتي لا يفكرن ألا بأغراء الرجال ؟ هل يعتبرها واحدة منهن؟
وفي هذه اللحظة وصل الخادم حاملا ( الباييلا ) الحارة ,كانت فعلا متعة للنظر , الرز المطبوخ مع الزعفران , وفوقه قطع الدجاج الصغيرة والصدف والكوسى والبازلاء ,والفلفل الأحمر والأخضر المقطعة بشكل أجنحة , والأرضي شوكي والطماطم...
ملأ الخادم صحنيهما وسكب لهما المشروب , وأنصبت صوفيا على الباييلا بنهم وحماس كجارتها الأسبانية السمينة .
وكانت الساعة قد أقتربت من نصف الليل عندما غادرا المطعم .
قال كارلوس مفكرا:
" الآن , أين سآخذك للرقص ؟".
" هذا مستحيل , بعد هذا العشاء الوليمة , بالكاد أستطيع المشي !".
" في هذه الحال , لنقم بنزهة في السيارة".
وأشار لها بأصبعه الى تلة صوب الجنوب.
" من هذا الجبل , المنظر رائع , هيّا سآخذك الى هناك".
هزت رأسها وقالت:
" كلا يا كارلوس , يجب أن أعود , ليس معي مفتاح ولا أريد أن أوقظ الخدم".
لم يصر وأخذ الطريق المؤدية الى منزل آل هيلنغتون.
" غدا , ستأخذين الطائرة؟".
" لا , لا , سأفرا برا".
" هل معك سيارة؟".
" نعم ".
" أين ستتوقفين مساء غد؟ عند أصدقاء آخرين؟".
" آل هيلنغتون ليسوا أصدقائي , أنهم أصدقاء أهل كاتي التي جاءت معي من لندن ووجدت وظيفة هنا , في يافرانش , أما أنا فسأذهب جنوبا من دون عجلة , ليس عندي برنامج محدد , عندما أتعب أتوقف".
أوقف السيارة أمام البناية , ثم هبط معها وقال:
" سأرافقك حتى الباب".

الشغاف
06-23-2011, 03:08 AM
صعد معها في امصعد , ثم أخذها بين ذراعيه وأبعد قبعتها الى الوراء وعانقها عناقا طويلا ولم يتركها ألا عندما توقف المصعد في الطابق الرابع , رنّ الجرس بنفسه فتحت الخادمة الباب في الحال.
فهمس باألأسبانية قبل أن يختفي في السلم :
" تصبحين على خير , يا حبيبتي".
ظلت صوفيا ثوان جامدة , تسمع صوت خطواته تخف كلما أبتعد , وأدركت أنها لم تشكره على هذه السهرة اللطيفة.
" صوفيا! أخيرا! أين كنت ؟ من هو هذا الرجل الخارق الذي تكرر أسمع مرارا في أذني؟ لم تخبريني أن لك صديقا أسبانيا مليارديرا؟".
كانت كاتي قد رمت المجلة التي كانت تقرأ فيها جانبا وراحت تنظر الى صديقتها بحماس وأثارة , فقالت صوفيا بأستغراب ودهشة:
" ملياردير ؟ لكن عمن تتكلمين , كاتي؟".
بين ذراعي كارلوس أتحد الماضي بالحاضر عناقه الثاني أثار في أعماق الفتاة أضطرابا قويا.
" سمعت السيدة هاكنباكر تقول هذا الكلام للسيدة هيلنغتون , الظاهر أنه العريس الذي تحلم به الأسبانيات العازبات في أسبانيا كلها , وسيشعرن بالغيرة والحسد أذا ما عرفن أنه يغازل فتاة أنكليزية".
قالت صوفيا وهي تجلس على السرير الآخر لتخلع حذاءها الذهبي:
" لا تقولي أقوالا تافهة , يا كاتي أول ما في الأمر هو أن كارلوس ليس أسبانيا".
" لم أقل أنه أسباني , لكن علمت أن والده كان يملك مصرفا أنكليزيا كبيرا للأعمال , أما جده ,, والد والدته , فهو تاجر ثري كبير , وليس من عجب أن يتمتع كارلوس بموهبة أسلافه , فهو يستثمر أمواله في الحجارة أي يملك الفنادق والفيلات في معظم أنحاء أسبانيا , أ رجلك هذا لقطة لا تفوّت".
" أولا , كارلوس ليس برجلي ,ألتقيت به مرة واحدة منذ زمن بعيد , وألتقينا هذا المساء من جديد , أخذني الى مطعم شعبي حيث ذقت الباييلا وأبتعدت عن الملل في حفلة الأستقبال , وغدا كل منا سيذهب بطريقه , والله وحده يعلم أذا كنت سألتقيه بعد هل تفهمين الآن , أنه.....".
" عانقك في المصعد ,أليس كذلك؟".
" كيف..... كيف علمت بالأمر؟".
" حزرت , من النادر أن أراك بهذا التعبير المنفتح والبشوش المرسوم على وجهك الآن .... أين ألتقيت به , المرة الأولى؟".
" في .......سويسرا".
لم تكن صوفيا تحب الكذب , لكن من غير المجدي أن تقول الحقيقة لكاتي , فلا يمكنها أن تصدّق كلامها , أو تستوعبه.
" لا شك أنك أعجبت به وألا لما سمحت له أن يعاتقك , هذه ليست من صفاتك , يا صوفيا".
رفعت صوفيا كتفيها وقالت:
" آه! ليست هذه المرة الأولى التي أعانق بها رجلا , لكنني لا أنوي أن أقيم أي علاقة عاطفية مع أحد ألا أذا كنت أحبه ويحبني".
أحمرّت وجنتا صديقتها وقالت:
" أعذريني , يا صديقتي العزيزة لا شك أنني أغار منك , قصص الحب معي باءت بالفشل حتى الآن , أما أنت فسرت في الطريق الصحيح , وعفتك ستنال جزاءها.
" ماذا تقولين يا كاتي؟ وجبة الباييلا ليست طلبا للزواج......هل هناك أشياء أخرى تعرفينها عنه؟".
" يقال أن كارلوس ولسينغهام يعيش مثل سلطان حقيقي".
" ماذا تعنين بذلك؟".
" ذلك أن لكارلوس عشيقات في كل أنحاء البلاد , لا أقول ذلك عن سوء نيّة يا صوفيا , لكن أذا كان كارلوس يعجبك فمن الأفضل أن تكوني على علم بالأشاعات التي تحاك عنه".
دخلت صوفيا الى الحمام لتغتسل ومن الباب المفتوح سألتها:
" هل تدخل الرجال في هذا الموضوع؟ أعني الأزواج؟".
" كانوا منزعجين قليلا... أنني أقسم أن لكل واحد منهم عشيقة , وبأمكاننا أن نعذرهم بعدما رأينا زوجاتهكم! وأكتفت السيدة الأميركية أن قالت أن كارلوس ناجح في أعماله وقوي جدا , هل تعرفين ما عمره؟".
" ثلاثون سنة , على ما أظن , والآن أعذريني. سأغلق الباب".
وبعد دقائق خرجت صوفيا من الحمام لترى كاتي تغط في نوم عميق . شعرت بأرتياح , فكّت كعكة شعرها وسرّحته مطولا , ثم صعدت الى السرير وأطفأت الضوء وبالرغم من تعبها وجدت صعوبة لتنام.......
سبق أن نبّهت السيدة هيلنغتون الفتاتين بأنها تتناول الفطور في سريرها كعادتها لذلك فوجئت الفتاتان بها تدخل الى غرفة الطعام , ذلك لأنها ترغب في معرفة ماذا جرى لصوفيا في سهرتها برفقة كارلوس.
" هل أمضيت سهرة جميلة , يا عزيزتي؟ في أي مكان تعشيتما؟".
" لا أعرف أسم المطعم , أنه في حي المرفأ , كان مصرا على أن أتذوق الباييلا المحلية".
في هذه اللحظة دخلت الخادمة ماريا حاملة سلة رائعة من القش تحتوي على باقة ضخمة من القرنفل الأحمر والأبيض وفي الحال تعطرت الغرفة بأريجها , وقالت:
" هذه لك , يا آنسة".
ردت صوفيا مسحورة :
" لي أنا؟".
قدمت لها ماريا ظرفا كتب عليه أسمها وعنوان آل هيلنغتون.

الشغاف
06-23-2011, 03:08 AM
فصرخت كاتي :
" يا ألهي! هذه الباقة تكلف ثروة ضخمة في لندن".
قالت السيدة هيلنغتون :
" حتى هنا , القرنفل ليس رخيصا , لا شك أن السيدة ولسينغهام أحب.......".
فتحت صوفيا المظروق وقالت:
" في داخله قصيدة شعرية للماركيز سانتيلان , نكتوبة باللغة الأسبانية وغير موقعة".
سألت كاتي بحماس:
" وماذا يريد منك؟ هل يريد أن يراك اليوم؟".
أضافت السيدة هيلنغتون :
" أذا أردت البقاء هنا بضعة أيام , فليس لدي أي مانع , المنزل يرحب بك".
رفعت صوفيا عينيها ببطء وقالت:
" هذا لطف منك , سيدتي ,لكنني مضطرة الى مغادرة برشلونة صباح اليوم , لقد وعدت بأستلام وظيفتي الأسبوع المقبل , أفضل أن أقوم بالسياحة في طريقي , ويجب أن أكون حذرة , فربما تعطلت سيارتي ...... أنها ......مجرد كلمة صغيرة يشكرني فيها على العشاء اللطيف الذي شاركته به مساء أمس".
بعد قليل , وبينما كانت كاتي توضب حقيبتها قالت لصديقتها:
" لا أريد أن أكون حشرية , لكنك لن تقنعيني بأنه لا يريد أن يراك من جديد بعدما أرسل لك باقة قرنفل رائعة".
" ربما ألتقينا في الجنوب , لكن كيف؟ فهو لا يعرف الى أين أنا ذاهبة بالتحديد , ولا ماذا سأفعل , أذا كان يعمل في الحقل الفندقي , فلا شك أن مركز أعماله سيكون في مالاغا أو ماربيللالا, وهذا بعيد جدا عن مكاني الصغير في كوستا ديل سول .... ماذا سأفعل بهذا القرنفل , يا كاتي؟ ستذبل أذا حملتها معي".
أجابت كاتي مبتسمة:
" يا صوفيا المسكينة! أذا كان من عادتك أن تسحري الأغنياء , فيجب عليك أن تتعلمي كيف تجدين حلا لهذا النوع من المشكل!".
وبعد الساعة التاسعة كانت صوفيا في طريقها نحو الجنوب , فشرح لها حارس البناية من أين تغادر المدينة ,وتم خروجها بسهولة , ولما وصلت قرب الضاحية , وأوقفت سيارتها على طرف الرصيف لتقرأ من جديد بطاقة كارلوس.
ليس من السهل فهم قصيدة كتبت في القرن السادس عشر , وبعد صعوبة جمة , توصلت الى ترجمتها:
" لقد وقعت في حب فتاة من بوريس , قرب لالاما , ولما كنت قد أقلعت عن الأكتواء بنار الحب , أعتقدت أن الحب قد نساني , لكنني ألتقيت بهذا الجمال , كانت نضرة كالوردة , كان وجهها رائعا , لم يسبق أن رأيت لون بشرة كامل كبشرتها......".
وقبل أن تبتعد كليا عن برشلونة , توقفت مرة ثانية , فقد لاحظت وجود أمرأتين تجلسان على كرسيين , في الظل , الأولى عجوز ترتدي اللباس الأسود , والثانية ارأة شابة حامل , عفويا نزلت صوفيا من سيارتها وحملت باقة القرنفل وقدمتها اليهما في لغة أسبانية مترددة:
" شاب قدم لي هذه الزهور الجميلة , لكن علي أن أجتاز مسافة طويلة في هذا الحر وأخاف أن تذبل قبل وصولي , لذا أقدمها لكما ".
صعدت الى سيارتها فتبعتها كلمات الفرح والدهشة .
صرخت المرأة الحامل قبل أن تقلع صوفيا بسيارتها :
" حظ سعيد يا سينيوريتاّ!".
وعند الظهر توقفت من جديد , على بعد أمتار قليلة من الطريق العام والبحر المتوسط يلمع تحت أشعة الشمس , أوقفت سيارتها في زقاق صغير وغيّرت ملابسها وأرتدت بزة السباحة بسرعة وراء ستائر وتوجهت نحو الشاطىء.
وعلى الرمال الساخنة , بدت المياه باردة , لكن صوفيا معتادة على مياه المانش الهائجة والرمادية , فوجدت هذا الماء هنا رائعا....
" لقد وقعت في حب فتاة من بوريس , قرب لالاما.......".
عاد الى ذاكرتها أول بيت من القصيدة بينما كانت تسبح بكسل في الماء الهادىء , وأستعادت لحظة العناق في المصعد , ووجدت أن كارلوس يطابق الصورة التي رسمتها عنه بعد لقائهما الخاطف قبل أربع سنوات , لكن سعادة صوفيا ليست كاملة , هل سيلتقيان مرة أخرى؟
خرجت من الماء وشعرها الطويل ينسدل على ظهرها , وبدأت تشعر بالجوع , على بعد 400 متر لمحت أشارة مطعم فوق بناء صغير أبيض , ربما تجد هناك بعض السندويشات أو البيض المسلوق.
وبينما هي عائدة نحو سيارتها , أنتفضت وبدأ قلبها يخفق بجنون قرب سيارتها , أصطفت سيارة بيضاء كبيرة , ونظرت حولها ورأت رجلا جالسا على كرسي طويل تحت شمسية ملونة , بدأت صوفيا تركض بفرح ظاهر:
" كارلوس! ماذا تفعل هنا؟".
نهض وأعطاها المئزر الأزرق الذي تركته قرب صندلها ونظارتيها السوداوين فشكرته , فقال:
" ألم تتوقعي رؤيتي؟".
" لا , بالطبع! كيف تمكنت من أيجادي؟ هل هذا صدفة؟".
" لا , طلبت من حارس المبنى أن يعلمني بساعة رحيلك , وعلى هذه الطرقات القاحلة من السهل أن أرى سيارتك البريطانية الصغيرة".
ذهلت صوفيا ولم ترد ,أبتعدت بضعة خطوات , عصرت شعرها ووضعت شريطة عريضة فوق جبينها , ثم أرتدت نظارتيها وتقدمت منه فقال:
" لم تسلّمي عليّ باليد بعد , في أسبانيا هذا أمر حتمي".

الشغاف
06-23-2011, 03:09 AM
وضعت يدها المرتجفة في يده السمراء فشدّ عليها مطولا قبل أن يرفعها على فمه , فقالت بصوت خفيض:
" كنت أعتقد أن في أسبانيا , لا تقبّل يد النساء ألا أذا كن متزوجات".
قال في أبتسامة ساخرة:
" لا تنسي أنني نصف أسباني .. لا شك أنك تشعرين بالظمأ , دعيني أقدم لك شيئا".
كان يحمل برادا صغيرا فيه الثلج والمشروب المنعش والبارد والأواني الفضية الملمعة , فأندهشت الفتاة لهذا الترف فقال لها:
" أنها هدية من خالي , فهي قديمة العهد ولم تكن باهظة الثمن في الماضي , أفضلها على الأواني البلاستيكية , هل تعجبك؟".
" آه , نعم!".
سكب لها الشراب الأصفر الذهبي وقدم لها الكوب قائلا:
" خذي , هذا عصير الفاكهة".
" كنت أنوي شراء البيض المسلوق والسندويش من المقهى القريب من هنا".
" يقول المثل الأسباني:
عندما نريد الأبيض , ننال الأسود ,وعندما نريد.......".
قاطعته صوفيا ضاحكة:
" ....... البيض المسلوق , نحصل على القريدس في أناء فضي ...... آه , تذكرت يا كارلوس , لم أشكرك بعد على باقة القرنفل الرائعة وعلى القصيدة....".
" هل تمكنت من ترجمتها؟".
" كلا".
كادت أن تقول له : لا داعي لذلك , لكنها تابعت تقول:
" أنني أتكل عليك في ترجمتها لي".
" بكل سرور , لكن بشرط واحد".
" أي شرط؟".
" أن تقبلي تناول العشاء معي الليلة".
" هذا يبدو صعبا , سيارتك أمتن من سيارتي بكثير و...".
" نعم , لكنني سأتوقف في طريقي في فالنسيا لمدة على ساعة على الأقل , وبأمكاننا أن نلتقي في اليكانتيه , وهناك يوجد فندق جميل على مدخل المدينة , وبأمكانك أن تصليه قبل العشاء بأرتياح .... ماذا , هل أتفقنا؟ سألتقي بك هناك وآخذك لزيارة اليكانتيه؟".
ترددت صوفيا ثم قالت:
" أتفقنا , سأكون سعيدة أن أتناول العشاء معك..... أنت تعمل في الحقل الفندقي أليس كذلك؟ هل هذا الفندق في اليكانتيه ملكك؟".
" كلا , لا أملك هناك شيئا , أعمالي في الجنوب فقط , لكنني أعرف صاحب فندق ميرامار , وسيستقبلنا بترحاب".
قالت صوفيا مبتسمة :
" عندما نريد الأبيض , ننال الأسود....... كنت أنوي التوقف في مخيّم على الطريق".
قال كارلوس وهو يرفع كتفيه:
" المخيّم عملية مريحة للطلاب , وللعائلات التي تحب قضاء عطلة أقتصادية , لكن المخيمات عادة تعج بالسياّح ونادرا ما تتوفر فيها وسائل الراحة , في أسبانيا أفضل شيء يقوم به السياح هو النزول في البرادور ,أي في الفنادق الرخيصة والفاخرة في آن واحد , التي تديرها الدولة , بعض هذه الفنادق كانت في الماضي قصورا قديمة أو أديرة".
كانت صوفيا تحتسي فنجان القهوة , الغداء اللذيذ والأسترخاء في لكرسي الطويل , في الهواء الطلق , قرب شاطىء البحر وفي الحر الشديد جعلها تشعر بالنعاس , بينما رفيقها لم يكن تبدو عليه أي أشارة تعب.
" قدماك رائعتان يا صوفيا , وأصابع رجليك نحيفة وجميلة وغير مشوهة , لأنك لا شك لا ترتدين الأحذية الضيقة؟ أخلعي مئزرك كي تجف بزتك بسرعة".
" نعم , أنت على حق".
ما أن خلعت مئزرها حتى ندمت على ذلك , ليس لأنها خجلت , بل لأن كارلوس راح يتأملها بوقاحة جعلتها تحمر فقالت بسرعة:
" سأعود الى البحر , ما رأيك أنت؟".
" آه لا! ليس الآن , بعد الغداء مباشرة! لنمشي قليلا".
نهض وأمسك يدها , كانت الساعة الثانية , ساعة القيلولة الأسبانية , لا صوت , بل صمت على الشاطىء المهجور ,تقدما ببطء على الرمل الساخن , حلمها أصبح حقيقة واقعية , يمشيان يدا بيد , هذا المساء سيريها كارلوس اليكانتيه وسيترجم لها قصيدة سانتيلان.
" يجب عليك أن تشتري قبعة من القش لتحمي رأسك من الحر ومن آلام الرأس".
" نعم , فلن يتطاير شعري".
توقف وأخذها بين ذراعيه وقال:
" لا أريدك أن تتلفي هذا الشعر الجمل الحريري".
هل سيعانقها من جديد ؟ لا , بعد لحظة أبعدها عنه فجأة وقال :
" من الأفضل الأنطلاق".
وما أن أقلعت السيارة البيضاء نحو الجنوب , حتى عادت صوفيا الى سيارتها وأرتدت ملابسها وبدأت تقود في هذا الحر الحارق.
وصلت الى فندق ميرامار ساعتين قبل الموعد المتفق عليه , أوقفت سيارتها في مرآب الفندق , وظهر في ملامح الموظف أنه كان يتوقع مجيئها , رافقها الخادم الى غرفتها ووراء الستائر لخضراء من النخيل , كان البحر الأبيض المتوسط يلمع كالبرق.
أخذت صوفيا حماما وغسلت شعرها ولما أستعت , لم يكن بأمكانها المطالعة كما هي عادتها لشدة توترها , فهبطت الى البهو لتشتري بعض البطاقات السياحية , كانت منهمكة بأختيار بعض منها عندما لمحت كارلوس يدخل الفندق وحقيبته في يده , آه , هو أيضا سينزل هنا في فندق الميرامار! لماذا تصوّرت أنه سينزل في فندق آخر في اليكانتيه؟
قال مبتسما :
" مرحبا , أنهيت عملي أبكر مما كنت أتصوّر".
كان يسجل أسمه على لائحة الفندق عندما خرج شاب أسباني من مكتب قريب وسلّم على كارلوس , فقام هذا الأخير بالتشريفات , وعرفت صوفيا أنه مدير الفندق , ويتكلم الأنكليزية , ثم أبتعدت عنهما صوفيا لأبتياع بعض الأغراض من محل الفندق , وسمعت الحديث الذي يدور بين الرجلين , سأله كارلوس باللغة الأسبانية عن حال زوجته وأولاده فأجابه المدير:
" وأنت , يا كارلوس , أنت دائما تقرر على الدفاع عن حريتك , أليس كذلك؟ هل تعيش مع هذه الفتاة الجميلة من زمان؟ وكم ستدوم علاقتكما ؟ لا أكثر من أسابيع معدودة , أليس كذلك؟".
" آه , يا خوسيه أنا لا أطارد النساء , لكن أذا لحقت بي فتاة ما , فماذا تريدني أن أفعل ؟ لست بناسك ..... فضلا عن أنها رائعة......هل غرفتانا منفصلتان , على ما أظن؟".
" بالطبع , وأؤكد بأن باب الأتصال سيفتح بسرعة , يا محظوظ!".
" من دون تعليق , أرجوك".
أقترب كارلوس من صوفيا وسألها باللغة الأنكليزية :
" أطلب منك أن تعطيني فرصة ربع ساعة كي آخذ حماما وأغيّر ملابسي , سألتقي بك على الشرفة , حيث نأخذ كأسا قبل الخروج".
ربّت على كتفيها بحنان ومن دون أن ينتظر منها جوابا , أختفى داخل المصعد.

الشغاف
06-23-2011, 03:10 AM
2- برج النجوم

أمضت صوفيا اليل تحت أشجار النخيل , في ضواحي المدينة كانت تبحث عن فندق عندما شاهدت أشارة ( مخيم على بعد 500 متر ) وفضلت أن تتبع الأشارة بدلا من المغامرة وسط المدينة.
وبالرغم من وصولها المتأخر , وجدت مكانا داخل المخيّم , أوقفت سيارتها بعيدا , رمت ما تبقّى من القرنفل وسلة القش وأغلقت الستائر , خلعت ملابسها ودخلت في المقعد الخلفي , غطت نفسها ببطانية وراحت تبكي مطولا على فتت حلمها الجميل الذي حطّمه كارلوس أربا أربا.
وفي اليوم التالي , توجهت الى صالات الحمام التابعة للمخيم ولما نظرت الى أنعكاس وجهها في المرآة , ذعرت للمنظر! جفناها متورمان والكحل وسّخ وجهها , فمساء أمس كانت مضطربة لدرجة أنها نسيت أن تزيل الزينة عن وجهها.
وبعدما أغتسلت وسرّحت شعرها , شعرت بتحسن ملموس , فأبتلعت حبتي أسبرين وأحتست فنجان قهوة ساخن صنعته بواسطة غازها الصغير , لكنها كانت تعرف أنها بحاجة الى وقت طويل كي تنسى الصدمة والذل اللذين تعرضت لهما بالأمس.
أمضت صوفيا جزءا من الصباح ممددة قرب حوض السباحة تأخذ حمام شمس لتستعيد نشاطها وتستجمع أفكارها المبلبلة , أقتربت منها فتاة فرنسية وسألتها أذا كانت قد زارت ( حديقة القس) الواقعة على الطرف الآخر من الطريق , فأجابتها صوفيا بأنها ستزورها بعد قليل.
قررت صوفيا أن تخصص نهارا للأستراحة بغية الأستعداد للرحيل في الغد , غدا ستبرق الى عملها وتشرح له رغبتها في التخلي عن وظيفتها , ثم تجتاز الحدود من جديد وتبحث عن عمل آخر , في بلد آخر , حتى لا يتسنى لها القاء بكارلوس ولسنغهام من جديد.
لكن , بعدما تنزهت في هذه الحديقة الرائعة , حيث تنبت أشجار الحامض والجزر وشجر النخيل , غيّرت رأيها , لا , لا يجب عليها أحراج موقف عملها الجديد , السيد بيدرو فيفيل , ومن الحماقة أن تغادر أسبانيا من أجل نفاهة رجل جذاب كاد أن يورطها بمأزق لا رجوع عنه , كيف آمنت , بأن رجلا غنيا وجذابا مثل كارلوس يمكنه أن يقع في حبها من اللقاء الأول ؟ ما كان يقوله لصديقه خوسيه مدير الفندق كان حقيقة مرعبة , ذلك لأنها أوحت له بتعلقها فيه , كيف بأمكانه أن يعرف أنها لم تعتبره يوما رجلا غريبا؟
وفي الطرف الآخر من الحديقة , توقفت أمام شجرة نخيل رائعة وقديمة عمرها لا يقل عن مئة وخمسين سنة , وبينما كانت تتأمل جذعها الضخم الطويل , أستمرت في التفكير بخيبة أملها , كانت على أستعداد أن تعترف بخطئها في ما يتعلق بكارثة الأمس , لكن كارلوس نفسه , لا يلام على تصرفه هذا؟ أنه أنكليزي الأب ولد وترعرع في أنكلترا , ولا عذر له , أذا لم يعرف أن يميّز بين فتاة تحب المغامرة ,وبين فتاة مغامرة! حان له الوقت , بمثل سنه , أن يعرف الفرق بين أمرأة مثيرة وأمرأة مستعدة لأن تهبه قلبها.
نعم , لقد أظهرت عن سذاجة متطرفة , آه , كم كان مخطئا في أرساله قصيدة الحب لها!
" لقد وقعت في حب فتاة من بوريس .... أعتقدت أن الحب قد نساني.....".
أي أمرأة تقرأ هذه السطور , لا تتصوّر أن من أرسلها يحبها حتى الجنون؟
وخلال فترة بعد الظهر , نامت القيلولة داخل سيارتها , ولما أفاقت وجدت المخيم قد أمتلأ بخيم جديدة , أخذت حماما سريعا ثم راحت تتنزه في الشارع , فجأة أحست بالجوع وتذكرت أنها لم تأكل شيئا منذ أكثر من 24 ساعة فتوقفت أمام بائع قريب وأشترت كيسا من البلح.
وفي المساء تناولت طعام العشاء في المطعم الصغير التابع للمخيّم , بعد العشاء , أحتست فنجان قهوة وراحت تقرأ الكتاب الذي أهداه لها جدها في عيد ميلادها : ( قصص حمراء) أندمجت في القراءة التي نقلتها الى مئة وخمسين سنة في الماضي الى عهد واشنطن أيرفنغ , ونسيت مؤقتا عذاب قلبها المحطم.
في اليوم التالي , ومنذ السابعة صباحا بدأت آخر مرحلة من رحلتها , عازمة أن تطرد من رأسها كل ما حدث لها منذ وصولها الى برشلونة حتى هروبها من فندق الميرامار , منذ يومين.
وبينما كانت تقطع المسافات الشاسعة بسيارتها في هذه المنطقة الجردية حيث لا ينبت فيها سوى الصبّار والأشواك.
فجأة , نظرت الى المرآة الأرتدادية وشحب لون وجهها , سيارة بيضاء كبيرة تقترب من سيارتها بسرعة رهيبة...
لكن ما أن تجاوزتها السيارة بعد ثوان معدودة حتى أطلقت زفرة أرتياح ذلك لأنها كانت تحمل رقما سويسريا.
وبعدما قطعت الميريا , بدأت تسير على الساحل , أي فرح أن ترى البحر من جديد وبدأت صوفيا تقترب من المكان الذي تقصده , نظرت الى العداد أمامها , لقد أجتازت حتى الآن منذ مغادرة منزل جدها , ما يقارب ثلاثة آلاف كيلومتر , تهيأ لها أنها تقود منذ أسابيع عديدة وحان الوقت للوصول............

الشغاف
06-23-2011, 03:10 AM
وساعة الغداء توقفت في مدينة صغيرة جميلة تدعى أغوادولتشي , كانت في سيارتها الواقفة في الظل , تأمل ما تبقّى من التمر الذي أشترته بالأمس , عندما خرج رجل من البناية المجاورة ونظر بأتجاهها.
أعتقدت في بادىء الأمر أنه كارلوس وأصيبت بخوف كبير , لكن سرعان ما أقتربت منه أمرأة وراحت تحدثه , فتبيّن لها في الحال أنه لا يشبه كارلوس أبدا!
وقالت صوفيا غاضبة على نفسها : أذا كان عليّ أن أنتفض مذعورة كلما ألتقيت برجل طويل وأسمر , ستنهار أعصابي بسرعة!
وفي الخامسة , وصلت أخيرا ألى ( برج الموورز) حيث ستعمل هناك حتى آخر أيلول ( سبتمبر ) , وأمام مكتب الأستقبال كانت أمرأة شقراء نعلق أعلانا عن حفلة فلافنغو , ألتفتت لدى سماعها خطوات وصرخت:
" صوفيا ! لم نكن ننتظر وصولك باكرا!".
" مرحبا يا مارغريت! كيف حالك؟ معم , وصلت أبكر مما كنت أتوقع , آمل ألا تجدي مانعا بذلك؟".
أجابت مارغريت فينغيلد في لغة أنكليزية جيدة:
" لا , أبدا , المخيم لم يمتلىء بعد , كما ترين , لكن مع ذلك هناك أعمال كثيرة لك.... آه , هذا بيدرو".
بيدرو فينغيلد يشبه زوجته , بعينيه الزرقاوين وشعره الأشقر , لحيته طويلة ومجعدة ويرتدي سروالا معرّقا.
" أنا سعيد لرؤيتك , يا صوفيا! هل كانت رحلتك موفقة؟ ما هي أنطباعاتك الأولى عن أسبانيا؟ أنت متعبة , أليس كذلك؟ أجلسي , سأجلب لك الشراب المنعش".
" لن أجلس شكرا , فأنا بحاجة الى بعض الحركة , يا بيدرو , لقد سئمت الجلوس , أشعر برغبة في السباحة , هل هذا ممكن؟".
" طبعا , خذيها أذن يا مارغريت الى حوض السباحة وأنا سأحل مكانك في مكتب الأستقبال".
رافقت مارغريت صوفيا الى سيارتها قائلة:
" الشاطىء المخصص لرواد المخيم الذي يقع وراء التلة , لكننا حصلنا على أذن في أستعمال حوض السباحة التابع للبرج , فقط عندما لا يكون أحد هناك".
وكانت تشير الى برج المرصد الذي يعلو المخيّم , ثم أضافت تقول:
" أنها أحدى المنازل الصيفية العائدة الى رجل أسباني ينتمي الى عائلة عريقة ونبيلة , في الصيفالماضي لم يقض فيها ألا بضعة أيام خلال شهر أيار ( مايو) أحيانا يعيرها الى أصدقائه , لكن في معظم الأحيان , تكون مهجورة".
أخذت صوفيا من سيارتها كل ما تحتاجه للسباحة , تابعت المرأة الهولندية تقول:
" سأدلك على خيمتك , وهناك تغيرين ملابسك , أنها صغيرة وآمل أن يكون في أمكانك التحرك داخلها , لكن موقعها ممتاز , أذ تقع في الظل وبعيدا عن البنايات المجاورة , وهذا أمر هام للغاية , ذلك لأن سكان تلك البنايات يقيمون الحفلات التي تدوم حتى الثانية أو الثالثة بعد منتصف الليل , وهذا الضجيج المحتم يزعج سكان المخيم الذين يفضلون النوم باكرا والنهوض باكرا".
وبعدما أرتدت صوفيا بزة السباحة , تبعت مارغريت في طريق صخرية تصل الى جدار أبيض مرتفع , أخرجت المرأة المفتاح من حقيبتها وفتحت بابا ضخما وأشارت الى صوفيا بالدخول.
لكن الفتاة الأنكليزية لم تحبس دهشتها وهمست بأستغراب:
" آه , يا مارغريت , أنه مسكن يشبه الجنة!".
وسط ساحة تحيطها الأزهار العديدة , يعكس حوض السباحة على سطحه الهادىء السماء الزرقاء , ووسط الحوض ينتصب سيل صغير , كبست مارغريت على زر مخبأ وراء الأوراق التي تغلف الجدار , وأنبعثت المياه فجأة بأتجاهات عديدة لتسقط من جديد في الحوض آخذه كل ألوان قوس القزح.
قالت مارغريت بعد نصف ساعة:
" لو كان هذا المسكن ملكي , لسكنته طيلة أيام السنة".
كانت الأمرأتان جالستين على حافة الحوض تؤرجحان أقدامهما في الماء وتتأملان الأنعكاسات الملونة.
سألت صوفيا بفضول:
" وكيف هو داخل المنزل؟".
" المنزل مليء بالأثاث الفاخر واللوحات الرائعة والبساط القديم , البرج مكيّف صيفا شتاء , فالجو رائع والرطوبة معندلة , البستاني يأتي كل يوم للأهتمام بالحديقة , كما هناك أمرأة من القرية مهمتها الأهتمام بالمنزل كله , فصاحبه رجل غني وماركيز".
" هل هو متزوج؟".
" نعم , ولديه الكثير من الأولاد , زوجته شابة وجميلة , بينما هو يكبرها سنا أنه قصير وسمين , لكنه قوي ..... وأصلع ومهما يكن في الأمر فأنني أفضل العيش مع زوجي في المخيم!".
وفي المساء تناولت صوفيا العشاء مع آل فينغيلد , وقبل النوم تمددت على كرسيّ طويل , وراحت تتأمل ( برج الموورز ) المضاء بنور القمر , وأطلقت لمخيلتها العنان .
في اليوم التالي بدأت العمل , أخذه بيدرو في جولة داخل المخيم وقدّمها الى الموظفين , معظمهم من الأسبان يعيشون في المناطق المجاورة , كان هناك زوجان أسبانيانللأهمام بالحمامات , وعجوز يدعى ماريو للأهتمام بالحديقة ورمي النفايات , وكذلك المسؤولون عن دكاكين المخيّم , والطبّاخ , وخدم المطعم.

الشغاف
06-23-2011, 03:13 AM
وبعد الغداء , بينما ذهب بيدرو الى الحوض للسباحة , ثم الى القيلولة , بقيت صوفيا مع مارغريت في مكتب الأستقبال لتتعلم طريقة تشغيله , وفي آخر فترة بعد الظهر , أصطحبتها مارغريت الى مدينة صغيرة مجاورة تدعى المونيكار وكان ذلك في ساعة النزهة المسائية , الشوارع والأرصفة مليئة بمجموعات من الناس المشتاقين الى الأستمتاع ببرودة الجو وأشعة شمس المغيب.
بعد مرور أسبوع على وجود صوفيا في المخيم , أستطاعت أن تستوعب عملها ومتطلباته بصورة أكيدة , لكن الصعوبة الوحيدة التي كانت تعترضها هي اللهجة المحلية وأمكانية فهمها.
مرت ثلاثة أسابيع وهي تتكيف مع الجو بصورة عدية , وذات صباح جاءت الخادمة التي تتولى السهر على برج الموورز تعلم مارغريت بأن أصدقاء الماركيز سيصلون في المساء لقضاء يومين في الفيللا وهذا يعني أن آل فينغيلد ومن يتبعهم لا يحق لهم أستعمال حوض السباحة في مدة أقامة أصدقاء الماركيز في منزله.
وفي فجر اليوم التالي توجهت صوفيا نحو الشاطىء لتستحم كعادتها , بيدرو ومارغريت لا يستحسنا الشاطىء الرملي الرمادي وخاصة من جهة أنحاء الساحل على المنحدر الصلب حيث يصب في المياه العميقة وحيث كانت الحصى المكدسة تجعل المشي صعبا وشاقا , خاصة أذا كان المتجول عاري القدمين , ويا للخيبة لن يتصور أن كوستا ديل سولمجموعة خلجان صغيرة رائعة مغطاة بالرمل الذهبي الناعم!
أما بنظر صوفيا , فشفافية الماء والغوص في أعماقها بواسطة القناع والمجذافين , أمور تكفي لأخفاء الشوائب الشكلية , كانت تحب الحانة الصغيرة المبنية من القش الواقعة تحت ظلال بعض الأشجار , على مقربة من الشاطىء الرملي , وكان مدير الحانة شاب أنكليزي يدعى مايك , يعامل سكان المخيم بلطف وأبتهاج.
وبينما كانت تعبر قرب جدار حديقة البرج سمعت صوتا غير أليف فخففت سرعتها, فأتت الى مسمعها ضحكات رجل مسرور , أبتسمت صوفيا وقالت لنفسها , لا شك أن ضيوف الماركيز من الشباب المرحين , أو ربما زوجان في شهر العسل..
وسرعان ما قتم وجهها وراحت تفكر بقدرها .....كانت تفعل جاهدة كي لا تزيد حزنها ثقلا وذلك بالصمت وعدم أظهاره للغير , لكنها كانت أحيانا تشعر بألم وحزن كبيرين.
في هذه الساعة المبكرة كانت الحانة مقفلة , وعلى الشاطىئ الفارغ من الناس , لم تر سوى حمار أبيض مربوط بحبل في شجرة صغيرة , لما رآها , راح ينهق بألم , فأسكتته بأعطائه قطعة طبّار وبعض الجزر , وبعد قليل كانت تعوم في الماء الفاترة تتأمل صفا من الأسماك الصغيرة الملونة.
عادة , عندما تسبح قبل فطور الصباح , لا تحمل معها منشفة أو مئزرا ذلك لأن الناس ما زالوا نياما ولا أحد على البحر , وفي طريق العودة تتوقف لتأخذ حماما وتغسل شعرها قبل التوجه الى جيمتها.
وفي هذا الصباح بالذات , ما أن خرجت من الماء حتى رفعت القناع فوق جبينها وصعدت المنحدر المليء بالحصى , وفي يدها المجذافان وفي قدميها صندل رقيق , وبينما كانت متوجهة نحو المخيم , سمعت شخصا يناديها:
" لحظة , يا آنسة , من فضلك!".
أنتفضت من شدة المفاجأة ورفعت عينيها نحو الصوت ورأت على بعد عشرة أمتار من فوقها رجلا واقفا بين تلة الصخور , ينظر اليها بقسوة: كارلوس ولسنغهام.
بذعر وصمت رأته يقفز من صخرة الى أخرى حتى وصل قربها وقال بصوت بارد:
" ....... آه لم أمن اتوقع أن أراك هنا , للحقيقية تملكين عبقرية المفاجآت , تظهرين بطريقة غير منتظرة وتختفين هكذا".
" ربما فوجئت برحيلي السريع من فندق ميرامار , لكن الأمر كان طبيعيا وفي غاية البساطة , للأسف من أجلك لأنك تعرفت على فتاة تفهم الأسبانية , فسمعت حديثك مع السيد غارسيا وفهمت محتواه , وخاصة فيما يتعلق بموضوعي أنا , لا , يا سيدي , لم أنجذب اليك بغية أغوائك , أنت أخطأت كليا وأنا أكره الرجال الذين يعتبرون النساء كدمى!".
قررت أكمال سيرها لكنه أمسكها بذراعها وقال:
" لماذا لم تقولي هذا الكلام في تلك الليلة بالذات ؟ لكان ذلك أفضل من الأختفاء من دون شرح أو كلمة".
" لا تقل لي أن هذا التصرف أزعجك , ورحت تفتش عليّ في كل مكان!".
" بلى , بحثت عنك كثيرا , أرجوك , صدقيني".
" لا أصدقك.... والآن , أرجوك أن تتركني أسير بدربي , من فضلك".
" حسنا , لكن لا تحاولي الهرب , لأنني سأمنعك من ذلك".
" وتجرؤ على سؤالي لماذا تركت فندق ميرامار من دون شرح أو كلمة!".
أمتلأت عينا كارلوس الرماديتان غضبا وقال:
" هل تصورت أنه بأمكاني أن أحصل عليك بالقوة؟".
" كنت دائما أفضّل ألا أتورط بمثل هذه الأمور".
سمعا صوت تساقط الحصى فوقهما , فألتفتا ليريا فتاة صغيرة ترتدي سروالا قصيرا وقميصا وتقترب منهما , شعرها الأسود الطويل مجدول ومرفوع فوق رأسها ولون بشرتها يشبه لون القهوة مع الحليب.

الشغاف
06-23-2011, 03:14 AM
ولما وصلت قرب الصخور التي قفز فوقها كارلوس , ترددت , فأسرع الرجل اليها وحملها , ثم وضعها على الحصى بلطف , لم يكن عمرها يزيد عن الثانية عشرة , فقدمها كارلوس لصوفيا:
" أقدم لك ماري لويز , أبنة أبن عمي , صاحب البرج , وهذه الآنسة لينغوود".
قالت الفتاة باللغة الأنكليزية مع أنحناءة صغيرة:
" صباح الخير , يا آنسة".
وبعدما حيّتها باليد ألتفتت صوفيا نحو كارلوس وقالت له بأختصار:
" أنا مستعجلة ولا أريد أن أصل متأخرة لموعد فطور الصباح , في كل حال المناقشة أقفلت, الى اللقاء , يا سينيور!".
وفي فترة االصباح أرسلها بيدرو لتضع المال في مصرف المونيكار , لدى عودتها وصل بعض المخيمين الجدد الذين لا بد من الأهتمام بهم , ولم يتسن لمارغريت أن تعلمهم بالخبر الكبير ألا في فترة الغداء عندما قالت:
" بيدرو , نحن مدعوون مساء اليوم الى العشاء في فيللا البرج , جاء كارلوس وليسنغهام الى المخيم خصيصا من أجل ذلك , لن يبقى هنا سوى يومين فقط , وأنت مدعوة أيضا , يا صوفيا , طرح علي أسئلة عديدة بخصوصك , أنه شاب جذاب وبأمكانكما الأتفاق كليا.
" ألتقيت بهذا الرجل على الشاطىء صباح اليوم , لكنني لا أحب هذا النوع من الرجال , ستعتذرين منه يا مارغريت في المساء لأنني لن ألبيّ دعوته".
أندهشت المرأة الهولندية وقالت:
" لا شك أنك تمزحين , لا يمكن لأحد أن يكره كارلوس , أنه لطيف وطيب , وحسب ما لاحظت أنه يشعر نحوك بأعجاب كبير".
" أنت مخطئة , في كل حال , أنا لم أعجب به ولا أرغب في رؤيته".
قال بيدرو وهو ينظر اليها بتأمل:
" أنت تضعيننا الآن في موقف حرج , لا شك أنك تعرفين ... أن هذا المخيّم هو ملك كارلوس , صحيح هذا المشروع لا يدر له أموالا كثيرة كغيره من مشاريعه العديدة , لكنه يهتم به جيدا , وفي السنة الماضية حضر الى المخيّم عدة مرات بصورة فجائية ليقوم بتفتيش دقيق لمعرفة ما أذا كان كل شيء على ما يرام".
" المخيّم له؟ تصورت أن الماركيز صاحبه!".
" لا , لا , الماركيز يملك فقط البرج والحديقة وكارلوس يملك المخيّم والأبنية المجاورة".
قالت مارغريت:
" هذا يعني أن كارلوس يملك عملنا ولا مجال لأزعاجه وجرح شعوره , هل تفهمين؟........ وبالرغم من أحساسك أتجاهه , فى يجوز أن تحرمي نفسك من عشاء لذيذ ومن فرصة التعرف الى التحف النادرة الموجودة داخل الفيللا".
ثم أضافت لتلفت نظر الفتاة وقالت:
" هناك كتب عديدة , نادرة ومغلفة بأرقى ما يمكن".
لم تكن صوفيا تريد أساءة شعور آل فيننغيلد , فرضخت للأمر الواقع , لكنها لم تمتنع عن طرح السؤال التالي:
" لا شك أن بينكما وبينه عقد عمل؟ لا يمكن لكارلوس ولستنغهام أن يطردكما أذا ما وجد رغبة بذلك؟".
" طبعا , هناك عقد بيننا , وحتى أذا لم يكن هناك عقد بيننا , فليس كارلوس من نوع الرجال الذين يتصرفون هكذا من دون حجة ملموسة , من هذه الناحية , أنا مطمئنة البال . منذ سنتين ونحن نعمل عنده , وأذا أعجبه عملنا , ربما أقترح يوما ما على بيدرو مركزا ثابتا ومرموقا , ذلك لأننا نحب البقاء في أسبانيا , لم نعد قادرين على تحمل طقس هولندا وشعبها , أنت تعرفين جيدا الجو هناك , يا صوفيا! وهذا يطبّق تماما عل الوضع في أنكلترا".
" معك حق , لكن بنظري لا يكفي هذا كحجة كي تغادرا الوطن بشكل نهائي .... وكوستا ديل سول لن تبقى كما هي الآن , بعد مرور الزمن".
كانت الساعة قد اجاوزت التاسعة والنصف عندما صعد الثلاثة نحو البرج , أرتدى بيدرو بزّة فاتحة بينما أرتدت مارغريت قميصا من الدانتيل فوق تنورة طويلة كعرّقة وسرّحت شعرها عند الحلاق.... أما صوفيا فأرتدت أيسط الملابس : فستان أبيض من قماش الكاباردين , صندل أحمر وحقيبة يد حمراء , عقد ذهبي طويل معقود مرتين حول عنقها وربطت شعرها الى الوراء بشريطة من القش.
ووراء الباب العام , كانت الحديقة تعبق بالعطر الناعم , طرق بيدرو الباب , وفي الحال فتحت ماري لويز وأدخلت الضيوف الى بهو بشكل دائرة , ومن ثم صعدوا السلالم الحجرية الى الطابق الأول حيث تبعوا الفتاة الصغيرة الى الصالون , وفوجئت صوفيا وهي تنظر الى النافذة وترى خليجا واسعا يطل على البحر.
نهض كارلوس ليسلّم على ضيوفه ويقدّمهم الى عمته العجوز الأنيقة.
وخلال العشاء بينما كان الرجلان يتحدثان في الأعمال ومارغريت تثرثر مع الفتاة , ألتفتت السيدة ماك كينلاي نحو صوفيا قائلة:
" هذه أقامتك الأولى في أسبانيا , أليس كذلك , يا آنسة؟ لكنك تتكلمين لغتنا جيدا".
" ما زلت أجد صعوبة في فهم لهجة هذه المنطقة".

الشغاف
06-23-2011, 03:14 AM
" أعرف ما تشعرين به , ذلك لأنني لاقيت الصعوبة نفسها في بداية زواجي , مع العلم أننا وظّفنا مربية أنكليزية في المنزل , لكن عندما كنت أسكن مع حماتي في أسكتلندا , قرب داندي , لم أكن أفهم كلمة واحدة يقولها اخدم".
" ولا شك أنك وجدت صعوبة أيضا في التأقلم مع المناخ الأسكتلندي؟".
" لم يكن هناك سبب لذلك , لأن زوجي كان يعمل في السلك الدبلوماسي , ومعظم القت كنا نعيش في الخارج , أما اليوم فقد تقاعد , وبعد رحلاتنا المستمرة , كنا نرغب بأن نستقر نهائيا في بلدتنا الأسكتلندية المعزولة , لكن بعد شتاء بارد وطويل شعرت برغبة ملحة أن أرى الربيع من جديد في بلاد الأندلس , نحن الآن عند جد ماري لويز , ولما جاء كارلوس وأخبرني بأنه ينوي القيام بجولة نحو الساحل من سان بيدرو حتى مونتريل , شعرت بحاجة أن أرى ما فعلته السياحة بهذه المنطقة القاحلة قديما , لكن زوجي العزيز أعتبر أن هذه الرحلة ستتعبه فجاءتماري لويز مكانه".
" أذن, ماري لويز هي حفيدتك, أليس كذلك؟".
" كلا , أنها حفيدة أخي..... وأنت يا آنسة , هل تنتمين الى عائلة كبيرة؟".
أجابت صوفيا بأختصار:
" كلا".
لم يكن من طبيعتها أن تكون منغلقة , لكن , بسبب كارلوس , فضّلت ان تكون حذرة ومتحفظة".
سألتها السيدة ماك كينلاي :
" ومن أي منطقة أنت؟".
" من منطقة ساسيكس".
وكي لا تستمر العجوز بطرح الأسئلة ,رأت صوفيا أن تخبرها عن البلدان التي أحبت أن تعيش فيها.
وبعد تناول القهوة أعتذرت الفتاة الصغيرة وتمنت للحضور ليلة سعية ثم وجّهت سؤالا لصوفيا:
" هل تحبين رؤية غرفتي يا آنسة؟".
لم تتمكن صوفيا من أيجاد عذر للرفض , فتبعتها حتى الطابق الثالث المخصص للأولاد , ولدى رؤية الأسرة ذات الطابقين والطلاء اللماع للأثاث المصنوع من خشب الصنوبر , خيّل اليها أنها في باخرة.
قالت ماري لويز عابسة متأسفة:
" أفضل النوم على الشرفة والمجيء الى هنا مرات عديدة لأنني أحب السباحة جدا".
" ألا تذهبين الى المدرسة؟".
" وضع لنا والدنا معلما خاصا , أما أخي فيدرس في معهد بسويسرا , وسيلحق به ستيفان عندما يبلغ الثالثة عشرة من عمره , أمي ترى أن الفتيات عليهن البقاء في المنزل , وأنت , يا آنسة , هل ذهبت الى المدرسة؟".
" نعم , لكنني كنت أعود في المساء الىالمنزل........ هل بأمكاني النظر الى كتبك؟".
وبينما كان ماري لويز تخلع ملابسها كانت صوفيا تلقي نظرة الى الرفوف المليئة بكتب الأولاد , أنها موسوعة ضخمة ومتنوعة ,وفي أحدى الكتب القديمة قرأت في الصفحة الأولى أهداء بأسم كارلوس جايمس ولسينغهام , فتعجبت وتساءلت أذا كان كارلوس يحب المطالعة هذا لا يتفق مع طبعه الحيوي النشيط.
فجأة سمعت طرقا على الباب , فقالت ماري لويز في الحال:
" أدخل".
دخ كارلوس وقال:
" هل تحبين , يا صوفيا , رؤية المنظر من قمة البرج؟ ستأتي ماري لويز معنا , فلن تتورطي أذا جئت!".
أكّدت الفتاة بشدة:
" آه , ليس هناك خطر بوجود الدرابزين ".
تسلّق الثلاثة سلّما خشبيا , وبعدما رفع كارلوس باب السقف , خرج الى السطح ومدّ يده ليساعدهما.
ومن هذا الأرتفاع بدت الأبنية القريبة من المخيّم كأنها علب كبريت , ومن بعيد كانت أضواء مدينة المونيكار تشع , أتكأت لحظة على طرف الدرابزين وقالت وهي تنظر الى البحر الهادىء:
" الحجر ما زال ساخنا".
كانت ماري لويز تتأمل النجوم وشعرها الجميل يتطاير فوق قميص نومها القطني المعرّق ثم قالت:
" لماذا لا تسمح لي أن أنام هنا , يا عمي كارلوس؟ ماذا يمكن أن يحدث لي؟".
" لا شيء , لكن والديك لن يوافقا , هيّا بنا الآن , حان الوقت كي تنامي , فلم تأخذي القيلولة بعد ظهر اليوم".
" تصبحين على خير , يا آنسة".
قالت صوفيا بسرعة وهي غير راغبة في البقاء وحيدة مع كارلوس:
" ولكننا سنهبط معك!".
ولما وصل الجميع الى غرفة افتاة , شدت ماري لويز على يد صوفيا بعد أنحناءة صغيرة , بينما أرتفعت على رؤوس أصابعها لتطبع قبلة على خد كارلوس الذي أنحنى للحال.
أستغربت صوفيا عندما نزل كارلوس بصمت الى حيث بقية الحضور ولم يلمّح لما جرى بينهما من حديث في الصباح.
لكن قبل أن يدخل الى الصالون قال:
" أذا أحببت أن توافينا الى حوض السباحة غدا قبل الفطور , فأنت على الرحب والسعة".
" شكرا , لكنني أفضل البحر".
كانت السيدة ماك كينلاي وحدها في الغرفة , تضع نظارتين سميكتين وتحيك النول.
ولما لاحظت أندهاش صوفيا , راحت تشرح قائلة:
" أضطر بيدرو ومارغريت أن يغادرا بسرعة , فقد جاء شخص من قلب المخيم ليخبرما بحدوث مشاجرة عنيفة داخل غرفة الموسيقى , لا شيء يستحق القلق , على ما أظن , لا شك أن السيد بيدرو قادر على وضع حد لذلك بسرعة كبيرة".

الشغاف
06-23-2011, 03:15 AM
" أذن من الأفضل أن أنسحب الآن , لا شك أنهما بحاجة اليّ".
قالت المرأة العجوز :
" لا ضرورة للذهاب بهذه السرعة , فالسيد فينغيلد لم يكن يريد أن تأتي زوجته معه , لكنها أصرّت لأصابتها بألم حاد في الرأس ..... تعالي وأجلسي قربي , يا عزيزتي , هل تسمحين أن أكمل عملي ؟ أنني أطرّز شرشف طاولة كهدية عرس وما زلت متأخرة".
جلست صوفيا قرب العجوز ولاحظت أنها تحقق قطعة رائعة الجمال : تحفة تطريز فنية , تذكرت شيئا ما وبعد لحظة تفكير سألتها صوفيا فجأة :
" هل أنت المرأة التي طرّزت شرشفا رائعا لمباراة التطريز العالمية الأخيرة؟ أسمك يلهمني بذلك".
" نعم , كيف يمكنك أن تكوني على علم بهذه الأمور؟".
" رأيت صورتك في جريدة مهنية , وتذكرت عندما نظرت الى التحفة التي بين يديك".
خلعت السيدة ماك كينلاي نظارتيها وقالت مبتسمة :
" هل تنتمين الى الجمعية؟ كنت أعتقد أن النساء الأعضاء متقدمات في السن".
" لست عضوة في الجمعية , لكن عمتي التي ربتني هي عضوة هناك , لذلك أعرف أمورا كثيرة حول هذا الموضوع .... تدعى عمتي روزا ستيل".
صرخت العجوز في أندهاش:
" روزا ستيل! أي حظ لك! أنها المطرزة الموهوبة والنابغة في عصرنا! أن ( ماضي وحاضر ومستقبل فن التطريز ) كتابي المفضل الذي لا يغادرني أبدا..........".
رأت كارلوس يتقدم منها ويضع كأسا على الطاولة الصغيرة قرب المقعد وثالت:
" شكرا , يا كارلوس".
وينما كانت صوفيا ترد على أسئلة الهجوز حول عمتها , كانتتعي بوضوح نظرات كارلوس الكثيفة تحدّق فيها , كانت تخاف جدا وهي تفكر بأنه سيقترح عليها بكل تأكيد أيصالها الى المخيم.
قالت العجوز لكارلوس :
" مسكين أنت يا كارلوس , لا شك أن حديثنا يضجرك".
" لا أبدا , عمتي جاسينتا , ليس هناك أي ضجر بالنظر الى أمرأتين جميلتين".
راحت العجوز تضحك من أعماق قلبها وتقول:
" يا أيها المخادع المتأنق! هذا الغزل الأسباني! الشاب الأنكليزي لا يغازل بهذه اللياقة أليس كذلك يا صوفيا؟".
" أنا أوافق معك , الشاب الأنكليزي لا يعرف ملاطفة النساء أو الغزل , لا شك أن ذلك عائد لكون الفتيات الأنكليزيات عامة لا يقعن في فخ الكلمات الجميلة بل يعرفن تماما أن يتحاشين اللطف الزائد , في غالب الأحيان".
وافقت معها العجوز قائلة:

" أن ما تقولينه صحيح , لكن لا يجب أن تقع المرأة في عكس ذلك , أنا شخصيا لا أثق بالرجال غير القادرين أن ينطقوا بكلمة لطيفة للمرأة أو أن يقدموا لها شيئا ما يختلف عن الأشياء الضرورية , أذا أهداني أدوار طناجر مثلا , لرميتها من النافذة ! لكن لحسن حظي , عندي زوج رائع , عنده موهبة أنتقاء الهدايا التي تعجبني , أنظري , ماذا أهداني بمناسبة عيد ميلادي الأخير .... أليس هذا رائعا؟".
ومدت يدها نحو صوفيا لتريها كشتبانا من ذهب في علبة عاجية متناسقة.
ولما أعربت صوفيا عن رغبتها في الذهاب , أصرّت السيدة ماك كينلاي أن ترافقها حتى البهو , وقالت لها:
" أخبري عمتك كم فرحت بكتابها , أنها حقا نابغة , كما أنني أنظر بأعجاب للرسمة التي حيكتها لكرسي صغير والتي عرضتها بوضوح في الكتاب".
" قبل مغادرتي أنكلترا أهدتني دثارا من الحرير , وقبعته مطرّزة باللؤلؤ ".
" هل تحملينه معك؟".
" نعم".
" آه , أحب أن أراه , هل هذا ممكن؟".
أقترح كارلوس في الحال :
" لماذا لا تتناولان طعام الغداء معا في الغد فسأكون متغيبا طيلة النهار".
" غدا , أعمل وقت الغداء , لكن أذا كنت قادرة على المجيء الى المخيّم في الصباح , سيسرني أن أريك الدثار".
" أتفقنا يا عزيزتي , في العاشرة , ما رأيك؟".
" تماما , الى اللقاء يا سيدتي , شكرا لهذه السهرة الرائعة".
ثم ألتفتت نحو كارلوس الذي همّ بالخروج معها:
" لا ضرورة لمرافقتي , يا سيد , فالقمر بدر والطرق مضاءة , لن أضيّع طريقي! سأصل في أقل من دقيقتين".
أجابها كارلوس بسخرية :
" لكن , يا آنسة , تعلمت من أسلافي أن أصرّ في مرافقتك حتى بابك".|
ألتفت نحو عمته وقبّل يدها قائلا:
" لا شك أنك ستنامين فبل عودتي , يا عمتي جاسينتا , تصبحين على خير ونوم سعيد".
ولما أصبح في الحديقة , عاد يقول:
" لماذا تدعينني الآن ( سيد ) وأنت عانقتني منذ وقت غير بعيد؟".
" لم أكن أعرف حينذاك أنك ستصبح رب عملي".
" لكنني لست برب عملك , مديرك هو بيدرو".
" لا تلعب بالكلمات , أنت صاحب المخيّم".
وصلا أمام الباب , لكن , بدلا من أن يفتحه , كبس كارلوس على زر , فأستعاد سبيل الماء حياته وراحت المياه تتصاعد بعدة أتجاهات نحو السماء المنجمة قبل أن تسقط من جديد قطرات برّاقة.

الشغاف
06-23-2011, 03:16 AM
" ليس كوني رب عملك يجعل تصرفك جافا ومتوترا معي , أليس ما أقوله صحيحا , أنما حديثي المشؤوم مع خوسيه غارسيا هو الذي ما يزال يحزّفي قلبك , أليس كذلك؟ ماذا كان حدث لو لم تسمعي ذلك؟".
" لكانت النتيجة نفسها, لكنني , كنت غادرت الفندق متأخرة".
" كيف تتكهنين بالأمور مسبقا ؟ لا , أنتظري دقيقة واحدة! أسمعيني".
كادت أن تفتح الباب , لكنه بحركة سريعة وأكيدة , أتكأ عليه ليمنعها من الخروج , فقالت:
" لم يعد لي الخيار!".
" لنفترض أننا تناولنا العشاء في الكارلتون , ثم رقصنا ساة أو ساعتين , وبعدها عدت بك الى الميرامار وبدأت ...... أغازلك , ماذا كنت ستفعلين ؟ هل كنت غادرت الفندق؟ في الثانية بعد منتصف الليل؟ كان بأمكانك أن تقولي ( لا ) بحزم وتغلقين باب غرفتك , من دون أي غضب , فكّري بالأمر بصدق , لو لم تفهمي الأسبانية , لكان هذا ما حصل أليس كذلك؟".
أجابت بصوت خفيض:
" سأكون صريحة معك , ربما كانت الأمور قد جرت كما تقول , لكنني كنت غادرت الفندق في الصباح الباكر متمنية ألا أراك أبدا في حياتي".
" صوفيا , ما بك , أنت متأخرة قرنا بكامله , لكنك تعرفين أنك جميلة ولا تقولي أنني أول رجل تغزّل بك...".
" لم أقل هذا".
" لكنك تصرفت كأن ما أقوله صحيحا".
" كنت أعتقد أنك...... لست كالآخرين".
" لماذا؟".
" ذلك أنه .......... آه , هذا صعب أن أقوله ....... ألم تأمل يوما أن يحبك أحد من أجلك وليس من أجل ثروتك أو جاذبيتك....؟".
أختنق صوتها وتلألأت الدموع في عينيها وهمست قائلة:
" دعني من هذه الأمور يا كارلوس أنا متعبة وسأستيقظ باكرا في الغد".
فتح الباب وبصمت هبطا التلة , وبعد قليل , أضافت صوفيا :
" في كل حال , لم يحدث ما كنت تتوقعه , ولم أستحسن أبدا أنك أردت أضافتي الى حريمك , بعد يوم واحد من معرفتي بك".
" حريمي؟ لكن عمّ تتحدثين؟".
أجابت بمرارة:
" مع العلم أن شخصا قد نبّهني هو السيدة هلينغتون لكنني كنت كالحمقاء , رفضت أن أصغي أليها , مهما يكن من أمر أن تصرفك أتجاه النساء غير لائق".
" قبل حادثة الميرامار , كانت نظرتك مختلفة".
" لم أكن أفهم نواياك , كنت تبدو..... بعينيّ , كنت أعتقد..".
" أنك تحيرينني , لكن...... كنت تعتقدين أنني جاد....".
" لا أعرف...... كان ذلك محتملا.......".
في هذه اللحظة تعثرت قدماها وأوشكت على السقوط لو لم يتمسك بها كارلوس , فجأة وجدت نفسها بين ذراعيه.
" سيظل هذا محتملا...... ما دمت تعاملينني كأنني دون جوان خطير.......".
رفع وجهها ووراءه ينتصب البرج المضاء , كانت قربه الى درجة أنها كانت تسمع دقات قلبه , وخلال لحظات قصيرة كانت متّخذة بالذكريات التي حاكتها حول أميرها البطل , الى درجة أنها فقدت دفاعها.
لكن لحظة الضعف هذه كانت قصيرة , فتقلّصت فجأة وتخلّصت من قبضته وقالت في جفاف:
" لم أعد أصدق شيئا , لم أنس بعد ملاحظة خوسيه غارسيا عن حبك للحرية , لا يهمك ألا كوني فتاة جميلة وحسب , والباقي ترميه في البحر!".
لم يرد كارلوس عليها , فتابعت تقول:
" ربما كنت أول فتاة ترفضك , ولهذا السبب ما زلت تتذكرني!".
أدارت له ظهرها وأبتعدت بخطى مستعجلة.
وفي اليوم التالي دخلت مارغريت الى الحمام وفوجئت بصوفيا تغسل أسنانها , تثاءبت وقالت:
"مرحبا , يا صوفيا! نهضت باكرا جدا , أعتقدت أنك ستغطين في النوم , متى عدت بالأمس؟".
" في حوالي منتصف الليل هل هدأت الأمو في صالة الموسيقى؟".
" كانت الأمور على ما يرام قبل وصول بيدرو".
" هل كان رأسك يؤلمك حقا؟".
" كلا , أردت أن أكون لطيفة لأتيح لك أمكانية التنزه مع كارلوس تحت ضوء القمر".
" لكن للأسف , هذا لم يحصل , ليس كارلوس من طراز الرجال الذين أحبهم".
في العاشرة تماما , وصلت السيدة ماك كينلاي مع ماري لويز التي قالت بحماس:
" آه , كم أحب العمل هنا في المخيّم والعيش في هذه المقصورة , سنرحل متى عاد عمي من المونيكار , وسنذهب الى غرانادا لرؤية عمي أدوارد وعمتي جيزيلدا".
وبينما كانت الفتاة الصغيرة تنتقل في المقصورة بفرح كانت العجوز تتمتع بالتطريز الذي حيكته روزا ستيل باللؤلؤ.
وبعد الظهر , كانت صوفيا في عطلة, فأمضت وقتها في البحر تتأمل الأسماك واضعة القناع الخاص على وجهها , ومن حين الى آخر كانت تعود الى الشاطىء أو الى الحانةلتحتسي عصير الليمون وتثرثر مع مايك.
قالت لها مارغريت لدى عودتها الى المخيم:
"جاء كارلوس ليودعك ,فقلت له أنك على الشاطىء , هل رأيته؟".
" كلا".
وبالرغم من أرتياحها لرحيله , شعرت صوفيا بتوتر شديد طيلة السهرة.
بعد العشاء كتبت رسالة الى عمتها وأخبرتها عن السيدة ماك كينلاي من دون أن تخبرها عن كارلوس , ولما جلست في فراشها راحت تستمتع بقراءة كتاب واشنطن أيرفينغ , ففي بادىء الأمر كانت تفضل قراءة الجريدة المحلية والمجلات الأسبانية لتحسّن لغتها وتتعلم المفردات المصطلحة.
كانت تقرأ قصة ( أسطورة الأميرات الثلاث) المكتوبة قبل مئة وخمسين سنة ,وذكّرتها القصة بما يحدث معها مع كارلوس ولسينغهام , الأميرات الثلاث وقعت بحب ثلاثة سجناء حرب وعشن التجارب التي تشبه ما تعاني منه اليوم صوفيا , كتب المؤلف:
( الصعوبات المعاشة كانت تزيد من نشوة العلاقة وتقوي الشغف الذي حلمت به بشكل فريد , ذلك لأن الحب كان يعيش بأستهتار داخل العوائق والحواجز ويتكيّف مع الأرض القاحلة).
أليست هذه قصة مغامرتها؟ قالت ذلك لنفسها وتنهدت , ألا تشبه مشاعرها أتجاه كارلوس العش المعلق بالصخورالذي يتعرض لكل أنواع العواصف والأمواج والريح؟ وحتى حادث الميرامار لم ينجح في أقتلاعه ؟ لا شك أنها توصلت الى خنق أهتمام كارلوس العابر بها , لكنها لم تتوصل بعد أن تطفىء الأحاسيس التي يلهمها أياها , كان يجب أن تفرح لرحيله وعدم أمكانية رؤيته في المستقبل....... لكنها حزينة حتى البكاء........

الشغاف
06-23-2011, 03:17 AM
3- حول مفهوم السعادة

وفي صباح اليوم التالي , وصلتها بطاقة من كاتي ديلهام تطمئنها فيها عن فرحها بمركز غملها في كوستا برافا , ورسالة طويلة من جدها , مليئة بالنكات المزاحية الرهيبة!
وخلال فترة الغداء , ذهب بيدرو وزوجته الى حوض السباحة , وبقيت صوفيا في مكتب الأستقال , بات المخيّم مكتظا وكانت مهمتها أن تدل الزائرين الجدد الى مخيم آخر في الجوار.
وبينما كانت صوفيا تنتهي من كتابة رسالتها التي بدأتها في الأمس , سمعت شخصا يناديها بالأسبانية , فرفعت نظرها ورأت رجلا ملتحيا يبتسم لها , وعلى ذراعه قيثارة , حافي القدمين , يرتدي قميصا مطرزة وسروال جينز وأصابع يده ممتلئة بالخواتم, كان يشبه الهبيين, لكنه كان يبدو نظيفا.
فقبل أن يتسنى لها الكلام , قال باللغة الفرنسية:
" أنت تحيرينني , يا حلوة! ما هي جنسيتك؟ خليط مثلي , أليس كذلك؟".
" أنا أنكليزية وأتكلم الفرنسيى قليلا".
" أنا أتكلم الأنكليزية أيضا , فلا سبب أذن في ألا نتفاهم , أدعى ساشا لوسيان , جئت لأكمل طاقم الموظفين!".
" آه نعم , نحن في أنتظارك".
منظره ربما أزعج سكان المخيم وسينظرون اليه بأستهتار ! لكن ما دام بيدرو هو الذي وظّفه , فلا شك أنه صالح للعمل!".

" أسمي صوفيا لينغوود , أهلا وسهلا بك الى برج الموورز , هل جئت من بعيد ؟ هل أنت جائع , عطشان.....؟".
" لن أرفض كأس عصير".
وبسرعة فتحت صوفيا البراد الصغير قربها وأخرجت منه زجاجتي عصير وكأسين.
" جئت من غرناطة , هل تعرفينها؟".
" لا , لكنني أنوي زيارتها , كيف تجد مدينة الحمراء , هل أعجبتك؟".
" لم أزرها بعد, لا أحب الأماكن المكتظة بالسيّاح , غير أن الطرقات الجبلية رائعة حقا , حملني الى هنا سائق شاحنة , فغنينا وشربنا ورقصنا وأكلنا ( الكوريتنزو ) هل تحبين الكوريتنزو؟".
" نعم كثيرا".
فتح حقيبته الصغيرة وأخرج منها قطعة لحم مقدد وسكينا صغيرة قطع بها شرحة صغيرة وقدّمها الى الفتاة وهي ما تزال على حافة السكين......
وخلال أيام معدودة , أخبرها ساشا أمورا كثيرة عن أسبانيا , وبدلا من أن يأخذ طريق الساحل , كما فعلت هي , أجتاز وسط البلاد , كانت محطاته فنادق صغيرة وحانات رخيصة , رأى أسبانيا الحقيقية خارج المناطق المخصصة للسياح والأسبانيين الذين يمضون الأجازات , وبعد سماعها هذا السرد الوصفي للقرى الجبلية والوديان المتوحشة , شعرت برغبة أن تقوم بهذه الجولة المرّة المقبلة .
وبالرغم من قمصانه المزركشة والمطرزة بجميع الألوان , ورغم كونه حافي القدمين وأصابع يديه ممتلئة بالخواتم , أصبح ساشا معروفا ومحبوبا من قبل سكان المخيم , ما عدا مايك , صاحب الحانة الذي كان يكرهه ويناديه ( الخنفوس المشؤوم".
قالت له صوفيا عندما سمعت مايك يطلق على ساشا هذا اللقب:
" شخصيا , أنا أحبه وأحترمه , أنه لطيف , نظيف ومرح بصورة دائمة , ماذا عندك ضدّه؟".
" أكره هذا النوع من الرجال الهامشيين الذين يتحدون العادي والمألوف ويسافرون في أوروبا بصورة حمقاء , فيثير الأشمئزاز في نفوس المارة حيثما ألتقوه".
" ساشا يعمل مثلنا ليعيش من عرق جبينه , صحيح أنه يرتدي الملابس الغريبة , لكن شعره قصير ونظيف".
وفي أحد الأيام أقترح ساشا على صوفيا أن يصطحبها للعشاء في المونيكار , في مطعم مشهور بمطبخه الرائع.
فقالت مارغريت بأستغراب:
" آه , أرى أنه يحب الفتيات ! كدت أتساءل ......أنه أنسان غريب.... هل ترين منه أي أنجذاب؟".
" لا أعرف , للحقيقة , لم أفكر بالأمر , أراه لطيفا وأنسانا عاديا".
" هل تعرفين عنه شيئا؟ عندما طرحت عليه أسئلة عن عائلته , أخبرني قصصا تشيّب شعر الرأس , ربما كان ظاهريا يسخر مني".
" لا شك أنه يأخذ وقته في الحياة ما دام لا يزال شابا , ربما أنحدر من عائلة رفيعة الشأن , وبعد سنة أو سنتين , سيبيع قيثارته ويصبح رجلا محترما مثل والده".
" تحيرينني أحيانا... كارلوس لا يعجبك ولم تلاحظي بأن ساشا شاب جميل , ماذا تريدين ؟ لا تقولي أن مايك هو من طرازك؟".
" يا ألهي , لا لا أشعر برغب بالوقوع في الحب بالوقت الحاضر , هذا كل ما كان في الأمر , هدفي ألا أتزوج قبل سن الخامسة والعشرين".
في أعماقها كانت تقول , لو كان كارلوس ذلك الرجل الذي طالما حلمت به , لتزوجته من دون تردد.....
وصل ساشا الى خيمة صوفيا ليأخذها الى العشاء , كان يرتدي أحذية رياضية وسروالا أبيض وسترة من المخمل الأزرق المرقّط بالبرتقالي والمطرز بالذهب أشتراها كما يقول من سوق البالة , في باريس.
قالت صوفيا متعجبة:
" حسب رأيي , أن سترتك تحفة يوغوسلافية الصنع تعود الى منتصف القرن الماضي".
وهي أيضا أختارت ملابس غريبة لتندمج مع جوّه , فأرتدت سروالا أزرق وقميصا برتقالية وعقدت على خصرها منديلا طويلا نقشت عليه الرسوم الفارسية.

الشغاف
06-23-2011, 03:18 AM
وبعد أن تنزّها في المدينة وفي الشوارع الضيقة والمتعرجى , توجها الى مطعم يدعى ( غاسكونية ) حيث حيّت صوفيا الزبائن كما فعل كارلوس في مطعم برشلونة الواقع على المرفأ , وبدأ الناس يعبرون عن ذهولهم وأندهاشهم من سترة ساشا الملونة.
فجأة سألها بعد أن تفحّص ملامح وجهها:
" تبدين حزينة , يا صوفيا , ماذا حدث؟".
" أنني أموت جوعا , هذا كل ما في الأمر! وأنتظر بفارغ الصبر شرحات اللحم الطرية.....".
وبعد هذه السهرة , أصبحا صديقين حميمين يخرجان غالبا معا يكتشفان صالات الرقص والحانات الصغيرة اللطيفة حيث كانت تقدم لهما الوجبات المحلية , أحيانا كان يناديها ( يا حلوتي ) لكن ألى هذا الحد تصل علاقتهما , كان يعاملها مثل أخت له , كان يعشق الرقص ولا يرقص ألا الرقصات الحماسية الأيقاعية الصاخبة , لم يأخذها بين ذراعيه , حتى ولو كان وحده معها , لذلك أستمرّت صوفيا في الخروج معه لأنه يريحها من الأضطراب الذي حدث لها بعد مغامرتها مع كارلوس.
ويوم الأحد بعد الظهر , عندما يعج شاطىء البحر بالناس , توجهت صوفيا الى البرج لتسبح في الحوض هناك , حلّ مكانها ساشا , أما بيدرو ومارغريت فقد ذهبا الى مدينة مجاورة لزيارة أصدقاء لهما حيث سيقضيان الليل.
وبعد أن سبحت صوفيا بفرح , راحت تجفف جسمها تحت الشمس ثم جلست على المقعد الهزاز في الظل , وراحت تقرأ قصة ( أسطورة التمثالين السرّيين).
كانت تقلب صفحة في الكتاب عندما أحست بشيء يتحرك في الجهة الثانية للحوض , ثم سمعت شخصا يغطس في الماء , أنه كارلوس , أرتعبت قليلا وراح قلبها يخفق بقوة لكن, عندما خرج كارلوس من الحوض , راحت تحاول أخفاء أضطرابها.
" مرحبا , يا صوفيا , كيف حالك؟".
" جيد , شكرا , لم تعلمنا الخادمة بمجيئك , وألا لما.....".
" لم يكن الأمر ضوريا , جئت هذه المرة وحدي , وبأمكانك أستعمال الحوض متى شئت".
أبتعد بخطى عريضة ليجلب منشفته , للمرة الأولى تراه في بزة السباحة , كان جميلا مثل تمثال يوناني ولا يوجد في جسكه أي علامة للشحم أو الدهن , أختفى داخل المنزل وهو ينشف شعره , ما العمل؟ الأنسحاب بهدوء ؟ أم البقاء والتصرف بلامبالاة؟
وقبل أن تصر الى القرار , ظهر كارلوس من جديد مرتديا سروالا قصيرا أبيض اللون وحاملا أيرقا وكأسين.
وبسرعة وضعت صوفيا قرب المقعد الهزاز حقيبة البحر وقبعتها وآلة التصوير , كي تمنع كارلوس من الجلوس قربها , كانت تنوي أن تأخذ بعض الصور للبرج لترسلها الى جدها الذي يحب التاريخ وخاصة قصة غزو العرب لأسبانيا والآثار التي ركوها فيها.
تصرّف كارلوس كأنه لم يلاحظ شيئا فسألها وهو يجلس على الطرف الآخر للمقعد:
" كيف هي الأمور داخل المخيّم؟".
" تماما , المخيم مليئ , معظم زواره سيبقون هنا مدة أسبوعين أو ثلاثة وهناك من يتوقف ليلة قبل أكمال رحلته الى مراكش , أشعر بالأندهاش المستمر لرؤية الناس يقضون جزءل كبيرا من عطلتهم على الطرق".
" نعم , أنا من رأيك , فالرحلت المنظّمة بالطائرة ليست أغلى ثمنا بل هي أقل تعبا".
قدّم لها كوبا من عصير البرتقال المثلّج وشاهد الكتاب الذي كانت تقرأ فيه عندما فاجأها:
" ماذا تقرأين؟".
" مجموعة قصص عن الحمراء".
تناول الكتاب ونظر اليه بأعتناء وبعد قليل سألها:
" من أين لك هذا الكتاب؟".
" أنه هدية".
وضع الكتاب على الوسائد ونهض:
" أنتظيني سأعود في الحال".
وتساءلت صوفيا أذا كان كارلوس يحب قراءة الكتب القديمة وتذكرت اليوم الذي ألتقت به في المكتبة التي تبيع الكتب النادرة , لماذا لم تفكر بالأمر من قبل؟
منذ اللقاء الأول الخاطف حتى اللقاء الثاني في برشلونة , لم تفكر صوفيا فيه ألا كرجل أعمال كبير , هل من الممكن أن يكون أيضا رجل أدب وفن؟
عاد كارلوس حاملا كتابا ضخما وضعه أمام الفتاة وقال:
" الكتاب نفسه , لكن الغلاف مختلف".
رفعت صوفيا الكتاب السميك المجلّد بجلد مغربي أزرق قاتم , حفر في وسطه العنوان بالأحرف المذهّبة , فسألته صوفيا:
" هل الكتاب يخصّك ؟".
" لا , لكنه موجود لدى العائلة من زمان بعيد , ما رأيك لو نتبادل الكتابين".
" لكن الكتاب يخص أبن عمك , ألا يرى مانعا أن تبدّله بكتابي؟ فغلاف كتابي ليس جميلا".
" آه , لا يهمه الأمر , في كل حال سأعطيه كتابي.......".
" تعني أنك تريد كتابي لك ؟ لكن لماذا ؟".
فكّر لحظة وأنتظرت صوفيا الرد وقلبها يخفق بجنون :
" فقط من أجل أن أتذكّر هذا الصيف في كوستا ديل سول ".
" أنه هدية بمناسبة عيد ميلادي ولا مجال أن أستغني عنه , لا داعي للقلق , لن أتركه في الشمس ولن أضعه في حقيبة البحر مع حاجياتي المبللة , لكن.....".

الشغاف
06-23-2011, 03:18 AM
توقفت فجأة عن الكلام , أذ أنفتح باب الحديقة ودخل ساشا قائلا:
" صوفيا , أتصلت مارغريت لتقول أن حادث سيارة قد حصل لهما وبيدرو دخل المستشفى ولا نعرف أذا كان وضعه خطيرا , لكن ما عرفته بأنه سيبقى في المستشفى بعض الوقت".
" يا ألهي , ومارغريت؟".
" لم تصب بشيء , فقط الصدمة كانت قوية عليها".
فجأة أدركت أن الرجلين لا يعرفان بعضهما البعض, فقامت بمهمة التعارف , ماذا ستكون ردة فعل كارلوس أتجاه العقد الصفدي المزركش الذي يضعه ساشا فوق بزّته المعرّقة؟
لكن كارلوس لم يعط أهمية لشكل الرجل بل كان قلقا لما حدث .
فسأله:
" هل أتصلت بك مارغريت من المستشفى ؟ هل قالت لك كيف بأمكاننا اللحاق بها؟".
هز رأسه قائلا:
" كلا , ستتّصل مرة ثانية عندما تحصل على التفاصيل المحددة , ليست وحدها بل مع أصدقاء لها".
أضافت صوفيا قائلة:
" كان عليهما أن يقضيا الليلة عند عائلة هولندية".
قال كارلوس :
" سأوافيها لأرى ما أذا كانت بحاجة لشيء.......".
" لا تنسي كتابك".
أبتعد قائلا:
" أذا أتصلت مارغريت مرة ثانية , قولي لها أنني آت اليها".
بينما كانت صوفيا تهبط التلة مع ساشا قالت له:
" على فكرة , كارلوس ولسينغهام هو صاحب المخيم , ومن حظ مارغريت أنه هنا , ربما أضطر أن يجد شخصا يحل مكان بيدرو خلال مكوثه في المستشفى".
كانت صوفيا في مقصورتها عندما سمعت طرقا ناعما على الباب , وعرفت من منظار الباب أن الطارق هو كارلوس بنفسه ففتحت له.
قال لها:
" عظيم أنك ما زلت مستيقظة , الحانة لن تقفل قبل منتصف الليل , تعالي لنأخذ فنجان قهوة وسأخبرك ما حدث .... هل تعرفين أين يكون ساشا في مثل هذا الوقت؟".
" في الحانة , من دون شك , لقد أقفلنا مكتب الأستقبال منذ دقائق معدودة".
لكن ساشا لم يكن في الحانة , فأقترحت صوفيا أنه من الممكن أن يكون في مقصورته , فأجابها كارلوس:
" آه , لا يهم , سنعلمه بالأمر غدا , ماذا تأخذبن؟ قهوة ؟ عصير؟".
" قهوة من فضلك".
لم يكن في الحانة ألا شاب وفتاة , من الجنسية الألمانية , قال كارلوس:
" بيدرو بحاجة الى بضعة أسابيع كي يصبح بأمكانه الوقوف على قدميه , أصيب بكسور في ذراعه وأضلاعه وبجروح خبيثة في وجهه وساقيه , السيارة صالحة للرمي , وبأعجوبة نجت مارغريت ولم يحدث لها شيء , لكنها ما زالت تحت تأثير الصدمة , أذ أعتقدت أن زوجها قد مات , أما سائق السيارة الأخرى فمات للحال ...... ومن حسن الحظ كانت زوجته هادئة الأعصاب , فساعدت مارغريت أن تخرج من حالتها المضطربة".
" كيف وقع الحادث؟".
" كانت السيارة الأخرى تسير بسرعة جنونية , والظاهر أن الرواليت تعطلت , ففقد السائق توازن سيارته , رأى بيدرو السيارة تأتي صوبه , وقام بجهد كبير ليتحاشى الأرتطام المباشر , هناك محكمة وأنا أعرف محاميا مشهورا سيدافع عنهما".
جرع قهوته بتوتر من شدة التعب والأرهاق , فسألته صوفيا:
" هل تعشيت؟".
" كلا".
" بما أن الخادمة لم تعرف بمجيئك , فلا شك أنها لم تحضر لك العشاء.....".
" أحضرت بيضا وفطيرة بأمكاني أن أحضر لنفسي عجّة".
أبتسم وأضاف:
" هذا لطف منك أن تهتمي براحتي".
أخفضت عينيها , ثم قالت:
" هل بأمكانك أن تجد شخصا يحل مكان بيدرو ومارغريت؟ ساشا وأنا بأمكاننا تدبير الأمور لأيام قليلة , لكننا سنكون بحاجة لبديل ليستمر العمل كما يجب".
" أنوي أن أحل مان بيدرو بنفسي , ومن يكون البديل مكان مارغريت , سنرى......".
قالت بدهشة وأستغراب:
" أنت! لكن...... لا شك أن أعمالك كثيرة وبحاجة لوجودك ! أعتقدت أنك تملك سلسلة فنادق وأن....".
" نعم , لكن حضوري ليس ضروريا في الموسم السياحي , الحاجة الماسة ستكون خارج الموسم عندما يطلب مني تغيير وتوسيع المشروع .. وتنظيمه .... في كل حال , كنت أنوي قضاء هذا الشهر كله في البرج , سأستفيد من عطلتي للعمل داخل المخيّم وأقامة دراسة حيّة له".
شعرت صوفيا بحيرة وأرتباك , الألمانيان قد غادرا الحانة , حادم المقهى بدأ بتوضيب المكان ويستعد للأقفال , أنهت صوفيا قهوتها ونهضت عن الكرسي وقالت:
" شكرا لأعلامي بالأمر , أنا فرحة لأن المسألة ليست خطرة بالنسبة الى بيدرو".
نهض بدوره وقال:
" مسلء الخير يا صوفيا".
" مساء الخير".
دخلت مقصورتها وعقلها مبلل حزين , لماذا قرر كارلوس أن يقضي شهرا بكامله في البرج ؟ هل قرّر أن يقهرها بعد أن جرحته في صميم داخله بحديثها الأخير معه؟ شعرت بالوهن لمجرّد كونها ستقاوم رجلا تعتبره جذابا ومهددا لسلامة تفكيرها , هل ستتغلب مبادئها على أنفعالاتها الصادرة من صميم القلب؟

الشغاف
06-23-2011, 03:19 AM
وكلما فكرت بالأمر , كلما أقتنعت أن لكارلوس حجة مقنعة كي يمضي شهر آب( أغسطس ) في كوستا ديل سول بالذات, صحيح أن برج الموورز أفضل من الفنادق الفاخرة وحوض السباحة يعزله عن الأختلاط بالسياح , لكن المونيكار يؤمها الطلاب المفلسون والعائلات المتواضعة ذات الدخل المحدود بينما في المدن الأخرى المستوى أرقى كثيرا.
لم تنم جيدا تلك الليلة , وفي اليوم التالي , كانت الساعة الخامسة والنصف عندما توجهت الى الشاطىء , لم يكن هناك ألا صبي في العاشرة من عمره يصطاد السمك عن الصخور المتدلية من أسفل البرج , وفي هذه الساعة المبكرة كان الخليج هادئا , لا صوت مذياع ولا ضجيج محركات يحطم الصمت , وما أروع أن يتقدم المرء بهدوء وبطء في الماء الفاترة التي تتشقق كحفيف الحرير.
وبعد نصف ساعة من السباحة لاحظت صوفيا أنها لم تعد وحدها مع الصيّاد الصغير , رأت كارلوس في بزة السباحة ومنشفة على كتفه يثرثر مع الصبي , كانت تنظر اليهما من بعيد وهي تسبح , الى أن نظر كارلوس بأتجاهها وراح يلوّح لها بيده.
حينئذ أبتعد عن الصياد وغطس في الماء , كان يسبح بسهولة وحرية , مقتربا منها , وفكرت في الحال أن تعود بأسرع ما يمكن الى الشاطىء , ذلك لأنه من الصعب عليها مقاومة رجل جذاب , وهي عائمة فوق الماء ولا شيء يربطها بالأرض , لكن الوقت لم يكن معها , فلن يجد كارلوس صعوبة في أن يسد عليها الطريق.
ولدهشتها , توقف قبل أن يصل اليها وراح يسبح مكانه:
" صباح الخير , ما كان عليك أن تسبحي وحدك, ربما أصابك تشنج".
" لم أكن وحدي , ألم تر الصيّاد الصغير؟".
" ليس من الضروري أن يتقن السباحة".
" عامة , الصيادون يتقنون السباحة".
أبتعدت متوجهة نحو أحد الزوارق الصغيرة الراسية على بعد 300 متر من الشاطىء , فلحق بها كارلوس ثم تجاوزها , ولما وصل قرب الزورق صعد اليه ومدّ لها يده , فقالت صوفيا وهي تهز رأسها .
" لا , عليّ أن أعود الآن , عندي ثياب أريد غسلها , أفضل أستعمال غرفة الغسيل عندما لا يكون بها أحد".
وأكملت السباحة نحو الشاطىء , كانت ما تزال في منتصف الطريق عندما سمعت قفزة من الزورق وبلحظة كان قربها , وقال:
" هل تجدين أن الأدوات الصحية داخل المخيّم كافية ؟ هل لديك أقتراحات للتحسين؟".
" كلا , كل شيء عظيم , في البداية حصلت حادثة طريفة فدخلت أحدى الفرنسيات الحمامات المخصصة للرجال باحثة عن منشب للتيار الكهربائي لتتمكن من أستعمال آلة تنشيف الشعر الكهربائية , في الحمامات النسائية لا يوجد منشب للتيار الكهربائي , فالمهندس نسي أن النساء تستعمل أيضا الآلآت الكهربائية التي يستعملها الرجال لكن بيدرو هدأ روع الجميع وأقام مناشب أضافية بسرعة وبساطة!".
" هذا تفصيل مهم لا يجب أن ننساه في المستقبل , حسب ما رأيت ضمن جولاتي في العالم الأوروبي , يتراءى لي أن الألمان أهم من أهتم بالأدوات الصحية وحسّن قيمتها وأستعمالها".
ولما وصلا الى باب الحديقة , سألها كارلوس:
" هل بأمكاني أن أقدم لك القهوة؟".
" كلا , شكرا يا كارلوس , الى اللقاء".
" صوفيا!".
توقفت وقالت:
" نعم؟".
" أسمعيني , يجب أن تكون الأمور واضحة بيننا , ربما تخشين أن أستفيد من علاقات العمل الحالية للأستمرار في ملاحقتك , ما دمت أنا المسؤول في هذا المخيم فبأمكانك أن تنامي على حرير من دون قلق".
أدار ظهره ورحل.
بعد أسبوع ذهبت صوفيا لرؤية بيدرو ومارغريت , وبعد أن أجتازت المونيكار , سلكت طريقا متعرجة بين الوديان القاحلة والتلال الصخرية الحمراء , حتى وصلت الى نيرخا , ثم عادت الطريق مسطحة المسطحة , وعلى جانبي الطريق , كانت الأبنية العالية ترتفع كالطحلب لتحل مكان بيوت صيادي السمك حيث القرى ما تزال شبه نائية.
كانت مارغريت تقطن فندقا من الدرجة الأولى في جناح صغير خاص , فقالت لصوفيا:
" أصرّ كارلوس أن أسكن هنا , على أن يدفع هو جميع التكاليف ".
" أنه ثري وهذه الحركة الطريفة لن تفقره".
" أنت غير عادلة , يا صوفيا , عندما عرف بالحادث جاء لتوه , لا أعرف ما كان سيحل بي من دونه , في هذا البلد الذي أجهل تقاليده وعاداته , أنه لطيف أكثر مما تتصورين , وهو دائما على أستعداد لمساعدة الغير , لما وصل كانت حالتي يرثى لها , لم أكن أكف عن البكاء , فأخذ يدي وكلمني بلطف وساعدني تدريجيا كي أتخلص من الصدمة القوية".
وبينما كانت تريها الشقة الفخمة , سألتها:
" كيف تجدين كارلوس وهو مدير المخيّم ؟ لقد فوجئت كثيرا بقراره في أن يحل مكان بيدرو".
" أنه يثرثر مع المخيّمين ولا يفوته شيء , وبّخ مانولا صاحب الدكان , جاءت أمرأة أجنبية تشتكيه لأنه باها خبرزا قديما وبطيخا ثمنه مرتفع الى درجة غير عادلة".

الشغاف
06-23-2011, 03:20 AM
" وهل وبّخك أنت , أو ساشا؟".
" الى الآن , لا , كما أن رأي كارلوس بساشا مختلف عن رأي مايك به , يلعبان معا أحيانا الشطرنج , بعد الظهر , عندما تهدأ الأعمال".
" الم يدعك كارلوس الى العشاء في البرج؟".
" كلا , ما هي أخبار بيدرو؟".
بعد الغداء قامتا بزيارة الجريح الذي يقوم بكل ما بوسعه ليبدو مرحا ومسرورا , لكنه ما زال في حالة سيئة ويتألم كثيرا".
في المساء , تناولتا العشاء في مطعم مشهور بالسمك الطازج , تذوّقتا شوربتء السمك وأكلتا السلطان أبراهيم مقلي , وأمضت صوفيا الليلة مع مارغريت , في السرير الثاني , وفي اليوم التالي , ذهبت صوفيا وحدها لتقوم بنزهة سياحية كانت تريد القلاع والآثار , وترسل لجدها العديد من الصور , ففي أحدى رسائله الأخيرة , نصحها جدّها أن تزور ( كاتدرائية عصر النهضة).
كتب يقول : ( خلال الحرب الأهلية , أسكن الجمهوريون العائلات الفقيرة في الكنائس , فكان النساء يطبخن على المذابح ويستعملن الحطب للموقد ,وبتساءل المؤرخون كيف نجحت منحوتات بيدرو دي فينا من الكارثة , لا تنسي أن تزوريها ).
وصلت صوفيا الى المونيكار في ساعة متأخرة من بعد الظهر , وفي منتصف الطريق بين المدينة الصغيرة والبرج , شاهدت سيارة كارلوس متوقفة تحت شجرة على طرف الطريق , وشاهدت الرجل الأسباني يغيّر عجلة سيارة صاحبتها فتاة سمراء , كانت ترتدي سروالا ضيقا وتنظر الى كارلوس بأغراء وهي تثرثر معه بحماس.
خففت صوفيا سيرها وأذا بالسيارة التي تتبعها تكبح فراملها كي لا تصطدم بها ثم تجتازها , وراح السائق يزمر بشدة ويصرخ من نافذته بالشتائم.....
سمع كارلوس هذه الضجة , فنظر الى الوراء , لكن صوفيا أسرعت سيرها من دون أن تنظر نحوه .
وبعد قليل عاد كارلوس ليراها تتحدث مع ساشا في مكتب الأستقبال , ولشدة دهشتها , لم ينوّه بشيء عن الحادثة وأكتفى بالسؤال عن أخبار بيدرو.
وبعد ظهر اليوم التالي , كانت في مكتب الأستقبال عندما رأت على المكتب العدد الأخير لمجلة تدعى ( مجلة هواة الكتب ) التي تصدر كل ثلاثة أشهر ويشترك فيها جدها.
فوجئت صوفيا وفرحت وراحت تقرأ موضوعا عن التغليف في أنكلترا عندما سمعت كارلوس يسألها :
" ألا تعتقدين أن هذا الكتاب أكثر أهمية؟".
وأراها كتابا ضخما كان قد وجده على طريق البحر.
لكن صوفيا مدّت له يدها حاملة المجلة وقالت:
" أنها لك , على ما أظن".
" نعم , أنها مجلة قاسية وصعبة , تخص فقط الهواة المدمنين ".
شعرت بأستياء لأنها لم تنه قراءة الموضوع , ولهذا التلميح الساخر وقالت:
" هل تعني أنني بحاجة الى قاموس لأترجم كل الكلمات الصعبة ؟".
نظر اليها بأستغراب وقال:
" ماذا , يا صوفيا , هل تسخرين مني ؟ هل أنت هاوية جدّية؟".
" جدي هاو ومحترف وعنده مجموعة نادرة من الكتب القديمة ".
" هو الذي أهداك كتاب واشنطن أيرفينغ؟".
" نعم".
قال بجفاف:
" من حسن حظي أنني لم أحاول أقناعك بأن هذا الكتاب بالذات ليست له قيمة!".
" لكنك أظهرت عن صدق ودقة , وهذا لا ينطبق على جميع من يتقن هواية جمع الكتب النادرة , لو كنت ترغب في الحصول على هذا الكتاب مهما كلّف الأمر أما كانت أختلفت وجهة نظرك ؟ هذا ما أحب معرفته..... أي حقل يثير أهتمامك؟".
لم يتسن له الوقت للرد عليها , أذ توقفت سيارة وسأل سائقها أذا كان هناك مكان شاغر داخل المخيّم , وبينما كانت صوفيا تهتم بالرواد الجدد , وعدت نفسها ألا تفتح هذا الموضوع بعد الآن , لماذا أراد أن يكون كارلوس من بين هواة الكتب القديمة والنادرة؟ لو لم يكن ثريا ولو كانت نظرته أتجاه المرأة مختلفة , لكانت أمضت صيفا رائعا......
وبعد بضعة أيام ,سألها مايك صاحب الحانة:
" عندما ذهبت الى المستشفى منذ أسبوع , هل توقفت في نيرخا لرؤية الكهوف؟".
" كلا , لا تعني لي الشيء الكثير".
" يجب رؤيتها , الجنرال فرانكو بذاته قام بزيارتها".
" آه صحيح ؟ لا يمكنني الذهاب اليوم لأن سيارتي في الصيانة , ربما أزورها في الأسبوع المقبل".
" أنا ذاهب اليوم , لماذا لا تأتين معي ؟ بأمكانك زيارة الكهوف بينما أنهي بعض الأعمال المعلقة هناك".
ترددت صوفيا لأنها لم تكن ترغب قضاء الساعات المعدودة من عطلتها الصغيرة برفقة مايك , الذي يجعلها تشعر بأنزعاج من أفكاره الضيقة وذهنه المحدود.
" هذا لطف منك , يا مايك , لكن......".
" يسرني أن أصطحبك معي , سأمر بك في الرابعة ما رأيك ؟ هل تأتين معي؟".
بعد قليل , كانت تقوم بجولة حول المخيم لتتأكد من أن كل شيء على ما يرام , عندما لمحها كارلوس وقال :
" صوفيا , أفضل لو ترتدين الفستان خلال ساعات العمل".
فوجئت الفتاة وقالت:
" كيف ؟ لكن مارغريت ترتدي دائما بزة لسباحة , كما هي الحال مع الجميع هنا".
" المخيّمون جاؤوا الى هنا للمرح واللهو , وبينهم نساء في سن متقدمة , هل تعتقدين أنهن يفرحن عندما ينظر أزواجهن الى جمال جسمك الممشوق؟".

الشغاف
06-23-2011, 03:21 AM
شعرت بغضب كبير وأرغمت نفسها على الرد عليه بلهجة خفيفة:
" هل سترغم ساشا على أرتداء قميصه, بحجة أن الرجال لا يفرحون لرؤية زوجاتهن ينظرن الى سحر جسمه الممشوق؟".
توقف كارلوس أمامها وراح يرمقها بنظرات حادة ثم قال:
" لقد وعدتك أنني لن أتجاوز معك حدود علاقات العمل , هل أنا بحاجة أن أذكّرك بأستمرار أن ما بيننا علاقات عمل فقط لا غير؟ أريد أن تنفذي أوامري في الحال".
تثتءبت وشعرت بأنزعاج لهذه القساوة المفاجئة وقالت:
" أنا...... أنا آسفة , سأنفذ أوامرك , وسأذهب لتوي لأغير ملابسي".
ألتقى بها ساشا بعد قليل وكانت ترتدي سروالا أبيض وقميصا كحليا فقال لها:
" هل أنت ذاهبة الى المدينة؟".
" أمرني كارلوس ألا أرتدي بزة السباحة خلال ساعات العمل".
" الظاهر أن هذا الأمر لم يسرّك , لو كنت مكانك لأعتبرت هذا مديحا , لا شك أنك ببزّتك تجعلينه يشرد عن التركيز في عمله".
" لا , ليس الأمر متعلقا به , لكن بالأزواج الناضجين , كيف بأمكان المرء أن يفكر بمثل هذه الأمور الساذجة ؟".
" لا تبالي بالأمر , يا صوفيا , ماذا تفعلين الآن ؟".
" دعاني مايك أن أرافقه الى نيرخا , لكنني ما أزال مترددة".
" لم لا تذهبين أذن ؟ لا أعتقد أن مايك سيكون وقحا معك ويحاول مغازلتك , في كل حال أنت من يعرف الدفاع عن مثل هذه المواقف , لكن كوني حذرة".
" لا أخاف مجابهته, لكنه يزعجني بثرثرته اللامتناهية , خاصة عندما يفتح لي قلبه!".
وما أن صعدت الى سيارة مايك حتى سألته:
" من يحل مكانك؟".
" يحل مكاني شاب أسباني لا يتكلم أي لغة أجنبية , لكن الزبائن لا يجدون صعوبة في الحصول على ما يريدونه حتى ولو أضطروا الى أستعمال الأشارات ...... آه , من قال , منذ 5 سنوات أنه سيأتي يوم وأكون مسؤولا عن حانة في الهواء الطلق , في أسبانيا!".
" ماذا كنت تفعل حينذاك؟".
وبدأ بسلسلة أحاديث شارحا لها أنه بدأ عمله كعامل مصرف , وظل يتكلم بأستطراد ممل حتى وصلا الى كهوف نيرخا , وأدركت صوفيا أن رفيقها يخترع قصصه التي لا أساس للصحة فيها , فشعرت بتوتر كبير وقالت:
" أسمع يا مايك , لا أعرف كم من الوقت سأستغرق في الزيارة لكن سأستقل الباص للعودة".
" لا , لا , لن تعودي بالباص , الحر شديد , سأمر عليك بعد ساعة".
كانت كهوف نيرخا مدهشة ومثيرة جدا , في الداخل متحف صغير للمجوهرات والحلى القديمة , وسلم يهبط الى غرفة الكوارث والنكبات الأرضية , أنها حجرة طبيعية ضخمة , واسعة بحجم كاتدرائية , حيث كتلة الحجارة والأعمدة التي تعود الى ثلاثة آلاف سنة من النسيان.
عندما خرجت صوفيا الى الهواء الطلق , بقي لها عشر دقائق قبل وصول مايك , أشترت البطاقات التذكارية وجلست في شرفة مقهى تحتسي كوب ليموناضة مثلجة.
وبعد ساعات كانت تتسكع يائسة في نيرخا , على طول المتنزه الذي يدعى ( شرفة أوروبا ) تحدّه من كل جوانبه أشجار النخيل العالية , كانت تنظر وصول الباص , عندما توقفت سيارة بيضاء قربها وهتف كارلوس:
" هل بأمكاني أيصالك الى المخيّم؟".
ولما صعدت الى السيارة سألته:
" ماذا تفعل هنا في نيرخا؟".
" كنت أبحث عنك , لما لاحظ ساشا وصول مايك من دونك , شعر بالقلق عليك وأقنعني بالذهاب لنجدتك , أنت حقا فتاة غير عاقلة! لا شك أنك تحبين المغامرة في مواقف مستحيلة مع رجال غير مرموقين!".
لم ترد صوفيا عليه , كانت على وشك البكاء فسألها بعد قليل:
" متى تناولت آخر وجبة طعام؟".
أجابت بصوت منخفض:
" لم أتناول شيئا منذ الغداء , لكنني لست جائعة".
" بل أنا جائع , سنتوقف أمام مطعم أعرفه".
وبعد أن مشكطت شعرها وخرجت من الحمام التابع للمزرعة الصغيرة التي تحولت الى مطعم ريفي , كان كارلوس يحتسي شرابه بذهن شارد , ولدى قدومها نهض من دون أبتسام , هل سيبدأ بأستجوابها لا , شعرت بأرتياح وأكتفت بالتحدث عن أنطباعاتها حول زيارة الكهوف.
كان قد طلب من خادم المطعم أحضار وجبة مصنوعة من الدجاج المطبوخ بالأرز والكاري , ومعها سلطة محلية.
وبعد أن أنهت حديثها عن الكهوف سألها كارلوس:
" حدثيني عن جدك ومجموعة كتبه النادرة".
راحت تحدثه بأهتمام كبير في الموضوع , وكلما رفعت وجهها عن صحنها , كانت تفاجأ بنظراته المحدقة بها , كأن هذا الحديث أيقظ عنده ذكريات غامضة ...... لا , هذا جنون أن تتصور أنه بدأ يتذكر لقاءهما الأول , لكنه من الأفضل ألا يتذكر أبدا التلميذة التي عانقها عند بائع الكتب.
" أين يسكن جدك؟".
أنتفضت ومن دون تفكير , أعطته أسم مدينة تبعد خمسة كيلومترات عن منزلها.
كان الظلام قد حل عندما عادا الى المخيم.
" شكرا جزيلا لأيصالي ولدعوتي الى العشاء , لا أعرف بماذا تفكر ...... لكن.....".
" لا ضرورة لأن تشرحي لي الأمور , فليست هذه المرة الأولى التي تتورطين فيها بمثل هذا المأزق , حاولي من الآن فصاعدا أن تكوني أقل سذاجة , مساء الخير , يا صوفيا".

الشغاف
06-23-2011, 03:22 AM
أبتعد عنها ليتحدث مع أسباني عجوز ولما وصلت صوفيا الى مكتب الأستقبال كانا ساشا منهمكا ببعض المخيمين , فقررت الذهاب الى مقصورتها والنوم باكرا.
وفي صباح اليوم التالي , عندما كانت تسلق بيضة على غازها النقّال ,رأت ساشا يتوقف أمام مقصورتها وهو عائد من الحمام ويقول لها:
" كنت على حق , فيما يختص بمايك , أليس كذلك؟ ماذا قال كارلوس عندما ألتقى بك؟ هل هدأ روعه؟".
" هدأ روعه؟ ماذا تعني؟".
" لم يكن مسرورا عندما علم بأنك ذهبت الى نيرخا برفقة مايك , لكن لما عاد هذا الأخير وحده , كان......".
" قال لي أنك أنت الذي أقنعته بضورة التفتيش عني؟".
قال ساشا متعجبا :
" أنا أبدا.... سأل مايك لماذا لم تأت معه , فأرتبك وأجابه بأن الأمر لا يعنيه , وأنك قررت اعودة بالباص , لكن كارلوس أعلمه بأنه صاحب المخيم ومديره , ومسؤول عنك وأجبره على قول الحقيقة".
" يا لتفاهة الأمور! ماذا يمكن أن يحل بي في هذه المدينة الصغيرة الهادئة"." كان يخشى ألا تجدين باصا وتوقفين أحدا ليوصلك , وهذا عمل فيه خطورة في هذه المنطقة بالذات".
أجابت صوفيا بمرارة:
" ربما يشعر كارلوس أنه من الضروري حماية فتاة أجنبية ؟".
" في كل حال , أخبره مايك أن ثمة سوء تفاهم حصل بينكما أدى الى عدم أتفاق , فطلب منه كارلوس أن يحزم حقيبته ويرحل من هنا".
لم تعد صوفيا تصغي اليه , قالت:
" أرجو أن تأكل البيضة , أنا ذاهبة الى البرج لأقابل فخامته.... جلالة السيد ولسبنغهام".
دخلت الحديقة الساحرة وأستدارت حول حوض السباحة كالسهم وقرعت الجرس البرونزي , بعد دقيقتين أنفتح الباب دهش كارلوس لرؤية زائرته المبكرة , كان قد حلق ومشط شعره , لكنه ما يزال في مئزر النوم.
سألته صوفيا بلهجة عازمة:
" هل بأمكاني التحدث اليك؟".
" طبعا! أدخلي , لا , من الأفضل أن تبقي في الخارج وأنا أخرج اليك , أنتظريني دقيقة واحدة".
وبينما كانت تنتظره , راحت تدور حول حوض السباحة , نادمة بمرارة لأنها لم تتوصل أن تشرح له الأمر البارحة , كيف كان بأمكانها التكهن بأن كارلوس سيطرد مايك بهذه السرعة؟.
وبعد فترة قصيرة خرج كارلوس بلباسه الكامل حاملا صينية الفطور وعليها فنجانان فارغان , سألها وهو يضع الصينية على الطاولة البيضاء:
" قهوة؟".
" لا , شكرا , سبق أن شربتها باكرا".
" أجلس يا صوفيا , لا ترغميني على الوقوف , أفضل تناول الفطور وأنا جالس ,هل تأخذين فاكهة؟".
أشارت بحركة سلبية وقالت:
" أنك تشعر فجأة بحس الأحترام".
رفع كتفيه وبدأ يقول:
" أسبانيا......".
قاطعته قائلة:
" في الميرامار , أنت في أسبانيا , على ما أظن".
قال وهو يقشر دراقة:
" الفندق مكان محايد , حيث كل فرد يتصرف كما يريد , أما هنا فأنا ضيف الماركيز , وأنت عذراء مجنونة ..... وهذا لم أكن أعيه في الميرامار".
" لكنني لم أكن مجنونة الى درجة الأستسلام لأغرائك.... أو عدم القدرة على التفاهم مع مايك ..... قال لي ساشا أنك طردته , أليس تصرفك هذا نابعا عن خبث مقصود؟".
" أبدا".
صرخت بثقة:
" كيف تجرؤ على طرد رجل , لأنه تصرّف معي مثلما تصرفت أنت منذ بضعة أسابيع؟
أليس هذا أوج الخبث كليا؟".
" لا أتذكر أنني تركت فتاة على الطريق على بعد 40 كيلومترا من منزلها , من دون وسائل نقل وربما من دون مال".
" لم يتركني مايك على الطريق , أنا رفضت العودة معه , وليس لسبب نفسه الذي جعلني أغادر الميرامار بسرعة".
أجابها كارلوس بجفاف:
" من يسمعك يعتقد أنك أضطررت للدفاع عن فضيلتك بالقوة , أذا كانت ذكرياتي صحيحة , لم أذهب بعيدا معك!".
" لم تتركني على الطريق , لكنك جعلتني أضطر أن أجتاز مسافة 40 كيلومترا لأجد مكانا أقضي الليل فيه".
" هيا , يا صوفيا , أنت تعرفين جيدا أنني تجرأت أن آخذك بالقوة , أعترفي أنك كنت مصابة بالذعر , مثل أي فتاة من نوعك".
قات بصوت منخفض:
" نعتقدأن الفتيات مثلي لسن سوى معادلات مغالطة وبائدة , أليس كذلك؟".
" لا , أبدا , معظم الأسبانيات شبيهات بك , وأنا أحترمهن, لذلك قلقت عليك بالأمس , أنني أحترم بعمق أن تتمتع فتاة جميلة مثلك بالروح والمثابرة على التعلق بمبادىء العصر الماضي".
" لا فضل لنا أن نرفض فتات الجبز البائت عندما نعرف أن في آخر النهار , سنلبي دعوة وليمة كبرى".
قال كارلوس ضاحكا:
هذه أول مرة يعاملني الآخرون كفتات خبز بائت".
" أسمع يا كارلوس , لم يفعل مايك شيئا مناقضا للأخلاق , لا يمكنك أن تطرد هكذا عشوائيا , لكنه يقود سيارته بسرعة رهيبة , الى درجة أنني كنت أموت خوفا , ولهذا السبب رفضت العودة معه".
عاد يقول بجدية:
" أنك تضيعين جهدك , يا حلوتي , لا أعرف الى أين ذهب , في كل حال , هذا لا يغيّر الأمور , لا تتصرفي بحمق يا صوفيا , هل تعتقدين أنني صرفته لهذا السبب الوحيد؟ في الواقع منذ مدة وهو لا يقوم بعمله كما يجب , أنه وسخ ومقيت , يشرب كثيرا ويتصرف بسوء في الأماكن العامة في المونيكار , كان بيدرو يرغب في التخلص منه , لكنه تردد لأخذ هذه المبادرة , شخصيا لا أتردد عندما أصل الى القرار النهائي".
ببطء نهضت واقفة وقالت:
" فهمت , المعذرة لأزعاجك , سأتركك تتناول فطورك بسلام ".
أدارت له ظهرها وخطت بضعة خطوات , فناداها من جديد , وبدا على وجهه اللطف والنعومة:
" وهذه الوليمة التي كنت تتحدثين عنها منذ قليل ... هل أنت مستعدة لأنتظارها طويلا؟".
" كل حياتي , أذا ما أضطررت للأمر , لا شك أن هذا تصرف أحمق بالنسبة اليك , أليس كذلك؟".
" ليس , لكن طفيلي وسخيف . ماذا قرأت لستيفنسون ؟".
" فقط ( جزيرة الكنز ".
" كتابه ( رحلة مع حمار ) يلخص نظريتي للسعادة عندما كنت بعمرك ...... على فكرة , كم عمرك؟ 19 سنة ؟ 20 سنة؟".
" 21 سنة , وأنت".
" أنا عجوز , كي أؤمن بنظرية ستيفنسون للسعادة , أو كي آمل أن ألتقي بأمرأة كاملة".
" الكمال ليس من هذا العالم , لكن ..... عليّ العودة الآن فساشا بأنتظاري".
ولما عادت الى مكتب الأستقبال سألها ساشا:
" ماذا ؟ هل سمع كلامك؟".
" كلا , أنا سمعت كلامه".
وخلال فترة الصباح , مرّت أمام مقصورة مايك , فنادتها الخادمة التي كانت تنظفها وأشارت لها بالدخول:
" أنظري , يا آنسة , أليس هذا مخجلا؟ الحيوان لا يفعل ما فعله!".
شعرت بأشمئزاز للوساخة الموجودة داخل خيمته , كما شعرت بالخجل أيضا.
ولما ذهبت الى المونيكار حاولت الحصول على كتاب ( رحلة مع حمار ) لكن معظم الكتب كانت بوليسية , كادت أن تكتب لجدها وتطلب منه أرساله لها لكنه أدركت أنه لا بد أن تجده في غرناطة , في المدينة الجامعية , ترعب حتى الجنون أن تعرف مفهوم السعادة الذي كان كارلوس يتمتع به عندما كان في سنها............

الشغاف
06-23-2011, 03:23 AM
4- المفاجأة والفخّ

وقبل عودة آل فينغيلد الى برج الموورز وجد كارلوس شابا دانمركيا وسلّمه الحانة على الشاطىء , كما وظّف فتاتين هولنديتين في المخيّم .
وسمحت عودة بيدرو ومارغريت أخيرا لصوفيا الذهاب الى غرناطة في عطلة الأسبوع , رافقها ساشا و الذي طلب منها بوجود كارلوس أن ترافقه الى سيارتها.
ولما أدار ساشا ظهره قال لها كارلوس:
" أنا سعيد لأنك غير ذاهبة وحدك , ربما تحتاجين الى رجل أذا تعطل محركك أو حدث عطل للسيارة , فبين المونيكار وغرناطة الطريق خالية نسبيا , ونادرا ما تسلكها السيارات , وستنتظرين وقتا طويلا للحصول على مساعدة في حال حدوث أي عطل طارىء".
" لكنني قادرة على أن أغيّر عجلة بسهولة تامة".
" أنا أكيد من ذلك , وأنا أيضا أعرف أن أخيط زرا , لكن لماذا لا تتحاشين توسيخ يديك ما دام هناك شخص بأمكانه أن يحل مكانك في مثل هذه الأمور؟ وهناك أحتمال وقوع حادث لا تتوقعينه".
" هل الطريق مخيفة الى هذه الدرجة؟".
" ليس تماما".
وفي حوالي الثامنة صباحا , خرجت صوفيا مع ساشا في سيارتها من المخيّم ,وسلكت الطريق المؤدية الى المونيكار , ثم أخذت طريقا سهلية تمتد على ضفتي نهر الريو الأخضر , كان السهل خصبا ومزروعا بشتى أنواع الخضار والفاكهة ,, فلفت ساشا نظرها الى حقول السفرجل أو ما يسمى بالقشدة , وقال شارحا:
" أنها أشجار من أصل أمريكي , خاصة من أمريكا الجنوبية , ثمرتها تشبه الأرضي شوكي وطعمها لذيذ , لكن للأسف , ليس الآن موسمها".
" أين تنوي النزول في غرناطة؟".
كانت صوفيا قد قررت التوقف في مخيم قريب من المدينة , نصحها به زوجان يقضيان شهر العسل في مخيّم برج الوورز , فأجابها ساشا:
" آه , لا أعرف سأقرر حين أصل البلد".
أجتازت الطريق الساحلية بين غابات الصنوبر , حتى قرية أوليغار , آخر قرية على الطريق , بعدها لن يلتقيا ألا بالمزارع والفنادق المنعزلة.وتساءلت صوفيا فجأة : هل سيكون كارلوس ما يزال في المخيم لدى عودتهما ؟ عاد آل فينغيلد ولم يعد لديه من سبب للبقاء , لكن , أذا كان ينوي الرحيل , لكان ودّعها على الأقل...
وبدأت الطريق ترتفع والمنعطفات تضيق , وعلى السيارة المتجهة نحو غرناطة أن تسير مع الشاطىء الصخري , ومن حين الى آخر كانا يلتقيان قطيع ماعز , بلونيه الأسود والبني , أو بغلا نصف نائم يحمل على ظهره عجوزا يجلس بين سلتين من قصب.
ويهيأ للسائق أنه سيصل الى قمة الجبل بعد كل منعطف , لكن الطريق كانت تظهر قمما أخرى , وهكذا بأستمرار , وبعد ساعة من القيادة , تحول المنظر المتوحش للجبال الكلسية الى هضبة من الأدغال.
وفي العاشرة لمحت صوفيا أخيرا غرناطة على سفح الثلوج, للسيرا نيفادا .
توقفت صوفيا عند الضوء الأحمر وشاهدت عاملا ببزته الزرقاء المليئة بالغبار والأسمنت يغني بفرح أغنية عاطفية شعبية , كانت صوفيا تحب كثيرا ألحان الفلامينغو , لكن هذا الصوت الحزين الأيقاعي , الهجني , البةهيمي , الفينيقي , جعلها ترتعش أنفعالا , ولم تلاحظ الضوء الأخضر ألا بعد أن لفت ساشا نظرها اليه , لكن السيارة لم تكن تريد الأقلاع.
وبعد ساعة كانت السيارة في المرآب للتصليح , وكي لا تفسد على ساشا عطلته لأنه لم يكن يريد أن تركها في هذا المأزق , قررت صوفيا العدول عن المخيّم والبحث عن فندق في المدينة .
وفي أواخر بعد ظهر اليوم التالي , وصلت صوفيا, ولشدة فرحها , كانت فارغة تماما , مئات السياح يتسكعون في غرناطة , لكن يبدو أن صوفيا هي الوحيدة التي كانت تشعر بأهتمام معين لزيارة قبر غوازالفيه دي كوردويه , القبطان الكبير المشهور , الذي أنقذ غرناطة عام 1492 .
كانت في الداخل منذ بضعة دقائق , جالسة على أحد الأدراج المصنوعة من الرخام الزهري , مسرورة لكونها بعيدة عن الضجة وشدة الحر في الخارج , عندما رأت كارلوس يقترب منها.
قال وهو يجلس قربها :
" أنت تزورين غرناطة بالتفصيل , على ما أرى , قلة هم السياح الذين يزورون القبر".
" أردت رؤية تمثال القبطان الكبير , لكن.......... لماذا أنت هنا؟".
" أنا ذاهب الأسبوع المقبل لزيارة أبناء عمي , في سكنهم الصيفي الذي يقع قرب مدينة رونزا , وكنت أبحث عن هدية , ومن الدكان حيث كنت , لمحتك تمرين , فتبعتك , أود أن أقترح عليك أنت وساشا , أن ترافقاني مساء اليوم الى سهرة خاصة بموسيقى وأغاني الفلامنغو , لكن ربما لا تعرفين في أي فندق يقيم ساشا".
" بلى , بلى , في كل حال , لدي موعد معه بعد نصف ساعة , في بلازا ديل كارمن".
" أذن , سأبقى معك , لماذا يهمك كثيرا رؤية تمثال القبطان الكبير ؟".
" لأنه كان أحد أبطال شبابي , صورته ليست جميلة كما كنت أتوقعها .... كنت أتخيله ممشوق القامة وأسمر اللون".

الشغاف
06-23-2011, 03:23 AM
" كنت أعتقد أن طريقة معاملته لزوجته , ستقلل من قيمته , وفقا لمفهومك ونظرياتك ".
" ماذا تعني ؟ هل كان طاغيا وفظا؟".
" كلا , لكن , عندما أحترقت خيمة الملكة أيزابيل مع كل ما تحتويه , أرغم زوجته أن تهب جهازها كله الى الملكة".
" آه , لكن لا شك أنه أشترى لها جهازا آخر , بعد ذلك! ربما كان يحب الملكة أيزابيل , كما يشاع أحيانا , في كل حال كانت الملكة تحبه أكثر من زوجها فيردينالد المضجر".
نظرت الى ساعة يدها وقالت:
" علينا أن نذهب لموافاة ساشا".
في الخارج كان الحر قويا , فتأبط كارلوس ذراع صوفيا ليجتازا الطريق بأمان".
" أذن , ألم تخيّب الحمراء أملك؟".
" لماذا هذا السؤال , طبعا لا , البلد ساحر وجميل , السقوف المجوّفة والمزخرفة بشكل نجوم , والقبب والجص الكحفور , ومتاهة الغرف المظلمة , والحدائق المزهرة , وحفيف المياه على الأحواض الرخامية ونافورة الماء في وسطها , وأنعكاس الشمس على الأعمدة ....... لا يوجد كلمة لوصف هذا الأفتتان .......يجب أن يكون الأنسان وحيدا ليتذوق هذا المكان الكامل".
وصلا قبل الموعد ببضع دقائق ولم يكن ساشا قد حضر بعد , فأقترح كارلوس التوقف على شرفة مقهى , في الظل , ثم سألها:
" هل تريدين شرابا منعشا أم بوظة؟".
" شراب منعش من فضلك".
منذ نصف ساعة أرتدت المدينة حلة جديدة بنظر صوفيا , لم تعد تتذكر الحمراء , أنما فقط هذا المكان العادي الصاخب وشرفة المقهى ويد كارلوس السمراء الموضوعة على طرف الطاولة , سألته:
"أين يسكن أبناء عمك في الشتاء؟".
" في سفيليا , في الصيف الحر شديد هناك, ومن أواخر أيار ( مايو ) حتى تشرين الأول ( أكتوبر ) , تمضي لويزا مع الأولاد معظم الوقت في الجبل , يلتحق بهم هيلاريو في أغلب الأحيان , ومتى سمحت له ظروف عمله , آه , هذا ساشا قد وصل".
ظهر الشاب الفرنسي حاملا بيده حزمة صغيرة , لم يعد يشبه الخنافيس , بقميصه الجيرسي الناعم , ذات الأكمام القصيرة , وسرواله النظيف والمكوي , وأحذيته الملمعة كأنها جديدة , أنما كان كأي أسباني من المنطقة يتوجه الى عمله بعد قيلوة الظهيرة.
حيّا كارلوس ثم قال لها:
" لقد وجدت الكتابين كما طلبت مني".
" شكرا , كم ثمنهما؟".
" الفاتورة داخل الحزمة".
فتح الكيس وأخرج الفاتورة والكتابين , أحدهم كان ( الرحلات في أسبانيا ) لتيوفيل غوتيه , والثاني , الكتاب الذي كانت تود صوفيا أن تقرأه في كل عزم ...... حاولت أن تفعل ما في أستطاعتها لتخفيه عن نظرات كارلوس ! لكن كيف؟
فتحت محفظة نقودها , فوضع ساشا الكتابين على الطاولة وبالطبع , أخذها كارلوس بسرعة!
" كان بأمكاني أن أعيرك كتاب غوتيه , يا صوفيا , لماذا لم تسأليني؟".
" ليس من الضروري أن تكون راغبا في أعارتي الكتاب ".
" أفعل كل شيء لحفيدة رجل ملم بالكتاب ! ..... آه الكتاب الثاني : ( رحلة مع حمار!".
هل ما زال يتذكر الحديث الذي جرى بينهما ذلك الصباح عندما أسرعت الى البرج لتلومه بعنف لأنه طرد مايك من الحانة؟ ورغم تغيير وجهه العادي , شعرت صوفيا أنه لم ينس شيئا.
ران صمت قصير مزعج , ثم سأل ساشا:
" لا شك أن صوفيا أخبرتك عن المشاكل التي تعرضت لها بسبب سيارتها , أليس كذلك؟ أخش أن يكون الميكانيكي قد ضخّم الأمر ليزيد الفاتورة".
" هل حدث لكما حادث؟".
قالت صوفيا:
" لا , لا , عطل بسيط".
وبعد أن سمع كارلوس القصة بالتفاصيل سأل :
" وأين هو المرآب , من الأفضل أن أذهب بنفسي لأراها".
" لا , لا تتعذب , لا أعتقد أبدا أن صاحب المرآب يريد أن يحتال عليّ".
قال ساشا بسخرية:
" يا صوفيا المسكينة , كل أصحاب المرآب يفعلون , كيف بأنمكاننا التأكد من ذلك؟ لذلك نحن مضطرون أن نصدق كلامهم".
قال كارلوس:
" بشكل عام , أجرة صاحب المرآب ليست مرتفعة , لكن , في مثل هذا الموسم المزدحم , تتكاثر عليهم الأشغال بصورة غريبة , ربما بأستطاعتي أن أسرّع في أصلاح السيارة وتسليمها بأقرب وقت مممكن , هل معك بطاقة بعنوانه , يا صوفيا؟".
" نعم , لكنني أكيدة أن ساشا مشغول البال من دون سبب , أذا لم تكن السيارة جاهزة في وقت عودتنا , نأخذ الباص , وأعود لأجلبها في وقت لاحق".
" وفي كل حال , أفضّل أن أتوجه الى المرآب بنفسي , هيّا , عطني البطاقة , وقلما أذا أمكن".
نفّذت صوفيا ما قاله على مضض , ثم سألها:
" عنوانك؟".
دوّنه على طرف البطاقة , وبرؤية خطه تذكرت صوفيا البطاقة التي أرسلها مع سلة القرنفل عندما كانت في برشلونة , هذه البطاقة التي كان يجب عليها أن تمزقها , لكنها حافظت عليها من شدة جنونها.........

الشغاف
06-23-2011, 03:24 AM
وقبل ساشا أن يذهب في المساء لسماع غناء الفلامنغو , فسأله كارلوس عن عنوانه:
" العنوان نفسه , نحن معا في فندق سانتا كلارا".
أندهش كارلوس , لكن صوفيا أسرعت في القول :
" يتقاسم ساشا غرفة مع شاب آخر , أما أنا , فأتقاسم غرفة أبنة صاحب الفندق , ومن حسن حظنا أننا وجدنا مكانا للنوم , لأن المدينة كلها تغص بالسياح".
جاء الخادم ودفع كارلوس الفاتورة وقال واقفا:
" سآتي في التاسعة , وقبل السهرة سنذهب للعشاء".
قال ساشا بعدما أبتعد كارلوس:
" لا شك أن كارلوس نزل في القصر!".
" نعم , ربما".
" هل تريد شرابا آخر؟".
" لا , شكرا , أريد أن أعود الى الفندق لأرتاح قليلا , لأننا سنتأخر في السهرة , مساء اليوم , الى اللقاء".
صعدت صوفيا الى الغرفة الصغيرة التي لم تكن تحتوي ألا على سريرين , وخزانة ومغسلة , وبعد أن أغتسلت بالماء البارد من رأسها حتى قدميها وبالصابون الأسباني المصوع بالحامض , صعدت الى سريرها وتمددت لتقرأ ساعة أو ساعتين.
ولم تقرأ ألا 20 صفحة حتى قاطعتها أبة صاحب المطعم بدخولها , وبعد قليل جاء ساشا يقترح على الفتاتين أن يأخذهما لتناول ( الكوروس).
تخلت صوفيا عن مواصلة القراءة , وأرتدت ملابسها بسرعة وخرجت لتتذوق هذه الفطائر بشكل الأصابع المقلية بالزيت والمرشوشة بالسكر الناعم أو بالشوكولا الساخن.
كانت الساعة الثامنة عندما عادا الى الفندق , أبنة صاحب الفندق توجهت الى المطبخ لتساعد والدتها , وتوجهت صوفيا الى غرفتها .
خلعت سروالها الزهري وأرتدت فستانا تحبه , أشترته من فرنسا بثمن باهظ , أنه من قماش الموسلين الأصفر بلون الحامض.
وفي التاسعة ألا ربعا , جاءت السيدة مورينو لاهثة لتعلمها أن رجلا ( نبيلا ) ينتظرها في مقهى الفندق.
فمرّت صوفيا أمام غرفة ساشا وصرخت من الخارج:
" وصل كارلوس".
" سأوافيكما بعد خمس دقائق".
سألتها صحبة الفندق , بنظرة خائبة:
" هل هذا الشاب سيذهب معكما؟".
" يقول المثل الأنكليزي : كلما أزداد العدد , كلمّا خفّ الخطر".
ضحكت المرأة وقالت :
" أنت على حق! آه , هذا الرجل فيه شيء مميّز يسحر أي أنسان! يا ألهي , كم هو وسيم! وأسنانه! عنده أبتسامة تذيب ثلج أعلى الجبال !".
ولما دخلت صوفيا الى المقهى كان كارلوس يصغي الى عجوز , لا أسنان في فمه , آه , يا لشدة التناقض بينهما , لكن , ربما كان العجوز في حياته بوسامة كارلوس......
وبعد عشاء رائع , توجهوا الى الحديقة حيث كانت الفتاة ذات العينين السوداوين والشعر الطويل ترقص الفلامنغو وتطرطق بالصنّاجات على موسيقى قيثارة أسبانية , أنها أنسانة رائعة وذات نظرات محترمة ,وخلافا لبقية المشاهدين , كان كارلوس ينظر اليها بهدوء أعصاب , كأنه ملّ وضجر.
توقفت الراقصة لحظة وأخذ مكانها رجل راح يغني الأغاني العاطفية الشعبية , ولما عادت الراقصة الى الحلبة , كان جنون الفلامينغو في أوج هيجانه , ذراعاها الطريتان تتحركان بلباقة وخفة , تنورتها الحمراء المكشكشة تزوبع كالأعصار , وعينلها وأسنانها تلمع , فراح الجمهور المنسحر يصفق بحماس على أيقاع الموسيقى.
أنتهت الحفلة في ساعة متأخرة , طلب كارلوس سيارة تاكسي , وجلس في المقعد الخلفي قرب صوفيا , بينما جلس ساشا قرب السائق , وأضطرت صوفيا أن تتقوقع في الزاوية كي يتمكن كارلوس من أراحة قدميه الطويلتين , فدخان سيكار ساشا ورائحة العطر العنيفة عند السائق جعلا الجو لا يطاق , أخفض كارلوس النافذة وقال:
" غدا , سأمضي الليلة في سييرا نيفادا , وبما أن سيارتك لن تكون جاهزة ألا بعد بضعة أيام , ألا تجدان أنه من الأفضل مرافقتي الى هناك؟ وسأعيدكما الى الساحل بعد غد".
" آه صحيح ! السيارة! لقد نسيت هذه المشكلة كليا...".
" يا ألهي , هل السيارة في حالة سيئة؟ ماذا هناك؟".
" لا , لا شيء , فهي تحتاج الى قطعة غيار , أضطر صاحب المرآب أن يوصي عليها , وأتفقت معه , أنه متى أنتهت التصليحات , سيوصل أحد الموظفين السيارة الى قلب المخيّم , ولن يجد صعوبة في العودة الى غرناطة , من الأفضل أن نعطيه بقشيشا محترما , على أن تذهبي بنفسك لأحضارها".
" شكرا جزيلا لتدبيرك هذه الأمور , آمل ألا تتأخر قطعة الغيار في الوصول , كما حدث لأصدقائنا الهولنديين , الشهر الفائت , هل تتذكر هذه الحادثة , يا ساشا ؟ المساكين , أضطروا أن يبقوا ثلاثة أسابيع بالأنتظار".
توقفت سيارة التاكسي أمام فندق سانتا كلارا وساعد كارلوس صوفيا على الهبوط وقال:
" أذن , ما رأيكما في أن تذهبا معي الى رية الثلج من قريب".
" ليس لدي مانع.....".
" وأنت يا ساشا؟".
حبست صوفيا أنفاسها ولحسن حظها قبل ساشا الدعوة أيضا.
وكي لا توقظ أبنة صاحب الفندق بأضاءة الغرفة مدة طويلة , لم تقرأ صوفيا كعادتها قبل النوم , بالرغم من رغبتها في الوصول الى المقطع الذي لمّح عنه كارلوس.

الشغاف
06-23-2011, 03:25 AM
أتفقا على أن يلتقيا في اليوم التالي في مقهى قريب من سانتا كلارا , نهض ساشا واقفا بعد أن لاحظ أنه نسي ساعة يده في الفندق وذهب للبحث عنها , ولما أصبحا وحيدين سألها كارلوس:
"لو رفض ساشا تلبية دعوتي , ماذا كنت ستفعلين؟".
" لكنت غيّرت رأيي , ببساطة".
" وبرغم اوعد الذي قطعته عليك , ما دمت مسؤولا عن المخيّم ؟ ألا تحترمين وعدي؟".
" لا تنس أنك أضفت تقول : ( فقط عندما تعلمينني , أنت بالذات , أن عفتك أصبحت ثقلا عليك,
لو وافقت على المجيء , في هذه الشروط , لربما أعتقدت أنني غيرت رأيي ".
" لقد نسيت هذا الشرط".
" لكن أنا لم أنس".
ولحسن حظها كانت ترتدي نظارتيها وبالتالي لا يمكنه أن يلمح الحزن الذي ملأ عينيها , آه , كم هو جميل أن تتناول الغداء برفقة كارلوس , تحت الشمس , على شرفة هذا المقهى , في مدينة غرناطة الأسطورية , لو كانت أبتسامته حنونة وغير ساحرة.... ولو كان يشعر نحوها بشعور أقوى من الأنجذاب الجسدي آه نعم.... لكان ذلك رائعا........
كان كارلوس يقود سيارته بسهولة وقدرة هائلة برغم كثرة المنعطفات الضيقة , وأحيانا كان يتوقف على جانب الطريق ويترك لهما مجال الأستمتاع بالمناظر الخلابة , وكان كارلوس قد أحضر معه صندوقا مليئا بالحلوى وبعض السندويشات وأعد له سندويشا في داخله طعاما أسود اللون , فقالت صوفيا:
" لا بد أن طعمه لذيذ".
" أنا أكيد أن هذا النوع من الطعام لا يمكنك تذوقه".
" كيف تستطيع التكهن بذلك؟".
مدّ اليها السندويشة وقال:
" حاولي أذا أردت".
بعد تردد تناولت قطعة صغيرة وكان ينظر اليها بسخرية , ما يمكن أن يكون في داخله؟ شيء حار يحرق الفم ساعات طويلة؟ الداخل يشبه مقانق بنية غامقة , أخيرا وضعتها في فمها وراحت تمضغها , ثم قالت:
" آه , أنها لذيذة الطعم!".
سألها بفضول:
" صحيح؟".
" نعم! ما هذا الذي أكلته؟".
" ( بوتيفارا نيغرا) أنه نوع من المقانق العادي لكن الخبز قد غمّس بزيت الزيتون وعصير الطماطم".
" كنت تعتقد أنني أكره زيت الزيتون , أليس كذلك؟".
" أنها الحال مع معظم الشعب الأنكليزي , تصورت أنك تفضلين أكل الحلوى.......".
" هذا يدل على أن الأنسان يتصرف أحيانا بتفاهة لأنه يتخذ رأيه مسبقا حول الناس وفي غالب الأحيان يكون هذا التصوّر المسبق خاطئا مئة في المئة".
" أنت على حق , في كل حال , ليست هذه هي المرة الأولى التي أشعر فيها بالخطأ أتجاهك".
" لكن قطع الحلوى تبدو رائعة , سأتذوق تلك المصنوعة بالجوز".
وبدأت سفوح الجبل تتغلف بالعشب القليل , وكلما أرتفعوا كلما أصبح الهواء منعشا وقويا , أخيرا وصوا الى بناية طويلة تستعمل في الشتاء كفندق لأيواء المتزلجين عندما تختفي الصخور تحت الثلج الكثيف.
قرروا النزول في الفندق ولمّا أعطاه موظف الأستقبال قلما ليسجل على السجل أسماءهم , تذكرت صوفيا بغصّة الأهانة التي تحملتها في الميرامار , هل ما زال كارلوس يتذكر هذه الحادثة؟
أعطاهم الموظف المفاتيح , حمل كارلوس حقيبته وحقيبة صوفيا , وتوجه الثلاثة الى السلم , وفي منتصف الطريق , شعرت صوفيا فجأة بدوار , فتعلّقت بالدرابزين ثم أتكأت على الجدار , كان تنفسها متقطعا.
قال لها كارلوس بصوت واثق:
" لا تخافي , هذه ردة فعل الأرتفاع الشاهق , نحن على علو ثلاثة آلاف متر , ومن المستحيل تسلق السلالم بسرعة , ألا بعد مرور وقت معين يتعوّد فيه الجسم على تحمل العلو والتكيف معه".
" آه , أي أحساس رهيب!".
هدأت دقات قلبها شيئا فشيئا فقال لها كارلوس:
" كان يجب عليّ أن أحذرك".
أعطى ساشا حقيبته ومدّ ذراعه حول خصر صوفيا ليساعدها على تسلق السلالم الباقية , فهمس ساشا بصوت لاهث وهو يصعد وراءهما:
" وأنا أيضا أشعر بفرق العلو".
" لكنني لم أسمع أن أحدا مات من هذا الأرتفاع!".
رمقته صوفيا بنظرة سريعة , كان يبتسم وشعرت أنه مسرور لأخذها بين ذراعيه , ولما وصلا أبتعدت عنه وقالت:
" شكرا , أشعر بتحسن ملموس , الآن".
غرفتها الواسعة كانت تطل على منظر ساحر للجبال البيضاء , ومن بعيد كانت ترى غرانادا , أخذت دوشا بسرعة ولفت جسمها بمنشفة بيضاء سميكة , ثم سمعت طرقا على الباب:
" من الطارق؟".
" كارلوس".
ترددت ثانية قبل أن تفتح محاولة الأختفاء قدر الأمكان وراء الباب".
سألها كارلوس للحال:
" هل أخرجتك من الحمام".
" لا , لا , كنت قد خرجت لتوي , ماذا في الأمر؟".
" ربما هذه السترة الصوفية تكفي لتقيك البرد , خاصة أذا قررت التنزه بعد الظهر , لا شك أنك لم تجلبي معك ثابا دافئة عندما جئت الى غرناطة؟".
" بالطبع , لم أكن أتوقع هذه الرحلة , شكرا جزيلا , لكن.... هل عندك سترة غيرها لك؟".
" نعم , نعم , لا تقلقي".

الشغاف
06-23-2011, 03:26 AM
أغلقت صوفيا الباب وعلّقت السترة الكحلية المصنوعة من الكشمير وشعرت بالخجل لأنها ترددت بضع ثوانلتفتح له الباب وهي في هذه الهيئة.
وبعد الغداء صعدوا الى ( عذراء الثلوج ) أنه تمثال حديث وضخم بني على قمة صخرة عالية , وكانت صوفيا متكوّرة في دفء سترتها الناعمة , تتنشق بأمتنان النسيم المنعش الذي يرعش النباتات الصغيرة المعلقة بالصخو.
ولما عادوا الى الفندق كانت الشمس قد غابت , فأقترح كارلوس عليهما الأستراحة في صالون الفندق المريح , وراح الرجلان يطالعان الصحف بينما كانت صوفيا حالمة تحتسي فنجان قهوة مع الحليب الساخن , لا شك أنها غطت بالنوم لفترة قصيرة , ولما فتحت عينيها كان كارلوس وحده قربها.
" أين ساشا؟".
" صعد الى غرفته ليستريح وربما ينام قليلا.....".
" أظن أنني سأفعل مثله".
" ولم لا ؟ كوني حاضرة في التاسعة لنتناول طعام العشاء هل هذا يناسبك ؟".
صعدت السلالم ولما وصلت الى غرفتها , وقبل أن تغلق الباب , ألتفتت وراءها ورأت كارلوس قرأ مجلة محلية , لماذا أنقبض قلبها؟ بماذا كانت تأمل؟ أن يصر عليها في البقاء معه؟
تمددت في سريرها وفتحت كتاب ستيفنسون , وبعد قليل وجدت المقطع الذي كانت تبحث عنه : ( ..........ذلك لأن هناك صداقة تزوّد شعورا بالطمأنينة والهدوء الى درجة أنها تصبح أحيانا وحدة كاملة , العيش مع الحبيبة في الهواء الطلق هي الحياة الأكثر كمالا وحرية).
في الثامنة والربع رنّ جرس الهاتف في غرفة صوفيا , فكانت موظفة الأستقبال تصل بها لتوقظها , وفي التاسعة وجدت كارلوس يستقبلها في الصالون برفقة ساشا , كان العشاء رائعا ومتينا ولم تقدر صوفيا على أكماله برغم شهيتها القوية , بدت صامتة ومتأملة , فقال لها كارلوس:
" أراك هادئة , هذا المساء , يا صوفيا".
أنتفضت وأجابت وهي ترفع كأسها على شفتيها:
" ما زلت متأثرة بالأرتفاع".
وبعد العشاء , راح الرجلان يلعبان الشطرنج , بينما فضّلت صوفيا قراءة مجلة فرنسية وأحتساء عصير البرتقال الطازج , وأخذت تطرح أسئلة عديدة على نفسها : بعد غد , سيرحل كارلوس بعيدا , ماذا كان حدث لو بقيت معه في الميرامار؟ أين كنا أصبحنا الآن ؟ هل كان سئم مني ؟ حتى السعادة العابرة لم تعد مسألة يمكن تجاهلها .....عندما أصبح بعمر عمتي روزا , ألن أشعر بالندم والمرارة لأنني قاومت كارلوس؟
في الحادية عشرة , قررت أن تذهب الى النوم بينما كان الرجلان ما يزالا يلعبان الشطرنج.
قال لها كارلوس بعد أن نهض عن كرسيه:
" أنا متأسف , فلم نهتم بك كما يجب".
" أنا ناضجة كفاية كي ألهو وحدي".
قال بجفاف:
" لا أسك بذلك , لكن هذا لا يعذر تصرفاتي السيئة , هل لديك ما تقرأينه قبل النوم؟".
" نعم , شكرا , تصبح على خير , تصبح على خير , يا ساشا".
نعم لديها كتاب ( الرحلات في أسبانيا ) لغوتيه .... لكنها تسلية لا قيمة لها .... لا يمكنها أن تبعد عن ذهنها التفكير بكارلوس وبرحيله القريب , يا ألهي , كم ستشتاق اليه!
أفاقت صوفيا في صباح اليوم التالي على زوبعة مطر تهز نافذة غرفتها , كانت الساعة السابعة , وكان المطر ينهمر بقوة عندما نزلت الى غرفة الطعام.
كان الفطور مؤلفا من قهوة وحليب وخبز وزبدة ومربى , ومن وقت الى آخر كانت أشعة الشمس تمزّق سماكة الغيوم , كأن الطقس بدأ بالتحسن ومن دون سبب رفعت صوفيا فجأة نظرها نحو الدرابزين الفاصل بين غرفة الطعام والصالون , ففوجئت بكارلوس واقفا قرب السلالم , ينظر اليها , تهيأ لها أنه يحدق فيها منذ بضعة دقائق , فتشابكت نظراتهما وأشار اليها بحركة صغيرة وتوجه نحوها .
" صباح الخير , هل نمت جيدا؟".
" آه , نعم , لكن المطر أيقظني في السابعة ".
جلس أمام الطاولة , فجاءت الخادمة في الحال حاملة أبريق القهوة وفنجان وحليب وسكر على صينية ووضعتها على الطاولة.
قال كارلوس بعد أن أبتعدت الخادمة :
" لا شك أنها تعتقد أننا متزوجان ".
" ليس من الضروري أن يتناول الزوجان الفطور معا؟".
" لك كما رأتك عابسة ولم تبتسمي لي بلطف كما يجب , تصورت أننا متشاجران .... ها هي آتية مع الخبز المحمص , ألا ترين أنها تطرح على نفسها الأسئلة بخصوصنا ؟".
قالت صوفيا خافضة العينين :
" ولماذا لا نقول لها أذن أننا لسنا متزوجين ولا متشاجرين؟".
فرفع ذقنها ببطء وحدّق فيها وقال بلهجة تلين لها الحجارة :
" ذلك لأنه من أبسط الأمور أن تريني أبتسامتك الحلوة العادية".
بدأ قلب صوفيا يخفق في جنون , لكن ذلك لم يدم طويلا , وصلت الخادمة حاملة الخبز المحمص وبعد لحظات كان ساشا جالسا معهما , بقيت صوفيا جالسة لكن عقلها كان شاردا............

الشغاف
06-23-2011, 03:26 AM
قال كارلوس:
" لقد فكرت أنه بدلا من العودة من الطريق نفسه , بأمكاننا أن نسلك الطريق الآخر من الجهة المعاكسة".
قالت صوفيا متعجبة:
" أعتقدت أن الطريق تنتهي في القمة؟".
سأل ساشا:
" ومتى تنويان الرحيل؟".
نظر كارلوس الى ساعة يده وقال:
" متى تصبحان جاهزن , والأفضل أن نذهب باكرا".
بعد عشر دقائق وتحت سماء ملبدة بدأت رحلة العودة , عاصفة أخرى تنذر بالوقوع , تمثال ( عذراء الثلوج ) كان رماديا تحت الغيوم السوداء التي كانت تبث نورا غير محدد.
وعلى الطريق يفطة تنبّه السائقين بأن طرق الشمال يمكن أن تسلكها فقط الآليات الخفيفة وسيارات الجيب , مع بعض التحفظ , فقال كارلوس بعد أن خفّف سيره ونظر الى صوفيا :
" أذا كانت هذه الطريق تخيفك , فلسنا مضطرين لأخذها , بأستطاعتنا العودة كما أتينا ( ببساطة)".
سأل ساشا:
" هل تعرف الطريق جيدا ؟".
" نعم , أنها صعبة , لكنها غير خطرة .. ماذا , يا صوفيا , أنا بأنتظتر جوابك".
" أنا أثق بك كليا , كسائق محترف".
أكمل كارلوس طريقه بعد أن همس بأذن الفتاة قبل التركيز في القيادة :
" لكن , كسائق فقط..... أليس كذلك؟".
النزول المثير دام حوالي ثلاث ساعات , وشعرت صوفيا كأنها ضائعة في هذه الصحراء الصخرية التي نعصف بها الرياح , ولأميال شاسعة , كان المسكن الوحيد ملجأ لمتسلقي الجبال , وكان يدعى ( ملجأ ريو سيكو) , وفي كل لحظة كان يبدو لصوفيا أن طرف الطريق سيتهدم تحت عجلاتهم وسيقع معهم في الهاوية , أخيرا لمحوا آثارا للحياة : من بعيد ظهر ظطيع ماعز أسود , ومنزل صغير تقف أمامه أمرأة ترتدي ثيابا سوداء من رأسها حتى أخمص قدميها وكانت تنظر اليهما نظرة حادة.
توقفوا عن متابعة السير في قرية كابيليريا لتناول الغداء , فقد أخرج كارلوس زجاجة الماء المعدنية ووضعها في الماء المثلجة , وسلة المأكولات الباردة التي أحضرها من مطبخ الفندق , وبعد الأكل شعرت صوفيا بالنعاس وراحت تتثاءب مثل ساشا , أما كارلوس فكان نشيطا كأنه لم يأكل ولم يقد كل هذه المسافة.
وبعد كابيليرا , أصبحت الطريق محدودة بالغابات والحقول والعرائش , توقف كارلوس أمام مقهى صغير وسأل:
" قهوة؟".
وافق الجميع , وبينما كانوا يجتازون الطريق قال كارلوس بلطف:
" آمل أن تكون المراحيض هنا نظيفة!".

وفي أواخر بعض الظهر وصلوا الى المخيّم , أوقف كارلوس السيارة أمام الباب , فنزلت صوفيا وساشا قبل أن يتمكنا من شكره , كان قد أقلع في الحال .
وقالت صوفيا لنفسها في حزن كبير : هذه الصفحة قد أنتهت , وسأقضي الصيف وربما بقيةحياتي , نادمة على رجل سينساني بعد أيام معدودة....
ولما توجهت الى مقصورتها شعرت بحزن وكآبة , ولم تنم ليلتها جيدا بل أستيقظت بألم حاد في رأسها.
وفي منتصف الصباح رآها ساشا وأسرع يقول لها:
" يريد كارلوس أن يودعك , فهو ينتظرك أمام مقصورتك".
" آه , صحيح".
توجهت صوفيا ببطء نحو مقصورتها بعد جهد كبير لتبدو هادئة وغير مبالية , فقالت:
" قال لي ساشا أنك راحل , هل أمامك طريق طويلة؟".
" كلا , ليس كثيرا".
" أذن..... أتمنى لك رحلة موفقة, يا كارلوس".
مدت له يدها , أخذها وتركها لين يديه ثم تردد لحظة قبل أن يقول:
" في الواقع , جئت لأقنعك بالمجيء معي".
" المجيء معك؟".
" لا تتقلصي , لا أقوم بأقتراح وقح , لكن أبناء عمي تعرضوا لمشكلة بسيطة , ربما أنت قادرة على مساعدتي لحلها , مساء أمس , أتصلت هاتفيا بهيلاريو لأعلمه بوصولي , فأخبرني , أن مربية الأولاد , الآنسة سميث , دخلت المستشفى لأجراء عملية جراحية صغيرة , وسألني أذا كنت أعرف فتاة أنكليزية قادرة أن تحل مكانها لمدة أسبوعين أو ثلاثة , وقد فكرت فيك".
" لكن......... وعملي هنا؟ وسيارتي؟".
" كلمت بيدرو بالأمر , فلا مانع لديه أن يحررك , أما بالنسبة الى السيارة , فلن تكون مسألة أيصالها الى المزرعة عملية صعبة".
كانت ترغب في أن تسأله كم من الوقت سيبقى عند أبناء عمه , لكنها وجدت الأمر دقيقا للغاية , فقالت:
" هل يعيدني بيدرو الى المخيّم متى عادت المربية الى عملها؟".
" طبعا , ربما أقترح أبناء عمي عليك شيئا آخر , عملا مثيرا أذا ما أردت تمديد مدة أقامتك في أسبانيا , صحيح أن عملك هنا في المخيم ممتع لكن لا يمكنه أن يقدم لك ألا نظرة محدودة عن حياتنا , ألا ترغبين في أكتشاف أسبانيا الحقيقية خارج السياحة؟".
" بلى , طبعا ".
" أذن , أنت موافقة للذهاب".
" لكنني لم أهتم كثيرا بالأولاد .... وأخاف أن....".
" لا أهمية لذلك , سيطلب منك مراقبتهم , وقراءة القصص.... أحيانا تضطر لويز في غياب المربية أن تحل مكانها , لكنها الآن حامل وعليها الأهتمام بنفسها على أكمل وجه".
" أذن, سأغتنم هذه الفرصة لأكتشاف الحياة العائلية في أسبانيا ".
" عظيم جدا".
كان يبدو أنه لم يشك لحظة واحدة أنها سترفض طلبه".
" كم تحتاجين من وقت لتحضري حقائبك؟".
" نصف ساعة".
وبعد ساعة , ودّعت صوفيا آل فينغيلد وساشا وكل العاملين في المخيم ورافقت كارلوس في طريقه الى مالاغا , هل هذا القرار كان عاقلا؟ لا شيء يؤكد ذلك....
أخرج من الصندوق الداخلي خريطة وأعطاها لصوفيا التي فتحتها ورأت أمامها كوستا ديل سول بكاملها , لكنها ما لبثت أن عادت تتذكر سهرتها الأولى في برشلونة عندما همس كارلوس في أذنيها بعد أن عانقها :
" تصبحين على خير , يا حبيبتي".
رأت نفسها من جديد بين ذراعيه وراحت تحلم في اليقظة... وتتخيّل أنهما ذاهبان في رحلة شهر العسل.....
أنتفضت وعادت الى الواقع عندما سمعت زمورا قويا , يا ألهي ما هذا الجنون في الأسترسال بأطلاق العنان لمخيلتها المجنونة! كانت السيارة البيضاء الكبيرة تلتهم الأميال , توقفا للغداء في محطة ماريبللا الأرستقراطية ثم وصلا الى سان بيدرو في حوالي الرابعة , ومن هناك أنعطفت السيارة من الطريق الدولي لتدخل الطرق الفرعية داخل الأراضي , ولاحظت صوفيا أن منطقة روندا الجبلية هي أكثر توحشا من منطقة غرناطة الساحلية.
قال كارلوس كأنه قرأ ما يراود أفكارها:
" هذه المنطقة كانت في الماضي مليئة بالأرهابيين اللصوص حتى نجح البوليس بالتخلص منهم منذ عشرين سنة تقريبا".
ومن وقت الى آخر , كان يبطىء سرعته كي تتمكن من رؤية الوديان المنحدرة والقمم البعيدة , في هذا المكان الضائع , المخصّص فقط للنسور.... البرية , يبدو وجودهما عملية وقحة.
وبقيا مدة ساعتين يغوصان في هذه الصحراء , خفّت أشعة الشمس الحارة وأصبح الهواء منعشا , ولما وصلا الى القمة , توقف كارلوس ليفتح صندوق السيارة وفي هذا الصمت المفاجىء رأت صوفيا من بعيد قطيع ماعز , أنخفضت الشمس قرب المحيط وبعد قليل سيحل الظلام.
أعطاها السترة الكحلية وقال:
" عليك أن تضعي السترة من جديد".
فأرتدى هو أيضا سترة بنية وظلّ مدة غير قصيرة واضعا يديه على وركيه يتأمل المنظر الرائع , والنسيم الناعم يلعب بشعره الأسود ونور شمس المغيب أعطى بريقا برونزيا على وجهه , ولاحظت صوفيا أن كارلوس هو فعلا أبن هذا البلد الخشن, وفي الحال عادت الى ذاكرتها جميع القصص التي حاكتها حول ( حاكم السيبرا) ..... وخاصة رحلة الخيل في الجبل...... هل هذا نذير..........؟
وكأنه لاحظ أنه مراقب , نفض يديه وصعد الى السيارة , لكن , بدل أن يقلع كالعادة , جلس جانبا وراح يحدق مطولا بصوفيا.
سألته بصوت متوتر عن الطريق وطوله:
ط كلا , ليس كثيرا , هل أنت متعبة؟".
" لا , أبدا , لكن هذه المنطقة منعزلة تماما , أليس كذلك ؟".
ظل كارلوس صامتا مدة طويلة حتى رمقته بنظرة سريعة , فنظر اليها بشغف قوي لم يسبق أن رأته هكذا من قبل , ألا في أحلامها العديدة.
" ألم يخطر ببالك أن أبناء عمي ليسوا سوى حجة وأنني لم أعد مرتبطا بوعدي؟".
في أحلامها الماضية كانت ترى أنه من السحر أن تقع في أيدي رجل جذاب يحاول أغراءها , لكنها أكتشفت اليوم أن هذا الوضع ليس مريحا ولا وجود للسحر فيه!

الشغاف
06-23-2011, 03:27 AM
5- البرقية المفاجئة


أنحنى كارلوس واضعا ذراعه حول كتفي صوفيا وقال باللغة الأسبانية:
" عندما أفكر أنني لم أعانقك من قبل أرى الأمر مذهلا !".
حاولت صوفيا أن تقول بلهجة غير مبالية وباللغة الأنكليزية:
" لكنك عانقتني مرتين حتى الآن , ي كارلوس".
أنتفض مندهشا وقال:
" مرّتان؟".
" تقريبا! مرة في المصعد في برشلونة , كما كنت على وشك أن تعانقني , عندما تعثرت في الطريق , ليلة دعيتنا الى العشاء".
بدأ يضحك ويشد قبضته ويقول:
" وهربت في هذا المساء , أليس كذلك ؟ لكن , في ما يتعلق بعناق المصعد , فلم يكن سوى تحية صداقة , أما اليوم , فبالعكس .....".
أغمضت صوفيا عينيها , وفي هذه اللحظة بالذات , سمعت الحوافر تقرقع على الطريق , وبعد لحظات ظهر بغل وعلى ظهره فلاح راح ينظر إليهما بفضول ظاهر , لم يكن وحيدا وكان يلحق به شابان على ظهر بغلين , حياهم كارلوس , ثم أدار المحرك وقال:
" هناك من يعيش في هذه المنطقة , كما ترين".
غابت الشمس وحل الغسق وغاب السحر عن الهضبة , فجأة شعرت صوفيا بالخجل لأنها تجاوزت حدود مخيّلتها وشكّت بنية كارلوس.
وعلى الطريق بدأت المزارع البيضاء تبرز , سألت صوفيا :
" هل ما زالت السيدة ماك كينلي في زيارة أبناء عمك؟".
" كلا , لقد عادت الى أسكتلندا , وماري لويز في زيارة بعض الأصدقاء في الوقت الحاضر لكنك ستتفقين مع الآخرين بسرعة".
" هذا ما أريده ".
" لا شك بالأمر أبدا".
بعد قليل خفّف كارلوس سرعته ثم توقّف بين ركيزتين عاليتين كتب عليهما ( مزرعة كوبريل ) هذه المزرعة هي أيضا مركز للضيافة , وتبعد مسافة طويلة عن الطريق العام , من الخارج كانت تبدو قلعة حصينة , النوافذ مزيّنة بقضبان الحديد السميك , والباب الكثيف مزيّن بمسامير ضخمة من الحديد المصقول.
هز كارلوس الجرس , وفي الحال أنفتح باب صغير وسط الباب الكثيف , وأنحنى الخادم أمام صوفيا قبل أن يشرح لكارلوس أن الجميع ذهبوا الى روندا لحضور حفلة عرس وأنهم سيعودون عما قريب .
وفي هذا الوقت كانت صوفيا تنظر حولها بفرح ودهشة , وسط المساحة الرخامية سبيل يهدر قرب شجرة تين ضخمة تحتل زاوية بكاملها , ومن الزاوية الأخرى سلم يصل الى رواق شاسع وفيه أبواب عديدة لغرف عديدة .
وبعد فترة قصيرة تقدمت من صوفيا خادمة شابة ودلّتها الى غرفتها في آخر الرواق , بينما أختفى كارلوس في الطرف المعاكس.
عندما خرجت صوفيا من غرفتها وهي تشعر بأرتياح وأنتعاش , رأت التينة مزيّنة بالقناديل المضاءة , الأضواء تشع في الزوايا الأربع للساحة , وتحت الشجرة مدت طاولة كبيرة , وقرب السبيل يثرثر الأولاد بلباس أنيق.
ولما رأى الأولاد صوفيا تهبط السلالم , سكتوا في الحال , وشاهدت صوفيا حينئذ كارلوس وهو يتحدث مع رجل أكبر سنا , فقال:
" دعيني أقدم لك أبن عمي هيلاريو!".
قال الماركيز وهو يشد على يدها :
" أنا سعيد أن أستقبلك في كوبريل , يا آنسة , وأتمنى لك أقامة ممتعة بيننا , طلبت مني زوجتي أن أعتذر منك لأنها لن تراك الآن , فهي مرهقة بعد هذا الحفل الذي حضرناه في روندا , أنت تعرفين أنها حامل , على ما أظن".
" نعم , أخبرني كارلوس بالأمر".
كان هيلاريو متوسط القامة وقويا , شعره كستنائي ووجهه أسمر وذو تعبير صادق لا يتمتع بالنبل الأسباني حسب ما تصورته صوفيا , ومن السهل أعتباره فلاحا وصيادا.
الأولاد عددهم ستة , أربعة صبيان وبنتان , كانوا يقفون في الصف بأنتظار أن يقدمهم الوالد الى المربية الجديدة .
فقال لها كارلوس بتهكم بعد أن قام الوالد بالتعريف المتّبع:
" ليسوا دائما هكذا , أنتظري قليللا قبل أن تعتبريهم في عداد المؤدبين".
وبعد العشاء , ذهب الصغار الى النوم بسرعة , بينما بقي الكبيران في زاوية يلعبان الشطرنج.
قال الماركيز :
" للأسف , أنا مضطر الى العودة غدا الى سيفيل , وأنت , يا كارلوس ؟ ما هي مشاريعك ؟ هل تنوي البقاء هنا بعض الوقت؟".
لم يرد عليه في الحال , فحبست صوفيا أنفاسها , وأخيرا قال:
" بأمكاني البقاء بضعة أيام , ربما حتى الأسبوع المقبل........".
" عظيم جدا".
فجأة سأل كارلوس:
" هل تركبين الخيل يا صوفيا ؟".
" كلا , أنا آسفة جدا".
" أن ركوب الخيل يسمح بزيارة أماكن عديدة بعيدة ومنزوية وأحيانا قيادة سيارة الجيب تساعد على ذلك".
نهض وأطفأ الأضواء والقناديل ولم تعد الساحة مضاءة إلا بنور القمر , ولما عاد نحوها تساءلت صوفيا أذا كان ينوي أكمال الحديث الذي قطعه وصول الرجال الثلاثة على ظهر البغال , لكنه قال بصوت عادي :
" النهار كان طويلا , ومن الأفضل لك أن تذهبي الى الفراش ".
هل يجب أن تشعر بخيبة أو بأرتياح لأنه لم يعانقها?

الشغاف
06-23-2011, 03:28 AM
نهضت من مقعدها وسألته:
" بأي ساعة يجب أن أستيقظ صباح الغد؟".
" باكرا على ما أظن , لكن لا تقلقي لهذا الأمر , أذا كنت نائمة , فستوقظك الخادمة في الوقت المناسب لتناول فطور الصباح , تصبحين على خير يا صوفيا".
" تصبح على خير , يا كارلوس".
أستيقظت صوفيا في الصباح على صوت الأجراس , فقفزت من سريرها لتلقي نظرة من النافذة , رأت قطيع ماعز يرعى قريبا من التلة , وصاحب القطيع يغني أغنية شعبية , أتتكأت صوفيا على درابزين الشرفة وراحت تصغي بفرح الى الأغنية الصاعدة في سكينة الصباح , هنا قلب أسبانيا!
فجأة سمعت صهيلا وصوت حوافر , فظهر كارلوس تحت الشرفة يمتطي حصانا أسود رائعا , ويعتمر قبعة قش عريضة , رمادية اللون , وبالصدفة , رفع عينيه نحو الشرفة , ولما رأى صوفيا , خلع قبعته وقال:
" صباح الخير , أستيقظت باكرا جدا".
" صباح الخير , أستيقظت على صوت أجراس الماعز".
تذكّرت في الحال أن قميص نومها خفيف وشفّاف فقد حاكتها لها عمتها من قماش الكتان الناعم وزيّنتها بتخريم أنيق , وهذا اللباس لا يصلح لأرتدائه والتحدث مع رجل مثل كارلوس! لكن فات الأوان, ومن الأفضل أن تتظاهر كأن شيئا لم يكن.....
أنتظرت حتى أبتعد نحو التلال لتدخل الى غرفتها , ولشدة دهشتها لم يلاحظ كارلوس خفة ملابسها , آه , لم تعد تعرفه..
نظرت الى المرآة وتساءلت : (ألست جذابة كفاية , في هذه القميص العنكبوتية , وهذا الشعر المشعث المنسدل بحرية على كتفي , وهذين الخدين الورديين .......؟)
هل يتصرف بلا مبالاة , فقط لمجرد الملاطفة والرقة؟ كيف تفسّر هذا التغيّر المفاجىء من قبل رجل أراد منذ فترة أغراءها؟
وفي الأيام التالية كان كارلوس يتصرف معها في غاية الأدب ال درجة اللامبالاة , كما لو كانت شقيقته أو فتاة بسن العاشرة , هل كانت تحلم عندما فجأت تعبير وجهه الشفوف قبل وصول الرجال الثلاثة على بغالهم؟
وبعد يومين , أصطحبها كارلوس مع الأولاد الى روندا , فأعجبت بهذه المدينة القديمة الجميلة , ذات المناظر اللابة , والبيوت البيضاء والكنائس العالية المبنية على أطراف الصخور الشاهقة , فبياض البيوت وسواد الدرابزين في الشرفات ولون القرميد , كلها تشكّل لوحة متناسقة.
وعرفت صوفيا أن روندا مليئة بالحلبات والميادين القديمة , لكن لم يكن يهمها كثيرا أن تكون هذه المدينة مهد مصارعة الثيران , فكانت تفضّل زيارة السوق حيث تتصاعد رائحة التوابل والبهارات , المختلطة برائحة الزيت والياسمين والأمواج , أشترى كارلوس من السوق كيس زعفران لزوجة أحد أصدقائه الأنكليز بسعر زهيد جدا , فأهداه البائع بعض الملبس الصغير المعطر بالنعناع.
ولما مروا أمام بائع الخبز والحلوى , أشترى كارلوس للأولاد كيسا كبيرا بداخله خبزا بشكل الأسهم , وتذكّر الأسهم التي يغرزها مصارع الثيران في كتفي الثور.
وفي يوم آخر , ذهبوا الى ( البورغو ) وهي قرية صغيرة لا ذكر لها على الخريطة , وهناك رأت صوفيا للمرة الأولى ( التولدوس ) وهي خيام مبنيّة من نبات الحلفاء التي يصنع منها الورق عادة , ومعلّقة فوق الشارع , من سقف الى آخر محدثة أماكن ظل , يجلس تحتها القرويون على مقاعد من القش ويثرثرون , وبدى مرور الأجانب , يسكتون وينظرون اليهم بعيون فضولية وثقيلة.
القرية المفضلة لكارلوس كانت مونتجاك , حيث المنازل البيضاء تندرج على سفوح التلال حتى ساحة صغيرة ظليلة , وعلى أحد جوانب الساحة يوجد معمل لكورينزو , أشترى كارلوس الكثير منها لأصدقائه الأنكليز , وعلى الطرقات المرصوفة حملت النساء على رؤوسهن دلاء في طريقهن الى النبع لغسل الملابس.
وبعد زيارة مونتجاك , توجهوا الى غابة سنديان ليتناولوا الطعام في الهواء الطلق , كانت الطاهية قد أحضرت سلة ضخمة مليئة بالطعام الجيد واللذيذ لكن كارلوس كانت له نظرة خاصة جدا في كيفية تحضير الطعام في الهواء الطلق وبعد قليل أنتشرت رائحة ذكية من البصل والخبز المغمس بزيت الزيتون ودغدغت أنف صوفيا , فقالت جوانا:
" تقول الخادمة أنه من المخجل أكل الخبز والزيت , لأن ذلك خاص بالفقراء".
أجاب كارلوس وهو يقطع شرائح البندورة :
" هذا دليل نقص ببساطة , ما هو طيب بحد ذاته طيب للجميع , أغنياء كانوا أم فقراء".
كانت صوفيا تتأمل حالمة , فأشتبكت نظراتهما , فقال كارلوس:
" أتريدين مشاركتي في وجبتي , يا صوفيا؟".
" هل تكفي لأثنين؟".
" أكثر مما يجب".
مرّ قطيع بقر أسود قربهم يرافقه راعيان يركبان حصانين رماديين , وشعرت صوفيا بأفتتنان لأنشودة الألوان الرائعة : العشب اليابس الذهبي , جذوع الشجر البرتقالية , الأوراق الخضراء والرمادية , السماء الزرقاء فوق رؤوسهم , هذه هي السعادة , لن تنسى أبدا هذا المكان...
أحد الفرسان عاد الى الوراء وحيّاها , كان ينظر اليها بحدة ودفء مما جعلها تعود الى الواقع , أما كارلوس فلم يعد ينظر اليها هكذا..... في كل حال , ما أن أنتهى الغداء , حتى تمدد من دون كلمة ليأخذ القيلولة.

الشغاف
06-23-2011, 03:29 AM
تفرّق الأولاد يلعبون , وبقيت صوفيا جالسة على كرسي صغير منخفض , تتأمل حالمة القمم البعيدة المحجوبة بضباب شفاف , نام كارلوس فأدارت نظرها بأتجاهه , ولما رأته ممددا بأهمال وثقة كالأولاد , شعرت فجأة برغبة كبيرة في أن تتمدد قربه وتضع رأسها في تجويف كتفه , وكم هو جميل لو أنه يضمّها بذراعيه لتنام قربه....
( العيش مع الحبيبة في الهواء الطلق هي الحياة الكاملة والحرية).
فجأة قطع الصمت دوي محرك , فأستيقظ كارلوس وجلس , وبشكل شاحنة ضخمة تبرز أسبانيا العصرية في عنف من هذا الأطار الهادىء , الغريب من الزمن.
ستتذكر صوفيا دائما رحلتها في مغارة ( بيلتيا ) الواقعة فوق قرية بناوجان , لا تشبه هذه المغارة تلك التي رأتها في نيرخا عندما تشاجرت مع مايك وجاء كارلوس ليبحث عنها ....... أما هنا , فلا وجود لمقهى , أو لدكان سياحي أو لمرآب واسع.
وللوصول الى هذه المغارة كان عليها أن تسلك طريقا متعرجا يصل الى سلالم محفورة في الصخر , سياج حديدي يسد فتحة داخل الصخرة , وأمام المدخل يجلس أسباني راح ينظر اليهما من بعيد مبتسما وقال:
" آه , هذا أنت يا دون كارلوس ! مضت دهور على زيارتك الأخيرة!".
صافحه كارلوس بشدة وقدم له صوفيا التي عرفت أن جد الرجل أكتشف هذه المغارة عام 1905 , ولما كان كارلوس صغيرا , زار المغارة عشرات المرات ويعرف المكان عن ظهر قلب , أعطاهما الحارس القناديل المضاءة بالغاز وتركهما يتجولان داخلها وحدهما من دون أن يضطر لمساعدتهما كدليل سياحي.
سحرت صوفيا بالرسوم الصخرية , أحداها كانت تمثل بغلا وأخرى عنزة ذات القرون الضخمة , والأكثر أدهاشا تلك التي تمثل سمكة كبيرة طولها متر وربع المتر , وحيث كانت القبة الصخرية يوداء , , هناك كان أسلافنا القادامى يشعلون النار.....
ولما وصلت صوفيا الى الحجرة التالية , شعرت بصدمة لرؤية هاوية عميقة.
" عمقها ستون مترا , هبطت فيها مرة بواسطة حبل طويل".
زعقت صوفيا وصرحت:
" هذا كلام غير صحيح......".
" بلى , صدقيني ".
" آه , لن أهبط فيها مهما كلف الأمر".
رفع كارلوس المصباح ونظر الى صوفيا بأمعان , ثم أمسك يدها ببطء وقال:
" لا شك أن هذه الهاوية كانت تستعمل من قبل أسلافنا لرمي النفايت ..... هيا , لنخرج من هنا".
أطلقت صوفيا زفرة أرتياح كبيرة عندما خرجت الى الهواء الطلق.
قال لها كارلوس :
" لو كنت مكانك , يا صوفيا لرفضت زيارة الكهوف من الآن فصاعدا , لو كنت أعرف أنك تخافين الأماكن المقفلة , لما جئت بك الى هنا".
" أنا آسفة , هذه حماقة من قبلي , لقد..... شعرت فجأة أن السقف سينهار على رأسي".
" لا شك انك كنت تعانين خوفا شنيعا , يدك كانت رطبة وباردة , لا ضرورة للشعور بالخجل أمام أمر كهذا , فأنت تخفين أحاسيسك وهذا كبت رهيب".
وبرغم تفهم كارلوس ولطفه , كانت صوفيا تخشى أن تكون قد خفت شأنا بنظره ..... لا شك أنها أعطته نظرة مخيفة وجبانة.....
وفي روندا ألتقت صوفيا للمرة الأولى بأنطونيا , عندما كانت تتأمل منظر مضيق جبال غوادالفين , كانت الفتاة السمراء ترتدي سروالا أبيض وقميصا أصفر وحقيبة يد بيضاء معلّقة بكتفها , وكانت نظارتاها تلمعان تحت أشعة الشمس عندما هتفت :
" كارلوس!".
" مرحبا , أنطونيا! كيف حالك؟".
تكلم معها باللغة الأنكليزية فأجابته:
" كنت ضجرة حتى الموت..... وأنت جئت في الوقت المناسب! هل ستبقى هنا وقتا طويلا ؟ لا تقل لي أنك عائد في الغد؟"
" لا , لا , سأبقى هنا بضعة أيام , صوفيا , أقدم لك أنطونيا يوبيرا , صديقة طفولتي".
تصافحت الفتاتان وشعرت صوفيا أن أنطونيا كانت تفضل لو ألتقت كارلوس من دونها ومن دون الأولاد المتعلقين بأذيالها.
" خلال كل الوقت الذي أمضيته هنا , كان المنزل مليئا بالأعمام والخالات فضجرت حتى الموت , رحلوا الآن وعاد أبي ينغمس من جديد في الكتب , تعال ودعني ألهو يا كارلوس , متى بأمكانك تناول العشاء عندنا؟".
أخرجت مفكرتها وقالت:
" أنا مأخوذة مساء اليوم وفي الغد أيضا.... نهار الجمعة , هل هذا ممكن؟".
" نعم , لكنني أفضّل أن أكلّم لويزا بالأمر , لعلعا قامت بمشاريع أخرى , سأرسل لك كلمة بهذا المعنى".
قطّبت أنطونيا حاجبيها وقالت:
" صحيح , الهاتف لا وجود له في المزرعة , كيف بأمكان الماركيز وعائلته أن يعيشوا من دون هاتف؟".
" أنها الوسيلة الوحيدة لهيلاريو أن يستريح ويسترخي عندما يريد الهرب من كثرة أعماله , في كل حال , البرقيات تصل بسرعة بواسطة ساع خاص".
" أنني أشعر بالشفقة على لويزا المقطوعة عن العالم , وعن الأصدقاء......".
وفي طريق العودة شرح كارلوس لصوفيا قائلا:
" والد أنطونيا دبلوماسي متقاعد , أنه يكرّس وقته الآن في مجموعة الكتب المجلّدة".

الشغاف
06-23-2011, 03:30 AM
ويوم الجمعة , قال لها كارلوس بعد أن أنتهى من الغداء :
" على فكرة , شرحت لأنطونيا في رسالتي أنك حفيدة رجل يحترف جمع الكتب النادرة , فسبفرح السيد يوبيرا بالتعرف اليك".
" لكنني لا أعرف شيئا عن المجلدات!".
" تعرفين أمورا كثيرة , أكثر من جميع أصدقاء أنطونيا!".
أضافت الماركيزة تقول:
" بيتهم رائع يشبه قصرا صغيرا , وأثاثهم جميل ونادرا .....".
كانت صوفيا ترتدي فستانا عندما دخلت لويزا الى غرفتها وصرخت وهي ترى الفستان الأصفر الحريري:
" آه , كم هو جميل ثوبك ! أنه بسيط ويدل عن ذوق رفيع , أفضّله عن الفساتين المعرّقة التي ترتديها عامة الأنكليزيات في السهرات".
أضافتلويزا تقول:
" كنا نعتقد لفترة طويلة أن كارلوس سيتزوج من أنطونيا يوبيرا , لكن كارلوس كان متشددا وكثير التطلب , لا تكفيه أمرأة جميلة وبصحة جيدة , لا , أنه يريد شيئا آخر أيضا , ماذا ؟ لا أعرف , ربما أنت تفهمين أكثر مني , يا صوفيا؟".
" أنا؟ لا...... لماذا؟".
رفعت لويزا كتفيها وقالت:
" ربما لأنه نصف أنكليزي , لأنني عما أعرف , فالشعب الأنكليزي يتزوج عن حب .. هل تؤمنين بالحب , يا صوفيا؟".
" آه , نعم , أؤمن بالحب الحقيقي , الذي يشمل العقل والجسد .... لا أعتقد أن كارلوس......".
توقفت عن متابعة الكلام لسماعها طرقا على الباب , فقالت:
" أدخل".
شق كارلوس الباب وسألها:
" هل أنت جاهزة؟".
قالت لويزا:
" أنا مع صوفيا وبأنكانك الدخول".
" آه , تصورت أنك سترتدين الثوب الأبيض والدثار المخملي الأخضر , كما كنت في برشلونة".
سألت صوفيا لويزا:
" هل يجب أن أرتدي الثوب الطويل؟".
نظرت لويزا الى كارلوس وقالت:
" لم تقل أنها سهرة كبيرة , يا كارلوس , لقد تصورت أنكما المدعوان الوحيدان....".
" نعم , أظن ذلك".
" أذن , هذا الثوب الأصفر رائع لهذه المناسبة".
أضاف كارلوس :
" وساحر أيضا , لم أكن أنوي النقد ,أو... لكن........".
نظر الى ساعة يده وقال:
" يجب أن نذهب الآن".
ولما أصبحا في السيارة , قال كارلوس:
" ليس هذا الثوب هو الذي لفت نظري , أنما أبتسامتك ....... في تلك السهرة....".
وخلال الطريق كان يحدّثها عن أسبانيا وأمله في أن يلعب هذا البلد دورا مهما في السوق الأوروبية المشتركة , لم يسبق أن تحدث عن هذا الموضوع, لا في برشلونة , ولا في برج الموورز , فأندهشت وفيا للأمر وفرحت له.
ومنزل آل يوبيرا الرائع كان يطل على قرية صغيرة قريبة من روندا , داخله متحف حقيقي.
أستقبلهما آل يوبيرا بدفء ثم أخذ صوفيا في الحال الى مكتبته الضخمة ليريها كنوزه.
هل دعاها كارلوس للمجيء معه ليكون أكثر حري في مغازبة أنطونيا؟
وبعد عشر دقائق جاءت أنطونيا الى المكتبة وقالت:
" آه , يا أبي , ألا تخجل لأنك إستأثرت بالآنسة لنغوود , حتى أنك لم تقدم لها شرابا الى الآن! العشاء جاهز".
وبالرغم من أحتجاجات والدها , توجهت أنطونيا الى غرفة الطعام , ودار الحديث حول مجموعة الكتب عند الرجلين , وكانت صوفيا تصغي بشغف , محتفظة بعدم البوم عن أهتمامها بأنتقاداتها وتعليقاتها.
وفي طريق العودة الى المزرعة , قال لها كارلوس:
" أخشى أن تكون هذه السهرة قد أزعجتك حتى السأم ... لو كنا قرب الساحل , لأخذتك الى مرقص في مكان ما , لكنه لا يوجد في الضواحي ناد راقص كما يجب , وحتى في روندا بالذات".
صرخت صوفيا محتجة:
" لم أسأم لحظة واحدة , وأرجو أن تصدقني! هل يسكن أصدقاؤك هنا طيلة السنة , أم خلال الصيف فقط؟".
" خلال الصيف فقط , لكنني أعتقد أن دون سلفادور لن يغادر قصره هذا متى تزوجت أنطونيا؟".
" هل هي مخطوبة ؟".
" نعم , لكن الأمر لم يصبح رسميا بعد , وجدت أخيرا الرجل الذي يليق بها , مع أنه لا يشاطر حب والدها الكتب , بنظرها , محترف واحد في العائلة , يكفي!".
" بعض النساء يقبلن أن يكون أزواجهن من محترفي الكتب النادرة , وهذه كانت حال جدتي".
" هذا أستثناء للقاعدة , فمعظم النساء يشعرن بغيرة من هذا الشغف , وهدف الهاوي يقع على أمرأة هاوية مثله , وهذا نادر جدا".
كانت صوفيا تفكر بجواب عندما سمعت كارلوس يطلق شتيمة وينعطف بشدة جانبا كي يتحاشى أصطداما بسيارة غير مضاءة برزت أمامه وسط الطريق بسرعتها الجنونية.
وبأعجوبة , لم يكن للصخر وجود في طريق أنعطاف السيارة التي غاصت في العشب والأشواك وتوقفت على بعد أنتفاضة أخيرة.
سأل كارلوس في الحال:
" هل أصبت بجراح".
أجابت بصوت متقطع :
" لا ..... لا........".
" هذا النوع من الناس يشكل خطرا كبيرا على السلامة , كان بأمكانهم قتلنا ببساطة , آه , لو كنت قرب الهاتف , لطلبت من شرطة المنطقة الألتفاف لملاحقتهم!".

الشغاف
06-23-2011, 03:31 AM
" لماذا لم يشغلوا أضواء السيارة؟".
" الله وحده عالم بالأمر , لا شك أنهم سكارى ليقودوا بهذه السرعة الجنونية , كل ما أعرفه , هو أننا محظوظون أذ تمكّنا من الخروج سالمين".
كان على حق , فأحدى العجلات كانت ملتوية كليا , وبحاجة لأستدعاء فريق التصليح.
سألته صوفيا:
" هل ما نزال بعيدين عن المزرعة؟".
" 25 كيلومترا تقريبا من المزرعة , و15 كيلومترا من منزل آل يوبيرا .... يجب أن نطلب من هذه المزرعة القربة من هنا أن تؤوينا ..... لن تتمكني من المشي بسهولة في هذه الأحذية العالية ... أنتظري......".
فتح صندوق السيارة وقال:
" صباح اليوم ترك ستيفان كل معدات كرة المضرب داخل الصندوق , فسترتدين حذاءه ربما يكون واسعا , لكنه أفضل من حذائك العالي الكعب , أجلسي سأساعدك على أنتعاله".
أطاعت صوفيا بصمت وهي ما زالت تحت الصدمة العنيفة , ركع ليساعدها على خلع صندلها المقطع , فرأت الدم ينزّ من صدغه , فصرخت تقول:
" لكن , أنت مجروح؟".
" أنا , لا, أبدا!".
" بلى , يا كارلوس ! أنظر".
لمست خده النحيل وأرته أطراف أصابعها الملطخة بالدم.
" هذا جرح بسيط , لم أشعر به".
أخرج منديلا من جيبه ومسح وجهه , ثم قال لها:
" أعطني يدك لأمسح أصابعك وألا أتسخ فستانك ... لكنك باردة يا عزيزتي! أرتدي سترتي أذن!".
وبلحظة سريعة خلع سترته ووضعها على كتفي صوفيا فقالت:
" " لا أشعر بالبرد , لا شك أن ذلك ناتج عن الأنفعال والصدمة , وبعد قليل سأشعر بتحسن فلا داعي أن....".
" لا تناقشي أرجوك".
مشيا حوالي ثلاثة كيلومترات عبر الحقول قبل أن يصلا الى المزرعة البيضاء تحت ضوء القمر , لم يترك كارلوس يد صوفيا التي كانت تعود الى روعها.
" هل ستطلب من صاحب المزرعة أن يعيرك سيارته؟".
" ربما لا يملك سيارة ! سنضطر أن نقضي الليل هنا , هيلاريو يستيقظ باكرا ومتى لاحظ غيابنا , سيبدأ في البحث عنا وسيجدنا من دون شك".
لا أثر لأي شعاع نور من خلال النوافذ الخشبية المقفلة , طرق كارلوس الباب عدة مرات , وبعد دقائق طويلة , أنفتحت مافذة فوق رأسيهما وظهرت بندقية مصوّبة أليهما , لكن عندما شرح كارلوس سبب وجودهما , أختفت البندقية , وبدأت تسمع أصوات الأقفال , أخيرا أنفتح الباب.\كان الرجل ذا لحية بيضاء طويلة تخفي خدين غائرين ومجعدين , وبدأ يتكلم األأسبانية بلهجة لم تتمكن صوفيا من فهمها.
أضاء الفلاح قنديلا على الغاز وأخذهما إلى غرفة في الطابق الأول ولشدة دهشة صوفيا كان السرير واسعا يحتل وسط الغرفة والجدران مليئة باللوحات الزيتية.
فتح المزارع العجوز باب الخزانة وقال :
" خذي ما تريدينه من شراش وأغطية".
فشرح كارلوس لصوفيا بالأنكليزية ثم أضاف:
"" توفيت زوجته , وهو لا يعرف شيئا حتى تأتي خادمة من القرية لتهتم بهذه الأمور".
فتح المزارع درجا وشرح لها كارلوس ما قاله:
" أنه يقدم لك قميص نوم كانت تملكه زوجته .. هل تعتقدين أته بإستطاعتك النوم في هذا الجو؟".
" على الأقل , في هذا المناخ , الفراش ليس رطبا , غرفتك ربما جوّها رهيب أكثر...".
" من يعلم , ربما عليّ أن أتقاسم سريره؟".
وبعد أن أشعل الضوء , تمنى المزارع لصوفيا ليلة سعيدة وخرج برفقة كارلوس.
كانت الشراشف تعبق فيها رائحة زهرة أكليل الجبل , وقميص النوم المزينة بالدانتيل على طرف الأكمام وحول العنق , كانت تغلف الفتاة من قدميها حتى ذقنها.
فتحت النوافذ الخشبية وراحت تتنفس بملء رئتيها الهواء المنعش , وعندما أنتفضت لسماعها طرقا على الباب , هتفت:
" أدخل".
دخل كارلوس حاملا بيده فنجانا ساكنا .
" المزارع أعدّ لك فنجان زهورات , أظن أنه زهي البرتقال ".
أجابت صوفيا وهي تضع الفنجان على الطاولة :
" أنه ساخن جدا , سأدعه ليبرد قليلا قبل أن أحتسيه , لقد فتحت النوافذ الخشبية .... لأنني كنت أكاد أختنق...".
" وهذا القميص الواسع الطويل ليس معدا لمثل هذه الظروف ".
" ماذا سنفعل في حال لم يجدنا إبن عمك صباح الغد؟ هل يمر الباص من هنا ؟".
" لا تقلقي , سيصل هيلاريو إلى هنا حتى قبل أن تستيقظي".
" هذا إذا إعتقد بوجود حادث , آه , طبعا ...... لكن , ربما ظن.... أن هنالك شيء آخر....".
" ماذا مثلا؟".
" أوه ...... أنه لا يعرفني ....... وبإمكانه أن يتخيّل أنه ..... أننا نحن.....".
" هذا ما تفكرين فيه , أنت؟".
" لم أقل هذا ........لكن......".
" أذن أنت لن تثقي بي أبدا ! بإمكاني أن أتصرّف معك مثل أخ لمدة شهور عديدة , لكنك ستظلين دائما متحفظة وبإستعداد للدفاع.......".
" عذا غير صحيح".
لكنه لم يسمع من شدة الغضب.

الشغاف
06-23-2011, 03:32 AM
" هذاالفلاح يتصوّر أنك خطيبتي , يبدو أنه شامخ بأنفه ومتكلّف , أذا لم يرني عائدا إلى المطبخ بعد بضع دقائق , سيصعد إلى هنا حاملا بندقيته ويخرجني بالقوة , أذن , بإنتظار ذلك , ما دمت قد قررت عدم الثقة بي , فمن الأفضل لك أن تبرري خوفك......".
جذبها بشدة بين ذراعيه وراح يعانقها بشغف كأنه يعرفها ويحبها من زمن بعيد وقد ألتقاها بعد أشهر عديدة من الفراق....
وقبل أن تستعيد صوفيا وعيها , دفعها بعنف وخرج صافقا الباب , سمعته يهبط السلالم ويصفق بابا آخر , ثم عمّ الصمت الكامل.
وفي اليوم التالي أيقظتها أشعة الشمس التي خرقت وجهها , ولما نظرت إلى نفسها وشاهدت قميص النوم , تذكرت كل شيء , نظرت إلى ساعة يدها : التاسعة.
قفزت من السرير وأول ما فكرت به إيجاد المرحاض أو الحمام , أرتدت ثيابها بسرعة ومشطت شعرها ونزلت.
سمعت حديثا بالأسبانية أوصلها إلى داخل المطبخ , فتحت الباب المشقوق , ولدى دخولها , نهض المزارع وأحد خدم السيد هيلاريو , فتحت صوفيا عينيها المندهشتين وقالت بعد أن حيت الرجلين:
" أين دون كارلوس؟".
" ذهب إلى المطار , يا آنسة , طلب مني دون هيلاريو أن آتي لآخذك الى المنزل , ستجدين ثيابك وكل أمتعتك في هذه الحقيبة".
" شكرا , لكن.... لا أفهم , متى ذهب دون كارلوس ؟ ولماذا ذهب إلى المطار ؟ وأي مطار؟".
" مطار مالاغا , يا آنسة , لا أعرف المزيد, أظن أن دون هيلاريو سيشرح كل الأمر بالتفصيل , ولا يمكنني أن أقول لك في أي ساعة ذهب , لقد تلقيت الأوامر بإنتظار نهوضك من النوم".
" فهمت....".
ذهب كارلوس من دون أن يودعها! هذا أمر لا يصدق ! أهذه هي نهاية المطاف؟".
" هل بإمكانك أن تسأل صاحب المنزل أين هي المراحيض؟".
بعد أستشارة المزارع أجابها الخادم :
" المراحيض صغيرة جدا وتقع خلف المزرعة , في حجرة مبنية من ألواح الخشب السميكة , سيدلك العجوز إلى مكانها , وفي هذا الوقت سآخذ دلوا وماء ساخنا إلى غرفتك".
بعد ساعة كانت صوفيا قد وصلت إلى المزرعة , لم يكن هناك أحد , وحتى عودة الماركيز وعائلته من روندا , ظل القلق ينخر أعصابها.
قال لها هيلاريو لدى عودته:
" لا شك أنك ستفرحين أذا علمت أن المسؤولين عن الحادث قد أعتقلوا , كانوا يهرّبون المخدرات , سيسجنون عل الأقل مدة ست سنوات".
" لا شك أن البوليس يريد التحقيق معنا , وكارلوس هل سيعود للشهادة؟".
" طبعا , لكن في الوقت الحاضر , عنده أعمال طارئة تتطلب وجوده هناك , يا شعب مايوركا المساكين!..... كان حظهم أنحس من حظكما , أمس......".
قالت صوفيا من دون أن تفهم شيئا:
" شعب مايوركا؟".
قالت الدونا لويزا وهي تنظر إلى الفتاة:
" لا يمكن لصوفيا أن تكون قد عرفت ما حدث , يا هيلاريو , ما بالك! علمنا أمس , في آخر السهرة أن حادثا قد حصل مع خمسين سائحا أنكليزيا كانوا في الباص متوجهين إلى زيارة معمل اللؤلؤ , وكارلوس صاحب الفندق حيث أرادوا النزول , فسافر للحال ليساعدهم , سيشعرون بأمان وإرتياح إذا ما زارهم في المستشفى , خاصة أنه يتكلم الأنكليزية".
عاد الماركيز يقول:
"عندما وجدت كارلوس في المزرعة , صعدنا إلى غرفتك لنعلمك بالأمر , لكنك كنت تنامين بعم , ولم يرد كارلوس إزعاجك".
وفي الواقع , لم تفهم إلا شيئا واحدا , وهو أن رحيل كارلوس المفاجىء ليس له علاقة بما حصل لهما مساء أمس في غرفتها , مباشرة قبل النوم , وشعرت بإرتياح كبير .
قالت في لهجة قلقة:
" لكنه لم ينم ما فيه الكفاية".
" آه , لا شك أنه يعوّض في الطائرة , يعرف كارلوس كيف يستريح عند الطلب , ولو حصل ذلك مع غيره لأنزعج لأن سيارته قد تحطمت أو صدم بما حصل , أما كارلوس , فلا يجب التوقف عند مشاكله , يكفي أن يتصفح كتابا من كتبه العزيزة على قلبه لينسى ما تبقى".
راحت تسترجع بمخيّلتها تصرّف كارلوس الشهم , عندما كان بينها وبين البندقية المصوبة إليهما من قبل مزارع عجوز غير واثق... ما زالت تسمع حتى الآن صوته العذب عندما قال لها : ( لكنك باردة , يا عزيزتي! ) وبالإضافة إلى كل هذه الأمور , فهي تتذكر عناقه , هذه اللحظات المضطربة التي لا توصف , وفي الوقت الذي كادت فيه أن تسترجع وعيها لتضمه بدورها بين ذراعيها , كان قد دفعها بعنف وخرج من الغرفة كالمجنون......
وبعد يومين على الحادث وصل شرطي إلى المزرعة لأخذ شهادة صوفيا , وكان يجب أنتظار يومين آخرين قبل الحصول على أخبار من كارلوس , ولم يتكلم إلا عن الحادث الذي تعرّض له الباص الذي كان ينقل السياح الأنكليز , ولم يشر برسالته المقتضبة عن الحادث الذي تعرض له مع صوفيا , أو عن صوفيا , أو عن تاريخ عودته........

الشغاف
06-23-2011, 03:33 AM
وأخذت الأيام تبد طويلة لصوفيا التي لم تتلق بطاقة بريدية واحدة منه , هل نسيها؟ هل ندم على تصرفه؟ هل سيعود؟ أسئلة عديدة كانت تعذب الفتاة بصورة مستمرة.
وبعد أسبوع , عندما كانت في غرفتها تكتب رسالة الى عمتها روزا في وقت القيلولة , جاءت الخادمة لتخبرها أن دون هيلاريو يريد أن يراها في الحال في الصالون التابع لجناح الماركيزة.
فوجئت صوفيا بالخبر , وإرتدت فستانا وتوجهت بسرعة إلى جناح لويزا , ولما رأت التعبير الحزين على وجه الماركيز وزوجته , والتلغراف في يد هيلاريو , أنتابها خوف شديد فصرخت بصوت مخنوق:
" يا ألهي... كارلوس؟".
قالت لويزا وهي تنهض من مقعدها :
" لا , لا , صوفيا , الخبر لا يتعلق بكارلوس! أنها أخبار سيئة من أنكلترا".
تناولت البرقية من يد زوجها ومدتها إلى صوفيا التي قرأت ما يلي:
" جدك في حالة مرضية خطيرة يعتقد الأطباء أن شفاءه مستحيل , هل بإمكانك الحضور؟".
الله وحده يعرف كم كانت صوفيا تحب جدها , وكم كان خبر نهايته تمزيقا رهيبا لها.... لكن لو حدث شيء كريه لكارلوس , لكان الأمر فاجعة لا توصف........
أجلستها لويزا لشدة أرتجافها وقال لها الماركيز :
" سنفعل كل ما في جهدنا أن نجد لك مكانا فارغا في رحلة مالاغا- لندن لهذا المساء, وفي منتصف الليل , تصلين إلى منزل جدك".
" والأولاد ؟ ماذا ستفعلون؟".
أجابت المرأة بلطف ومحبة:
" لا تقلقي من أجلي سنتدبر أمرنا , المهم أن تعودي إلى عائلتك في هذا الوقت العصيب , سيأخذك هيلاريو إلى مالاغا ..... من المؤسف أن كارلوس ليس هنا , لكان أوصلك حتى منزل جدك".
" في كل حال , لقد تعودت السفر وحدي".
" لا أشك في الأمر , لكن , ألا تعتقدين أنه لو كان كارلوس معك لكان أهتم بك كثيرا؟".
" نعم , بكل تأكيد ".
تذكّرت صوفيا رحلتها إلى السييرا والإهتمام الزائد الذي أحاطها كارلوس به , نعم , لا شك أنها تفرح كثيرا لو يرافقها كارلوس في سفرها إلى لندن .... لكن , من الآن فصاعدا , يقول لها أن عقلها عليها أن تتكل على نفسها , فلن تجد أحدا تستند إليه.... هل بإمكانها أن تنسى كارلوس؟
وصلا إلى المطار نصف ساعة قبل أقلاع الطائرة وكان من المستحيل الإتصال هاتفيا بالعمة روزا لإعلامها بمجيئها.
" لا تقلق علي , يا هيلاريو , الطريق من مطار غاتويك ليست معقدة".
كانت الشمس تغيب عندما أقلعت الطائرة حاملة السيّاح ورجال الأعمال , وبحزن وصمت جلست صوفيا في المقعد وأغمضت عينيها.
وبينما كانت الطائرة تحلّق فوق الساحل بإتجاه الشمال , عادت إلى ذاكرتها أبيات الشاعرة الأسبانية , روزالبا كاسترو , التي كتبت تقول:
" ولا في أي مكان على هذه الأرض , يا أيتها السعادة , بإمكاني أن أجدك بعد الآن , غير أنني أعرف أنك موجودة ولست فقط حلما جميلا".

الشغاف
06-23-2011, 03:34 AM
6- بطرف كتفه أغلق الباب


" الآنسة صوفيا لينغوود , التي وصلت من مالاغا في الرحلة رقم 103, يرجى منها التوجه إلى مكتب الإستعلامات حيث تنتظرها رسالة طارئة , الآنسة صوفيا لينغوود , التي......".
أعلمها مكتب الإستعلامات أن السيد أدوارد هامتوت سيوافيها بعد ربع ساعة .
تمتمت صوفيا بصوت خفيض:
" لا أشك أن هيلاريو أتصل بعمتي روزا وأعلمها بأمر وصولي".
جلست صوفيا متسائلة :
" من يكون هذا الرجل المجهول؟".
في الطائرة , قرأت مرات عديدة آخر رسالة أستلمتها من جدها .كان خطه واضحا وأسلوبه مرحا وفكاهيا كالعادة , لا شيء يشير إلى نهايته المحتمة.
فجأة سمعت أسمها , فرفعت عينيها وإذا برجل ينظر أليها من وراء نظارتيه المستديرتين , كان شعره الرمادي كثيفا ويدل على عمر يتراوح بين 45 و 50 سنة.
فقالت صوفيا:
" نعم , أنا صوفيا لينغوود , وأنت السيد هامتون , أليس كذلك ؟".
" نعم , نادني أدوارد , أنا صديق قديم لعمتك وهي لم تشأ مغادرة غرفة جدك , فطلبت مني أن آتي مكانها لأجلبك".
" كيف حال...... جدي؟".
" ليس قويا , لا شك أن قلبه كان في حالة سيئة منذ شهور عديدة , لكنه أخفى الأمر على عمتك روزا حتى الأسبوع الفائت عندما وجدته منهارا في أريكته , فهرع الأطباء ووضعوا له العقاقير , لكن , للأسف , لم يبق أمامه إلا ساعات معدودة.......".
قالت صوفيا بصوت مرتجف:
" نعم , هذا ما فهمته من البرقية , أنا ...... أنا ..... لا يمكنني أن أتصوّر المنزل من دون جدي.".
تناول أدوارد هامتون الحقيبة ولحقته الفتاة إلى المرآب , ولحسن حظهاأنها وجدت فيه الرجل الذي يشعر الغريب قربه بالراح والأرتياح , وفي الوقت الذي كان يدخل فيه المفتاح ليدير المحرك , تذكرت صوفيا فجأة سيارتها وصرخت بأستغراب غير أرادي فسألها:
" ماذا حدث ؟ هل نسيت شيئا داخل الطائرة ؟".
" لا , الأمر أفظع من هذا بكثير , نسيت سيارتي في غرناطة , لم أفكر بالأمر قبل الآن , يا ألهي , ما هذه القصة؟".
قال أدوارد بهدوء:
" لا تقلقي الآن , سنجد طريقة لأيصالها إلى هنا , لكن كيف تكون السيارة في غرناطة وأنت كنت في روندا؟".
شرحت له صوفيا الأمر وقالت:
" يجب أن أجد أحدا ليعيدها إلى أنكلترا".
" أليس من الأفضل أن تذهبي بنفسك لجلبها؟ ألا ينتظر عودتك من تعملين لديهم؟".
" لا.. لا أعتقد , كنت أحل مكان مربية الأولاد التي ذهبت إلى المستشفى لأجراء عملية طارئة وستعود لأستئناف عملها من جديد بعد أسبوع , أما عملي في المخيّم .. فلست مصرّة على أستعادته...".
" ألم تحبي أسبانيا؟".
" بلى , لكن الأماكن السياحية , حيث بأمكاننا أن نجد عملا دائما مكتظة وخاصة في موسم الصيف".
" أذا كنت تحبين الهدوء والسكينة , لماذا لا تذهبين إلى منزلي , في نيوزيلندا".
" لكن ما الذي جعلك تأتي إلى أنكلترا؟".
" جئت إلى أنكلترا منذ ثماني سنوات , بعد وفاة زوجتي , شعرت بحاجة لأن أبتعد عن كل ما يذكرني بالماضي , وبما أنني مهندس بناء , لم أجد صعوبة في إيجاد عمل يشغلني ويبعدني عن وحدتي , لكن , منذ وقت وأنا أشعر بحنين إلى بلدي , هنا أحس بأن جذوري أقتلعت ".
" هل عندك أولاد؟".
" نعم , أثنان , لكنهما غادرا المنزل , فإبني يعمل في الولايات المتحدة الأميركية , وإبنتي تزوجت من شاب أسكتلندي وتعيش في أيطاليا".
بعد صمت قصير , أضاف يقول:
" ألتقيت بعمتك منذ أربع سنوات عندما طلب منها حياكة قطعة لدار المعلمين العليا , حيث كنت المهندس المشرف على المبنى".
" هل تسكن قربنا؟".
" " في عطلة الأسبوع فقط , وفي بقية الأيام أسكن في لندن".
وما أن وصلوا قرب المنزل حتى خرجت روزا ستيل في الحال إلى عتبة الباب فخرجت صوفيا من السيارة وأرتمت بين أحضانها وسألتها بقلق:
" كيف حاله؟".
همست العمة وهي ترافقها إلى البهو:
" مات لتوّه".
أوصى السيد لينغوود المنزل وعائداته إلى إبنته روزا والكتب إلى صوفيا , مع إشارة لصوفيا ألا تتردد في بيعها أذا أحتاجت يوما ما إلى المال.
كم كان حزينا بالنسبة إلى صوفيا أن تخسر جدها في هذه الفترة التي كانت ترغب فيها من كل قلبها , أن تفتح له قلبها وتحدثه عن كارلوس , وبالرغم من محبتها القوية لعمتها , لم تصمم على أن تكشف لها الأمر , الأيام التالية , كانت صوفيا تقضي ساعات طويلة متقوقعة قرب نافذة الصالون , تملأ نظرها بهذه الغرفة الدافئة التي كانت تجسّد دائما ( منزلها الحميم ) , والتي كانت تبدو الآن فارغة... كالموت.
وبعد يومين من الدفن , كانت صوفيا في المطبخ تحضّر وجبة باردة عندما دخلت روزا وقالت في الحال:
" أدوارد طلب يدي".

الشغاف
06-23-2011, 03:35 AM
أندهشت صوفيا ولتفتت إلى عمتها , فمنذ وصولها نسيت أن تفكر بالسبب الذي من أجله ظلّت عمتها تكتم سر هذا الصديق الذي تعرفت أليه منذ وقت طويل , وقبل أن يتسنى لصوفيا أن تكلم , أضافت روزا قائلة:
" أحبه منذ وقت غير قصير , لكنني لم أكن أكيدة من عواطفه أتجاهي , إلا أن الأمر تجاوز الصداقة البسيطة , التي تنشأ عادة بين أنسانين وحيدين".
" هل كنت تشعرين بالوحدة كثيرا؟".
كانت عمتها تبدو لصوفيا كأنها كانت سعيدة بقدرها .
" ليس تماما..... قليلا في بعض الأحيان , لو لم يسبق أن تزوجت من قبل , ربما لما شعرت بهذا النقص إلى هذا الحد , هناك عملي ووجودك معنا وأنت تعرفين ذلك , يا حبيبتي , لكن بالرغم من هذا كله , الوحدة ثقيلة أحيانا , خاصة بعد رحيلك".
" متى طلب أدوارد يدك؟".
" منذ لحظة , أنه يحبني منذ وقت بعيد , لكنه كان يشك أن أكون مستعدة لترك والدي".
" هل بسبب جدي لم تتكلمي عنه في المنزل؟".
" نعم , لكن جدك شك بحقيقة عواطفي أتجاه أدوارد , ولشعر أنه يشكل أزمة لمستقبلي , ولم أكن أريد ذلك مهما كلّف الأمر".
" كان بأمكاني الأهتمام به , بكل فخر وأعتزاز".
" أعرف ذلك , يا حبيبتي , لكن ليس من الأخلاق أن أفرض عليك مسؤولية كهذه , فأنت بحاجة إلى الحرية... ككل الشباب بسنك ..... قبل أن تربطي نفسك".
" ومتى تنويان الزواج؟".
" أذا سمعت ما يريده أدوارد , لتزوجت في الحال , يقول أننا أنتظرنا ما فيه الكفاية , لكن هناك مشكلة أساسية......".
أختفى صوتها فرددت صوفيا تقول"
" مشكلة؟".
" ينوي أدوارد العودة ألى نيوزيلندا , فهو أرمل كما تعرفين وترك بلاده كي ينسى ما يذكّره بزوجته".
" ألا تحبين العيش فى نيوزيلندا , يا عمتي روزا؟ هل تخافين عدم العثور على عمل لك؟".
" سأحب البلد كثيرا , أنا أكيدة من ذلك , أما بالنسبة إلى عملي , فلن يكون هناك مشاكل بهذا الخصوص , لكن ما يشغل بالي , هو أنت , يا حبيبتي , ماذا سيحل بك ؟ نريد كثيرا أن تأتي معنا , ما رأيك؟".
فوجئت صوفيا بالأمر ولم ترد , فقالت روزا بإصرار:
" بإمكانك , على الأقل , أن تجرّبي البلد لمدة سنة واحدة , أنا أعرف أنك فتاة تعرف أن تدبّر أمرها على أحسن وجه , لكن أن أتركك وحدك , من دون أحد يهتم بك فهذا أمر غير وارد , لو كنت متزوجة , أو خاطبة , لتغيّر الأمر!".
أخيرا قالت صوفيا:
" ربما آتي معكما , لكنني لن أعيش على نفقتكما , بإمكاني أن أجد وظيفة هناك والأفادة من مباهج الأسفار ,ولن أكون بعيدة عنكما ! ".
شعرت العمة بإرتياح وقالت :
" هل بإمكانك زيادة السلطة, يا عزيزتي سيتناول أدوارد الغداء معنا ..... أذن.... سأتصل به هاتفيا؟".
بعد الغداء , راحت صوفيا تتنزه على طول الشاطىء القاحل , كان الجو باردا جدا , والريح الشمالية تعصف بالرمال , يا لدفء أسبانيا ..... وكم هو بعيد! تهيأ لصوفيا أنها تعيش في هذا الجو الرمادي البارد منذ دهور عديدة ! وبدأت سمرتها الجميلة بالشحوب........
لما عادت إلى المنزل وجدت روزا وأدوارد يحتسيان الشاي .
فقالت روزا وهي تقدّم الشاي لأبنة أخيها:
" يفضّل أدوارد , بعد تفكير طويل, أن أؤجر المنزل بدلا من بيعه".
أضاف أدوارد قائلا:
" أسعار البناء تتصاعد بشكل ملموس , يوما بعد يوم , وروزا ليست بحاجة إلى هذا المال في الوقت الحاضر , لماذا لا تحافظ على المنزل وتؤجره ؟ هكذا , بعد سنة أو سنتين أذا كنت تريدين العودة إلى أنكلترا , يا صوفيا , فستجدين سقفا تأوين إليه".
وفي المساء أصرّ أدوارد على أخذهما للعشاء خارج المنزل , حاولت صوفيا أن تقنعه بأنها تفضّل البقاء في المنزل ولا تريد أن تتدخل بين الخطيبين , لكن أدوارد لم يرد سماع شيء من هذا القبيل.
" لا تكوني حمقاء يا صوفيا! لسنا عاشقين فتيين , هيا , تعالي , هناك أمور كثيرة علينا تقريرها".
وبينما كانوا يتناولون العشاء , فكّر أدوارد فجأة بسيارة صوفيا وسألها:
" هل فكرت بطريقة لأستعادة سيارتك؟".
" كنت أفكر بالأمر منذ قليل , ووصلت إلى قرار بضرورة بيعها في أسبانيا مت دمت لن أكون بحاجة إليها , ما دمت سأسافر إلى نيوزيلندا , سأرسل رسالة إلى أصدقائي آل فينغيلد , كما يجب أن أتصل بالمكتبة لأدبر بيع كتب جدي".
السفر ألى نيوزيلندا لم يكن أمرا حماسيا بالنسبة إلى صوفيا , لا شك أنه بلد جميل , لكن كيف سيسحرها هذا البلد ما دامت لن تجد فيه البيوت الجميلة العائدة إلى القرن الثامن عشر , ولا الكنائس الروماني , ولا المكتبات القديمة..... أو ما يشابهها ! وقالت صوفيا لنفسها بحزن : ( أنا أوروبية بدمي وروحي ولا أريد الهجرة ) لكنها كانت تعرف جيدا أن رفضها سيدمّر كل خطط عمتها المستقبلية, لكن , ألا يكون هذا التغيّر الجذري الوسيلة الوحيدة كي تنسى حلمها الجميل المضمحل؟

الشغاف
06-23-2011, 03:35 AM
وفي اليوم التالي عصفت الرياح على مضيق المانش , وراحت الأمواج تتدفق على الساحل كجبال من الرغوة , وفكّرت صوفيا بالصيادين الذين يطاردون سفنهم الصغيرة ويتصارعون مع الريح والأمواج العالية.
ومباشرة بعد فطور الصباح , توجهت عمتها روزا إلى طبيب الأسنان , فكتبت صوفيا رسالة إلى بيدرو ومارغريت , ولما أنتهت وضعتها على طاولة في البهو ودخلت المطبخ لتحضير قالب حلوى بالفاكهة لما بعد العشاء , ولما وضعته في الفرن , فتحت علبة المشمش المجفف وراحت تتذوق طعمه , فجأة سمعت جرس الباب يرن.
فتحت الباب , والرجل الذي كان منتظرا أمامه كان يحدّق في البحر الهائج , فأستدار نحوها , فأطلقت شهقة تعجب مخنوقة.
قال كارلوس:
" صباح الخير , يا صوفيا , أعدت لك سيارتك".
وفي تلك الأثناء , ظهرت روزا ستيل , ولما رأت سيارة صوفيا موقوفة في ممر المنزل قالت بدهشة:
" لكن , يا صوفيا , هذه سيارتك , أليس كذلك؟".
ظلّت صوفيا جامدة لا تتكلم , فأجاب كارلوس :
" نعم , هذه سيارتها ... هل أنت عمة صوفيا , يا سيدتي ؟".
" نعم , وأنت لا شك أحد أصدقائها الأسبانيين , صباح الخير , يا سيد......".
شدّت على يده ودعته يدخل.
" صوفيا , عزيزتي , أغلقي الباب , الريح قوية , هل بأمكاني أن آخذ سترتك يا سيد.....".
" أدعى كارلوس ولسينغهام".
" آه , أنت أنكليزي ! المعذرة , أعتقدت أنك......".
قاطعها كارلوس قائلا:
" أنا نصف أنكليزي , أفهم أن صوفيا لم تكلمك عني ؟".
" لا أتذكر ....... وتادي ... جدّ صوفيا ....... توفي في الأسبوع الماضي و...".
" نعم , قرأت الأعلان في الجريد , أنا آسف لهذه الفجعة , كنت أحب أن أتعرف عليه".
" صوفيا , هل ترافقين السيد ولسينغهام إلى الصالون , من فضلك ؟ سأحضر القهوة , لا تنسي أن تشعلي النار , فيدا صديقك باردتان".
وكالسحر , أطاعت صوفيا ببطء , وما أن أشعلت النار في المدفأة , حتى أنتصبت وقالت بصوت مبحوح ومنخفض:
" أين سيارتك؟".
" في المزرعة , سيرسلها هيلاريو بالباخرة , تصوّرت أنك ستكونين بحاجة ماسة إلى سيارتك , ولحسن حظي وجدت مكانا على متن الباخرة الآتية من بيلباو إلى ساوثهامتون وصلت صباح اليوم باكرا , وجئت من هناك لتوي".
" آه , كارلوس....... أنت من كنت بحاجة إليه أكثر من أي شيء آخر في هذه المرحلةالعصبية التي أمر بها , كنت تعيسة .... لأنني لم أعد أتوقع رؤيتك من جديد...".
أنحنى أمامها ونظر إليها مباشرة في عينيها وسألها:
" هل تحبينني يا صوفيا؟".
أحمرّت بعنف لكنها لم تشح ببصرها , وقالت ببساطة:
" نعم , طبعا أحبك".
أمسك وجهها بيديه الباردتين وراح يعانقها بحنان وحب , ظلت صوفيا لحظة من دون حركة.
ثم مدّت ذراعيها وراء عنقه وضمته إليها بكل قواها .
همست روزا ستيل وهي تدخل إلى الصالون لتجد إبنة أخيها بين أحضان هذا الرجل الغريب:
" آه , المعذرة ... لم أكن أعرف....".
عاد كارلوس إلى وعيه وأسرع في تناول الصينية من يد روزا وقال :
" أخشى أن يكون ما سأقوله لك مفاجأة كبيرة....... لكننا .... سنتزوج......".
" بالفعل , هذه مفاجأة غير منتظرة , هل.... تتعرفان بعضكما من زمان؟".
سألها كارلوس وبريق غريب في عينيه:
" منذ متى نعرف بعضنا , يا حبيبتي ؟ لو كان إدراكي سليما لكنّا تزوجنا قبل الآن!".
" آه.... أنها حقا مفاجأة جميلة.........!".
" كان بإمكاني أن أكلمك الكثير عن كارلوس , يا عمتي روزا , لكن ماذا كنت سأقوله؟.
حتى هذه الساعة , كنت أجهل حقيقة عواطفه ..... تماما مثل أدوارد وأنت؟".
رنّ جرس الهاتف فأسرعت روزا للرد عليه.
سألت صوفيا كارلوس:
" لماذا لم تكتب لي؟ ولا كلمة واحدة .....".
" بعد الذي حصل عند المزارع العجوز , أي بعد الحادث , خشيت أن تمزقيها من دون قراءتها".
" لكن , يا كارلوس , ما حصل ....... لم يكن يزعجني , لو لم تهرب في الحال , لكنت وعيت الأمر وفهمته".
" صحيح؟ ذهبت إلى مايوركا خائفا أن أكون قد دمّرت كل حظ لدي أتجاهك , ولما عدت إلى المزرعة , آملا أن أسوّي الموضوع , لم أجدك , أخبرتني لويزا عن البرقية وعن قلقك عليّ , كانت أكيدة أنك تحبيبنني قليلا".
صرخت صوفيا قائلة:
" قليلا ! أنها لا تعرف الجهد الكبير الذي بذلته كي أجعلها تجهل حقيقة حبي لك , كنت بالكاد أجرؤ على النظر إليك , خوفا من أن تعرف الحقيقة".
" كانت تعرف أنني كنت أريد أن أتزوجك , وإلا لما رضيت أن ترسل مربيتها إلى العطلة".
" إلى العطلة ؟ لكن......".
" أنا أخترعت قصة المستشفى , لم أجد حلا آخر كي أكون بقربك , وكي أحاول أحاول أن أقنعك أنني لست رجلا سيئا".

الشغاف
06-23-2011, 03:36 AM
" لكن خلال أقامتي في المزرعة , كنت تظهر برودة رهيبة أتجاهي.......".
جذبها نحوه وقال:
" أردت أن أجعلك واثقة مني .... هل تتذكرين ليلة وصولنا إلى المزرعة ؟".
" كدت أن تعانقني في السيارة , لولا وصول الرجال على بغالهم...".
" وحينئذ خطر ببالك أن أبناء عمي ليسوا سوى حجة بسيطة وأنني سآخذك , الله يعرف إلى أين؟".
" نعم.......".
" هذا ما فكرت به , وسئمت هذا الحكم الخاطىء , لذلك فضلت أن أتصنّع اللامبالاة , لكن لم يكن الأمر سهلا !".
وبعد زفرة سعادة , وضعت صوفيا رأسها على كتف كارلوس وقالت:
"أنسى كل هذه الأمور , أنا أشعر بثقة معك الآن".
ضمّته بذراعيها وظلا متعانقين إلى حين عودة العمة روزا.
وبينما كانوا يحتسون القهوة شرحت صوفيا عن زواج عمتها ومختلف مشاريعهم معها.
" ولماذا تبيعين كتب جدك؟".
نهض وراح ينظر بتأمل إلى الكتب المعروضة داخل المكتبة فأجابت:
" طبعا , أفضّل أن أحتفظ بها , لكن المكان والظروف لا يسمحان بذلك".
نظر إليها بحنان وقال:
" كل شيء ممكن , يا حبيبتي , يكفي أن تسأليني , سأضعه مع كتبي إلى أن نجد منزل أحلامنا".
وبسرعة صامتة , إنسحبت العمة روزا فأقتربت من كارلوس وضمته إليها , وبعد دقائق عديدة , همس قائلا:
" سنتزوج بأسرع وقت ممكن , هل تقبلين عرضي؟ لماذا الأنتظار ؟ يوجد هنا مكتب للزواج أليس كذلك ؟ كان عليّ أن أشتري بعض القمصان لأنني جئت بسرعة ونسيت معظم أمتعتي".
وبعد جولة في الأسواق , مرّا بالصدفة أمام مكتبة برامفيليد , فأقترح كارلوس على صوفيا الدخول.
دخلا المكتبة ونزلا إلى الطابق الأسفل , نظرت صوفيا إليه وهو ينقل نظره بين مختلف الكتب وتساءلت : هل سيتذكر حادثا قديما عمره 4 سنوات؟
قال أخيرا: لا , لا أرى شيئا يهمني".
ثم أقترب منها وأمسك كتفيها وسألها :
" قولي , يا صوفيا , يبدو لي , أننا لم نأت إلى هنا معا للمرة الأولى , أليس كذلك؟".
" أذن أنت تتذكر ؟".
" أعترف لك أنني أخذت وقتا طويلا كي أتذكر , هذا قديم جدا... ويوم ذهبت إلى نيرخا للبحث عنك , تذكرت أخيرا هذا المكان وما جرى , وفهمت أمورا كثيرة , كانت ما تزال لغزا عليّ ".
" لغز؟".
" نعم , التناقض الواضح بين عفويتك الواثقة في برشلونة وتصرّفك العدائي فيما بعد , في الواقع , أنت تصورتأنني ما أزال أتذكر , أليس كذلك؟".
" طبعا , ولما أرسلت أليّ سلة القرنفل والقصيدة , أعتقدت أن الأمور قد بدأت تنجلي , ذلك لأنني كنت أحلم بأننا سنلتقي يوما ".
أزاح الرباط عن شعرها وقال:
" أتذكّر أن شعرك كان منسدلا على كتفيك , ورأيت وجهك يحمر خجلا , وأنزعاجا ...... كنت رائعة......".
" لكنك نسيتني بعد أسبوع , من دون شك".
" ليس تماما , والحظ أراد أن أكون ما أزال حرا عندما ألتقينا في المرة الثانية".
وبعد أسبوعين سافرا إلى مايوركا حيث مكثا في مزرعة بعيدة يملكها أصدقاء لكارلوس , كانت الشمس حارة والجو خانقا داخل سيارة الأجرة , ومن حين وصولهما وقبل أن يرتبا أمتعتهما , أرتديا بزّة السباحة وذهبا ‘لى الشاطىء القريب.
وهكذا , بعد ساعات من زواجهما , كانت صوفيا ممددة على شاطىء رملي رائع , تتمتع بأنتعاش الحمام وحرارة الشمس , ومن حين إلى آخر كانت تفتح عينيها لتنظر إلى محبسها الذي لم تتعود عليه بعد , لم يكن محبسا عاديا بل خاتما ذهبيا مصنوعا على يد نحات فنان.
وقررا تناول العشاء في حانة صغيرة قرب المزرعة , قال كارلوس :
" لا شك أن الطعام هناك لذيذ رغم بساطة المكان".
وفي طريقها إلى المزرعة قال كارلوس:
" آمل أن يكون هناك بعض الطعام داخل الثلاجة , وإلا سأضطر للذهاب إلى سان لويس".
لكن لمّا وصلا إلى المزرعة وجدا بعض الشراب فصرخت صوفيا تقول:
" وجدت زيتونا ..... وخبزا .... وكوربتزو............".
" آه , يا لهذه الوليمة الفاخرة.....".
لم يسبق أن تخيّلت رحلة شهر العسل بهذا الهدوء , لا شقق فخمة , ولا أوركسترا فاخرة ولا فساتين طويلة وحلى فاخرة , أنما بزّة السباحة وكتب....".
وتذكّرت في الحال , لما رأت كارلوس في برشلونة وسط غفير من المدعوين , فسألها وإبتسامة على شفتيه :
" بماذا تفكرين , يا كنزي؟".
" بالحفلة المقيتة عند السيدة هاكنباكر ...... كنت أملّ حتى الموت .... ثم رأيتك ...... شعرت كأنني زهرة تتفتح في الشمس ".
" زهرة داخلها بعض الأشواك".
أنتفض واقفا ورأت في عينيه شغفا يلمع كالبرق , فقال لها :
" غابت الشمس , لندخل الآن ؟".
" كما تريد".
حملها بين ذراعيه كالريشة وقال:
" أقترح عليك حماما سريعا , ثم ..... قيلولة..... قبل أن يحين وقت العشاء".
حملها إلى الداخل وبطرف كتفه أغلق الباب وراءهما.

تمت

الشغاف
06-23-2011, 06:06 PM
156- أرجوحة المصير - آن ميثر - روايات عبير القديمة

الملخص



ماذا ينتظر جولي عندما تعود مع طفلتها ايما الى لندن بعد أن فقدت زوجها الذي قضت معه فترة طويلة في بلد استوائي ؟ أنه رجل أقل مايقال فيه انه يتسرب الى لخلايا فيغيرها كما يفعل النور بغابة كثيفة . حياتها الجديدة أشبه بقارب فقد شراعه بعد عاصفة .عبارة عن بحث مستمر عن الأمان لها ولطفلتها .ولكن ما يواجهها هو الماضي بمرارته المحطمة التي تشوه الملامح .وبدل أن ترى أحلامها تتحقق وحياتها تستقر في مسارها الجديد , تجد جرحا قديما يرفض ان يندمل . وروبرت , شقيق زوجها, يحرك بيديه ارجوحه مصيرها من جديد.

الشغاف
06-23-2011, 06:07 PM
1- على حافة الرحيل


بدا مطار لندن رتيب الحركة , كئيبا , وبعد أضواء كوالالمبور وتلونها والحياة المتدفقة فيها , أبنيته يغشاها رذاذ مطر خفيف , وبدا للمتأمل أنه يفتقد ذلك النمط الأستوائي الذي يطبع الحياة في كوالالمبور , حتى تلك النظرات المشتاقة المعذبة لمسافر عائد , بين زحمة الناس المندفعة للقاء أقارب وأصدقاء هم أنتظار , وبدا المكان باردا , غريبا , بمقدار ما بدت ماليزيا لستة أعوام خلت , هكذا تراءى لجولي وهي في أكتئاب , تضم كتفيها الهزيلتين تحت معطف ناعم ذي لون يحاكي لون رمال الشاطىء , كانت أشترته على نصيحة صديقتها باربرة لترتديه خلال رحلة العودة الى الوطن.
وها هي الآن ثانية في أنكلترا , وكان عليها أن تتقبل , بوسيلة أو بأخرى , حقيقة كون منزلها المتواضع في مدينة راتون لم يعد مأواها الذي كان , وأن تتكيف مع المستجدات والمتغيرات الطارئة كي لا يكون لها وقع أليم في نفس أيما.
كانت مضيفة الطيران جذابة تستحث المسافرين ليتقدموا نحو مراكز الجمارك وبوابات الخروج وهي تلوم لهم مبتسمة , مودعة , وتخص طفلة صغيرة , تمسكت بيد جولي , بألتفاتة لطيفة.
" وداعا أيما! ( قالت وهي تنحني أمامها لتمسك يدها..........)وشكرا لك , لمساعدتك أيانا في أثناء الرحلة , لست أدري ماذا كان في مقدورنا أن نفعل لو لم تكوني معنا في هذه الرحلة؟".
رفعت أيما عينين متسائلتين ناحية جولي , ونظراها في دوامة , ثم تحولت ثانية نحو المضيفة قائلة:
" أحقا ما تقولين؟ أظنني كنت , بحسب ما قالت لي والدتي , مصدر أزعاج أكثر مني مصدر مساعدة؟".
أتسعت عينا المضيفة:
" بل على العكس , ومن كان سيوزع كل تلك المجلات على المسافرين في الطائرة لو لم تكوني موجودة ؟".
تدخلت جولي , وملام أبتسامة عند طرفي شفتيها.
" كانت بادرة لطيفة منك أن تفسحي لها مجال مساعدتكم , فذلك ما خفف من وطأة مشقة السفر عليها".
أشارت المضيفة بحركة حبية تقلل من قدر أطراء جولي لها :
" لا بأس , سيدة بمبرتون , فقد سرنا وجودها".
" شكرا لك ثانية ( قالت جولي وهي تعض على شفتها , وألتفتت الى أيما ) ودّعي الآنسة حبيبتي , فنحن لن نلتقيها ثانية".
" وداعا , آنسة فوريست".
قالت أيما بنبرة مهذبة , ثم أنطلقتا وأبتسامة جولي , محيية , تنهي اللقاء.
كانت حقيبتاهما قد أخرجتا من دائرة الجمارك , وصودق على تأشيرة الدخول لهما , وبدا الجميع مهذبين ودودين حيال تلك السيدة الفتيّة التي ترافقها طفلتها ذات الخمس سنوات , فجأة أحست جولي بالبرد والقلق , وهي ترقب ذلك الحشد من الناس المنتظر بنفاد صبر , خارج قاعة الوصول , فضمت معطفها الى صدرها وأشاحت بنظرها بعيدا , كأنها تمنت لسبب ما لو تطول تلك اللحظة التي تسبق لقاءها وأهل زوجها مايكل ثانية , ولم تجلّ نظرها في جمهرة الناس ثانية ألا بعد أن أحست بيد أيما تشد على يدها وكلمات الطفلة تنطلق بحماسة :
" أين جدتي , هل يمكنك رؤيتها , أمي؟".
" لم ألمحها بعد , حبيبتي".
سألت أيما بأصرار :
" لكنك ذكرت أن جدتي ستكون في أنتظارنا , أليس كذلك ؟ أعتقد أنها في أنتظارنا بين الحشد الذي هناك , أليس كذلك؟".
أجابت جولي بتنهيدة:
" هذا ما أعتقده , عزيزتي , تعالي نستطلع أمر وصولها".
حملت جولي حقيبة في كل يد , رافضة أن تترك الأمر لحمّال , وأشارت على أيما أن تحمل حقيبة الكتف الصغيرة ثم خرجتا الى قاعة الأستقبال.
كانت لوسي بمبرتون وعدت بالحضور لأستقبالهما غير أنها لم تكن تلتزم مواعيدها دائما , ولم تفاجأ جولي أذ لم تر لها أثرا بعد في القاعة , كذلك , كان يمكن أن يبعث تخلفها بعد مضي ما يقارب ستة أعوام على لقائهما الأول ألما ومرارة في قلب جولي لو لم تكن الأشهر الثلاثة الأخيرة حفلت بأحداث تركتها مجدبة الأحاسيس حيال عدم قدومها لأستقبالهما.
وحدها أيما بوجهها المثقل خيبة أحست بعدم أطمئنان الى الأمر.
" أنها ليست هنا .... لماذا , أمي ؟ لم لم تحضر جدتي كما وعدت ؟".
مالت جولي ناحية الطفلة , مطرقة , ثم وضعت الحقيبتين أرضا .
" لا تحنقي , يا حبيبتي , غالب الأمر أن جدتك الآن في طريقها الى هنا , فزحمة السير على أشدها , ويبدو شبه مؤكد أن هذا ما جعلها تتأخر , أظنك تدركين هذا".
" نعم , أظن الأمر كذلك , ( ثم أستدركت بمنطق الطفل الذي لا يوارب ) .... ولكن لماذا لم تخرج باكرا لتتفادى التأخر؟".
هزت جولي رأسها دلالة تساؤل , وهي تنتصب ثانية .
" لست أدري , عزيزتي , ما رأيك لو ذهبنا ننتظر في المقهى ,هناك أقدم اليك كوبا من الحليب , نبقى ألى أن تأتي , كذلك يمكنني أن أتصل بها هاتفيا لأسأل عن أمرها".

الشغاف
06-23-2011, 06:07 PM
قالت أيما وفي وجهها عبوس:
" ألن تفوتنا في هذه الحال , رؤيتها ؟ أعني , أنها قد تصل ونحن في المطعم , فلا تجدنا؟".
تنهدت جولي ثانية :
" كلا , أنظري ( وأشارت بيدها الى نوافذ المطعم المطلة على القاعة ) نحن أذا جلسنا قرب الناذة فسيكون في أستطاعتنا رؤية أي شخص , سواء كان داخلا أو خارجا".
لم تقتنع أيما بهذا التبرير , وأحست جولي فجأة بتبرم , لم يكن كثيرا منها أن تطلب من لوسي ألا تتأخر في حضورها , هذه المرة فقط , أما أدركت هذه الأخيرة أن المرء يمكن أن يكون تعبا ,مرهقا وغير أهل لتقبل الخيبة بعد سفر طويل؟
أرتعدت لدى سماعها نبرة خشنة , وكادت تقفز من مكانها , ثم أستدارت مترددة لتواجه صاحب الصوت مع أدراكها سلفا هوية صاحبه , أحست أن أعصابها تكاد تنهار , أذ هي لم تكن أستعدت بعد لتواجه روبرت بمبرتون خصوصا أنها متعبة وقد أنهكها السفر , بعد سنوات طويلة من الفراق.
" مرحبا , ربوبرت , كيف حالك؟".
صافحها بيد لا عزم فيها ونظراته الموجعة المتفحصة سياط تضرب أنحاء جسمها , كانت لديه المقدرة دائما على أن يختصر وجودها بنظرة ثاقبة , ألا أنها , هذه المرة , حاولت أن تخفي أرتباكها وأن تقنع نفسها بأنها لم تعد تلك الفتاة الصغيرة التي عملت معه في مؤسسته , بل هي الآن أمرأة , تزوجت ثم ترملت , لها طفلة في الخامسة , ويجب عليها , بالتالي , ألا تفكر في كل ما كان قبلا.
ترك بروبرت يدها قائلا بنبرة باردة:
" أنا في خير , شكرا , كيف حالك أنت؟".
" في خير , في خير".
تأملها روبرت فترة غير قصيرة ظنت خلالها أنه على وشك أن يأتي على ذكر مايكل , لكنه لم يفعل , ثم جلس القرفصاء قبالة أيما , وبادرها :
" مرحبا , أيما , هل تتذكرينني؟".
حدقت فيه أيما مليا ثم أجابت بكلّا صريحة , وأردفت :
" ألا أنك تشب والدي الى حد ما , وأفترض أن تكون عمي روبرت ".
" أنا هو ( أجاب روبرت مبتسما , وذابت البرودة التي واجه بها جولي , في كنف سحر أيما ) ومن أخبرك أنني أشبه والدك؟".
" أمّي أخبرتني هذا ( ورفعت الطفلة نظرها نحو والدتها وسألتها) أليس كذلك؟".
أومأت جولي برأسها موافقة , بينما لم تفارق نظرات روبرت وجه الطفلة.
ترددت أيما قليلا ألا أنها أستدركت , وأنفها يختصر تكشيرة:
" لكن ,لماذا تأخرت في الحضور ؟ وأين هي جدتي ؟ لقد قالت لي أمي أنها ستأتي لأستقبالنا , أين هي؟".
أنتصب روبرت ثانية وهو ينظر حوله متوسلا وجود حمال ينقل الأمتعة , ثم عاد ينظر الى الطفلة.
" لم تستطع جدتك المجيء , أذ هي متوعكة".
فجأة بادرته جولي بنظرة سريعة , وقد وبختها نفسها لسوء تقديرها الأمور.
بدا روبرت واثق النفس معتادا أعطاء الأوامر , وأحست جولي بضيق بداخلها كونه سيتولى مسؤولية تدبير أمر وصولها والطفلة متفردا على عادته المتعجرفة من دون أن يستشيرها في شيء أو يقدم اليها أيضاحا , أو حتى أن يخبرها أين هي والدته , وما سبب توعكها.
" هيا بنا , نتوجه الى حيث أوقفت السيارة , وفي طريقنا الى المنزل يمكننا أن نكمل حديثنا".
دست أيما يدها في يد أمها تشد أنتباهها , وهمست:
" ما رأيك . هل ننطلق الآن؟".
كانت نبرة صوتها متفاوتة القوة فلم يستطع روبرت منع نفسه من سماع ما قالته.
أجابت جولي وهي تجهد بأبتسامة :
" أعتقد ذلك , هيا بنا , وفور وصولنا نستحم ونبدل ملابسنا , هذا , الى أنك تبدين تعبة يا سيدتي الصغيرة".
صعد روبرت الى جانبها خلف المقود وأدار محرك السيارة بعصبية ظاهرة , سنتيمترات قليلة كانت تفصل موضع ساقه عنها , فما كان منها ألا أن تنحت قليلا , وللحظة شعرت بدفق من الذكريات , كانت أعتقدت أنها نسيتها , لكن حقيقة الحال لم تكن كذلك , وساءلت نفسها : ( أليس أقرب الى الواقع القول أن الفكر يسدل ستارة من النسيان على الأشياء المراد نسيانها ؟ ومتى مزقت الستارة.....).
كان روبرت يجيد القيادة ,وبدت أنامله تعالج مقود السيارة بسهولة ومهارة , ونظر على الطريق أمامه , وما أن خف الأزدحام في الطريق حتى بادر روبرت قائلا:
" توجد علبة سكائر في الصندوق الصغير أمامك ,أذا ما رغبت في التدخين".
" نا درا ما أدخن ( أجابت جولي وهي تستعين بأيماءة من رأسها ثم أردفت ) أرجو ألا تكون حال والدتك الصحية خطيرة".
حدّجها روبرت بنظرة قبل أن يجيب:
" أصابها زكام لا أكثر".
بادرت أيما:
" الى أين تأخذنا ؟ عمي روبرت؟".
سؤال الطفلة هذا , كان ما يخالج ذهن جولي منذ اللحظة التي تركوا فيها المطار , ألا أن الكلام أستعصى عليها آنذاك.

الشغاف
06-23-2011, 06:08 PM
" نحن متوجهون صوب امدينة , عزيزتي ( أجاب روبرت ) فأنا أسكن هناك , في شقة , هل ترغبين في رؤيتها؟".
ألتفتت جولي بنظرة سريعة تسأله:
" أين هي والدتك؟".
للحظة , بدا وجه روبرت قاسي التعابير.
" لا تقلقي ,جولي , والدتي في أنتظارنا".
" لست قلقة ! ".
وملكت صوتها حدة لم تفلح في أخفائها , أذ هي كرهت الجو المتوتر الذي كان لا يكف عن أشاعته منذ ألتقاها , حتى أن أيما نفسها شعرت بهذا الجو , وهتفت بأنفعال :
" تقصد أن جدتي ستكون في أنتظارنا في الشقة؟".
" نعم , أنها مشتاقة الى رؤيتك ثانية".
بدت نبرة روبرت مختلفة تماما وهو يتحدث الى أيما , على رغم التصنع الذي شابها , أو هكذا ظنت جولي , في أي حال , وبعد كل ما كان بينهما , لم تكن تنتظر منه أستقبالا حارا , ألا أنها كانت تفضل الغضب عنوانا للقائهما على هذا التصنع الحضاري البارد الذي يبعث القشعريرة.
أستجمعت جولي شجاعتها , أذ كان عليها أن تعرف حقيقة الأمر وبادرته ثانية:
" أذن , والدتك تسكن معك؟".
هز روبرت رأسه نفيا:
" كلا , فهي تركت منزلها في ويتشموند كما تعلمين , وهي الآن تقطن شقة خاصة بها".
لم يكن في تصرف روبرت ما يشجع جولي على تقبل الوقائع في سهولة , هذا , الى أنه لم يأت على ذكر مايكل , وتساءلت جولي عن السبب , هل لأن حضور أيما يمنعه من ذلك ؟ أو أن هناك سببا آخر؟ غير أنه , في ظنها , مدرك أن في أستطاعتها وأبنتها الآن , بعد مضي ثلاثة أشهر على الحادثة , أن تتقبلا الأمر بواقعية , على رغم ما فيه من ألم وأسى , ولم يكن معقولا أن تتطرق جولي الى هذا الموضوع من تلقائها , ففضلت الصمت.
قطعت أيما الصمت المخيم:
" هل سيكون في أمكاني رؤية قصر باكينغهام من نافذة غرفتي؟".
ألتفتت جولي نحو أيما بنظرة لبست أبتسامة مهذبة ولفتتها قائلة :
" لندن ليست مثل راتون , عزيزتي , فالأبنية الشاهقة متراصة متجانبة الى درجة لا تسمح برؤية أشياء كثيرة ".
" وماذا نستطيع أن نرى أذن ؟ البحر , ربما؟".
أطرقت جولي للحظة ثم قالت:
" حتى البحر لن يكون في مدى الرؤية ( وأضافت بلهجة باردة ) أغلب الظن مزيد من الشقق والأبنية".
فجأة , تدخل روبرت قائلا:
" كفي عن دفع الطفلة الى النفور من المكان الذي ستنزل فيه , حتى قبل أن تراه( ثم أدار رأسه ناحية أيما موضحا ) في الواقع , يمكنك رؤية قصر باكينغهام من نافذة غرفتك".
توردت وجنتا جولي لكلامه , أما أيما فقفزت فرحة للخبر :
" هل هذا صحيح ؟ وهل الشقة مرتفعة الى هذا الحد؟".
" أنها شقة في ناطحة سحاب , أنها , في الواقع , في الطبقة الأخيرة من أحدى ناطحات السحاب".
" يا ألهي ( أنفجرت الكلمة من فم أيما لوقع كلامه , وأدفت ) كيف الصعود اليها ؟ هل هناك سلالم كثيرة حيث ندور وندور صعدا؟".
" بل هناك مصاعد".
أوضحت جولي وهي تحاول الحد من سخطها , ثم تبينت أن توضيحها هذا لأيما لم يكن كافيا , ألا أنها كانت تعبة , لكن , ألم يكن في أستطاعة روبرت أن يتولى هذه المهمة؟
وبالفعل , بادر روبرت , موجها كلامه الى ايما , متجاهلا وجود جولي:
" أنها مصاعد كهربائية , تضغطين زرا يحمل رقم الطبقة التي تقصدينها والمصعد يتكفل بالأمر".
ألا أن أيما سارعت تستفسر بمنطقها المجتهد:
" لكن , أذا كان المصعد متوقفا في أحدى الطبقات العليا وأنا في الطبقة الأرضية فكيف السبيل الى أستعماله؟".
أبتسم روبرت وهو يرمق جولي , غير أن هذه أشاحت بنظرها , أذ لم تستطع أن تستوعب فكرة أن روبرت سيحظى بحب الطفلة ما لم تكن هي متيقظة لهذا الأمر , قد يكون في سلوكها أنانية , غير أنه شيء لا تستطيع التسليم به , أقله ليس حاضرا! خصوصا بعد وفاة مايكل.
آه , لماذا كان عليه أن يموت ؟ ساءلت نفسها للمرة المليون , فعالمها كان يبدو جنة , آمنا , أما الآن فقد أنهار كل شيء , لم ينتبه روبرت لقلقها الطارىء هذا , ولا شعرت أيما به.
" سؤال وجيه ( أشار روبرت برد على تساؤل أيما ( حسنا , تضغطين زرا آخر والمصعد يتحرك أوتوماتيكيا الى الطبقة التي أنت فيها , والحال ذاتها في ما لو كنت في أحدى الطبقات العلوية والمصعد في الأسفل , علما أن في المبنى حيث شقتي ست مصاعد , ذلك أنه مبنى ضخم".
كان لشرحه هذا أنطباع قوي في ذهن أيما , ألا أنها أستدركت :
" ماذا يحدث في ما أذا طرأ عطل على المصعد ؟ أو أذا أنقطع التيار الكهربائي؟".
" هناك سلالم حديدية تستعمل في الحالات الطارئة , أنا , شخصيا , لا أكترث لأستعمال هذه السلالم , هل تفضلينها أنت؟ لا أظنك فاعلة , فهاتان الساقان الصغيرتان ستعجزان قبل أن تصلي".

الشغاف
06-23-2011, 06:09 PM
ضحكت أيما لملاحظته , أما جولي فجهدت في الألتفات اليها مبدية أهتماما لحديثهما رغما عنها.
كان روبرت قد وصل الى حي هادىء , ثم توجه الى باحة بناء ضخم عبارة عن مجمع شقق مفروزة , أوقف السيارة وعلى رغم المطر المتساقط أستطاعت جولي أن تتبين نوع المبنى الفخم , الباحة المصونة تزنر حدائق تحيط بالبناء ونوافير الماء في غير مكان فيها , والدرجات القليلة في مدخل البناء تقود الى باب زجاج متحرك دوار , ومن خلال زجاج الباب يستطيع حاجب أن يراقب الوافدين الى الداخل ,وما أن لمح سيارة روبرت حتى بادر يحييه بتهذيب فرد روبرت التحية بأشارة من يده فيما هو يترجل.
ما أن فتح روبرت صندوق السيارة ليخرج الحقائب حتى ترك الحاجب مكتبه وهرول في أتجاههم محييا :
" طاب يومك يا سيدي , هل أستطيع أن أساعدك؟".
هز روبرت رأسه نفيا فتساقطت قطرات من ماء المطر كانت علقت بشعره الكث.
" شكرا سأتدبر الأمر بنفسي , أنه يوم بائس , أليس كذلك؟".
" حقا أنه كذلك سيدي".
أجاب الحاجب نوريس وهو ينظر بحشرية الى جولي وأيما اللتين كانتا ترجلتا وقبعتا بجانب السيارة , وفي عيونهما ضياع وغربة.
قطع روبرت على نوريس أسترسال نظراته المتسائلة موضحا:
" أنها زوجة أخي وأبنتها ( ثم وضع الحقائب أرضا ليقفل باب الصندوق وأردف ) ستبقيان في ضيافتي لبضعة أيام , لقد وصلتا لتوهما من مالايا".
أتسعت حدقتا جولي أذ أدركت , على غير ما هو متوقع , أنهما ستمكثان في شقة روبرت ,غير أنها لم تستطع قول أي شيء في حضرة نوريس وأكتفت بالتحديق في عيني روبرت , أما هذا الأخير فبدا غير مبال لرد فعلها وحمل الحقائب وأشار اليهما ليتقدما نحو المدخل.
بدا المصعد ضيقا لوجود ثلاثة أشخاص فيه , أثنان منهم بالغان , أضافة الى حقائب السفر , كما بدا جوه متشنجا , وكان على جولي أن تقول شيئا , أي شيء :
" روبرت , لماذا علينا أن ننزل عندك؟".
في هذه الأثناء كان روبرت مسندا ظهره في أسترخاء الى حائط المصعد , والحقيبتان مثبتتان بين ساقيه المنفرجتين , فرد عليها قائلا:
"الان ؟ الآن جولي؟ ( ثم توجه بكلامه الى الطفلة ) حسنا , أيما , ما رأيك؟".
لم تنتبه أيما الى مغزى حوار الأثنين المتناقض , لصغر سنها , بل أفترت عن أبتسامة قائلة :
" هل يستغرق الوصول الى الطبقة العلوية الأخيرة طويلا؟".
" كلا , سنصل في ثوان قليلة , أنظري ..... أترين الضوء الأحمر المتنقل وراء هذه الأرقام ؟ أنه يشير الى الطبقة التي نحن في موازاتها ...... أترين؟ أما نحن , فألى الطبقة العليا , في القمة".
أزدادت فرجة حدقتي أيما.
" آه , نعم , أنظري أمي , نكاد نصل , يا ألهي , أحس بفراغ في معدتي".
حمل روبرت الحقائب , وأتجهوا نحو الباب الآخر , وما أن كادوا يصلون اليه حتى فتح وأطل منه رجل يرتدي بزة سوداء , في متوسط عمره , ذو شعر زنجبيلي يشوبه بعض من شيب , وشاربين بلون شعره.
بادر الرجل يستقبل روبرت بحرارة ووجهه المستدير يشع:
" أهلا , سيدي , سمعت صوت المصعد يتوقف فقلت للسيدة بمبرتون لا بد أن تكون أنت القادم , وقد صدق حدسي".
أبتسم روبرت أبتسامة خفيفة وقال:
" أنت أنسان كفؤ , خذ هذه الحقائب الى الداخل".
" نعم , سيدي".
تقدم الرجل يتسلم الحقائب فيما روبرت يرمق جولي والتردد في نظراته ثم أوضح قائلا:
" جولي , هذا هالبيرد أنه يلازمني أنّى ذهبت , أنه , أذا صح التعبير , رجل لمختلف الأعمال , وهو قادر على أن يتعاطى كل الأمور".
أفترت جولي عن أبتسامة جندت لها قسمات وجهها وحيّت الرجل :
" طاب يومك , هالبيرد".
" طاب يومك سيدتي , وأنت أيضا , آنستي ( وخص هالبيرد الطفلة بنظرة حنونة ) هل كانت رحلتكما مسلية؟ لا يبدو اليوم مثاليا لمثلها , أليس كذلك ؟ يوم بائس".
" بائس , حقا , ( وافقت جولي , أما أيما فبادرت الرجل بحشريتها المعهودة ) لماذا لم يغز الشيب شاربيك , كما هي حال شعرك؟".
" أيما!".
هتفت جولي مستنكرة سؤال طفلتها , وغرق كلا الرجلين في ضحكة مفرقعة .
حمل هالبيرد الحقيبتين وهو يرد على سؤال أيما:
" لست أدري , آنستي الصغيرة , يبدو أن الصقيع لم يصل بعد الى هذه البقعة".
" ماذا تعني ؟ ( سألته أيما عابسة , فتدخل روبرت ملاحظا):
" يمكنك مناقشة ميزات مظهر هالبير فيما بعد , أيما , تعالي الآن , فجدتك في أنتظارك".
وللحال لاحظت جولي بمرارة أن شوق الجدة الى رؤية حفيدتها لم يدفعها الى أن تأتي الى الباب لأستقبالها , ووبخت نفسها أذ لم يمض على وصولها أكثر من ساعة وها هي تفسح للواقع المستجد أن يؤثر عليها سلبا.

الشغاف
06-23-2011, 06:10 PM
دعاها روبرت للدخول وقد خفت حدة نبرته:
" تفضلي , جولي . ( ألا أن هذه أرتدّت الى الوراء وقالت بأصرار ):
" أنت دلنا على الطريق , فأنت سيد الدار".
قست نظرات روبرت وهو يحدق في عينيها الخضراوين , ومن دون أن ينبس بكلمة , أخذ بيد أيما وعبر من خلال الباب , تبعتهما جولي متباطئة , وكعبا حذائها يغرقان في وبر السجادة الناعمة التي تغطي أرض المدخل المفضي الى الصالون , محفورات خشبية كان روبرت أتى بها من بلدان مختلفة تثبت على الجدران تعلة جدرانيات رائعة , وفي زاوية طاولة من خشب الأرز عليها أناء من الجاد الصيني لا يثمن.
لم يتوقف روبرت في طريقه الى الصالون , ليفسح لهما المجال لخلع معطفيهما , وفتح الباب تاركا أيما تتقدمه , وتناهى الى جولي صوت حماتها الفرح لرؤية حفيدتها , ثم دخلت هي الأخرى الى الصالون الفسيح , كان شاسعا حقا , يمتد من أول الشقة الى آخرها , جدرانه صفائح من زجاج , وقبل أن تتمكن جولي من رؤية الاخل جيدا , وقع نظرها على المرأة المستلقية على كنبة قرب النافذة , تقبل أيما , وتبدي أعجابها بنموها السريع , ذلك أنها عرفتها طفلة تدب يوم رأتها أول مرة.
أنتبهت لوسي أخيرا الى وجود جولي , فمدت يدا تصافحها وهي تغمر أيما باليد الأخرى , وقالت:
" عفوك جولي , عزيزتي , لكن لقائي بأيما ثانية , أخذ مني البال ....... خصوصا بعد كل ما حدث".
أستجابت جولي للعاطفة الظاهرة في صوت لوسي وأنحنت نحوها تقبل خدها ثم تؤكد صدق عاطفتها:
" يطيب لي , أنا أيضا , أن ألقاك ثانية , لوسي".
ألا أنها لاحظت , متأخرة , أن لوسي لم تعبر عن بهجتها برؤيتها هي , لكنها لم تبد أمتعاضا , ثم جلست بقربها وشرعت تفك أزرار معطفها بعصبية.
بادرت لوسي قائلة :
" أعتذر عن عدم تمكني من الذهاب الى المطار لأستقبالكما , أذ أصر روبرت على أن أبقى في فراشي , بعد الزكام الشديد الذي أصابني ".
أجابت جولي , وكأن الأمر لم يضايقها أطلاقا:
" لا بأس , كيف حال صحتك الآن ؟".
" أفضل بكثير ( ونظرت لوسي الى روبرت الذي كانواقفا يشهد حوارهما وتقطيبة ترتسم على وجهه وسألته) هلا طلبت , عزيزي , من هالبيرد أن يأتينا ببعض الشاي ؟ أنني متأكدة أن جولي ترغب في فنجان دافىء , ما رأيك , عزيزتي؟".
أومأت جولي أيجابا وهي تتحاشى النظر الى روبرت كي لا تواجه نظراته النافذة :
" شكرا , فنجان شاي , نعم , هذا ما أرغب فيه".
" آه , هناك الكثير لنقوله ! ( هتفت لوسي وهي لا تزال تحضن الطفلة ) أما نت , أيما , فعلينا أن نتعارف جيدا , أليس كذلك؟".
كان هالبيرد , في هذه الأثناء , يضع الحقائب في غرفتي الضيفتين , فذهب روبرت في أثره ليطلب منه أحضار الشاي.
" هل تقطنين هنا جدتي؟".
سألت أيما وهي تبدي أعجابا بما حولها , أذ هي لم تكن تعودت ترفا كهذا في راتون , كانت الغرفة , على وسعها , مكتملة الأثاث , يغمرها الدفء ويسكنها الذوق , مما أثر في جولي نفسها رغما عنها , لذا فأن مسكنا كهذا كان أكثر من أن تستطيع طفلة أن تتوقعه , فبدت مأخوذة خصوصا بقمة المدفأة الأصطناعية التي أنتصبت في وسط الدار .
أجابت لوسي حفيدتها :
" كلا , عزيزتي , شقتي ليست بهذه العظمة , أنها تقع في شارع آخر بعيد , وستزورينها في مناسبة ثانية , أما الشقة هذه فهي مخصصة للمناسبات والدعوات والحفلات التي يكثر عمك روبرت من أقامتها , وطبيعي أن تكون بهذه العظمة وهذا المستوى ".
" للحفلات ؟ ( هتفت أيما ) أتقصدين أنه يقدم حفلات أستعراض ؟ ".
قهقهت لوسي عاليا , بينما أظهرت جولي تبرما , ذلك أن أحدا لم يوضح لها بعد حقيقة وجودهما في شقة روبرت بالذات.
أغلقت جولي الباب خلفها ومشت الى قرب النافذة , ونظرت عبر الستارة المسدلة نحو المدينة التي تتلألأ بالنور , وعلى رغم أن الشقة تقع في وسط المدينة فقد كان الهدوء يخيم على المكان الذي بدا صامتا , بعيدا , معزولا كمقصورة قبطان , حيث لا يستطيع المرء أن يتجاهل أحساسا مثيرا كونه يسكن مكانا فخما كهذا , ألا أن جولي أحست بكآبة تغمرها .
فوجئت بباب الصالون يغلق , فأستدارت لتجد روبرت بمبرتون .
تأمل هنيهة , فبدا الأرتباك في تعابيرها ,ثم تقدم نحو خزانة أمتلأت بأنواع المشروبات.
سألها:
" ماذا ترغبين أن تتناولي؟".
وشرع يسكب لنفسه فنجان شاي.
تنفست جولي عميقا محاولة في الوقت ذاته ألا تظهر ما يساورها من قلق.
" كوب من الحليب أذا سمحت".

الشغاف
06-23-2011, 06:11 PM
ملأ روبرت لها كوبا , وما أن أخذ طريقه اليها حتى ألتقت نظراتهما , فبادرته جولي:
" هل تنوي أطلاعي على سبب أقامتنا هنا؟".
تردد روبرت وهو يفرك راحتي كفيه , ثم سألها بصوت جاف:
" وهل من أهمية لهذا؟ ألا أنني أؤكد لك أن نواياي لا تشوبها الأنانية ".
" ماذا يفترض فيّ أن أفهم من هذا؟".
" ما أقوله لك حرفيا , فوالدتي غير قادرة على أستضافتكما في مسكنهما , وكونك أرملة مايكل , فمن الطبيعي أن تكوني هنا على الرحب والسعة ".
" لا تبدو مرحبا جدا".
ورشفت جولي من كوبها , تخفي أضطرابها .
بدرت من روبرت حركة من يده أوحت بعدم أكتراثه لقولها , وعلق قائلا:
" أذن , أنني أسف لذلك".
أنفجرت جولي صارخة:
" لست آسفا أطلاقا ( لكنها ندمت لقولها هذا , ثم أستطردت ) ما لا أستطيع فهمه لماذا كان على والدتك أن تعرض علينا في رسائلها أستضافتها لنا , والآن وقد أضحت وحيدة لم تعد مستعدة لأستقبالنا؟".
قال روبرت يسألها بصوت بارد:
" هل كنت توافقين على العودة لو علمت سلفا أنكما ستقيمان عندي؟".
زمت جولي شفتيها:
" كلا , طبعا".
" أذن , هذا كل ما في الأمر".
ومشى الى حيث أبريق الشاي ليسكب لنفسه فنجانا آخر , تنهدت جولي قبل أن تستأنف أستجوابه:
" أذن , لقد عدنا بناء على مزاعم خاطئة؟".
" كفي عن كلامك المأساوي هذا جولي , لقد كان من الواجب أن نستدعيك الى هنا , وتلك كانت الوسيلة الوحيدة".
أعترت جولي موجة من السخط , وقالت:
" لكن , لماذا كانت عودتي ضرورية ؟ فوالدتك لم ترغب قط في وجودي .... عندما كان مايكل لا يزال حيا , والآن وقد توفي مايكل , لست أرى سببا لأن تراني هنا ثانية".
رشف روبرت من فنجانه , ثم رفع نظره اليها وقال:
" ليس لدينا متسع من الوقت , فوالدتي تحضر نفسها لعشاء , أريدك أن تخبريني قبل حضورها حقيقة ما حدث".
" هل تعني مسألة وفاة مايكل؟".
" بالطبع".
أحنت جولي رأسها :
" وما الطبيعي في سؤالك ؟ فأنت لم تهتم كثيرا حتى الساعة".
غمغم روبرت بكلمات مبهمة قبل أن يرفع صوته قائلا:
ط لا أريد أن أضيّع وقتي معك بالجدل , أخبريني تفاصيل الحادثة , كان صعبا علي أن أبحث معك أمرا كهذا في حضور أيما , كذلك , فأن والدتي ستكون هي الأخرى شديدة التأثر حيال طرح موضوع كهذا في حضورها".
رفعت جولي نظرها تحدق فيه بغضب:
" أما أنا فلا يمكن أن أتأثر بهذا , في رأيك , كان..... كان مايكل زوجي , هذا كل شيء !".
تناول روبرت سيكارا من علبة موضوعة على طاولة صغيرة , أشعله بعصبية ظاهرة , تبينتها جولي في تقلص عضلات وجهه وفي تقطيبة فمه.
عاد يسألها وقد أعتدل في وقفته:
" ماذا تريدينني أن أقول , جولي؟ أتريدين أن تسمعي تفاهات وأحديث أسى ملفقة؟ لا أظنك تريدين هذا , فكلانا يعرف أن كلامي في الموضوع لن يعبر عن حقيقة مشاعري , غير أنني أحببت أخي , أيا يكن رأيك , وبالتالي أريد معرفة ظروف وفاته , هلا أخبرتني؟".
أدارت له ظهرها , أذ لم تعد تتمالك أن تنظر اليه وهو يتحدث في أمرلا يزال يسبب لها ألما.
ثم قالت بصوت لا حياة فيه:
"لقد ... قرأت تقرير الطبيب , لكنك لم تأت لتعوده".
" كلا , الواقع أنني نادم جدا لأنني لم أفعل".
قال هذا وبدا صوته متهدجا:
" حسنا , لست أدري ما الذي تبغي معرفته , فأنا لم أكن على علم بالنوبة الأولى التي أصابته , أذا كان هذا يهمك , وقد طلب مايكل من الطبيب ألا يفشي حقيقة وضعه الصحي الى أحد , يومها , ظننت أنه أزداد وزنا , فقد كان شرها حيال بعض أنواع المأكولات المشبعة بالتوابل . في أي حال , لم يكن مايكل يهتم لصحته , ألا أنه حين أصابته نوبة قلبية ثانية , ولم يمض وقت طويل على أصابته بالأولى , لم تكن لديه المناعة الكافية ليخرج حيا".
تهدج صوتها , وهي تجهد في ضبط أضطرابها , ومر في ذهنها شخص مايكل , فهو يوم وفاته كان لا يزال فتيا , أنسانا طبب القلب , ولم يكن يستحق الموت".
قطع روبرت حبل الصمت الذي خيم تلك الللحظة وقال:
" أذن , هذا ما حدث . ( صمت قليلا قبل أن يسألها) هل عانى ألما كبيرا؟ أعني , قبيل وفاته؟".
أومأت جولي برأسها نفيا:
" كلا , فالأدوية التي أعطوه أياها أبقته تقريبا في حال مستمرة من الغيبوبة".
" أنت تدركين , لو علمت بحاله , لكنت ذهبت لرؤيته ...... لو أني تصورت فقط...".
" لم يسمح لي بأن أرسل في طلب أحد , لا أدري سببا لذلك , ألا أنني لم أستطع أن أخالف رغباته".

الشغاف
06-23-2011, 06:11 PM
" لو لم أكن مسافرا خارج أنكلترا حين وصلنا نبأ وفاته , لكنت حضرت مأتمه , ثم أن مراسم الدفن تمت بسرعة أكبر على عكس ما كان سيحصل لو هي أجريت هنا".
" نعم ( قالت جولي وأنهت شرب كوبها ثم أبتعدت عن النافذة , بعيدا عنه , وأردفت ) هل هذا كل ما أردت معرفته؟".
أستدار في مكانه وبدا متجهما لعدم الجدية في سؤالها:
" أتراك غير مبالة بالأمر؟".
" غير مبالية! ( هتفت صارخة وقد وضعت يدا حول عنقها , وأكملت مدافعة ) يا ألهي! أوتظن أيضا أنني غير مبالية؟".
" ألست كذلك ؟ أذ أنني لا أرى دموعا في عينيك الخضراوين!".
كادت تختنق:
" ما تقوله غباء !".
" لماذا؟ هل أنا مخطىء ؟ هل أنك حقا أمرأة مفجوعة؟".
حدقت فيه جولي طويلا والغضب يشد من عزيمتها المتهالكة , ثم سألته:
" كيف تجرؤ على أن توجه الي كلاما كهذا؟ لم أطلب من أحد أن يأتي بي الى هنا , كذلك لم أستجد عائلة بمبرتون النافذة أن تتدبر أمري , لا أريد منكم أي ألتفاتة , خصوصا منك!".
أمتقع وجه روبرت وبدا واجما:
" ما تقولينه صحيح , جولي كما أنه يدلل عن جوهرك , وعن حقيقة كونك أنسانة حقيرة!".
خطت جولي نحوه تريد أن تصفعه لتبعثر شرارات القسوة من وجهه , مرة واحدة والى الأبد , ألا أنها ما كادت تهم بذلك حتى فتح الباب وظهرت عند عتبته لوسي بمبرتون.
بادرت لوسي قائلة , أذ فوجئت برؤيتهما وحيدين :
" مرحبا , أراك لا تزال هنا , روبرت؟ ( وأردفت وقد ألبست صوتها نبرة توبيخ ) ظننت أنك مرتبط بموعد في تمام السابعة والنصف , لقد فاتك الموعد , كما تعلم".
أطفأ روبرت عقب سيكاره وألقاه بلا أكتراث في المنفضة , ثم أجاب والدته بثقته التي لا تفارقه:
" لست في عجلة من أمري , أمي".
عادت نبرة التوبيخ في صوتها:
" لا أظن أن باميلا توافقك رأيك هذا , عزيزي ( ورمقت جولي بأستخفاف قبل أن تستطرد في القول) لا بد أن تتعرفي الى باميلا , جولي , باميلا هيلنغدون , لا بد أنك سمعت بهذه العائلة , باميلا وروبرت سيتزوجان في الربيع".
حاولت جولي ألا تظهر أهتماما للأمر , وسألت تترجم أحساسها:
" أحقا ما تقولين ؟ ألا أنني أشك في فرصة لقائي أياها , أذ كل منا تتحرك في فلك مختلف".
في هذه اللحظة , كان روبرت يهم بالخروج من الغرفة , فأستدار فجأة لسماعه كلام جولي , وحدجها بعينين قاسيتين , ثم بادرها:
" لا أفهم ماذا تقصدين بكلامك , جولي؟".
قاطعته لوسي وقد ذهلت هي الأخرى , فيما رمق روبرت جولي بنظرة قاسية , لم تستطع هذه أن تتبين مغزاها:
" آمل في ألا تكون بيننا علاقة سلبية يا جولي".
ثم أكمل روبرت قائلا:
" ماذا أردت في الحقيقة أن تقولي؟".
تخصبت وجنتا جولي على رغم محاولتها البقاء هادئة , وأجابت بتصميم:
" ما أقوله واضح بالتأكيد.. فأنا لا يمكنني البقاء هنا , وفي أيام قليلة مقبلة , أعتزم البحث عن عمل , ومكان آخر أعيش فيه مع أبنتي".
" ماذا ؟ ( صرخت لوسي وهي تضع يدا مرتعشة على صدرها , ثم تداعت على مقعد قريب منها ) آه , جولي , ليس معقولا أن تكوني جادة في ما تقولين!".
تدخل روبرت يحسم الأمر:
" ليس مهما ما تقول , فهي ليست على أطلاع بعد على ما أستجد من أمور".
" أي مستجدات هذه؟".
سألت جولي وهي تعصر أناملها بقوة.
رفعت لوسينظرها نحو أبنها تستطلعه:
"ألم تخبرها بعد؟".
" لم تسنح لي الفرصة لأفعل".
أجابها وأصابع يده تتوغل في شعره , عندما يكون مضطربا كما هي حاله الآن , يتماثل الى مخيلتها آخر لقاء لهما قبل سفره الى فنزويللا.
وتساءلت الى متى تستطيع ساقاها أن تتحملاها , وعادت تسأله:
" هلا أخبرتني بما علي معرفته؟ هل هناك سبب يمنعني من القيام بعمل ما أرغب فيه؟ ( فجأة , رفعت نظرها نحوه , وعيناها ترقبانه) لأنه أذا كان هناك شيء من هذا القبيل , فسأرفضه بكل ما أوتيت من قوة".
تدخلت لوسي قائلة:
" جولي , أرجوك ألا تعقدي الأمور ! فنحن , فقط , نبغي عمل ما هو في مصلحتك ومصلحة أيما".
أزاح روبرت كم قميصه ليتبين الوقت في الساعة الذهبية في معصمه مما زاد في توتر أعصاب جولي وتشنجها , فهتفت:
" لا أريد أن تتأخر عن موعدك بسببي , قل لي , فقط , ما عليك أن تخبريه به , بعدها أرجو أن ترافقك السلامة!".
بدت عينا روبرت مليئتين بالصقيع , وأدركت جولي لو أنهما كانت وحيدين , لكانت أشياء كثيرة قيلت بينهما يمكن أن يندما لقولها لاحقا.

الشغاف
06-23-2011, 06:12 PM
قطع روبرت لحظة الصمت الذي خيم , قائلا:
" أخي مايكل ترك وصية".
" أعلم ذلك , لقد ترك حصته في الشركة للعائلة , ما همني هذا , فلست في حاجة الى شيء".
" هراء!".
أجابها روبرت وبدا للحظة فاقد الصبر , ثم أبتعد ليسكب لنفسه فنجانا آخر من القهوة , رشف منها بينما والدته تبدي أمتعاضها من هذا الجو المشحون ,وسألت:
" ألا يمكننا أن نتحاور برباطة جأش؟".
" حسنا , سأحاول ألا أطيل , مايكل ترك حصته في الشركة لتحفظ حتى بلوع أيما الواحدة والعشرين , والى أن يحين ذلك سأكون.... حاضنها الشرعي".
" مستحيل!".
" بل هي الحقيقة ( أجابها روبرت غير متأثر , وأردف ) لا لزوم لأن أشير عليك بعدم مقاومة الأمر الواقع!".
أغمضت عينيها , وأحست أنه سيغمة عليها , وسمعت لوسي تصرخ:
" بحق السماء , روبرت , يكاد يغمى عليها!".
وأذا بيدين قويتين , لم تستطع التملص منهما , أجلستاها بثبات في المقعد , أرخت رأسها على ظهر المقعد الطري , وقد تضاءل أحساسها بالأغماء , فتحت عينيها ثانية لتجد روبرت يهم بمناولتها كوبا يحوي سائلا أصفر يميل الى الأحمرار.
" أشربي هذا , سيجعلك تشعرين بتحسن".
" لا شيء يمكن أن يشعرني بتحسن , أبعده عني!".
" لا تكوني حمقاء!".
قالت لوسي وهي منفعلة:
" عليك الآن أن تذهب , روبرت , أستطيع أن أتدبر هذه المسألة بنفسي".
" هل أنت متأكدة؟".
" بالطبع , علينا أن نفهم جولي حقيقة وضعها الآن بأعتبارها أرملة مايكل.....".
قاطعتها جولي ساخطة وهي تنهض من مكانها:
" كفي عن التكلم علي وكأنني لست هنا".
حدق فيها روبرت وقسمات وجهه الباردة على حالها وقال:
" أذن , هل أنت مستعدة لنبحث الأمر منطقيا ؟".
" منطقيا؟ منطقيا؟ وأي منطق هذا , أيما طفلتي.......".
قاطعها روبرت:
" لكن حضانتها مسؤوليتي".
هزت جولي رأسها في أنكسار , متسائلة:
" لماذا فعل مايكل أمر كهذا؟".
بدا التبرم في صوت لوسي , وقالت:
" لا تكوني عاطفية كنساء الشرق , لقد أدرك مايكل أنه في حال حدوث أي شيء له , فليس من شخص آخر كأخيه أهل لتربية الطفلة".
أعترضت جولي موضحة:
" لكنني أمها!".
أردفت لوسي بصوت يشبه الأزدراء:
" نعم , لكن ماذا في أمكانك أن تقدمي أليها من دوننا ؟ هذا , الى أنك لم تملكي شيئ في حياتك! ".
قاطعتها جولي ثانية وقد أمسكت بطرف المقعد:
" ليس المال هو كل شيء!".
"لم أذكر في كلامي كلمة مال".
" لكن , هذا ما عنيت , أليس كذلك؟".
" هناك أشياء أخرى يفترض توافرها.......".
سألتها جولي وهي تحبس أنفاسها:
" ماذا تقصدين؟".
صرخ روبرت وراحته على مؤخرة عنقه يتحسس بها خصلات شعره :
" أوه , بحق السماء , نكف عن هذا النقاش! لا يهم السبب الذي أوجب مايكل أن يفعل ما فعل , فالقرار أتخذ , وعلينا أن نعمل عل تحقيق رغبته بكل ما أوتينا من حسن نية".
كانت رائحة ماء الزهر , في الكوب في يدها , كافية لتستعيد وعيها , فوضعت الكوب بقوة على طاولة قريبة منها وأنتصبت بجهد ثم قالت:
" لن أشارك في تحقيق هذه الرغبة : ( صمتت قليلا قبل أن تقول ) أعتقد أن هذا هو السبب الذي دفهكما الى الطلب مني , في رسائلكما , لأحضر , أليس كذلك؟ ( ثم تجهت بكلامها الى لوسي ) كما أنك أنت كنت تعرفين أنني سأرفض العودة في ما لو عرفت حقيقة الأمر".
تنهد روبرت عميقا.
" قد يكون ما تقولينه صحيحا , ألا أن والدتي رغبت في أن تهوّن الأمر عليك , هذا , الى أن الوصية تبقى قانونية وملزمة لك أيا تكن الظروف وبغض النظر عن قبولك أو رفضك".
بلعت جولي ريقها ثم قالت:
" يحق لي الأعتراض عليها".
" يمكنك ذلك ( أجاب روبرت موضحا أن أخاه شملها في وصيته برعاية مماثلة من قبله هو , وأضاف) لا أظن أن هناك محاميا يقبل أن يتبنى دعواك ( ثم سألها والقسوة في قسمات وجهه ) كيف يمكنك الأعتراض؟".
ألتفتت جولي نحوه ببطء:
" لا بد من وجود وسائل لذلك ( وأضافت في أرتباك ظاهر ) لا يمكنكما أن تجبراني على أن أعيش هنا".
" لا بأس , في أستطاعتك العيش أينما يحلو لك , لكن , لكي تستطيعي البقاء مع أيما , عليك , القبول بما أرتأيه في الموضوع".
سألته بصوت مكسور:
" وما الذي ترتأيه؟".
" أن تبقي هنا الى حين يتم ترميم المنزل الذي أشتريته , حيث يمكنك أن تعيشي مع أيما , أضافة الى مربية ستقوم بتعليم أيما".
سألته جولي بصوت تملأه الدهشة:
" أتريد أن تقول أنك أشتريت منزلا وعهدت الى مربية بتعليم أيما , ظنا منك أنني سأوافق مسبقا على هذا؟".

الشغاف
06-23-2011, 06:13 PM
" بناء على وصية مايكل".
" ألا أنك ستتزوج قريبا , فكيف..... كيف سيكون في أستطاعتك تولي حضانة أيما؟".
" الى أن يحين ذلك , أنا مصمم على تمضية نهاية كل أسبوع معها , ثم , بعد أن أتزوج , لا بد أن تكون هناك بعض الترتيبات الأخرى , هوني عليك يا جولي فأيما لن تكون ألا طفلتك , كما أنني رجلواقعي".
صرخت جولي غاضبة:
" أنها طفلتي حين تقرر أنت هذا؟ أهذه هي حقيقة الأمر؟ ثم ماذا, أذا لم تحبّذ خطيبتك ........ تلك المدعوة باميلا هذه الفكرة؟".
أوضحت لوسي قائلة وقد ظهرت على وجهها علامات الرضا:
" باميلا على علم بألتزام روبرت ( وأضافت ) في الحقيقة , لا أزن أنك بتصرفك هذا تظهرين أمتنانا أبدا , الى درجة يظن المرء أن روبرت سيخطف أبنتك ويمنعها عنك , الواقع أن روبرت أنسان كريم جدا".
هزت جولي رأسها أستسلاما , وبدت عاجزة عن مواجهة هدوئهما المجرد من كل عاطفة , وغلف قلبها يأس رهيب , كانت مكبلة , يدين وقدمين , ومايكل هو المسؤول عن كل هذا.
لماذا كان عليه أن يتصرف هكذا؟ أذ هو الوحيد بين الناس جميعا الذي كان يعرف ولا بد , أنها لا تستطيع تحمل فكرة رعاية روبرت ومسؤوليته عنها.
فجأة رن جرس الهاتف , صوته الرنان أخذ يدوي في الهدأة التي خّيمت على الغرفة تلك اللحظة , تردد روبرت لحظة , ثم خف الى الهاتف ورفع السماعة .
بادر بصوت أجش:
" نعم؟ ( ثم أنفرجت قسمات وجهه ) آه , مرحبا , باميلا , نعم , نعم , أعرف ذلك .... أنا آسف , شيء أستجد , لقد وصلا , نعم , أعرف.... أدرك ذلك ...سأحضر بعد قليل".
أشاحت جولي بوجهها , وأذا بهالبيرد يدخل الغرفة قادما من جهة المطبخ , يضع أزارا يغطي بنطاله الأسود حتى خصره , أنتبه الى أن روبرت كان يتكلم بالهاتف فتقدم نحو لوسي قائلا:
" العشاء جاهز , سيدتي , هل أبدأ بأحضاره؟".
نهضت لوسي من مقعدها:
" شكرا , هالبيرد , سنحضر الى غرفة الطعام في خمس دقائق".
" حسنا , سيدتي".
وأنسحب هالبيرد , ألتفتت لوسي نحو جولي وبادرتها بصوت هادىء:
" لا بد أنك أستنتجت أن روبرت سيتناول عشاءه خارجا , أرجو أن نستطيع كلتانا تناول العشاء معا في غياب جدل مأساوي".
حدقت فيها جولي وسألتها بحدة:
" هذا هو مرادك , أليس كذلك؟ ( وأضافت ) لم ترغبي قط في أن أتزوج ......مايكل , وها أنت الآن عازمة على التحكم بحياة أيما , أيضا".
أسرعت لوسي ترد عليها وقد أختفت ملامح التسامح من وجهها :
" أنني مصممة بمقدار ما كان تصميمك على الأنتساب الى هذه العائلة , حين لم تتمكني من الحصول على روبرت رميت شباكك على مايكل".
شهقت جولي دلالة أشمئزاز لكلامها ألا أنها لم تنبس بكلمة بل مرت من أمام حماتها وفتحت الباب , وخرجت.
تأملت يديها , كانت راحتاها تنضحا , وجبهتها تتصبب , أمر واحد لا يمكن أن تتصوره الآن , وهو الجلوس مع لوسي بمبرتون الى طاولة واحدة , فكّت سحّاب ثوبها , وأذ هي تهم في خلعه لتأخذ حماما , أذا بباب الغرفة ينشق ويظهر روبرت عند عتبته يحدّق فيها غاضبا.
بادرها بصوت لا يخلو من حدة:
" بحق الجحيم , ماذا تظنين أنك فاعلة؟ أن هالبيرد ينتظر ليقدم طعام العشاء , وأنا مضطر الى الذهاب".
تشبثت جولي بأطراف ثوبها ترفعه وقد أدركت أنه لم يستطع أ يراها , وأجابت:
" أنني لا أعيق أحدا , فلتتناول والدتك عشاءها , أما أنا فلست جائعة البتة".
" بحق الله , جولي , كوني عاقلة! أنني أحاول أن أكون صبورا , أسألك , الآن ..... لكنني لا أطلب منك , أو آمرك , بل أسألك أن تذهبي وتتناولي العشاء مع والدتي , كذلك حاولي أن تتصرفي كأن شيئا لم يكن".
" لا أظنك جادا في ما تقول!".
" لكن ألا ترين أنه لم يكن ليحدث كل هذا , لو أنك كنت مستعدة لقبول...".
" مساعدتك , أليس كذلك, روبرت؟ ( وشمخت برأسها ) كلا , شكرا , لا يمكنني أن أقبل مساعدتك".
" أذن , ماذا في نيتك أن تفعلي؟ ( دلف الى الغرفة وأغلق بابها نصف أغلاق , ثم بدا كأنه فكر ثانية في ما فعل فأعاد فتح الباب ثانية .
ثبتت جولي في وجه محاولته هذه , أذ لن تسمح له بأن يسيطر عليها , يجب ألا تسمح بهذا , وأخيرا , قالت له:
" أنا ........لم أقرر بعد , ربما سأضطر الى التسليم بمخططاتك في ما خص موضوع أيما , ألا أنني لست في وارد الأعتماد عليك مستقبلا".
" ماذا ستفعلين أذن؟".
" سأبحث عن عمل , فوجودي في المنزل معظم النهار أو جزءا منه على الأقل , لن يكون بذي فائدة , أذا ما جئت بخادمة لأيما , ماذا تنتظر مني أن أفعل غير هذا , والحال هذه , روبرت؟ أتنتظر مني أن أبقى معظم الوقت أقلّم أظافري؟".
" أنتظر منك أن تتصرفي كما يجدر بأرملة مايكل أن تتصرف .......بأحترام ولباقة , ( كانت نظرات روبرت اليها تنهكها , وأضاف) , ماذا فعلت طوال هذه السنين في مالاي؟ كيف كنت تملأين أوقات فراغك؟".
" كانت أوضاعي تختلف عما هي الآن , كان لي منزل , زوج وعائلة أهتم بهما".
وأستدارت الى ناحية أخرى , أذ لم تعد تستطيع تحمل نفاذ نظراته الحادة تلك , فكفت بذلك , من دون أن تنتبه , عن مؤخرة عنقها وقسم من ظهرها فبانت بشرتها الشديدة البياض.
تمتم روبرت بصوت أجش قائلا:
" لا تزال لديك عائلة( وأستطرد بصوت واضح) بالله , يا جولي , لم أنت نحيلة الى هذا الحد؟ كم مضى عليك من دون أن تتناولي وجبة كاملة؟".
فأستدارت بعنف تواجهه قائلة:
" أرجوك أن تخرج وتتركني لوحدي , فأنا متعبة , أود أن آوي الى سريري".
" جولي......".
ولم يكمل جملته , أذ شعر بحركة خلفهما , ولمحت جولي حماتها تقف عند الباب خلف روبرت.
هتفت لوسي مستوضحة :
" روبرت! أراك لا تزال هنا؟ كنت أعتقدت أنك خرجت , وقد أتيت لأرى ........ ما الذي يؤخّر جولي , ( وعقد لسانها لحظة رأت جولي , هتفت مستهجنة مشككة ) , بحق السماء , ماذا يجري هنا؟".
" لا شيء! ( أجابت جولي تحسم تساؤلها , ولم تعد تستطيع تحمل هذا الوضع أكثر , فأضافت) هلا ذهبتما ؟ لست جائعة , فضلا عن أنني مرهقة وأريد أن أبقى لوحدي".
أستدار روبرت مرتكزا على كعب حذائه , وخرج وهو يقول:
" أنا ذاهب الآن , طاب مساؤكما".
ردت والدته وهي تواكبه بنظراتها الى مدخل الشقة:
" طاب مساؤك عزيزي ,( وما أن سمعت صوت أغلاق الباب الرئيسي حتى أستدارت نحو جولي تسألها ) هل أفهم من هذا أنك لا تودين مشاركتي في العشاء؟".
" بالضبط . ( أجابت جولي وتبرّم طارىء يعتريها , وأضافت( هل كثير أن ينشد المرء راحة مع نفسه؟".
هزت لوسي كتفيها دلالة عدم أكتراثها للأمر , وقالت:
" كلا , طبعا , لكن لا تعتقدي أنني غبية , جولي!".
حدقت فيها هذه تسألها:
" ماذا تقصدين؟".
أنحدرت نظرات لوسي على جولي بقحّة و ثم قالت بصوت جاف:
" هل هناك لزوم لأوضح أكثر ؟ تعرضين نفسك لروبرت وأنت في هذه الحال؟".
ردت جولي بما يشبه الحشرجة , منكرة أتهام لوسي لها:
" لم أكن أعرض نفسي أمتاعا لنظرات روبرت ! لقد دخل علي من دون أستئذان".
بدت لوسي غير مقتنعة وقالت:
" لا أصدق ما تقولينه , فأبني يعرف كيف يتصرف بطريقة أفضل أذهو لا يدخل غرفة أمرأة من دون أستئذان ".
مدت جولي يدا متعب متوسلة لوسي أن تخرج :
" أذهبي عني ( وأصرت على رجائها لها) أرجوك".
ترددت لوسي لحظة قبل أن تطأطىء رأسها وتبتعد الى خارج الغرفة من دون أن تتفوه بكلمة.
هرولت جولي الى الباب توصده بقوة , ثم أسندت أليه ظهرها , وساقاها ترتجفان , رجت اله في ذهنها متسائلة ( الى متى أستطيع أن أتحمل كل هذا؟).

الشغاف
06-23-2011, 06:15 PM
2- بحثا عن الأمان


أستيقظت جولي صبيحة اليوم التالي لتجد أيما تتقافز على حافة سريرها , فتحت عينيها بتردد , وفي داخلها أحساس بشر مستطير , وعاودتها أحداث الليلة الفائتة , فخبأت رأسها تحت ملاءة السرير , وتمنت أن تبقى على هذه الحال أطول مدة ممكنة .
جاهدت جولي لتجلس في فراشها , وبادرت تسأل أبنتها وهي تحاول أن تطال ساعة يدها التي على طاولة صغيرة قرب سريرها :
" كم الساعة الآن ؟ ( ولما أدركت الوقت هتفت ) لقد تخطت الساعة العاشرة , لم لم توقظيني قبل الآن؟".
" جدتي قالت أنك كنت مرهقة , كذلك قال عمي أنك ستكونين في حال أفضل أذا ما شبعت نوما".
" أتقصدين أنهما صحوا؟".
" نعم , ألا أن جدتي لا تزال في ثياب النوم , لقد تناولت أفطاري معها , في غرفتها , ثم أتى عمي روبرت وسألني عما أرغب في أرتدائه عادة".
" حسنا ( تناولت جولي الرداء المنزلي ,ثم أستطردت تسأل أبنتها ) هل غسلت وجهك ونظّفت أسنانك؟".
" نعم , عمي روبرت دلّني الى كل ما أحتاج اليه , كذلك ساعدني ذلك الرجل ......هالبيرد".
" السيد هالبيرد , حبيبتي".
رفعت أيما كتفيها غير مبالية:
" حسنا , كائنا من كان , لقد أخرج ثيابي وأشيائي الأخرى من حقيبة السفر ووضعها كلها في أدراج خزانتي ( وأبتسمت قبل أن تضيف ) قال لي أنني أبدو أكبر سنا مما أنا في الحقيقة".
أطرقت جوليقليلا قبل أن تسألها:
" هل قال هذا فعلا؟".
" هالبيرد.... السيد هالبيرد , قال هذا".
" حسنا , ألا أنني كنت أتمنى لو أنك أيقظتني باكرا , أين هما الآن؟".
" جدتي ترتدي ثيابها , وعمي روبرت خرج ليحضر السيارة من المرآب , أذ أننا خارجون".
" من ذا الذي سيخرج؟".
" عمي روبرت وأنا".
أجابت الطفلة متلعثمة بينما بقيت مسحة من الرضا في عينيها , وأضافت :
" نحن ذاهبان لمشاهدة المنزل الجديد".
حدقت فيها جولي بتمعّن قبل أن تقول:
" هل أنت متأكدة أن عمك قال أنه سيأخذك معه؟".
أجابت الطفلة بعد أن قفزت عن السرير بحنق :
" متأكدة تماما كذلك قال أنه سيريني قصر باكينغهام".
دخلت جولي غرفة الحمام وفتحت الدش ,وضعت قبعة عازلة من النايلون تغطي شعرها لتقيه البلل , ثم خلعت رداءها وقميص النوم وخطت الى تحت الدش.
بعد أن أنتهت من حمامها خرجت تلف نفسها بمنشفة , ثم شرعت في أرتداء ملابسها .
سألت أيما تستوضحها بصوت أرادت أن يبدو عادي النبرة:
" متى ستخرجان؟".
" بعد قليل , عندما تصبحين جاهزة على ما أعتقد".
" أنا؟ ( هتفت جولي وهي تستدير على نفسها ) وما الغرض في مرافقتكما؟".
" حسنا , أنت أيضا ذاهبة معنا ,أليس كذلك؟".
وبدت الطفلة في حيرة .
أطرقت جولي قليلا:
" هل قال عمك روبرت أنني ذاهبة معكما؟".
حاولت الطفلة أن تستجمع فكرها للحظة ثم قالت:
" سألني أن آتي لأوقظك وأسألك أن كنت راغبة في فنجان قهوة ".
" هل طلب منك هذا فعلا ؟ ( تأملت جولي أبنتها بنظرة مستسلمة ثم أضافت ) وهل فعلت ما طلبه منك؟".
" ماذا؟".
" أن تسألينني أن كنت راغبة في فنجان قهوة؟".
لوت أيما رأسها أقرارا وأجابت:
" لقد سها عن بالي".
" حسنا , نعم , أرغب في فنجان , أذهبي الآن ولا تعودي ثانية , سأكون في أثرك حالما أرتدي ثيابي".
أرخت أيما شفتيها مستسلمة لمشيئة والدتها.
لم تترك غرفتها ألا بعدما رضيت عن مظهرها ,وسارت بعزم في الممر المفضي الى غرفة الجلوس.
أستجمعت قواها , ودفعت دفتي باب غرفة الجلوس , ودخلت , ثم أغلقت الباب خلفها , وخلافا لليلة الفائتة لم تكن الغرفة خالية , كانت أيما وجدتها جالستين على كنبة خفيضة قرب النافذة , تتأملان صورة كتاب كانت لوسي تقرأ فيه قصة , فيما أنهمك هالبيرد بتنظيف رفوف المكتبة التي غطّاها الغبار , ألتفت نحوها حين دخلت , وبادرها بأبتسامة تعوض تجاهل لوسي المتعمد لدخولها عليهم.
توقف هالبيرد عن عمله , قائلا:
" صباح الخير , سيدة بمبرتون , تفضلي لى غرفة الطعام فقد هيأت لك أفطارا خفيفا".
" أوه......لم يكن ضروري أن تزعج نفسك ".
ورمقت حماتها وأيما , فألتفتتا نحوها لدى سماعهما صوتها.
قالت أيما بصوت ردىء:
"جدتي تقرأ لي حكاية".
وزادت لوسي على كلام حفيدتها:
" صباح الخير جولي , هل نعمت بنوم هانىء؟".
أجابت جولي ونظراتها على هالبيرد الذي كان لا يزال ينتظرها:
" شكرا , نعم , أعذراني , أنا ذاهبة لشرب فنجان قهوة".
عادت لوسي للحظة تصب أنتباهها على الكتاب ثم رمقتها ثانية وقالت بتردد:
" ما رأيك في ما لو ذهبنا للتسوق معا بعد الظهر؟ فالطفلة في حاجة ماسّة الى ثياب تقيها شتاء أنكلترا".
أجابت جولي تستبعد الفكرة:
" معظم ثيابها لا تزال في الصناديق التي كنا شحنّاها بحرا .......".
" أعرف هذا , الصناديق التي تذكرين وصلت ".

الشغاف
06-23-2011, 06:16 PM
بدت جولي مرتبكة:
" أين هي أذن؟".
أجابت لوسي:
" أنها في المنزل الجديد , بالطبع , لا لزوم لأحضارها , أليس كذلك؟ أذ أنتما لن تبقيا هنا طويلا".
أحست جولي بصبرها ينفذ:
" لكنني لا أستطيع أن أتدبر أمري بما أحضرته معي الى هنا أكثر من أيام معدودة ".
رفعت لوسي كتفيها بلا مبالاة:
" يمكنك في أي حال شراء ثياب أخرى جديدة , لا أعتقد أن الثياب التي كنت ترتدينها في مالايا ستكون ملائمة هنا , ثم , هناك أختلاف الطقس بين البلدين , كما أنني آمل في أن تواكبي , من الآن فصاعدا , الموضة , خصوصا أنك الآن أرملة مايكل".
لحقت بهالبيرد الى خارج الغرفة من باب كان أشار اليه , لتجد نفسها في غرفة طعام فسيحة , مضاءة , الطاولة فيها كبيرة , ذات زخرفة ساحرة الألوان , على الطاولة طبق واحد , فنجان قهوة , رقائق خبز طازج ومربى , فضلا عن مقلاة صغيرة وضعت على سخانة , فجأة , أحست جولي بميل الى ابكاء , للفتة هالبيرد الطيبة حيالها.
هتفت وهي تلتفت نحوه:
" لم يكن كل هذا ضروريا , كما تعلم".
أبتسم الرجل وهو يجيب:
" لم تتناولي طعام العشاء الليلة البارحة , أنا متأكد أنك جائعة , والمرء , متى أمتلأت معدته , رأى كل شيء في حال أفضل".
حدجته جولي بنظرة ثاقبة , ألا أن العذوبة والرقة لم تغادرا قسمات وجهه , وعلى رغم هذا , شعرت أن هالبيرد يشفق عليها , لكنها أحست بسعادة تغمرها أذ أطمأنت الى وجود شخص واحد على الأقل لا يمانع في وجودها في تلك الشقة.
وعلى رغم حالها النفسية البائسة وتوتر أعصابها , شعرت بالجوع , فتناولت أفطارا جيدا , وما أن أنتهت حتى شعرت بنفسها أكثر أستعدادا لمواجهة عالمها عموما , وآل بمبرتون خصوصا.
وبينما هي تتبادل أطراف حديث مع هالبيرد , دخل روبرت غرفةالطعام , كان يرتدي بنطالا من المخمل أخضر غامقا , وقميصا باللون ذاته , وأرخى على كتفيه معطفا قصيرا مناسبا , بدا ضخما , ذا أطلالة تتميز بالقوة والتأثير , حاولت جولي جاهدة ألا تنظر اليه.
" حسنا؟ ( بادرها بصوت أجش , قاطعا عليهما حديثهما ) هل أنت جاهزة؟".
رفعت جولي , نظرها تستوضحه:
" جاهزة ؟ جاهزة لأي غرض؟".
حدّج روبرت هالبيرد بنظرة ذات مغزى , فأنسحب الخادم بتهذيب , عائدا الى غرفة الجلوس ليكمل ما كان بدأه .
عاد يسألها , وهو على مسافة قصيرة منها:
" ألم تنبئك أيما بالترتيبات المتفق عليها؟".
أطرقت جولي قليلا قبل أن تنهض من كرسيها وتسوي كنزتها فوق وركيها , ثم أجابت:
" لقد ذكرت شيئا بهذا الخصوص..... ذهابها معك لمشاهدة المنزل الجديد".
" بالضبط , طبيعي أنك ترغبين أنت أيضا في مشاهدة منزلك الجديد".
أجابت والسخرية ترتسم على وجهها:
" أوه , شكرا لك ألتفاتتك الطيبة هذه".
" بحق السماء , جولي , لا يمكننا أن نستمر على هذا المنوال , أوليس من المنطق أن نتصرف بأسلوب أكثر حضارة , وأيما بيننا؟ بدأت أشعر بالقرف من أستمرار هذا الجدال المتواصل".
" وأنا كذلك أشعر ما تشعر به".
" أذن؟".
" الأمر سهل بالنسبة اليك, أليس كذلك؟ فأنت تسيّر الأشياء بحسب ما تقتضيه مصلحتك , أم تراني مخطئة هنا؟".
" بالله , كفي عن هذا الأسلوب , جولي , ماذا تريدينني أن أقول؟ أنني أفعل ما أستطيع لأكون سمحا".
" سمحا! ( وأعترى جولي غضب عظيم ) وما الذي يدفعك الى أن تكون سمحا؟".
" أنت! ( وبعد أطراقة أردف قائلا) أوتظنين أنني كنت أقبل بهذا الوضع لو كان لي خيار في ذلك؟".
" أنها مشيئة والدتك؟".
" لكن , ليس هذا ما كنت أسعى اليه! ( وبدا صوته متهدجا ) صدقيني , جولي , أبتهلت الى الله كي لا أراك ثانية!".
أحست جولي بغصة حارقة تصعد من حلقها وأشتعل خداها :
" أنني...... أنني متأكدة أنك صليت".
" أوه , جولي! ( وبدا في نبرات صوته الأجش بعض من ألم ) هذا الجدل لن يوصلنا الى نتيجة , ما مضى قد مضى , وعلينا كلانا أن نتقبله بحسناته وسيئاته , لقد قرر مايكل أن تكوني وأيما في عهدتي , فلنحاول ألا ننسى هذا على الأقل".
" وكيف لي أن أنسى؟".
أقترب منها روبرت يؤاسيها واضعا يده على كتفها كما لو أنه أراد أن يؤكد لها أنه يحس بالألم الذي يأكلها , فأنتفضت مبتعدة , كما لو أن برودة يده أحرقت جسمها , ظهر الغضب جليا في قسماته لتصرفها غير المتوقع , فأستدار مبتعدا وخرج عائدا الى الصالون.
فجأة , فتح باب غرفة الجلوس , وظهرت أيما عند عتبته , وأرتسمت على وجهها علامات تساؤل أذ لاحظت تكدّر والدتها:
" ما الأمر , أمي ؟ هل أنت تبكين أبي ثانية؟".
" أنني لا أبكي , حبيبتي ...... لقد ......دخل عيني قذى , هذا كل ما في الأمر".

الشغاف
06-23-2011, 06:16 PM
عقدت أيما حاجبيها لحظة , ثم بدا أنها قنعت بتفسير أمها:
" نحن في أنتظارك , ألا تودين الذهاب؟".
ترددت جولي , كانت تود الذهاب , لكن قضاء فترة ما قبل الظهر في صحبة روبرت قد تكون بمثابة كارثة لحالها النفسية والذهنية , ثم أستدركت , أن قضاء هذه افترة في رفقة لوسي بمبرتون سيكون أكثر ألما ومعاناة.
أجابت وهي تحاول أن تضفي على صوتها أهتماما بموضوع الذهاب , وجهدت في أن تظهر مظهر الممسك بزمام نفسه:
" طبعا , أريد الذهاب , لو أنك أيقظتني باكرا لما أضطررت الى أنتظاري كل هذه المدة".
بدا روبرت مرتاحا لكلامها:
" حسنا , غير أنه عليك أرتداء معطفك , فعلى رغم أن الشمس مشرقة , ألا أن البرد خارجا قارس , صدقيني".
أومأت برأسها موافقة , وبخطوات حثيثة تركت الغرفة.
ما أن رآها روبرت تدخل الغرفة ثانية , حتى أطفأ عقب سيكاره وتوجه نحو الباب , لحقت به أيما بخطوات تحرّكها الأثارة والأنفعال , أما لوسي فبدت غير راضية أطلاقا.
وسألت أبنها:
" متى أنتم عائدون؟ أنها الحادية عشرة تقريبا , الآن! ( وحدّجت جولي بنظرة قاسية , ثم أستطردت تقول ) ظننت أنك راغبة في الذهاب الى السوق , على ما ذكرت".
جمدت جولي في مكانها لدى سماعها كلام حماتها , فهي لم تقترح فكرة النزول الى السوق , بل تلك كانت فكرة لوسي , وأجابتها وعيناها على روبرت تتبيّن رد فعله:
" يمكننا الذهاب في يوم آخر".
" حسنا".
وأحنت لوسي رأسها أستسلاما.
فتح روبرت باب الغرفة وقد عيل صبره.
" هل أنت قادمة أم لا؟".
عضّت جولي على شفتها وبحركة خفيفة من كتفيها سارت في أتجاهه وهي تجيب بصوت جلي:
" بل أنا قادمة".
بعد أن أفسحت المجال لأيما لتجلس في المقعد الخلفي , أخذت جولي مكانها في المقعد الأمامي وجلس روبرت في مقعده خلف المقود , أغلق باب السيارة وأدار محركهها.
لم تكن جولي تعير أنتباها الى ما حولها وهم منطلقون في السيارة , حتى تناهى اليها صوت أيما تسألها عن أسماء الأمكنة التي كانوا يمرون بها , أدركت عندئذ أن روبرت يجول بالسيارة في وسط المدينة ليتمكنا من مشاهدة معالمها , وبينما هي تنظر عبر زجاج النافذة , تتعرف على محلات شارع أوكسفورد أذا بأيما تسألها:
" أليس الأمر مثيرا , أمي؟ عمي روبرت سيعبر بنا السوق الآن , صعدا في أتجاه قصر باكينغهام !".
أرتسمت أبتسامة حنونة على وجه جولي وعلّقت قائلة:
" لا بأس , ما دمت لا تتوقعين مقابلة المكلكة , أذ هي ليست على معرفة بقدومك".
غرقت قسمات وجه أيما في ضحكة رائعة , فيما أحنت جولي رأسها .
بعد أن عبرت السيارة أمام القصر , وعبّرت أيما عن فرحتها الكبيرة لرؤية الجرس خارجا , رغب روبرت في أفساح المجال للطفلة لتشاهد مبنى البرلمن فأنعطفت السيارة في أتجاه بيردكابج ووللك ثم قطعت جسر نهر وستمنستر , بعد أن تخطت السيارة المبنى المذكور , أنطلقت مسرعة , فنظرت جولي الى روبرت بتساؤل :
" هل لي أن أسألك الى أين نحن, الآن , ذاهبون؟".
خفف بعد حين من سرعة أنطلاق السيارة , وكانوا قد وصلوا الى تقاطع طرق , نظر اليها وقال:
" نحن الآن على طريق واتفورد ووجهتنا ثورب هيلم.
قالت أيما وقد عقدت حاجبيها:
" لم أسمع بهذا الأسم قط".
" كيف لك أن تسمعي بها؟ ليست , في الواقع , مكانا شهيرا , أنها قرية , مجرد قرية".
" وفيها..... منزلنا الذي نقصد؟".
" نعم".
تدخّلت جولي تستوضحه:
" سنكسن هنا , أذن؟ ما الذي دفعك الى أختيار هذا المكان؟".
تردد روبرت لحظة , وأصابعه تشد بثبات على المقود , وأجاب:
" في الواقع نأمل , باميلا وأنا , أن نعيش , بعد زواجنا في فارنبورو أذ أن والديها يسكنان في أوبنغتون , وبالتالي , لا تريد أن نسكن بعيدا عنهما , وثورب هيلم على بعد عشرة أميال من فانبورو".
لم يرق جولي ما قاله , ذلك أنه متى تزوج وسكن حيث أشار , سيكون على بعد عشرة أميال منها فقط , وهذا أمر لم تستسغه , وأحست بشوق قوي الى الطمأنينة , وراحة النفس اللتي عرفتهما في منزلها في رانون.
أدركت , فجأة , أن عليها أن تقول شيئا ما , طوت قفزيها ووضعتهما في حضنها , وسألته:
" كنت أعتقد أن الشقة تلائم وضعك أكثر من منزل في هذه الديار , فهي قريبة من مكتبك , أم تراك لم تعد تدير أعمالك شخصيا هذه الأيام؟".
كان سيل السيارات خفّ ثانية , فتخطى روبرت بضع شاحنات كانت تسير أمامه بطء , قبل أن يجيب:
" طبيعي أنني لا أزال في عملي في الشركة , أذ العيش بقية حياتي مترفا , متعطلا , فكرة لا تروق لي , ألا أنني , حالما أتزوج , سأقلّص من نشاطاتي خارج البلاد , وهذا أيضا أمر طبيعي".

الشغاف
06-23-2011, 06:18 PM
القت جولي ملاحظة بسخرية:
"حقا , لقد تغيّرت فعلا!".
لم يعجبه قولها هذا فحدّجها بنظرة قاسية , ولفتها قائلا:
" أعتقدت أننا أتفقنا على ألا نخوض في جدل من هذا النوع في حضور أيما؟".
أوضحت جولي معترضة:
" لكنني لم أقصد شيئا".
ثم أدركت أن ردها هذا هو الجدل بذاته فأردفت قائلة:
" حسنا , في أي حال , كون كلامي لم يعجبك , لا يعني أن ملاحظتي التي أبديتها قصدت بها نقاشا!".
بدا روبرت غير مقتنع بما قالته , غير أنه لم يعلق على كلامها , فشعرت جولي باللوم لتسببها في شرخ آخر بينهما , وتساءلت لماذا لا يكون في مقدورها أن تقبل الوضع على ما هو , فلا تعذب نفسها بتصورات لما قد يحدث مستقبلا؟
نظرت جولي الى أيما , أقتربت الطفل , وبحركة عفوية عانقت والدتها , قاومت جولي أحساسا بالبكاء كاد يفضح أشفاقها على ذاتها , لقد أختارت طريقها في الحياة , وأصرت يومها على تفادي الذل برفضها مساعدة روبرت لها حين كانت في أمس الحاجة اليها , فكيف يمكنها , الآن , أن تلوم روبرت على عمل لم يكن على علم به؟ ولكن , والحقيقة تقال , كان هو أيضل ملوما...
أنعطفت السيارة عن الطريق الرئيسية وأتجهت في أخرى فرعية لولبية الشكل توصل الى قرية ثورب هيلم , في الريف , بدا المكان جميلا , حتى أن جولي لاحظت ذلك على رغم كآبتها , أشارت أيما الى بحيرة صغيرة وسط الأخضرار حيث سرب من البط يسبح بأطمئنان.
أوقف روبرت السيارة في محاذاة السيارات الأخرى , ثم ألتفت نحو جولي , وقال:
" حسنا ؟ ( وبدا كأنه ينتظر جوابا ليعرف رأيها)".
كانت لا تزال تتأمل المنزل , بدت عاجزة عن جمع شتا أفكارها , أحكمت معطفها غير شاعرة بروبرت يخرج من السيارة هو الآخر ليساعد الطفلة على الترجل من المقعد الخلفي , الى أن أخذت تعدو هذه نحوها هاتفة:
" هل هذا هو المنزل الذي سنسكن فيه , أمي؟ ألا ترين أنه رائع ؟".
ثم هرولت تتقدمهما , من دون أن تنتظر جوابا , أحست جولي بروبرت الى جانبها , رفعت نظرها نحوه وبدرت منها حركة عفوية وهي تقول:
" أنه جميل , كيف حظيت به؟".
دسّ روبرت يديه في جيبي معطفه , وأجاب:
" كان معروضا للبيع في سوق العقارات منذ ثلاثة أشهر , تاريخ وفاة مايكل تقريبا , أشتريته ..... لأنه أعجبني".
" لكنني في ذلك الوقت لم أكن قد دعيت الى العودة بعد؟".
خطا روبرت خطوتين الى الأمام ثم عاد يلتفت اليها ليسألها:
" وهل هذا مهم؟".
وأكمل سيره يلحق بأيما في أتجاه المنزل , دفع بابه ودخلا.
تبعتهما جولي بخطى متمهلة , أرادت أن تشبع نظرها بالمنزل وتستوعب فكرة كون هذا المكان هو حيث ستعيش , ربما بقية حياتها ! لكن , لا , فحالما تصبح أيما في سن تؤهلها لترك , فسوف تستأجر شقة بمجرد أن يتحسن وضعها المالي , وبدا مستغربا كيف أن فكرة الزواج ثانية لم تراودها ...... أقله حتى الآن...........
كان روبرت وأيما دخلا الى الرواق الكبير للمنزل , بدأ هو يتحدث الى رجلين في أمور مختلفة تتناول موضوع تأهيل المنزل , كان الجو ممتلئا برائحة الطلاء الجديد , وخلافا لما هو متوقع , كان الدفء يغمر أرجاء المنزل , وأدركت جولي أن التدفئة المركزية للمنزل كانت تعمل.
أنتظرت حتى ينتهي روبرت من حديثه مع الرجلين , وكان يستوضحهما في شأن التصليحات المختلفة , ما أن أبتعد الرجلان عائدين الى عملهما حتى أستدار ناحيتها وقال:
" قاربت التصليحات أن تنتهي , الأثاث لم يصل بعد ألا أنه في أمكاننا ألقاء نظرة على المكان أذا رغبت في ذلك".
أومأت جولي أيجابا وهي تقول:
" أنني أتوق الى ذلك ( ثم ترددت هنيهة ( أوه.... أوه..... روبرت؟".
" ما بالك".
" أنني ....... أشكرك".
" تشكرينني؟".
" ظننت أن مسألة الجدل حسمت بيننا؟".
" حسنا , حسنا , أنني أسف , يبدو أننا لسنا أهلا لنتحاور في شكل طبيعي, أم ترانا نستطيع أذا أردنا ذلك؟".
" يبدو هذا مستحيلا".
أبتعدت جولي تسير في أتجاه باب يؤدي الى غرفة تقع على يمين الباب الرئيسي , تبعها روبرت , تاركا أيما تكتشف المكان لوحدها , وقال وقد بدت نبرة صوته جدية:
" هذه غرفة الأستراحة خاصتك , قد لا يعجبك لون الطلاء , ألا أن الوقت دهمنا فلم نستطع أنتظارك لتختاري اللون الذي تريدين , يمكنك أن تغيري اللون أذا شئت فيما بعد".
" هل أخترت الأثاث كذلك؟".
تردد روبرت قليلا , ثم أجاب :
" كلا , في الواقع باميلا هي التي أختارته".
" كان ذلك لفتة كريمة من قبلها , أتعرف ماذا أختارت؟".
" الأشياء الضرورية فقط , أما الديكور , فيمكنك أن تختاريه شخصيا في ما بعد , اللوحات , والى ما هنالك".

الشغاف
06-23-2011, 06:18 PM
" لا بأس .
ماذا تعني بالأشياء الضرورية؟".
" آه , سجاد ,مفروشات , جهاز تلفزيون , الخ ........... أعتقد أن سجادة هذه الغرفة لونها أزرق رمادي , يتناسب ولون ورق الجدران".
أستدارت جولي , وخرجت من الغرفة , تعبر الرواق الى غرفة أخرى مقابلة , وسألت تستوضحه:
" هذه غرفة أستقبال أخرى على ما أعتقد؟".
" ذلك يعود اليك تحديده".
وتقدّم ليفتح بابا جرارا في وسط الغرفة يفضي الى صالة تبدو مثالية لأقامة الحفلات والمآدب.
أنتقات جولي أليها , ولاحظت أذ نظرت الى الخارج , الحديقة الكبيرة التي خلف المنزل , أشجارها مثمرة وأرضها يكسوها العشب مما يشير الى وجود بستاني يرعاها.
سمعت وقع أقدام في الطبقة العلوية , فأستنتجت أن أيما تمضي أوقاتا ممتعة في تفقد أرجاء المنزل , فتحت بابا آخر يفضي الى الرواق وألقت نظرة على الأبواب الأخرى.
بادر روبرت يوضح وقد لاحظ نظراتها المتسائلة:
" هناك غرفة مخصصة لتمضية فترة الصباح , غرفة أفطار أذ صح التعبير , أو سمها ما شئت , مطبخ كبير وملحقات مختلفة , والآن , هل تريدين الصعود الى الطبقة العلوية ؟".
بانت بوادر ضحكة مكتومة على شفتي جولي , أذ أن التوتر بينهما كان على أشده , وخيّل اليها أنها أذا لم تضحك فقد تنفجر بالبكاء.
عقد روبرت حاجبيه , وسألها:
" هل هناك أمر يدعو الى الضحك؟".
عادت جولي الى رصانتها , وهزت رأسها نفيا :
" كلا , بالطبع".
مشى روبرت الى أول السلم , ثم قال بصوت بارد , وقد أدرك ما دفعها الى الأبتسام :
" يمكنك الصعود بمفردك , أذا كنت تفضلين ذلك".
رفعت نظرها اليه وخانها الكلام أولا , ثم جهرت بصوت جلي:
" أنا آسفة , روبرت , أحتاج الى وقت كاف , أنا.... لست أدري , الأمر كله ...... مختلف".
حدّق فيها طويلا قبل أن يجيب بصوت أجش:
" أوتظنين أنني لست مدركا لهذا الأمر؟".
أرتعشت جولي في غمرة الأحاسيس التي لم تستطع السيطرة عليها كليا , ومن دون أن تنبس بكلمة , أستدارت وصعدت الدرجات بحثا عن أيما.... والأمان.
في أحدى الغرف العلوية للمنزل , وجدوا الصندوقين الكبيرين اللذين كانت جولي شحنتهما بحرا من مالايا , فبادرت أيما ترجو والدتها فتحهما .
أعترضت جولي , قائلة:
" لكن , ليس هناك خزائن جاهزة لوضع محتوياتهما ( ثم أستدركت , أذ تذكرت حاجتها الى بعض من ملابسها ( لكن قد يكون من الأفضل أن نأخذ معنا الى الشقة بعضا من هذه الملابس ( ورفعت نظرها نحو روبرت تستوضحه ) الى متى.... سنبقى في الشقة قبل أنتقالنا الى هنا؟".
" لقد أعلمني المتعهد بأن المنزل سيكون جاهزا خلال أسبوع تقريبا , لذا تستطيعان الأتقال اليه بعد نحو عشرة أيام".
" عشرة أيام ! ( ردّدت جولي , وقد فاجأها طول المدة , فتحت حقيبة يدها تبحث فيها عن مجموعة مفاتيح لصندوقي السفر , وأستطردت ) أذن , علينا أن نستعين ببعض من ملابسنا , فلا يعقل أن نبقى , أيما وأنا , في ثيابنا هذه نفسها طوال هذه المدة".
جلس روبرت القرفصاء الى جانب الصندوقين يتفحّص الأقفال , وقال يلفت جولي الى أن هذا الأمر ليس ضروريا :
" يمكنكما شراء بعض الملابس الجديدة".
" أتظن أن هذا ممكن ؟ بماذا؟".
" أن لوالدتي حسابا مفتوحا في كل محلات المدينة , يمكنك شراء ما ترينه ضروريا وتضيفين ثمنه الى حسابها".
" كلا , شكرا ( وتابعت تقلب أغراضها في قاع حقيبتها ) اللعنة , أين هي المفاتيح؟".
" لم هذه افظاظة ؟ يجب أن تدركي , كونك أرملة مايكل , أن في أستطاعتك طلب أي شيء تحتاجين اليه".
رفعت عينين يملؤهما الغضب:
" ماذا؟ أتريدني أن أفعل هذا لأفسح لوالدتك بأن تعيّرني بالأعتماد عليك أعتمادا مطلقا؟".
تجهم وجه روبرت وغمغم متوعدا :
" يوما ما , جولي.....".
تنهد وعاد يجلس القرفصاء الى جانب الصندوقين .
أخرجت جولي المفاتيح , فتطاول روبرت يتناولها من دون أن يتفوه بكلمة , بعد أن تفحصها جيدا وجد مفتاح الصندوق الأقرب اليه , عالج قفله في حركة عصبية , ثم أرخى الرباطين الجلدين اللذين يحكمان الصندوق , وفتحه.
قفزت أيما فرحا وكادت تلج الصندوق لكثرة أنفعاله , لو لم يمسك بها روبرت , أستجمعت جولي نفسها وهزّت رأسها أذ أستعصى عليها الكلام ثم بادرت تقول والأرتباك يعاودها :
" أن.... ملابسنا في الصندوق الآخر".
أقفل روبرت الصندوق , وبدت الخيبة في وجه أيما , شدّ الرباطين وأحكم القفل , ثم.... وضع المفاتيح في جيبه , حدّقت فيه جولي مستغربة تصرفه , أما هو فبادرهما :
" هيا بنا , هذا يكفي , الآن".
أشارت جولي معترضة :
" لكن , ماذا عن ثيابنا؟ ".
ألا أنه مشى الى الباب وهو يجيبها:
" في ما بعد".

الشغاف
06-23-2011, 06:19 PM
رفعت جولي كتفيها لا تفهم تصرفه , وركلت الصندوق الذي أمامها برأس حذائها , وقالت مصرة على فتح الصندوق:
" يجب أن آخذ بعضا من هذه الثياب".
نظر اليها وقال يحسم الأمر:
" لا أعتقد أنك تريدين فتح هذين الصندوقين , هيا بنا الآن لقد تأخرنا , وأنا جائع".
ترددت جولي لحظة قبل أن تذعن لأرادته , لم تكن تريد حقا فتح الصندوق , ليس الآن , ولم تستطع ألا أن تعجب بقوة حدسه ونفاذ بصيرته.
قال روبرت فيما هم يصعدون الى السيارة:
" سنتناول غداءنا في مطعم ( الثور الأسود ) في القرية , قيل لي أنهم يحسنون المشويات , هل تحبون المشويات؟".
أطهرت جولي لا مبالاة للسؤال , وهي تعتدل في مقعدها :
" لا مانع لدي أذا كان هذا ما ترغب فيه".
تجهم وجه روبرت , ولم يعلق بشيء , أدارك محرك السيارة وأنطلق بها .
لم تكن صالة الطعام ممتلئة , وبدا رئيس الخدم منزعجا أذ رآهم يدخلون , فبادر بلهجة جازمة:
" أخشى أننا لن نستطيع خدمتكم , فالساعة تعدت الثانية ألا ربعا , وقد أنتهى موعد الخدمة في الصالة".
تنهدت جولي , فيما ظل روبرت هادئا , وقال:
" لقد سبق وحجزت طاولة , أسمي بمبرتون".
فجأة , رفع روبرت نظره نحو جولي وسألها وفي عينيه غموض لم تستطع فهمه:
" حسنا , هل أعجبتك وجبة الطعام؟".
أنهت جولي شرب كوب الحليب الذي في يدها , أسندت رأسها الى ظهر المقعد , ثم أجابت بصوت جلي:
" كان غداء رائعا!".
" أترغبين في فنجان قهوة؟".
" ألا تعتقد أن علينا العودة الآن ؟ أقصد .... أنهم في أنتظارنا ليقفلوا صالة الطعام".
" سأعوض خسارتهم".
" تعتقد أن كل شيء يشترى بالمال , أليس كذلك؟".
" لقد أشتريتك , أليس كذلك؟".
عادت تنظر اليه :
" ماذا تعني بهذا؟".
" حسنا , لا أعتقد أنك كنت تزوجت مايكل لو أنه كان معدما , أليس كذلك؟".
ظهر الرعب جليا في عيني جولي , ورمقت أيما بنظرة خاطفة ألا أن هذه بدت غير آبهة لحديثهما بل مركّزة كل أهتمامها على محتوى كوبها من العصير , عادت تستوضحه ثانية :
" لا أفهم ماذا تعني بكلامك؟".
فجأة , أنتصب روبرت واقفا:
" أوه جولي , كفي عن التظاهر والأدعاء الكاذب , فأنت لم تهتمي قط بمايكل , وقد واتتك فرص عدة , قبل سفري الى فنزويللا , لتتزوجيه بدلا مني , ألا أنك لم تفعلي , كلا! أنما أنا الذي كنت تنصبين شباكك حوله , لذا لا تحاولي أن تنكري هذه الحقيقة!".
بدا وجهه ممتقعا , وأبتعد بخطى حثيثة يبحث عن رئيس الخدم , وهو يتناول محفظته من جيبه.
في الحظة التي عاد روبرت يلحق به رئيس خدم أنيق , راض , كانت جولي وأيما جاهزتين في أنتظاره , أرتدى معطفه الجلدي , وشكر الرجل بأيماءة من رأسه ثم توجه الى باب المطعم , كان الهواء البارد في الخارجمنعشا , وتنفست جولي عميقا قبل أن تصعد الى داخل السيارة.
لحظة أوقف روبرت سيارته في باحة المبنى الخارجية حيث يقطن , بدأ النعاس يثقل عيني أيما , كما لاحظت جولي أن الظلام بدأ يخيم والساعة لم تتجاوز الرابعة بعد.
ألا أن النعاس طار من عيني الطفلة وهم داخل المصعد في طريقهم الى الشقة , وما أن وصلوا اليها حتى كانت أستعادت حيويتها كاملة الى درجة سمحت لها بأن تمتع لوسي بمبرتون بأخبار ما جرى معهم وما شاهدوه خلال نهارهم , ولا سيما قصة الصندوق وموضوع الغداء المتأخر في مطعم ( الثور الأسود).
ترك روبرت جولي وأبنتها مع والدته ودخل غرفته , وبدت لوسي كلها أصغاء لما كانت أيما تسرده عليها , أما جولي فنزعت عنها معطفها وهي تتجه نحو الباب قاصدة غرفتها , وقد أحست برغبة في قضاء بعض الوقت وحيدة , أذ , بعد أحداث الساعات القليلة الأخيرة , شعرت بحاجة الى بعض التأمل والتفكير.
غير أن لوسي , وقد لاحظت كنّتها تهم بالخروج , بادرتها قائلة:
" لا تذهبي الآن , جولي , فهالبيرد يستطيع أن يعيد معطفك الى الخزانة , تعالي وأجلسي , أريد أن أعرف رأيك في المنزل".
أسقط بيد جولي , فرمت معطفها بأمتعاض على مقعد , ودنت لتجلس على مقعد آخر قريب من الأريكة حيث جلسا حماتها وطفلتها , ثنت ساقا على ذراع المقعد الجلدي الوثير , وقالت معلقة:
" أنه منزل جذاب , هل شاهدته؟".
" بالطبع , لقد أصطحبتني باميلا الى هناك يوم كنت في زيارة لأهلها".
" حسنا".
" هل تعلمين أن باميلا هي أول من وقع نظره على المنزل ؟ في الواقع كان ملكا لعائلة تربطها صلة صداقة بأهلها , ألا أن العائلة أضطرت الى السفر , وهكذا ..... عرض المنزل للبيع".

الشغاف
06-23-2011, 06:20 PM
تدخلت أيما تسأل جدتها:
" من هي باميلا ؟ هل هي عمة لي؟".
ألتفتت لوسي الى الطفلة وأجابتها في أبتسامة:
" قريبا , ستكون هكذا , عزيزتي , لأنها ستصبح زوجة عمك روبرت".
" آه ( علّقت أيما وشفتاها متكورتان ) هل هي لطيفة؟".
" أنها لطيفة جدا عزيزتي.. ستتعرفان اليها غدا".
عادت أيما تسألها وبدت مهتمة للأمر ويدها تسند ذقنها :
" غدا؟".
ألقت لوسي نظرة عابرة على كنتها قبل أن تجيب:
" أنها قادمة مع والديها لتناول العشاء عندنا مساء غد, في مناسبة التعرف اليكما , جولي".
بلعت جولي ريقها تسأل بدورها:
" حقا؟".
ولم ترقها فكرة لقاء المرأة التي ستصير زوجة روبرت.
" نعم , رأينا أنه من الأفضل لك , قبل أن نعرفك الى أصدقائنا , أن تنالي قسطا من الراحة لأيام قليلة , ثم أن مساء السبت هو االوقت الأفضل لذلك ألا توافقينني الرأي؟".
" أذا كنت تعتقدين أن هذا مناسب , فهو كما تقولين".
وسألت حماتها:
" سها عني أن أسألك , هل تشعرين بتحسن هذا الصباح؟".
رفعت لوسي كتفيها وقالت:
" أنني أحسن حالا , شكرا ( ثم عادت تلتفت الى أيما ) أخبريني , عزيزتي , هل لاحظت الأرجوحة المتدلية من شجرة الكرز في حديقة منزلكما الجديد؟ لقد قالت لي باميلا أنها كانت تتأرجح فيها أيام طفولتها".
هزت أيما رأسها بعجب نفيا:
" كلا , لم أر أي أرجوحة".
قالت لوسي مقطّبة:
" هذا غريب".
ألا أن أيما أوضحت لجدتها:
" لم نخرج الى الحديقة ( ثم توجهت بكلامها الى والدتها ) لماذا لم نفعل هذا, أمي؟".
رفعت جولي كتفيها كأنها لم تول الأمر أهمية , وأجابت:
" لم يكن لدينا متسع من الوقت".
علّقت لوسي بتهكم قائلة:
" عذر أقبح من ذنب , كان لديكم وقت كاف".
" حسنا , أظن أن الأمر لم يخطر في بالنا".
ردت لوسي بحدة:
" لقد أمضيتم وقتا طويلا خارجا".
دخل هالبيرد , تلك اللحظة , وبادر لوسي:
" هل ترغب سيدتي في فنجان شاي؟".
أطرقت هذه للحظة قبل أن تجيب:
" أوه نعم.... نعم , أعتقد ذلك".
أما جولي فأستبقت سؤاله لها وقالت:
" لا تزعج نفسك من أجلي .... ( ثم أستدارت فجأة على عقبيها ) فأنا ذاهبة لأستحم".
أجاب هالبيرد مبتسما:
" كما تشائين , سيدتي".
عادت لوسي تسأل الخادم:
" أين السيد روبرت؟".
" لقد خرج, سيدتي".
" خرج! ( رددت لوسي كلمته وقد فاجأها الجواب) لكن لم تمض على عودته لحظات؟".
" نعم , سيدتي , أؤكد لك أنه خرج".
" هل ذكر لك الى أين هو ذاهب؟".
" قال لي أن أخبرك , أذا ما سألتني , أنه ذاهب الى المكتب , ولن يتأخر في العودة".
عادت أيما تسأل جدتها , وهي تزرع الغرفة جيئة وذهابا , وتعبث بما نطوله يدها:
" هل أستطيع أن أشاهد التلفزيون , جدتي؟".
بدت لوسي متضايقة , فأجابتها بأمتعاض :
" لم لا ؟ ( وألتفتت الى هالبيرد ) هلا أدرت مفتاح الجهاز هالبيرد ؟".
أدار هالبيرد الجهاظ , وما هي ألا لحظات حتى أرتسمت الصورة على الشاشة بالألوان .بدت أيما مبتهجة جدا فهتفت:
" آه.... أليس هذا رائعا؟".
أومأت جولي للطفلة أيجابا , وسارت نحو الباب فبادرها هالبيرد قبل أن تخرج:
" هل ترغبين في فنجان شاي , أحضره الى غرفتك , سيدتي؟".
ترددت لحظة ثم تمتمت:
" لا أريد أن أزعجك بالأمر".
هز هالبيرد رأسه قائلا:
" ليس هناك أي أزعاد في الأمر , سيدتي".
بدا الضيق واضحا في تنهيدة أطلقتها لوسي وقالت معلقة في حدة :
" أذا ما كانت السيدة بمبرتون ترغب في فنجان شاي , فما عليها , هالبيرد , ألا أن تتناوله هنا , معي".
" أووه ! بالطبع , سيدتي".
تنهدت جولي هي الأخرى قبل أن تجيب:
" أنني آسفة , لا أستطيع ذلك الآن".
" هل أنت فعلا آسفة؟ ( سألتها لوسي والشك في نبرات صوتها واضح , ثم تناولت منديلا صغيرا عالجت به طرف أنفها وأردفت ) في أي حال , بما أن علينا أن نعيش معا ..... أقله لبضعة أسابيع مقبلة , فأنني أكون ممتنة أذ ما حاولت أن تتصرفي معي بأسلوب أقل عداء".
أسندت جولي جبينها الى أطاب الباب البارد , وقالت:
" حسنا , سأحاول".
أعادت لوسي منديلها الى مكانه وهي تسألها:
" هل ستكونين اضرة في موعد العشاء؟".
أومأت جولي مؤكدة:
" طبعا".
" حسنا".
كان جواب لوسي أيذانا منها بأنتهاء الحديث مما أزعج جولي , فأغلقت الباب وراءها وسلكت الممر الى غرفتها , وما أن ولجت بابها , حتى أحست بنفسها عاجزة عن كبت مشاعرها , فألقت بنفسها على السرير وأطلقت العنان لدموع حارة.

الشغاف
06-23-2011, 06:20 PM
لم تر جولي روبرت ثانية ألا بعد ظهر اليوم التالي , أذ لم يعد لتناول العشاء تلك الليلة , وهذا ما حدا بوالدته على أن تشرح لجولي بأغتباط , وهما على العشاء , أن سبب تخلّف رورت , , أرتباطه وباميلا بحضور سهرة راقصة يقيمها أحد أصدقائهما , ويبدو أنه عاد من مكتبه فيما كانت جولي تستحم , فأستحم هو الآخر وأبدل بذلته ثم خرج ثانية , أما أيما , فذهبت الى فراشها نحو السابعة كما عادتها أن تفعل , لذا لم يبق الى العشاء سوى جولي وحماتها.
كان الصمت مخيما , والجو لا يبعث الشهية , ولم تتمتع جولي بطعامها , بعد العشاء عادتا الى غرفة الجلوس لتشاهدا التلفزيون.
بادرت لوسي وهي تستريح في مقعد وثير :
" مما لا شك فيه أنك ستجدين صعوبة في التكيف مع نمط حياتنا هنا , ثم أنك لم تتعودي قط مستوى العيش الأجتماعي الذي نحياه , أليس كذلك جولي؟".
تظاهرت جولي بأنها مشدودة الأنتباه الى الفيلم الذي كان يعرض تلك اللحظة على الشاشة الصغيرة ومن دون أن تلتفت الى محدثتها سألتها:
" ماذا قلت؟".
ردت لوسي بلهجة تشوبها الحدة:
" قلت أنه يصعب عليك التكيف مع نمط حياتنا , فلا أظن أن الحياة في بقعة نائية في مالايا يمكن أن تقارن بمستوى الحياة الأجتماعية , هنا , في لندن؟".
" كلا , لا أظن المقارنة ممكنة".
أردفت الحماة تسترسل في حديثها.
" لم يتسنّ لك أيضا العيش معنا لتتعودي طريقة عيشنا قبل أن يأخذك مايكل معه بعيدا , لم أكن لأتصور أن في أستطاعة مايكل أن يجد الأكتفاء الذاتي في مكان كالذي عشتما فيه , أذ أعتقدت أنه كان يعشق العيش هنا , في لندن".
علّقت جولي في أقتضاب:
" لقد ألتحق بالبحرية قبل أن يتعرّف الي".
" نعم , أعرف هذا , فهو كثيرا ما أحب الأبحار , مذ كان صغيرا , لكن أن يقبل وظيفة في بلد بعيد.... وظيفة دائمة".
" تلك كانت أرادته".
" أعرف هذا , ألا أن تصرفه كان بعيدا عن قناعاته ( تطاولت لوسي لتتناول فندان الشاي الذي كان على طاولة قريبة منها , وأضافت ) ألا أنني أعتقد أن قراره ذلك جعل الأمور أقل صعوبة بالنسبة اليك".
حاولت جولي جهدها أن تبقى هادئة , وأستوضحتها:
" أقل صعوبة؟".
" طبعا , أقصد....... أنك لم تكوني على صلة بنمط حياتنا , أذ أنك لم تتعودي قبلا الحياة الأجتماعية بمعناها الصحيح .... كأن تقيمي الحفلات والمآدب ! أنا متأكدة مثلا أنك لم تحضّري لائحة طعام قط في حياتك؟".
" كلا , ففي المأوى حيث ترعرعت , لم يعلمونا أشيائ كثيرة كهذه".
لم يرق لوسي جواب جولي لها , فقالت:
" لنكف عن الجدل , كل ما أحاوله هو التفاهم وأياك".
قالت جولي:
" أنني لا أجادلك ( وتنفست عميقا , ثم أضافت ) قد تفاجئين أذا ما أدركت أنني كنت ومايكل سعيدين!".
شخصت عينا لوسي عليها وتساءلت مشككة:
" هل كنتما فعلا سعيدين؟".
" نعم , ثم أنه لم يكن يحب مجتمع لندن , أبحر كثيرا ؟ نعم , لا أخالفك الرأي في ذلك , كان لنا مركبنا الخاص , مركب صغير , نقضي على متنه معظم أجازاتنا الأسبوعية , نسبح , نستلقي تحت الشمس , وندعو أحيانا أصدقاءنا الى أمسيات حلوة , تلك كانت ...... حياة رائعة ".
أرتسم الغضب في أرتعاشة شفتي لوسي:
" لو لم تقنعي مايكل بقبول تلك الوظيفة هناك لكان لا يزال حيا يرزق الآن".
أمتقع وجه جولي:
" هذا ليس صحيحا !".
سألتها لوسي بلهجة عداء:
" وكيف لك أن تعرفي؟".
ترددت جولي لحظة , تضغط كلتا شفتيها , فهي لم تشأ أن تبحث مع لوسي في مواضيع وتفاصيل حميمة , كموضوع صحة مايكل مثلا , على رغم أن هذه والدته , ثم أجابت:
" لأن السبب الذي حدا بهقبول وظيفته خارج البلاد , كان نصيحة طبيبه الذي أشار عليه أن يقلل من نشاطاته".
" ماذا ؟ أنني لا أصدق كلمة واحدة مما تقولين!".
" أنها الحقيقة , لم أعرف بالأمر ألا .... ألا بعد أن أصيب بنوبة قلبية أخرى , فأضطر الطبيب الى أن يشرح لي الحقيقة ( أرتدّت جولي في مقعدها الى الوراء وأردفت )ألا أن مايكل لم يعر حاله الصحية أهتماما كافيا".
كانت لوسي تحدق فيها , شفتاها ترتعشان , وأحست جولي , للحظة , بعطف عميق حيال هذه المرأة :
" أنك تختلقين ما تدّعينه حقيقة ........ أذ لو أن ما تقولينه صحيح لكان أطلعني عليه , فأنا والدته!".
أجابت جولي غير مكترثة لأتهامها:
" لم تعرفه جيدا كما عرفته".
" بل عرفته لثمانية وعشرين عاما. أي بمقدار أربع أو خمس مرات أكثر مما عرفته".

الشغاف
06-23-2011, 06:21 PM
أجابت جولي بهدوء:
" صحيح , لكن ليس كما عرفته أنا صدقيني, أنها الحقيقة , ولست أحاول بهذا أيذاء شعورك".
أنتصبت لوسي من مقعدها :
" هل أخبرت روبرت ما تخبرينني به؟".
" كلا , لم أخبر أحدا بهذا".
" أذن أتمنى عليك ألا تفعلي ( أخذت جولي تزرع الغرفة بخطواتها التائهة ) أفضل أن يعتقد الجميع أن وفاة مايكل كانت نتيجة حادثة مأساوية غير منتظرة , قد تحصل لأي كان في أي زمان ومكان".
" لكن الذي حدث هو ما أخبرتك به".
هتفت جولي وفي داخلها حرقة , أذ أدركت أن لوسي لن تقبل في أي حال أن يعرف أصدقاؤها السبب الحقيقي لوفاة مايكل وأنه أخفى عن أهله حقيقة أعتلاله , وبخاصة عن أمه , طوال ستة أعوام".
" هل تتجرأين , صراحة , على أن تجهري بهذه الحقيقة؟".
" طبعا , أستطيع".
لم تعد تفهم شيئا من أحداث الفيلم الذي كان يعرض على الشاشة الصغيرة , ثم بدرت أشارة من لوسي رغبة منها أنهاء هذا الحوار. وقالت:
" على كل , موضوع مايكل شيء من الماضي , وما من شيء يستطيع أن يفعله أي منا لأعادته الينا حيا , شكرا لله , أن روبرت بقربي .... وأيما أيضا , بالطبع".
أنتصبت جولي ولم تتمالك نفسها من سؤال حماتها:
" وماذا بعد أن يتزوج روبرت ؟".
" ماذا تقصدين ؟".
رفعت جولي كتفيها , قائلة:
" لا شيء".
لكن لوسي عادت تسألها وهي بادية الأزدراء:
" أوتظنين زواج روبرت سيغيّر من حبه لي؟ كلا , فهو ليس كمايكل , ولن يقوم بأي عمل قد يؤذيني , هذا , فضلا عن أن الفتاة التي سيتزوجها تتفهم حقيقة علاقتنا ومقدار حبه لي , أنها فتاة لا تعرف الأنانية , وهي بالتالي صديقة حميمة لي".
تنهدت جولي عميقا , كان هناك الكثير تستطيع قوله , وأن ترد بقسوة على كلام حماتها , وأن توضح لها أن العلاقة بين صديقتين هي غيرها تماما بين زوجة وحماتها , ألا أنها كتمت ما كان يخالج فكرها ,تلك اللحظة, وتوجهت نحو طاولة عليها أبريق الشاي تسكب لنفسها فنجانا , ثم سألت لوسي:
" أترغبين في فنجان ثان؟".
" كلا , شكرا".
رشفت قليلا من فنجانها , ثم تفحصت الوقت في ساعة معصمها:
" أنها التاسعة والنصف , هل لديك مانع أن أذهب الى سريري؟".
" أطلاقا , واضح أن لا قاسم مشتركا في حديثنا , في أي حال".
بعد ظهر اليوم التالي , أخذت لوسي أيما في نزهة الى الحديقة العامة , كان يوما رائعا من أيام تشرين , حيث يتحول الصقيع على أغصان الأشجار الى ماس يشع تحت نور الشمس, والهواء نقي منعش.
سألت أيما والدتها أن ترافقهما , ألا أن جولي أمتنعت , أذ أدركت أن لوسي كانت ترغب في الأختلاء بالطفلة , فهي جدتها , رغم كل شيء .
وكان روبرت قد خرج صباحا هو الآخر , حتى قبل أن تصحو جولي من نومها , وبعد أن أخطر هالبيرد أنه لن يعود ظهرا الى الغداء , وهكذا , بقيت جولي وحيدة في الشقة , عدا الخادم طبعا.
كانت تجلس في الصالون , تتمتع بلحظات قليلة من الحرية حين رن جرس االباب , نهضت من مقعدها تلقائيا , وظهر هالبيرد قبل أن تستطيع التوجه لترى من الطارق.
" سأستطلع من القادم , سيدتي".
قالها هالبيرد بدماثته المعهودة , وععادت جولي الى مقعدها.
ما هي ألا لحظات , حتى سمعت صدى أصوات , وهالبيرد يرفع صوته على غير عادته , ثم تناهى اليها صوت الباب يغلق , نظرت في أتجاه باب الصالون فأذا بهالبيرد يدخل , رزم وعلب ملء يديه.
هتفت مبتسمة:
" بحق السماء! ما هذا؟".
تردد هالبيرد بدءا , ثم أوضح قائلا:
" أنها مرسلة اليك , سيدة بمبرتون , أين ترغبين أن أضعها؟ في غرفتك؟".
" خاصتي , أنا؟ ( رددت جولي غير مصدقة ) لكنني ...... لم أوص بشراء أي شيء؟".
أجاب هالبيرد جازما:
" هذا ما قاله لي الأجير".
" هل أنت متأكد أنها ليست لوالدة السيد روبرت؟".
" كلا , سيدتي , أنها للسيدة جولي بمبرتون , هكذا أوضح لي الصبي".
تركت جولي مقعدها , وقالت:
" من الأفضل , أذن , أن تضعها هنا , وسأرى ما تحويه".
سألها هالبيرد وأبتسامة تغلف وجهه:
" حسنا , سيدتي , أذا كان هذا ما تريدين... أم أنك تفضلين أن أفتحها لك؟".
فوافقت جولي على عرضه وتخصبت وجنتاها.
وضع الخادم مجموعة العلب قربها على الكنبة , ولاحظت جولي أسم الماركة التي على العلب فجمدت , أذ هو أسم أحد أشهر محلات الثياب في لندن , وللحال عرفت ما تحويه الرزم هذه.
قالت له بصوت متقطع الوتيرة:
" شكرا لك , أستطيع أن أفتحها بنفسي ( لكنها لاحظت أن هالبيرد كان لا يزال يرمقها بتساؤل , فأردفت ) هذه العلب لا تخصني".
" لكن الصبي الذي أحضرها....".
" نعم , أعرف ما قاله , لقد ظن أنها مرسلة الي , ألا أن الحقيقة غير ذلك , دعها هنا , هالبيرد , سأتدبر أمرها".
" كما تريدين , سيدتي".

الشغاف
06-23-2011, 06:21 PM
تنهدت جولي عميقا , ووقفت تحدق في مجموعة العلب بعينين نفذ الصبر منهما , ترى , من الذي أوصى عليها ؟ روبرت ؟ أم هي باميلا المرأة التي لم تقابلها بعد ؟ في أي حال , يجب أن تعاد هذه العلب اليه , كائنا من كان , فهي ليست في وارد قبول أي شيء من آل بمبرتون!
نهضت , بادية التبرم , وسارت في أتجاه العلبة المرمية على السجادة , جثت بقربها تحاول أعادة ما تحويه وأحطام غطائها ثانية , كان ثوبا قماشه ناعم الملمس ينزلق على راحة يدها , تناولت القطعة ,وبدافع غريزي , تفحصتها.
تفحصت الثوب , فأذا هو رداء طويل , له كمّان عريضان وياقة عالية تنتهي بفتحة عند الصدر , أمسكت به تقيسه على قامتها , وأدركت أنه من مقاسها تقريبا , ومجرد الأستنتاج هذا ضايقها.
وبينما هي في حال تأملها هذه , تسر الى نفسها بتساؤلات شتى , تناهى اليها صوت الباب الرئيسي يفتح , وما هي ألا لحظات قليلة حتى دخل عليها روبرت , كان يرتدي معطفا متوسط الطول ذا قبة من الفرو .
فوجىء أذ وجدها وحيدة , جال بنظره في أرجاء الصالون متسائلا , ومتجاهلا في آن وجود العلب الملقاة على الكنبة , ثم سألها:
" أبن الجميع؟".
أجابته وأنفاسها تتضاءل:
" في نزهة في الحديقة العامة".
وخلع معطفه بينما ظهر هالبيرد يتناوله منه.
قال الخادم يسأل سيده:
" أترغب في بعض الشاي , سيدي؟".
نظر روبرت الى جولي يستطلع رغبتها هي أيضا , فأومأت نفيا , أذ ذاك ألفت الى هالبيرد :
" كلا , شكرا , هالبيرد , ربما في ما بعد , متى عادت السيدة بمبرتون ".
" كما تشاء سيدي".
وأنسحب هالبيرد , أما جولي فقامت تبتعد عن الكنبة الى وسط الغرفة , وهي تتوقع منه في أي لحظة توضيحا في شأن بادرته.
لكن روبرت بدا عازما على ألا يخوض في موضوع العلب , ألقى بنفسه على مقعد , ثم أشعل سيكارا بلا مبالاة مثيرة , أخيرا , لم تعد تستطيع أحتمال الأمر , فبادرته:
" حسنا , لماذا فعلت هذا؟".
فأجابها مستوضحا , وقد أختار أن يظهر جهله المتعمد للموضوع :
" فعلت ماذا ؟ جولي؟".
" لماذا أبتعت لي هذه الأشياء؟".
" هل أنا الذي أبتاعها؟".
" أجبني صراحة , ألست أنت الذي أشتراها؟".
" وماذا لو كنت أنا الذي أشتراها؟".
" أوه , كف عن تجاهلك الأجابة مباشرة عن سؤالي !( أطبقت راحتيها ) كنت نبّهتك ....... الى أنني لا أريد منك شيئا".
" أنا آسف أذا كنت خيّبت ظنك , غير أنني لست مسؤولا عن شراء هذه الأشياء".
" أذا لم تكن أنت الذي أشتراها , فمن يكون أذن؟ لا تقل لي هي والدتك التي أبتاعتها!".
" وماذا في هذا؟".
" لا يعقل أن تكون فعلت أمرا كهذا!".
" حسنا , آسف ثانية أن أخيب ظنك , لكن والدتي هي التي أشترت هذه الملابس( وأخذ يراقب ردة فعلها بعين ناقدة , ثم أضاف) أغلبالظن أنها أدركت أن ما لديك من ثياب ليس ملائما لظروف وضعك المستجد".
مررت جولي يدا مرتعشة على شعرها , وقالت ثائرة:
" كيف تجرؤ على أن تفرض علي ما أرتدي؟ ( وأضافت وعلامات الأزدراء في قسمات وجهها ) أه , بالطبع , كيف لم يخطر هذا في بالي قبل الآن؟ أنها مأدبة العشاء لهذه الليلة , هذا ما دفعها الى شراء هذه الثياب , أليس الأمر كذلك؟ أتراها تخشى أن أحط من قدرها؟ فأظهر مظهر النسيبة المعدمة!".
" هدّئي من روعك , يا جولي! وكفي عن التصرف كطفل مدلل ! أن أختياروالدتي شراء بعض الثياب لك يفترض فيك أن تقابلي لفتتها هذه بالأمتنان , هذا أقل ما يمكن أن تفعليه!
هل تعلمين أنك تبعثين الأشمئزاز في نفسي؟".
ردت عليه وهي مهتاجة:
" ليس بمقدار الأشمئزاز الذي تبعثه أنت في نفسي".
" أنت مصممة على دفع الأمور نحو الأسوأ , أليس هذا ما تفعلين؟".
" أذا كان ما أرتديه لا يليق بكم ..... وبأصدقائكم , فسأبقى في غرفتي هذا المساء".
" بل ستفعلين ما أقوله لك".
" ومن ذا الذي سيضطرني الى الأمتثال لكلام؟ ( وأرتدت خطوتين , أذ لاحظت الغضب الشديد الذي أخذ يتملكه , ثم أضافت مستطردة ) يظهر أن والدتك كانت تعلم سلفا بشعوري حيال هذا الأمر , فأشترت هذه الملابس لتغيظني".
أوغل روبرت أنامله في شعره الكث ثم أراح يده على مؤخر عنقه وقد أعتراه سأم , وبصوت جاف عاد يخاطبها:
" لا تنطقي هراء , أنت تدركين جيدا أن ما كنت ترتدينه في مالايا لن يبدو مناسبا عمليا , خصوصا في فصل الشتاء هنا ( ثم أرخى نظره الى حيث مجموعة العلب وسألها ) ألم تنظري ما في داخلها؟".
" كلا حتى أنني لم أحل رباطها".


تردد روبرت لحظة ثم فك أزرار سترته وأنحنى يحل رباط أقرب علبة طاولتها يده , كانت العلبة تضم تنورة من الجوخ لونها أخضر , أخرجها وتأملها متفحصا , ثم قال بنبرة متّزنة:
" يبدو أنها تناسبك".
" أنك لا تتردد في أهانتي , أليس كذلك؟".
" ولماذا أتردد ؟ فأنت لا تجدين غضاضة في أهانتي".
" أنا ..... أهنتك؟ وكيف هذا؟".
" كيف تتصورين كان شعوري حين عدت من فنزويلا وأدركت أنك تزوجت مايكل؟".
" أفضل ألا نتطرق الى هذا الموضوع".
" أنا متأكد أنك لا ترغبين في بحث هذا الموضوع , أذ هو لا يقبل الجدل!( لاحت أبتسامة عند طرفي شفتيه , وأضاف) ألا أنك كنت صريحة معي , صريحة بحق , لقد جعلتني أدرك بوضوح أي غبي كنت فعلا.....".
" أنت لا تدرك حقيقة الأمر!".
" بل أنني أدركها جيدا , فقسم من الصفقة التي أتممتها كان بدافع المال , أليست هذه في النهاية حقيقة الأمر؟ كنت قد نجوت من مصيدتك , أي رصيد في مصرف هو بقيمة أي رصيد آخر!".
مدت جولي يدها وصفعته بقوة , مما أجبره على التوقف عن حديثه , لم تدر ماذا سيكون رد فعله , الرد بالمثل , تصورت , ألا أن روبرت لم يحرك ساكنا , بل ظل يحدّق فيها بنظراته الثاقبة , وآثار الصفعة واضحة على خده , فجأة , أستدار على نفسه وخرج من الصالون.
حدقت جولي في الباب الموصد بعينين دامعتين , وهي تسأل نفسها: ( رباه , ما الذي فعلت؟).
عادت تنظر الى العلب على الكنبة , وراودها شعور بتمزيقها أربا مع محتوياتها , لكن هذا لن يفيد في شيء , سوى كونه أثباتا لأتهامه أياها بالمراهقة.

الشغاف
06-23-2011, 06:22 PM
3- دعوة للخروج


أستجمعت كل قواها قبل أن تفتح الباب وتدخل الى القاعة , وما أن خطت أولى خطواتها حتى تلاشت الأصوات تدريجيا وأتجهت أنظار جميع الحاضرين صوبها.
بادرت لوسي قائلة , وهي تدنو من كنتها , وأبتسامة متكلفة تواكب نظراتها:
" هل أنت أخيرا , جولي! نحن جميعا في أنتظارك , تعالي أقدمك الى الحاضرين".
أخذت لوسي كنتها من ذراعها ومشت وأياها الى حيث يقف الآخرون , وعينا جولي شاخصتان الى أمرأة شابة طويلة القامة , كانت تقف الى جانب روبرت , لم تكن باميلا هيلينغتون كما تصورتها جولي , ألا أن هذه لم تستطع أنكار كون المرأة جذابة , شعرها بني , ممتلئة الوجه نضرة الملامح , ثوبها الطويل ذو اللون الأرجواني أبرز قوامها الرشيق.
نظرت جولي الى روبرت , بدا هو الآخر ذا ملامح تنطق بالرجولة ,كان يرتدي بذلة السهرة , وأحست جولي بأنكماش في معدتها جعلها تشعر بتوعك خفيف , عيناه الرماديتان تتلطيان خلف رموشه الكثيفة وبدا على وجهه خلوا من أي تعبير.
" فرنسيس...... لويز.... أقدم أليكما كنتي جولي , جولي , أقدم اليك والدي باميلا , باميلا , عزيزتي , أقدم اليك جولي".
صافحت الجميع بحركة آلية , وبدا لها والدا باميلا أصغر سنا مما تصورت , هما في أواخر الأربعينات من العمر , كانت عينا فرنسيس هيلينغدون الزرقاوان تتفحصانها بأعجاب لا تحفظ فيه , وبدا لجولي رجلا جذابا , لم يكن بطول قامة روبرت , ألا أنه كان قوي البنية , شعره أسود يخالطه الشيب , سالفاه طويلان.
أما لويز فكانت كأبنتها طويلة , ويبدو للناظر اليها وزوجها أن أبنتها أزاءهما غير ذات أهمية.
بعد أن تعارف الجميع , بادر فرنسيس قائلا:
" لقد تعرفنا لتونا الى أبنتك , جولي أنها سيدة صغيرة رائعة".
ضحكت أيما قائلة:
" لقد ظن السيد هيلنغدون أن بيجامتي ورداء النوم ما هما سوى التقليعة الجديدة للباس السهرة".
أبتسمت جولي لها , وقالت:
" هل قال هذا فعلا؟ ( ثم أردفت تذكّرها ) أعتقد أنك أوضحت للجميع أن على السيدات الصغيرات الآن أن يأوين الى سرائرهن ".
أنعكست ملاحظة جولي تقطيبة ظريفة على وجه أيما , وقالت تسأل :
" هل هذا يعني أن علي أن أذهب الى فراشي؟".
أجابت جولي بحزم:
" نعم".
بادر روبرت يسألها بصوت بارد :
" ماذا تودين أن تشربي , جولي؟".
" كوب من عصير البرتقال , أذا سمحت".
ما أن ترك روبرت المرأتين وحدهما , حتى بادرت باميلا بالقول:
" هل تجدين صعوبة في التكيف ثانية مع الحياة في لندن؟ لا بد أنك وجدت الطقس باردا , أليس كذلك؟".
وتدخلت لويز هيلنغدون للحال:
" هل كنت تعيشين في مالايا؟".
أومأت جولي برأسها أيجابا:
" نعم , هذا صحيح ( ثم أخذت من روبرت كوب العصير ) أوه , شكرا ( وعادت تكمل حديثها مع السيدتين) نعم , الطقس بارد جدا , ألا أن التدفئة المركزية في الشقة تخفف من الأحساس بقسوته".
سألها فرنسيس وهو يقدم اليها لفافة تبغ:
" ما رأيك في منزلك؟ كان ملكا لأحد أصدقائنا".
" نعم , لقد قيل لي هذا , يبدو منزلا جميلا جدا , لقد أخذني روبرت لمشاهدته , البارحة".
نظرت باميلا الى خطيبها وعادت خطوة الى الوراء لتفسح له مجال مشاركتهم في حلقتهم , ثم سألته:
" متى سيكون في أستطاعة جولي أن تنتقل الى منزلها؟".
أجاب روبرت:
" في نحو أسبوع أو أكثر قليلا , فأعمال الديكور أوشكت على الأنتهاء".
نظرت باميلا الى جولي ثانية , وسألتها:
" هل أعجبك الديكور؟".
" أعجبني جدا , عرفت أن معظم التصاميم كان لك فيها الرأي الأخير".
أبتسمت باميلا معلّقة:
" هذا صحيح , كان الأمر مسليا بالفعل , نوعا من التمرس , لي ولروبرت , الى أن نجد منزلنا الخاص".
تلك اللحظة , بادرت لوسي هاتفة:
" أليس من السخافة أن نظل جميعا قياما , هنا؟ ألا يمكننا أن نجلس في راحة؟".
ألتفت روبرت نحو لويز:
" هلا تفضلت بالجلوس , لويز؟".
أتكأت أيما على ساعد والدتها , والحديث دخل في العموميات , وما هي ألا دقائق قليلة حتى لاحظت جولي أن النعاس بدأ يغالب عيني أبنتها , أذ أخذ جفناها ينسدلان على عينيها تعبا, نهضت من مقعدها قائلة:
" هيا بنا , حبيبتي , أضعك في فراشك".
نهض روبرت وفرنسيس , أحتراما , وبأبتسامة أعتذار طلبت من أيما أن تلقي التحية على جدتها والآخرين وتتقدمها الى غرفتها.
عادت جولي بعد فترة وجيزة , وكان العشاء جاهزا , فتوجه الجميع الى غرفة الطعام.
في الصالون , وضع روبرت بضع أسطوانات , فأمتلأ الجو بألحان ( البعد الرابع) للموسيقار بيرت بكارا.
جلست باميلا وروبرت على كنبة واحدة , فيما أستغرقت لوسي ولويز في حديث ثنائي طويل , وبأعتبارهما والدتي عروسي المستقبل , فقد كان طبيعيا أن يدور حديثهما حول تفاصيل حفلة الزواج , وهكذا , بقيت جولي وحيدة مع فرنسيس.

الشغاف
06-23-2011, 06:23 PM
بعد أن غادرت عائلة هيلينغدون , أحست جولي كما لو أنها كانت تعرف فرنسيس منذ أعوام طويلة , وشعرت بالأمتنان له كونه جعل أمسيتها الصعبة تنقضي ساعاتها بسرعة ومتعة.
واكبهم روبرت الى سيارتهم , وبعد خروجهم , تنهدت لوسي تعبيرا عن الرضى.
قالت تسأ ل جولي:
" أوليسوا عائلة رائعة؟".
" بالكاد تسنى لي التحدث مع أي منهم , اللهم سوى أطراف حديث تبادلته مع فرنسيس".
" فرنسيس! ( بدت لوسي مذعورة , وأضافت ) لا أظنك ناديته بأسمه مجردا , كما فعلت الآن؟".
" ولم لا؟".
" أسمعي , عزيزتي , أنت بتصرفك هذا لم تكوني في مستوى لائق , أتدرين من يكون؟".
" لست مهتمة للأمر كثيرا".
" أذن , ربما من الأجدر بك أن تعلمي أنه رئيس مجلس أدارة شركة هيلنغدون , والده هو السيد أرنولد هيلينغدون , وسيرث والد باميلا اللقب بعد وفاة أبيه".
" شيء عظيم!".
أمتقع وجه لوسي من الغضب , وقالت:
" كان عليّ أن أدرك سلفا أن معلومات كهذه لا وقع لها في نفسك ولا قيمة.......".
" فعلا , أعرف هذا , ولن أكون في أي حال عقبة في طريق أحد".
شرعت لوسي تفرغ منفضة ملأى بأعقاب السكائر في سلة قمامة صغيرة , ثم سألت جولي:
" لم أكن أدري أنك تدخنين؟".
" أنني لا أدهن ".
" لكنك فعلت هذا المساء!".
" أدخن في المناسبات فقط , هذا كل ما في الأمر ( وتنهدت قبل أن تضيف ) هل أستطيع أن آوي الى فراشي؟".
أجابت لوسي وهي تستدير مبتعدة:
" لم لا؟".
" لم أكن متأكدة مما أذا كان يحق لي أن أفعل من دون أستئذان".
فجأة , فتح باب الشقة ثن أوصد ثانية , وكان القادم روبرت , دخل الغرفة وهو يفط أزرار سترته , وبدا متضايقا لكثافة دخان السكائر , وظهرت تقطيبة على وجهه , تماما كما تفعل أيما , وحبست جولي أنفاسها .
أحسّت بأقترابه منها , ثم وقف قبالتها , بادرها بصوت بارد ميّزت فيه لهجة تحد:
" حسنا ؟ أراك غيّرت رأيك؟".
لم ترد جولي على ملاحظته , وأذ أدركت أنه كان يشير بكلامه الى ثيابها, أما لوسي فتملّكتها الحيرة والتساؤل:
" غيّرت رأيها؟".
قال روبرت وأشارة من يده تحسم تساؤل والدته:
" لا شيء!".
ثم جال بنظره في الغرفة وأردف:
" ما هذه الفوضى!".
رفعت لوسي كتفيها أستخفافا , وقالت :
" هالبيرد سيهتم بأمر تنظيف الغرفة صباحا".
سار روبرت الى حيث أبريق العصير , سكب لنفسه كوبا , ثم ألتفت نحو والدته يسألها:
" أترغبين في كوب؟".
سبقت جولي حماتها في الجواب:
" أنا أرغب في واحد".
سكب روبرت لها كوبا وحمله اليها , بادرت لوسي تثير ثانية موضوع علاقتها المتوترة بجولي , وشكت لأبنها معاملة كنّتها لها وتصرفاتها الأستفزازية , فتطلّع روبرت ناحية والدته متأملا , ثم قال:
" أذا كانت علاقتكما مستعصية فما من أحد يمنعك من العودة الى شقتك".
فوجئت جولي بأقتراحه هذا , أذ لم يكن من عادته أن يتكلم مع والدته بهذا الأسلوب الفظ.
هتفت لوسي مذعورة :
" ماذا؟ وأتركك هنا وحيدا ....... معها؟".
" وماذا في الأمر ؟ ( سألها روبرت ساخرا , ثم أضاف ) لا أظنك تعتقدين أن في الأمر مانعا .... من كلا الطرفين ؟".
أجابت لوسي وهي تحدّق فيه محاولة أستقراء ما يجول في ذهنه :
" بل هناك مانع , هذا فضلا عن أنني لست متأكدة من أن باميلا ستقبل أن أترك الشقة".
مرر روبرت راحة كفه على عنقه:
" ولم لا؟".
أجابت لوسي بأمتعاض:
" لا تكن بليد الذهن روبرت".
" لست كذلك , أمي , أذا كنت تعتقدين ما أظنه يراود مخيلتك , فلا أعتقد صراحة أن وجودك سيكون عقبة في طريقي أذا ما رغبت في مغازلة جولي!".
هتفت جولي وقد أمتقع وجهها:
" روبرت!".
ألا أن روبرت هتف بدوره اضبا:
" أنها الحقيقة , أمي , في الواقع أن وجودك هنا بهدف حمايتي ليس ضروريا , جولي هي أرملة أخي....... لهذا , علي أن أنهض بأعباء معيشتها هذا كل ما في الأمر , هل أنت مقتنعة الآن ؟ ( أستدار مبتعدا , ثم أردف قائلا) الآن , الأفضل لنا جميعا أن ننال قسطا من النوم , فأنا تعب".
نهضت جولي من مقعدها وهي ترشف ما تبقى في كوبها , رمقتهما بمرارة , وقالت لروبرت ملاحظة بسخرية:
" أحسنت , فتحديدك اللبق لعلاقتك بي , أعجبني هل لي أن أضيف على ما تفضلت , بأن الأمر يعود اليك فقط في توفير قوتي أو عدمه!".
ذات يوم , وكان مضى أسبوع على وجودها في لندن , رن جرس الهاتف وكانت وحيدة في الشقة , وفوجئت لدى سماعها صوت فرنسيس هيلينغدون .
هتف قائلا:
" جولي!".
" نعم ...... هل المتكلم... السيد هيلينغدون ؟".
" فرنسيس ( أوضح في أقتضاب ) كلمة سيد تبدو كأنك تعتبرينني كهلا".
أبتسمت جولي :
" لم أقصد هذا أطلاقا".

الشغاف
06-23-2011, 06:25 PM
بدا فرنسيس مستمتعا بالحديث:
" أنني متأكد أنك لم تفعلي , هل أنت في حال جيدة؟".
" بخير والحمد لله ( ألتفتت الى الوراء , وقد شعرت بقدوم هالبيرد الى الغرفة , وأستدركت ) مع من كنت ترغب في التحدث؟ روبرت غير موجود , أنه في مكتبه في الشركة , وحماتي أصطحبت معها أيما في نزهة الى حديقة الحيوانات".
أوضح مؤكدا , أذ فوجىء بسؤالها:
" أردت التحدث اليك , جولي ".فرفعت كتفيها تسليما للأمر , أمام هالبيرد .
قالت مرددة , ليفهم الخادم حقيقة الأمر :
" أردت التحدث اليّ؟".
فأومأ هذا برأسه تهذيبا ثم غادر الغرفة.
: نعم , أردت أن أسألك أذا كنت تقبلين دعوتي الى الغداء , هذا , أذا لم يكن هناك ما يشغلك؟".
" الى الغداء ؟ ( رددت جولي وهي تستجمع حواسها , وبدا لها أنها تردد كلماته ببغاويا وهي في حال مرتبكة ) لكن ...... لماذا؟".
ضحك فرنسيس:
" هل علي أن أقدم سببا لدعوتي أياك؟ ألا تستطيعين تقبل رغبتي في دعوتك الى الغداء , مجرد من أي سبب؟".
بدت جولي كمن غلب على أمره , وقالت :
" حسنا , لست أدري.....".
" لماذا ؟ تقولين أن روبرت في مكتبه , ولوسي وأيما خرجتا الى حديقة الحيوانات , فما الذي يمنعك من قبول دعوتي؟ أما أذا كنت مرتبطة بمواعيد أخرى , في هذه الحال طبعا , أقدم أعتذاري المناسب , وأعدل عن الموضوع".
تنهدت جولي.
" كل ما في الأمر أن دعوتك لي جاءت مفاجئة".
" أذن؟".
أنتظر فرنسيس سماع جوابها.
خالج جولي مزيج من الماعر المتضاربة , ففكرة الغداء مع فرنسيس تغري , أذ هو شخص مسل وذو شأن في آن , ولم تشك للحظة في أنها ستتمتع برفقته , لكن هناك أمورا أخرى عليها أن تأخذها في الأعتبار : ماذا سيقول روبرت , أولا , وأية قصة خبيثة ستختلق لوسي عن الموضوع برمته , ثانيا.
ولأن تقييد حماتها لها بدا نوعا من الأستفزاز يحض على أقتراف أي عمل متمرد لا يغتفر , أتخذت جولي قرارها.
أخيرا , أجابت فرنسيس:
"حسنا , أنني أتطلع الى أن أتناول الغداء معك , أين نلتقي؟".
بدا فرنسيس منشرحا وقال مقترحا:
" سآتي الى عندك لأصطحبك , نحو الثانية عشرة؟".
بلت جولي شفتيها:
" حسنا , سألقاك عند مدخل البناية".
" أتفقنا".
أقفل فرنسيس الخط , وأعادت جولي هي الأخرى سماعة الهاتف الى مكانها بيد مرتعشة , لقد قضي الأمر وقبلت دعوته , ولم تعد تستطيع , بالتالي , التراجع عن موافقتها , حتى ولو أرادت ذلك , أذ أنها لم تكن تدري وسيلة للأتصال بفرنسيس , ولا هي كانت تعلم مكانه ورقم هاتفه , فضلا عن أنه لم يعد هناك متسع من الوقت لذلك , وما هي ألا ساعة أو أقل حتى يكون في أنتظارها عند أسفل السلم.
تأملها فرنسيس بتمعن فترة طويلة قبل أن يعود الى حاله ويدير محرك السيارة , ثم قال معلقا , وقد أنطلق بالسيارة في شارع أيتون غايت :
" تبدين جميلة جدا... الحقيقة أنني تساءلت عما أذا كنت ستعدلين عن المجيء؟".
حدّجته لوسي بطرف عينيها:
" هل كان مفروضا فيّ أن أفعل؟".
" ليست هذه وجهة نظري".
" الى أين نحن ذاهبان؟".
" الى مطعم (( الطائر الأرجواني )) ( أجابها وهو يراقب رد فعلها , ثم أضاف ) أنه مطعم يقع في شارع سلوت , هل سمعت به من قبل؟".
هزت جولي رأسها نفيا , قائلة:
" كلا , لكن هذا ليس غريبا قياسا على الظروف ( وتنهدت قبل أن تضيف ) لقد أنقضت ستة أعوام مذ دعاني شخص الى الغداء في لندن ".
" أذن , أعتبر نفسي محظوظا , سنشرب نخب هذه المناسبة".
ضحكت جولي لملاحظته الطريفة , وأحست براح كبرى وهي تتأمله.
مطعم ( الطائر الأرجواني ) كان يستحق الشهرة التي له , فالطعام فيه كان شهيا , وأحست جولي على رغم متعتها بالدعوة بأسف وهما في طريق العودة الى شقة روبرت.
خلال جلسة الغداء , لم يتعد حديثهما العادي من المواضيع المختلفة, وما أن أقتربت بهما السيارة من البناية , حتى قال فرنسيس:
" هل تقبلين دعوتي ثانية ,جولي؟".
نظرت اليه جولي , وعيناها شاخصتان بثبات الى الأمام تستطلعان الطريق:
" هل تريدني أن أخرج معك ثانية؟".
" طبعا".
" لست أدري ما أذا كان مناسبا أن تفعل هذا".
" ولم لا ؟ ( ورمقها بنظرة قصيرة , ثم أضاف) ألم تمضي وقتا ممتعا في رفقتي؟".
" بلى , لكن ليس هذا هو المقصود".
" لا أفهم ما ترمين اليه".
" بل أنت تفهم تماما ما عنيت , عندما..... دعوتني الى الغداء , سألتك عن السبب وكان جوابك لي.... هل يجب أن يكون هناك سبب لتقبلي دعوتي؟ حسنا , الآن , أرى سببا لذلك ".

الشغاف
06-23-2011, 06:25 PM
قطب جبينه:
" بالتأكيد , السبب واضح, أنني أرتاح لوجودك".
" وزوجتك؟".
" لويز؟ وماذا عنها؟".
" هل هي على معرفة بدعوتك لي اليوم؟".
" لا لزوم لأن تعرف , فالأمر لا يخصها".
" بل على العكس ( تنهدت جولي ثم أضافت) ألم تدرك قصدي بعد؟ أنها أذا علمت أننا كنا معا اليوم ولم تخبرها بالأمر سلفا ... ماذا سيكون موقفها؟".
" الحقيقوة أنني لا أكترث لهذا كثيرا".
حدّقت فيه جولي تستشف مغزى كلامه وسألته:
" لماذا؟".
" هل عليّ أن أوضح لها الأمر ؟ الحقيقة أن علاقتي بلويز أنتهت منذ سنوات , نعم , ما زلنا متزوجين , ونتصرف كأننا سعيدان , أنما المسألة كلها لا تتعدى مصلحة باميلا , وأهلي , هذا كل ما في الأمر".
تنفست جولي بعمق , وقالت:
" فهمت الآن".
أحنى فرنسيس رأسه يتأمل أزرار سترته , وقال:
" أرى أن الحقيقة هذه تجعلني , بالطبع , فاقد الأعتبار والأحترام".
" ماذا تقصد؟".
رفع فرنسيس نظره نحوها , وقد أرتسمت على وجهه سخرية مرّة , وأجاب:
" هل يمكنني أن أفهم أنك نادمة لخروجك معي اليوم . ستفكرين أن عليك بعد الآن أن تكوني أكثر أحترازا في علاقتك معي وستقولين لنفسك : هذا رجل يسعى وراء هدف أبعد من صداقة مجرّدة!".
تلوّن وجه جولي , وأعتدل هو في جلسته بحركة عصبية , ثم قال:
" أترين؟ أنني على حق في ما قلت , أليس كذلك؟".
سألته بلطف :
" وهل أنت فعلا؟".
" هل أنا ماذا؟".
" هل أنت وراء ما يتعدى صداقة مجرّدة؟".
تنهد فرنسيس قائلا:
" قد أكون غبا وكذابا في آن أذا أنا أنكرت ذلك , لكن , أذا كنت تعتقدين أنني أرغمك على القيام بأي عمل لست مستعدة لقبوله , فأنت مخطئة , أنني أميل اليك , ولا أستطيع أنكار هذا , لكن أذا كان ما تريدين من علاقتنا هو صداقتي فقط , فأنا مستعد لأكون صديقا بكل ما للكلمة من معنى ".
قالت جولي , تحدق فيه وقد غلبت على أمرها :
" أوه , فرنسيس".
" لقد توترت أعصابنا فجأة , وهذا لا ينفع في شيء ( ثم نظر الى ساعته , وقال ) علي أن أعود , لدي موعد ... دعيني أرى , منذ نصف ساعة!".
شهقت جولي :
" منذ نصف ساعة ؟ لقد تأخرت!".
تمتم فرنسيس بكلمات مبهمة وبدا غير منزعج للأمر.
دفعت جولي باب السيارة وأنسلت خارجا وهي تقول:
" من الأفضل أن أذهب".
وفي اللحظة نفسهاخرج فرنسيس هو الآخر ودار حول السيارة قادما ناحيتها.
" أشكرك لقبولك دعوتي".
"بل أنا شاكرة لك ( وهزت رأسها دلالة الرضى وهي تضيف ) كان غداء رائعا".
أومأ فرنسيس :
" حسنا".
ثن عاد الى الجهة الأخرى من السيارة , ألا أنها أوقفته وهي تضع يدها على كتفه :
" ألن تدعوني الى الخروج معك ثانية؟".
" وهل تقبلين؟".
" بأعتبارك صديقا , نعم".
أخذ يدها بين راحتيه , وقال :
" حسنا , سأتصل بك خلال أيام قليلة , أذا لم يكن هناك مانع ".
أومأت جولي موافقة .
" حسنا , الوداع , فرنسيس".
" الوداع , جولي ".
أخلى يدها وخفّ عائدا الى مقعده في السيارة.
حين دخلت الشقة تناهى الى سمع جولي بوضوح صوت أنثوي, وأحست بقلبها يغور في صدرها , ظنت أن لوسي عادت , ولا بد أنها ستتحرى منها تفسيرا لخروجها من دون أن تعلم أحدا بالمكان الذي قصدته.
سوّت سترة ثوبها , وألقت حقيبتها على الطاولة في رواق الشقة , ثم دفعت باب الصالون ودخلت , غير أن التي كانت في الداخل تقتعد الكنبة لم تكن حماتها , بل أمرأة شابة لم تكن ألتقتها قبلا , ألتفتت هذه نحوها متسائلة أذ خطت داخل الغرفة , كان روبرت هناك أيضا , يقف متكدر الوجه الى جانب النافذة , ويداه خلف ظهره.
أغلقت جولي الباب ثم أسندت ظهرها اليه , وأرتسم على جبينها المعقود سؤال أذ أستعصت عليها هوية المرأة , ثم حدّجت صهرها مستفسرة , فأقترب هذا متثاقلا , ليقف وراء الكنبة.
بادرها بصوت بارد:
" طاب يومك , جولي , أنني مسرور جدا أن أراك قد قررت العودة أخيرا , الأنسة لوسن وأنا ننتظرك منذ ما يقارب الساعة".
أوضح قائلا وعيناه تجبهان عينيها بقوة أحست معها أنها طفلة أعتراها الخوف:
" الآنسة لوسن هي المربية التي أخترتها لترعى أيما , لقد أطلعتك قبلا على هذا الموضوع , أن كنت تذكرين".
" أنني آسفة لتخلفي عن أستقبالك , آنسة لوسن".
وتوجهت نحوها لتصافحها , مدت لها المرأة الشابة يدا متراخية , وجولي تقول:
" أنا جولي بمبرتون , والدة أيما".
رأت الآنسة لوسن أن الوقت مناسب لتعيد بعض الحماسة الى الجو المتشنج , فأنتصبت على قدميها وقالت:
" كيف حالك سيدة بمبرتون ؟ ( كانت أطول قامة من جولي , وبدا أن هذا راقها , ثم أضافت بصوت مهذب ) أنه لسرور عظيم لي أن أتعرف اليك , بالمناسبة , أين هي أيما؟".

الشغاف
06-23-2011, 06:26 PM
رفعت جولي نظرها صوب روبرت , وسألته:
" ألم تعودا بعد؟ أذ أن والدتك أخذت ايما الى حديقة الحيوانات ".
عقد روبرت يديه على صدره , فبدا بهذه الحركة أكبر حجما وأكثر قوة , ما لم يسبق لجولي أن لاحظته فيه قبلا , خصوصا متى قورن مع فرنسيس الأقصر منه قامة , والأصغر بنية , ثم قال:
" ضروري أن تتعرف الآنسة لوسن الى أيما اليوم , فغايتي من ترتيب هذا اللقاء هي الأفساح في المجال للآنسة لوسن أن تعطي رأيها في موضوع تدريسها".
" لم أكن أدري أننا أتخذنا قرارا نهائيا في هذه المسألة".
تجهم وجه روبرت وقال :
" أنما العكس هو الصحيح , كل شيء تم ترتيبه , الآنسة لوسن ستقطن معكما في ثورب هيلم لدى أنتقالكما الى المنزل الجديد في نهاية الأسبوع , ولست أرى سببا حقيقيا يعقوق هذا الأمر".
شمخت جولي برأسها وقد صممت على ألا تسمح له بأن يهولعليها في حضرة أمرأة غريبة وقالت بلهجة حازمة:
" أني متأكدة أن مدرسة القرية مكان مناسب لتبدأ أيما دراستها , وعندما تصبح أكبر سنا...".
قاطعها روبرت وبريق بارد يغلف نظراته:
" أتركي لي الحكم المناسب في هذه المسألة , جولي".
فأجابت تحاول أسترضاءه:
" ألا تعتقد أن علينا تداول هذا الموضوع مليا قبل أتخاذ أي قرار؟".
" ليس هناك مجال للبحث فيه أكثر ".
" لا أوافقك الرأي ( وأبتسمت للآنسة لوسن أبتسامة خفيفة , وأضافت ) لا شك عندي أن الآنسة لوسن مربية ممتازة , ألا أنني أفضل أن تخالط أيما أولادا آخرين خلال النهار".
" لست في وارد الخوض معك في جدل عقيم , جولي , لقد أحضرت الآنسة لوسن الى هنا , كما سبق وقلت , لتتعارفا , ليس ألا ".
ببدت جولي مهتاجة , ألا أنها , وقد أدركت أن القرار ليس في يدها , ألتفتت الى الفتاة تسألها:
" هل ترغبين في فنجان شاء , آنسة لوسن؟".
أومأت الفتاة موافقة:
" نعم , شكرا".
وأسرعت جولي في أتجاه الباب , بعد أن أشارت لها لتجلس ثانية , في الممر الذي يصل الصالون بالمطبخ قطع عليها روبرت طريقها وأعترضها مانعا أياها من التقدم , أمسك بمعصمها ولوى ذراعها , ثم قال لها بنبرة مزمجرة متوحشة:
" أين كنت حتى هذه الساعة ؟ أتعلمين أنها تخطت الثالثة والنصف؟ ".
رفعت جولي نظرها والغضب يملؤها , كان الممر ضيقا لوجودهما معا , ولم يحدث أن كانا على مثل هذه المسافة القريبة جدا , منذ عودتها من مالايا , كانت أصابعه الممسكة بمعصمها باردة قاسية , أما شرارات السخط التي كانت تنبعث من عينيه فلم تكن من البرودة في شيء , وبدا على وشك أن ينفجر من الغضب , قالت توضح له:
" أنت لست قيما على حياتي الخاصة , روبرت".
" لم أقل أنني هكذا , فقط سألتك أين كنت؟".
" خرجت أتغدى في أحد المطاعم".
" اللعنة عليك . أعلم هذا , لكن ما لا أعرفه هو من كان في صحبتك الى الغداء ؟ ( وشدّ على معصمها وهو يسألها ) هل تريدين أن أحطم عظم معصمك؟".
" لن تتجرأ!".
" أتراهنين!".
وبدا من عينيه الملتهبتين أنه جاد في ما يقول.
" أحست جولي بأنقباض في حلقها , وقالت:
" أنك متوحش! أذا كان لا بد أن تعرف من هو الشخص الذي خرجت معه الى الغداء , فلا بأس في ذلك , أنه فرنسيس!".
" فرنسيس؟ ( رجج متسائلا ) فرنسيس من؟".
" فرنسيس هيلينغدون !
بدا واضحا أن أن روبرت صعق لوقع الأسم هذا , غير أنه لم يدعها تفلت من قبضته , وأضاف يسألها غير مصدق:
" والد باميلا؟".
" هو أياه ( وأضافت بلهجة ساخرة) دعني وشأني!".
تجاهل روبرت طلبها , وعاد يسألها:
" ماذا تظنين أنك تفعلين بخروجك معه الى الغداء ؟ أنت بالكاد تعرفينه".
أجابت والنبرة الساخرة تلازم صوتها :
" نعم , والآن توطدت معرفتي به".
" أيتها اللعينة , كيف أتفق أن خرجت معه؟".
" لقد دعاني الى ذلك ( أجابته , وأبتسامة تتوزع على قسمات وجهها , وأضافت) ليس هناك أي سوء فيما فعلت , أتصل بي هذا الصباح ودعاني الى الغداء , هذا كل ما حصل".
قال روبرت وعيناه لا تفارقان وجهها:
" لم أكن أتصور أن فرنسيس يمكن أن يقدم على أمر كهذا".
" أنه ليس ما تظن , ثم , ماذا تعني بقولك : أمرا كهذا , لقد قلت لك أن ليس في الأمر أية غاية أخرى".
" أنا متأكد من هذا ( ونظر الى يدها الأسيرة بين أصابعه وأضاف ) يغريني الآن أن أهشم معصمك كما أفعل بعود ثقاب ( بدا وجهه كالحا ) أم ترى من الأفضل أن أحطم عنقك؟".

الشغاف
06-23-2011, 06:28 PM
أطلقت جولي ضحكة عالية , غير مدركة ما في عينيه الرماديتين من شر , ثم قالت:
" كف عن هذا التصرف الأرعن , روبرت , أننا نضيع الوقت , بينما الآنسة لوسن ....... تنتظر مني أن أحضر اليها فنجان شاي , وقد تتساءل ما الذي أخّرني".
أجاب روبرت بصوت أجش:
" لا يهمني أبدا أن تنتظر الآنسة لوسن فنجان الشاي".
" لكنني أنا أهتم لهذا".
كان روبرت لا يزال يحدق فيها بوقاحة غريبة , تخصبت وجنتا جولي ورجته أن يتركها , ألا أنه لم يعر رجاءها أهتماما.
فجأة , شدّها اليه , ولوى ذراعها خلف ظهرها , نظر اليها بعينين زائغتين :
" حسنا ؟ ( غمغم بصوت أجش ) ماذا في أستطاعتك الآن أن تفعلي ؟".
تلوت جولي من الألم تقاومه على غير طائل , وزادته محاولاتها هذه تصميما , فأشتدت قبضته على معصمها , وضغط عليها حتى كادت تنقطع أنفاسها .
قالت له ثانية وقد وهن صوتها:
" أرجوك , روبرت".
" أيتها اللعينة ... أنك لا تتبدلين أبدا , ولا يهمك من تجرحين!".
سوت جولي قميصها بأنامل مرتجفة , والغضب حل مكان ضعفها :
" لم أطلب منك أن تلمسني ".
كان روبرت لا يزال يحدق فيها بنظرات تربكها , ومن دون أن يعلق بكلمة , أبعدها من طريقه ليختفي داخل غرفته , ظلت واقفة لفترة حيث تركها , وكانت ترتعش من قمة رأسها حتى أخمص قدميها , ثم أقتربت من باب المطبخ وأسندت يدها اليه , وقالت وفي صوتها عزم مصطنع:
" هالبيرد , هلا أحضرت لنا ثلاثة فناجين شاي؟".
راودتها فكرة الذهاب الى غرفة روبرت , ألا أنها فضّلت أن تسلك طريق التعقّل.
كانت الآنسة لوسن في مكانها تنتظر , وفي يدها لفافة تبغ , وبدا التأفف عليها لحظة دخلت جولي الغرفة.
بادرت جولي تعتذر لتأخرها:
" آسفة لتأخري , ثانية , لقد طلبت من الخادم أحضار الشاي , هلا أخبرتني قليلا عنك".
نظرت اليها المرأة الشابة وفي عينيها عداء لم تستطع جولي أن تتبين له سببا , ثم سألت مستوضحة:
" هل هذا يعني أنك موافقة على وجودي مربية لأيما؟".
جلست جولي في مقعد من الجلد قبالة الفتاة , ثم قالت بتحفظ:
" لنقل , حاضرا , أنني أقبل الوضع على حاله".
رفعت الآنسة لوسن حاجبيها أستغرابا وقالت:
" لكن السيد بمبرتون هو مخدومي".
تنهدت جولي , وقالت:
" هذا صحيح , الى حد ما , أسمعي آنسة لوسن , من المفترض أن تعرف الواحدة منا الأخرى جيدا , هذا أذا قيض لنا أن نعيش معا ( وحاولت أن تبدو أكثر ودا فأردفت قائلة ) ما أسمك الأول ؟ أذ ليس من المعقول أن أناديك آنسة لوسن طوال الوقت".
" أسمي ساندرا ( أجابت الفتاة ) ألا أنني أفضل أن ينادى عليبأسمي كاملا في حضور أيما , لأن رفع التكلف مع الأطفال لا يساعد في أنضباطهم كما تعرفين".
حاولت جولي جاهدة أن تكتم أبتسامة بانت على شفتيها.
" لا أظنك في حاجة الى ممارسة أصول الآداب مع طفلة في الخامسة , آنسة....... ساندرا , ثم , أن أيما ليست من ذلك النوع من الأطفال.......".
" أي نوع من الأطفال تقصدين , سيدة بمبرتون؟".
" الذي يحتاج الى التأديب , هذا ألى أن أيما طفلة مهذبة جدا , ولا أستطيع أن أتصور أنها قد تكون مصدر أي مشكلة كبيرة".
" أنت والدتها , سيدة بمبرتون , وبالتالي ر يمكنك أن تدركي المشكلات الطارئة التي تواجه المدرّي في مهنته".
أجابتها جولي وقد أحست بالسخط رغما عنها:
" ما أستطيع تصوره هو أن الأمر يعود بغالبيته الى قدرة المدرّس وكفايته".
بعد دخول هالبيرد تلك اللحظة , التشنج الذي بدأ يسيطر على حوارهما , وأنهمكتا بسكب الشاي وأنتقاء بعض الفطائر , رشفت جولي من فنجانها من دون أن تأكل شيئا , أذ أنفت نفسها الطعام في هذه الساعة من النهار.
أما ساندا فأكلت مليا وبشهية ظاهرة.
همّت هذه تسكب لنفسها فنجانا ثالثا من الشاي حين دخل روبرت , ولاحظت جولي أن روبرت أستحم ثم أبدل ثيابه , أذ كانت قطرات الماء لا تزال عالقة تلمع على شعره الأسود , وبدا متكاسلا عل عكس ما كان منذ فترة قصيرة.
أنفرجت أسارير ساندرا لرؤيته ثانية , وأبتسمت له بحرارة , بينما تعابير وجهه على حالها لم تتغير , سوى رقة باهتة ظهرت في عينيه وهو ينظر اليها.
فجأة تغيّر سلوكه , حين نظر الى جولي , وسألها بصوت فظ :
" حسنا ؟ هل تم ترتيب كل شيء؟".
رفعت جولي كتفيها بلا مبالاة , وأجابت:
" ليس عندي ما أقوله في هذا الشأن".
" جولي!".
" حسنا , قم أنت بالترتيبات التي تراها مناسبة ( ثم نهضت من مكانها , وأضافت ) يبدو أن لا قيمة أطلاقا لوجودي هنا".
بدا روبرت يتلظّى غيظا لموقف جولي هذا , وأذا بصوت الباب الخارجي يفتح , مما جعله ياتفت نحوه فجأة في أنفعال.

الشغاف
06-23-2011, 06:29 PM
أطلّت أيما من باب الصالون , صغيرة , سمراء , ينطق وجهها بالحنان وهي ترتدي معطفها الأحمر وسروالا أخضر , توقف نظرها عند ساندرا لوسن , ونظرت الى والدتها مستفسرة.
أنحنت جولي تضمها اليها , وقالت:
" أهى حبيبتي , هل أمضيت وقتا ممتعا؟".
أجابت أيما بأنفعال وحماسة:
" كان يوما رائعا , أمي! ( وأفلتت من والدتها تعدو الى حيث كان روبرت واقفا , أخذت يده بين راحتيها تشد عليها بقوة ) لقد شاهدنا كل أنواع الحيوانات , عمي , وقد أشترت لي جدتي بوظة ومرطبات وحلوى".
سألها روبرت بلهجة لا تخلو من البرودة:
" هل أشترت لك , فعلا , كل هذا؟".
ثم أخذت ملامح وجهه تلين أمام سحر وجه الطفلة , لم يكن هناك أدنى شك في أنه كان يكن لها عاطفة كبيرة , وتساءلت جولي عن سبب الألم الذي يتولد فيها كلما لاحظت ذلك.
أردفت أيما تسرد له في شوق وفرح:
" شاهدنا أيضا قطيعا من الجياد , أتدري ماذا قالت لي جدتي؟.......... لقد قالت أن في أمكاني أن أقتني جوادا حالما ننتقل الى الريف, هل هذا صحيح , هل ستشتري لي جوادا , عمي؟".
قالت جولي وقد أحست بضيق مفاجىء:
" أيما".
كذلك فعلت لوسي في لهجة حادة , وهي تدخل وتنزع قازيها :
" ليس في الوقت الحاضر أيما".
ثم أنتبهت لوسي الى وجود ساندرا لوسن , فأنفرجت أساريرها , وهتفت:
"ساندرا! عزيزتي ساندرا , , لم أكن على علم بقدومك اليوم , وألا لبقيت في المنزل لأستقبالك".
قال روبرت , موضحا , وهو يساعد أيما في نزع معطفها:
" لم تكن الآنسة لوسن نفسها على علم بموعد قدومها , لقد أتصلت بها هذا الصباح ( وألتفت نحو الطفلة يقدم اليها الفتاة) الآنسة لوسن ستكون مربيتك , هل تعلمين ما معنى كلمة مربية؟".
قطبت أيما حاجبيها , تجيبه:
" هل تعني أنها مدبرة؟".
" كلا , كلمة مدبرة تشبه في معناها الراعية , بينما المربية هي أقرب الى معلمة منها الى مدبرة , أنها تعطي دروسا , كما في المدرسة".
عظم الأهتمام في وجه أيما وسألته:
" ..... في المدرسة؟".
أنحنى روبرت يجلس القرفصاء قرب الطفلة , عيناه في موازاة عينيها , ثم أوضح لها قائلا:
" أنا قلت , كما في المدرسة ولم أقل في المدرسة , أن الآنسة ستقطن معكما , أنت ووالدتك , في ثورب هيلم".
تحولت نظرات الطفلة صوب والدتها , لتتثبت من حقيقة الأمر , غير مصدقة ما قاله عمها , وأحست جولي بقلبها ينفطر.
قالت الطفلة معترضة:
" لكن...... لكن أمي قالت لي أنني أستطيع الذهاب الى مدرسة مناسبة متى عدنا الى لندن!".
أجابها روبرت وهو ينتصب ثانية:
" والدتك كانت مخطئة".
أبت أيما أن تقر بالواقع الجديد , وعادت تسأله وهي تشده بطرف سترته:
" لكن , لماذا , تعال , أقترب عمي".
وأشارت اليه بأصبعها فعاد ينحني ثانية.
" ماذا تريدين الآن؟".
أرخت أيما يديها على كتفيه , ثم أدخلت أصبعين في أذنية , وقالت :
" لماذا لا أستطيع كغيري الذهاب الى المدرسة؟".
تنهد روبرت وقد أعيته أسئلتها المباشرة , فتدخلت لوسي وهي تتفحص كمية الشاي في الأبريق:
" كفي عن طرح أسئلتك السخيفة , فعمك يعرف جيدا ما هو الأصلح لك".
أمسكها روبرت من خصرها الصغير , وأنتصب ثاني , فأذا هي بين ذراعيه , يداها حول عنقه تحكمان الطوق كمن يمتلك كنزا بين يديه , تساءلت جولي وهي تراقبهما عما أذا كانت أيما ترى في روبرت نظيرا لوالدها , أذ بدا أنه يحنو عليها , والطفلة أستجابت لحنانه.
أبدت لوسي أنزعاجا لتصرف روبرت المدلل للطفلة , فهتفت فيه قائلة:
" أنزل الصبية عن ذراعيك , روبرت , فهي لم تعد طفلة صغيرة!".
غير أن روبرت تجاهل كلام والدته , وأخذ يدغدغها , فخبأت هذه رأسها عند عنقه , تقهقه.
لم تعد جولي تستطيع تحمل رؤيتهما معا أكثر من ذلك , أذ كان المنظر هذا بالنسبة اليها تجربة مؤلمة جدا , فبادرت قائلة:
" أستميحكم عذرا........".
ولم تكمل كلامها أذ قاطعتها لوسي تسألها:
" هل تم التعارف بينكما , أنت وساندرا؟".
تنهدت جولي قبل أن تجيب:
" الى حد ما".
أوضحت لوسي:
" ساندرا صديقة قديمة لباميلا , كانتا معا في مدرسة واحدة , ثم أختارت ساندرا التخصص بتعليم الأطفال مهنة لها بدلا من الزواج ( وأبتسمت بلطف قبل أن تضيف) أنا متأكدة من أنك ستجدينها أهلا لمهنتها".
قالت جولي وهي تضغط بأصابعها على راحتيها :
" أنا متأكدة من ذلك".
كان في أمكانها أن تدرك أن أحساس تلك المرأة الشابة حيالها , من خلال سلوكها ونظراتها اليها , هو أكثر من مجرد أستعداء غريزي , وبالتالي سيكون حضورها الدائم في المنزل بمثابة مهمة مراقبتها أذ ذاك شعرت جولي بحاجة الى البكاء , ماذا يعتقدون أنها تكون؟ وماذا يخشون أن تقوم به؟
أستعادت أنفاسها , وهي تنظر الى أيما بين ذراعي روبرت , وقالت:
" هيا بنا حبيبتي , عليك الأغتسال قبل أن يحين موعد العشاء".
تشبثت أيما بروبرت , كما يفعل الأطفال حين لا يريدون القيام بعمل لا يرغبون فيه , وكادت جولي أن تفقد صبرها حيال تصرف أبنتها , وقبل أن تفضحها حالها النفسية المتأزمة وتجعلها مدعاة للسخرية , جمعت قفازيها وحقيبة يدها وخرجت من الغرفة , وأغلقت الباب وراءها بأحكام.

الشغاف
06-23-2011, 06:29 PM
4- سهرة مع رجل لطيف


صباح الأحد , كان مقررا أن يوصلهما روبرت الى ثورب هيلم , ألا أن برقية عاجلة تلقاها مساء الجمعة , يشعره فيها مكتب الشركة في نيويورك بأجتماع كان يريد أن يحضره , أضطرته الى السفر , وكانت باميلا , ساعة تسلمه البرقية تلك الليلة في الشقة تنتظر موعد ذهابهما الى المسرح , وحضّته على السفر , على أن تتكفل هي بأيصال جولي وأيما الى ثورب هيلم , وقالت:
" في أي حال , عزيزي , ليس مهما من منا يوصل جولي والطفلة , أليس كذلك؟".
لم يجبها روبرت , ورفع كتفيه غير آبه , ثم قال :
" أنت محقة , لا أعتقد أن الأمر مهم , هذا , أذا كانت جولي لا تمانع".
لم تتحمس جولي لفكرة باميلا هذه , فأقترحت تقول:
" يمكننا أن نستقل سيارة أجرة".
فتحت باميلا ذراعيها فارغتين , وقالت:
" ليس هذا ضروريا , عزيزتي , فأنا متفرغة.......".
ورمقت روبرت بنظرة ذات دلالة مبهمة.
أضطرت جولي الى القبول , وهكذا , أوصلتهما باميلا الى المنزل , ثم ساعدتهما في نقل حقائبهما الى الداخل.
ظهرت السيدة هادسون من المطبخ , لتستقبلهن , بدت أمرأة قصيرة القامة , كما جولي , أنما ممتلئة الجسم , غلب على شعرها الشيب وعلى وجهها أبتسامة لا تفارقه , خصت أيما بأستقبال مميز , وقالت:
" القهوة جاهزة , سيدة بمبرتون , أنها في أنتظارك في الصالون , هل ترغب الصغيرة في المجيء معي الى المطبخ ؟ سأقدم اليها بعض الحلوى , أنتهيت لتوي من تحضيرها".
أتسعت حدقتا أيما , وهتفت فرحة:
" رائع".
لكن جولي نبّهتها قائلة:
" أياك أن تتخمي معدتك".
" لن أدعها تفعل ذلك".
أجابت السيدة هادسون , تعد جولي , ولسبب في داخلها جهلته , لم تصدقها هذه الأخيرة , هذا , وبدت لها السيدة هادسون أمرأة أهلا لأن تكون جدة مثالية لأيما , وأحست بوخز من الذنب لتصورها هذا.
رافقت السيدة هادسون أيما الى المطبخ , وأخذت جولي تتأمل حولها في غرفة الأستقبال بعين راضية كانت جدرانها مطلية بالأبيض , بينما أمتدت سجادة حمراء داكنة تغطي أرض الغرفة حتى أعلى درجات السلم التي تؤدي الى الطبقة العلوية.
كان الأثاث يبعث الدفء ويوحي بالترحيب , تقدمتها باميلا في أتجاه الصالون , وكانت هذه تتصرف كما لو أنها في بيتها هي , جلست في مقعد قريب من الطاولة حيث صينية القهوة , وبدت بهذا كما لو أنها هي التي تستقبل جولي.
غير أن جولي أبت أن تفقد رباطة جأشها , أذ ليس مهما ما تفعله أو تقوله الواحدة منهما للأخرى , فهي وأيما تمتلكان الآن منزلا خاصا بهما , ومن الآن فصاعدا , سينصب أهتمامهما , معظم فترات وقتهما , على التطلع الى شؤونهما الخاصة.
بعد أن تناولت جولي فنجان القهوة , وكانت قد جلست في مقعد الى جانب النافذة , بادرتها باميلا بالقول :
" أظن أنك ستجدين الراحة التامة هنا , ألا توافقينني الرأي في هذا ؟".
تصنعت جولي أبتسامة خفيفة , وقالت :
" أعتقد ذلك , أنه منزل قديم وجميل".
" نعم , أنه كذلك , طلبت من روبرت أن بشتريه بادىء ذي بدء ليكون منزلنا في المستقبل , ألا أنه أعترض على صغر حجمه".
رشفت جولي قليلا من فنجانها , وقالت :
" أنني أرى ما تقصدين".
" الحق يقال , أن روبرت كان سديد الرأي , ذلك أنه بين فترى وأخرى يقيم بعض الحفلات والمآدب , الشقة في الوقت الحاضر تحاصره ولا تسمح له بهذا , لكن , متى تزوجنا , سيكون في أستطاعتنا أن نستضيف ضيوفنا بحرية أكثر , فالعازب , كما تعلمين , لا يقيم وزنا لهذه الأمور".
هزت جولي رأسها تهذيبا أشارة موافقة.
وحدّقت باميلا في جولي هنيهة غير قصيرة , فبدا الأرتباك على هذه الأخيرة , ثم قالت الفتاة :
" كنت ذات يوم مخطوبة لروبرت , أليس كذلك؟".
أعادت جولي فنجان القهوة الى مكانه بيد مرتجفة , فأحدث أحتكاكه بالصحن قرقعة لدى ملامسته الطاولة , وأجابت قائلة:
" نعم , هذا صحيح".
أطرقت باميلا قليلا قبل أن تقول:
" لقد أخبرني روبرت ذلك".
بلعت جولي لعابها بصعوب , أذ كانت ترفض مبدئيا أن يبحث روبرت في شؤون حياتها الخاصة مع باميلا , وتساءلت عن سبب طرح باميلا لهذا الموضوع بالذات.....
" ألا أنك تزوجت أخاه؟".
بدت باميلا كأنها تستجوبها .
أومأت جولي برأسها :
" نعم , مايكل".
" قال لي , كذلك , أنكما فسختما خطبتكما قبيل سفره الى فنزويللا في مهمة عمل؟".
" نعم , هذا ما حصل".
" هل لديك مانع أن توضحي لي سبب ذلك؟".
بدت باميلا متحسبة , مترقبة.
" هل هذا الأمر يهمك كثيرا؟".
" أود أن أعرف السبب ".
" لماذا لا تسألين روبرت؟".

الشغاف
06-23-2011, 06:31 PM
بدت باميلا مترددة قبل أن تجيب:
" لقد فعلت ....... قال لي أنك أنت التي أردت فسخ الخطوبة".
تلونت وجنتا جولي أحمرارا وعلّقت :
" هل هذا ما قاله؟".
" هل هذه هي الحقيقة ؟".
" نعم , أنها ........... الحقيقة ".
" لكن , لماذا؟".
وبدا الأهتمام في حاجبي باميلا المعقودين .
لم تكن جولي تدري جوابا , فتنهدت , ثم قالت:
" أن الأمر واضح ..... ألا تعتقدين ذلك؟ لقد وقعت في غرام مايكل! ".
عادت الأشراقة الى وجه باميلا , وقالت , أذ أطمأن بالها :
" أوه , أنني آسفة لما حصل , ألا أن ما أخبرتني به في شأن مايكل , لم يخطر ببالي , وكان يجب أن أستنتجه سلفا , لأنك تزوجت مايكل قبل أن يكون روبرت عاد من مهمته في الخارج , أليس كذلك؟".
بدت جولي عاجزة عن الكلام , فأومأت ثانية برأسها تؤكد فحوى سؤال باميلا , ثم أوضحت في أقتضاب:
" لقد تغيّب روبرت آنذاك فترة ستة أشهر".
" نعم , هذا ما قاله لي , لكن ألا تعتقدين , على ما أتصور , أنك كنت سافرت معه , لو أن ظروفك حينذاك كانت مختلفة ؟".
تمنت جولي لو تستطيع تغيير موضوع حديثهما , وبدا تبرمها واضحا في حركات أصابعها , ثم قالت تسألها:
" هل لديك سيكارة؟".
تناولت باميلا حقيبة يدها , تبحث عن علبة السكائر , ثم أستطردت تقول بعد أن أشعلت كل منهما واحدة:
" هل تمانعين في طرحي هذه الأسئلة عليك ؟ الحقيقة أنني أجد صعوبة في البحث في مواضيع من هذا النوع مع روبرت".
نفثت جولي دخان سيكارتها , ثم أجابت:
" كلا , لا بأس في أن تسأليني ما تشاءين ( وأنتصبت على قدميها وهي تتلوى ثم أستطردت تقول ) هل تعتقدين أننا سنمضي فصل شتاء قاسيا ....... لقد نسيت كيف يكون شكل الثلج".
نهضت باميلا بدورها , وأقتربت تقف الى جانبها عند النافذة , ثم أجابت بصوت مهذب:
" لم أذكر لك شيئا من هذا القبيل قبل الآن , ألا أنني , ولو متأخرة , أقدم اليك تعزيتي لوفاة زوجك , من المؤسف أن الفرصة لم تسنح لي لأتعرف اليه".
حدقت فيها جولي بعينين زائغتين , وتساءلت عما يمكنها أن تجيب معلّقة على ذلك , ثم تمتمت بصوت خفيض:
" شكرا".
أومأت باميلا برأسها مؤاسية وهي تضع يدها بلطف على كتف جولي , ثم قالت:
" علي الآن أن أذهب , أمي في أنتظاري وقد أقترب موعد الغداء , فضلا عن أنني دعوت أصدقاء الى الغداء عندي ( وترددت قليلا قبل أن تضيف ) أنني أنتظر زيارتك لنا , بعد أن تستقر بك الحال هنا , كما أنني متأكدة أن والدي سيكونان سعيدين برؤيتك".
كان روبرت لا يزال في الولايات المتحدة , بعد أن مدّد زيارته ليستطيع الأنتقال الى سان فرانسيسكو , ولم تكن عودته منتظرة قبل أسبوع , وكان طبيعيا ألا يكون هناك أتصال مباشر بينه وبين جولي , ألا أن لوسي كانت تتصل كل يوم تقريبا وتطلع جولي على كل المستجدات.
أتصل بها فرنسيس هاتفيا , يوم الخميس , رفعت سماعة الهاتف بتلكؤ , وقد تصورت أن المتكلم سيكون أمرأة عمها , وفوجئت حين تناهى صوته الى مسمعها.
" مرحبا جولي ( وتراءت لها أبتسامته الساخرة ) أوتظنين أنني نسيتك كليا؟".
رفعت كتفيها لا تدري ما تجيب , ثم قالت مازحة:
" لا تقل لي أنك عدلت عن رأيك في دعوتي ثانية".
ضحك فرنسيس وأجاب:
" من الصعب جدا أن أفعل هذا , أخبريني , كيف تجدين حياتك الجديدة في الريف؟".
جلست على ذراع المقعد الذي بقربها , ثم أجابت:
" لا بأس بها , أننا نتكيف جيدا وبسرعة مع واقعنا الجديد , فضلا عن أن أيما تعشق الحرية المتوافرة لها هنا".
" لا شك في ذلك فعلا , أذ هي على ما أتصور لم تعرف معنى الحرية في مالايا".
" لم تعرفها حقا , فقد كانت في رفقة مدبرة ترعاها معظم الوقت , كيف حالك؟".
" أجاهد في هذه الحياة , وحيدا ( أجابها مداعبا , وأستطرد يقول ) هناك سبب واحد منعني من الأتصال بك قبل الآن وهو أنني كنت خارج البلاد , في أسكوتلندا وقد عدت ليلة أمس".
" روبرت مسافر , كذلك".
" أعرف هذا , فأخباره دائما موضوع أي حديث يجري في منزلي".
" عفوا , كان علي أن أعرف هذا سلفا , لقد سها عن بالي وجود باميلا".
بدأ حديثه يسليها.
" فعلا؟ مما لا شك فيه أن هذه مهمة صعبة ".
ضحكت جولي ثانية وقالت بطريقة عفوية:
" أنا مسرورة لأنك أتصلت".
" هل أنت فعلا كذلك ؟ لماذا؟".

الشغاف
06-23-2011, 06:32 PM
تنهدت جولي قبل أن تجيب :
" آه , لست أدري , ربما لأنني أشعر قليلا بأكتئاب , أعتقد أن أختلاف المناخ بأنتقالنا من مكان الى آخر أثّر علي قليلا.... ثم , أن المربية ستصل يوم الأحد".
" المربية؟ تقصدين..... ساندرا لوسن؟".
" نعم , هل تعرفها؟".
" طبعا أعرفها , كانت زميلة باميلا أيام الدراسة".
" هذا صحيح ( وتذكرت أن حماتها كانت أخبرتها بذلك ) لقد نسيت ".
" ماذا بك؟ هل يضايقك وجودها في شيء؟".
أجابت جولي جازمة:
" لن أدعها تفعل ذلك".
ضحك فرنسيس وبدا أنه لم يقتنع بجدية جوابها , وقال:
" يبدو أن الأمر ينذر بعاصفة بينكما , أسمعي , جولي , لم أتصل بك لأقضي نصف ساعة في الحديث معك على الهاتف , أريد أن أراك , متى يكون ذلك؟".
ترددت جولي بادىء الأمر , ثم قالت :
" لست أدري , فهناك أيما.......".
" أحضري أيما معك ....... ما رأيك في أن أحضر الى الغداء في منزلك , بدعوة منك؟".
" لا مانع عندي ".
علّق فرنسيس وقد لاحظ ترددها:
" يخيل ألي أنك لست متحمسة للفكرة , هل هذا يعني أنك لا تحبذين مجيئي؟".
" عفوك فرنسيس , بالطبع يمكنك أن تتغذى معنا , سأحضر لك في المناسبة طبقا خاصا!".
" يبدو هذا مشجعا , ما هو نوعه؟".
" أنتظر تر ( ورمقت ساعة يدها , وأضافت ) أنها الحادية عشرة , أين أنت الآن ؟".
" في المنزل".
صعقت لجوابه وهي تردد :
" في المنزل!".
" لا تجزعي , أنني في مكتبي , وما من أحد يستطيع سماع حديثنا ".
" لكنك تبدو من صوتك كمن يسترق الحديث؟".
" هل أبدو كذلك حقا ؟ أنني أعتذر عن ذلك , حسنا , أنا ذاهب الآن لأخبر لويز وباميلا , لا شك في أنهما تودان المجيء معي".
" فرنسيس!".
" هل تريدينهما معي الى الغداء ؟".
تنهدت جولي , فهي أرادت أن تلتقي فرنسيس ثانية , أذ هو الوحيد الذي كان يعاملها معاملة جيدة , فضلا عن أنها كانت في حاجة الى من تستطيع التحدث اليه.
" أذن؟".
" حسبك أن تتفضل وحدك في المجيء".
وأقفلت الهاتف.
ما أن أنتهت من أرتداء ثوبها وتصفيف شعرها , حتى كانت سيارته تتوقف أمام باب المنزل الرئيسي , أطلت أيما قادمة من المطبخ ,وسألت والدتها:
" هل هذا العم فرنسيس؟".
كانت جولي أعلمت السيدة هادسون في حضور أيما بقدوم ضيف الى الغداء , وبدت هذه فرحة لهذا النبأ.
" نعم , حبيبتي , أنه العم فرنسيس".
وذهبت تفتح له الباب .
بدا فرنسيس فتيّا , وهو في بنطال بيج وكنزة بنية اللون , ورمقته جولي بنظرة دافئة.
بادرهما محييا وهو يدغدغ أيما تحت ذقنها , فضحكت , ثم توجه الى جولي هامسا:
" لا تنظري الي هكذا , وألا تمنيت لو لم أكن ذلك الأنسان الطيب الذي تتصورين".
أبتسمت جولي لكلماته المداعبة , وقالت:
" هيا بنا الى الداخل , لا أعتقد أن المكان غريب عنك".
بدا لها فرنسيس أنسانا مختلفا عن أي رجل عرفته من قبل.
تقدمتهما أيما الى غرفة الجلوس , وبدأ يتأمل الغرفة , ثم قال :
" نعم , أعرف المكان , أنه جميل , أليس كذلك ؟ علما أن أبنتي أختارت ديكوره!".
ضحكت جولي قائلة:
" أترغب في فنجان قهوة؟".
" نعم , شكرا".
وجلس على الكنبة وأيما الى جانبه.
بادرته الطفلة بسؤال خلو من أي تحفظ :
" أين هي العمة باميلا؟".
أبتسم فرنسيس راضيا عن سؤالها وأجابها:
" أنها في المنزل ".
" ألم تشأ أن تأتي معك؟".
" أعتقد أنها ترغب في ذلك , غير أنني لم أسألها ( وأضاف مبتسما أذ لمح خيبة في وجهها ) كانت كلما أتت لتراك تتحاشى أن تدعوني للمجيء معها , فلماذا أسألها أنا أذا كانت لا تفعل الشيء نفسه؟".
بدت أيما راضية لتبريره , وسألته:
" هل قدمت حقا , لتزورني فقط؟".
" ولأزور والدتك أيضا , ( أجابها , وتناول فنجانه يرشف منه قليلا ثم أوضح قائلا) الحقيقة أنني حين أجيء لزيارتك أدّعي أنني جئت لأزور والدتك أيضا , فلا أبدو هكذا أنانيا في تصرفي ( وغمز لها ) أعتقد أنك تدركين ما أعني".
ضج المكان من ضحكة أيما العالية , ثم أقتربت جولي تجلس بالقرب منهما , وقالت تسأله:
" كيف أتفق , فرنسيس , أنك لم تنجب سوى باميلا؟".
ثم أدركت بعد فوات الأوان أي سؤال وقح , فضولي هذا الذي طرحته.
لكن فرنسيس بدا غير ممانع , فأجابها:
" لم يكن ذلك مستطاعا".
لم تكن السيدة فرنسيس قابلت فرنسيس من قبل , وأخذت ترمق جولي بنظرة مبهمة , ثم قالت:
" يبدو رجلا لطيفا , أليس كذلك ؟ أنه صبور جدا".
" نعم , ألا تدركين أنه والد الآنسة هيلينغدون؟".
" لقد أستنتجت ذلك".
" أظنك أستنتجت أيضا أنه يجب ألا يكون هنا؟".
" لماذا؟".
" لكن الأمر واضح تماما ........ أنه رجل متزوج".

الشغاف
06-23-2011, 06:33 PM
في هذه اللحظة , تناولت السيدة هادسون الأطباق لتجلبها , ثم قالت:
" لكن لا علاقة بينكما من أي نوع؟".
" كيف تدعين هذا , وأنت لا تعرفين واقع الحال؟".
" أعرف ما فيه الكفاية لأدرك أذا كانت هناك علاقة حب بين رجل وأمرأة".
شهقت جولي فاغرة فاها , لكن الخادمة تجاهلت رد فعلها وأستطردت تقول:
" هل سيبقى السيد هيلينغدون الى حين العشاء؟".
" لا أعتقد ذلك".
" كان يجب ألا أتفوه بكلمة في ما لا يعنيني".
رفعت جولي كتفيها غير مقتنعة بما قالته السيدة هادسون , وأجابتها :
" أنا مسرورة أخيرا لأنك فعلت .... فليس هناك أحد سواك أستطيع البوح اليه بما يعتمل في داخلي".
" حسنا , لا يداخلنك قلق , فأنا أعرف متى أكتم خبرا".
ألتفتت اليها جولي والأستنكار باد عليها:
" هذا يبدو رهيبا , أتدركين ذلك؟ ( وضحكت ) أوه , سيدة هادسون , أنت على حق , أنه رجل لطيف".
ما أن عاد فرنسيس وأيما الى الداخل , حتى أحضرت السيدة هادسون أبريقا مليئا بالشاي , أرتمى فرنسيس متعبا في أحد المقاعد, وقال لأيما شاكيا:
" لقد أرهقتني!".
بينما هرعت هي تدير جهاز التلفزيون وتتخذ لنفسها مكانا قريبا قبالة الجهاز .
أبتسمت أيما وقالت:
" أنه وقت برنامج ( ألعاب المدرسة) , لا أظنك حقا تعبا , عمي فرنسيس , أم أنت كذلك بالفعل؟".
" لا أظنك جادة في سؤالك ,وهل تتصورين أنني أقضي فترة اقيلولة كل يوم أركض في الحديقة؟".
" هذا نافع لك".
علّقت أيما ,وهي أنما كانت تردد ما تسمعه بين حين وآخر عن فائدة العدو ممن هم أكبر منها سنا.
" يعجبني أن تفكري بهذا الأسلوب ( قال فرنسيس , ثم ألتفت الى جولي التي أقتربت منه تقدم الشاي , وسألها ) أرى أنني أستحق فنجانا من الشاي".
" بالتأكيد ( أبتسمت له وسألته ) هل أنت باق الى العشاء؟".
حلت ملامح الجدية على وجهه محل أمارات التفكه , وأجاب:
" في الواقع , ليس هناك شيء آخر أفضل عندي من البقاء معك , ألا أنني سبق ودعوت لويز الى تناول العشاء, في أحد النوادي , أذ نحن معتادان في كل خميس أن نلعب البريدج".
خاب ظن جولي لجوابه , فأومأت بأشارة من رأسها , وعلقت :
" لا بأس".
عاد فرنسيس يتأمل أيما التي كانت مستغرقة في تتبّع الحلقة التي يعرضها التلفزيون , ثم تطاول نحو جولي وأخذ يدها بين راحتيه , وقال:
" أوه , جولي! أطلبي مني أن أبقى , وسأفعل ذلك راضيا".
سحبت يدها بحياء , وغيّرت الموضوع , وقد تسارعت أنفاسها :
" أتريد سكرا مع الشاي؟".
" حبتين , من فضلك ( تنهد , ثم عاد يسألها) هل تقبلين دعوتي الى العشاء في بحر هذا الأسبوع , وقبل أن يصل التنين ؟ ( وأدركت أنه بنعته هذا أنما قصد ساندرا لوسن , بدت مترددة , فأردف قائلا ) ما رأيك في أن نخرج معا مساء السبت ؟ أنها أمسية تغري أولا ترغبين في أمسية كهذه أن ترتدي أجمل ثيابك لديك وتنزلي الى المدينة؟ أنا متأكد أن السيدة هادسون يمكنها أن تهتم بأيما"
" لا شك في أنها أهل لذلك ( وبلت شفتيها ) يبدو الأمر....... رائعا".
" أعدك بأن سهرتنا ستكون كذلك بالقعل".
" حسنا , سأسأل السيدة هادسون قبل خروجها أذا كانت تقبل أن تهتم بالطفلة".
" حسنا ( وتناول فرنسيس فنجانه وأضاف ) صدقيني , أن الأيام المقبلة التي تفصلنا عن موعدنا , ستجرجر نفسها ببطء".
بعد أن ذهب فرنسيس , وأتفقت مع السيدة هادسون , أحست جولي بندم كبير , ثم وضعت أيما في سريرها وذهبت الى المطبخ بدل أن تعود الى غرفة الجلوس كما عادتها أن تفعل كل أمسية , كانت السيدة هادسون في هذه هذه الأثناء تجلي الأطباق , وعندما دخلت عليها جولي أستقبلتها الخادمة بأبتسامة عريضة.
بادرت تسأل سيدتها:
" هل ترغبين في شيء , سيدة بمبرتون؟".
" جئت أثرثر معك قليلا".
أخذت جولي خرقة تنشف بها الأطباق النظيفة على مسطح المجلى.
" لا لزوم لأن تفعلي هذا , ( هتفت الخادمة ) يمكننا أن نتبادل أطراف الحديث , وأنا أتكفل بالأطباق".
" بل أرغب في مساعدتك ( ثم أستطردت تقول ) لقد سئمت العيش وحيدة".
سألتها الخادمة مستفسرة :
" هل أوت أيما الى سريرها ؟".
" أوه , نعم , كانت جد مرهقة بعد يوم حافل".
ضحكت السيدة هادسون وقالت:
" كذلك كانت حال السيد هيلينغدون , لا عجب".
أبتسمت جولي قائلة:
" أنه يعاملها بمحبة , أليس كذلك؟".
" نعم , سيدتي , يبدو أهلا لأن يكون لديه أكثر من ولد في عمرها".
" لكن أبنته باميلا أصبحت شابة الآن".
" نعم".

الشغاف
06-23-2011, 06:34 PM
بدت لهجة الخادمة معبرة , فلم تستطع جولي أن تمنع نفسها من سؤالها , متناسية أنها تبحث في شؤون ضيوفها مع خادمتها:
" ألا تحبينها؟".
أرتسمت أبتسامة ساخرة على وجه السيدة هادسون , وأجابت بدبلوماسية :
" لنقل أنها ليست نجمتي المفضلة".
" أرى ما تقصدين".
عصرت السيدة هادسون الخرقة وشرعت تمسح مسطح المجلى , ثم أدركت عدم صواب ما قالت في شأن باميلا:
" لكن , لا بد أن أكون مخطئة , أذ أن السيد روبرت يحبها كثيرا ".
" أنت تعرفين..... روبرت؟".
" باركك الله , طبعا أعرفه , كنت أعمل سابقا لوالدته , يوم كان لا يزال هو وأخوه مايكل صبيين صغيرين".
ظهر التعجب في عيني جولي , وسألتها:
" أحقا ما تقولين ؟ بالله عليك , أكملي , أخبريني المزيد".
" عن مايكل , سيدتي؟".
" بل عن كليهما ".
وتخصّبت خداها.
رفعت الخادمة كتفيها تتذكر:
" كانا طفلين مكتنزين , لا يفصل بينهما سوى سنة واحدة".
" لا شك أنك كنت , يومئذ صغيرة أنت أيضا؟".
" كلا , كنت في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة".
" عجبا , كم يبدو هذا العالم صغير!".
أومأت السيدة هادسون برأسها تؤيد رأيها , وأردفت:
" عندما أشترى السيد روبرت المنزل هذا , كان يبحث عن خادمة لتعمل فيه , فأتى توا الي يسألني أن كنت أرغب في ذلك".
جلست جولي على كرسي , ثم قالت تسألها:
" هل كنت تصادفينهما خلال السنوات الأخيرة؟".
" كانا يأتيان لزيارتي , بين حين وآخر , وكنت قد تزوجت ( بدت نظرات الخادمة المتأملة في اللاشيء مفعمة بالذكريات ) كانا ولدين لطيفين".
" فعلا.... هل عرفت أنني كنت مخطوبة لروبرت؟".
بعد أن أفرغت السيدة هادسون حوض المجلى , أخذت تجفف يديها , وقالت:
" نعم , عرفت هذا , بل أكثر , ذلك أنني كنت تلقيت بطاقة دعوة الى حفلة زواجكما".
تخصّبت وجنتا جولي ثانية , تنهدت السيدة هادسون قبل أن تضيف :
" لم أكن لأتصور أبدا أن زواجكما سيلغى , وأن يسافر السيد روبرت الى فنزويللا .... الى ما هنالك مما حدث يومها".
نهضت جولي من كرسيها وعلّقت قائلة:
" تلك كانت أرادته".
" أن يذهب الى فنزويللا؟".
" نعم , وأن يلغي حفلة الزواج أيضا".
" لكنه , على ما أخبرت به يومذاك سيدتي , أضطر الى السفر , ذلك أن حادثا وقع هناك أدى الى مقتل أحد الرجال , أليس كذلك؟".
" نعم , الحادث الذي تذكرين وقع فعلا في مشروع وادي غوابا ".
" بالضبط! وكان على السيد روبرت أن يذهب ليحل محل الرجل الذي ذهب ضحية الحادثة".
ردت جولي قائلة:
" لم يكن مضطرا الى الذهاب".
ظهر الأرتباك في حركات السيدة هادسون لوجهة نظر جولي:
" لا أعتقد أنني من هذا الرأي , سيدتي , فأرسال رجل آخر غيره كان يمكن ألا يكون عملا صائبا , ألا تعتقدين ذلك؟ وهذا عدا أن السيد روبرت , كان , عمليا , الشخص الوحيد المؤهل للحلول محل الرجل الذي قضى".
رفعت جولي كتفيها لا تبالي لحقيقة كلام الخادمة , وقالت:
" في أي حال , كان ذلك كله منذ زمن بعيد".
وافقت السيدة هادسون , بأحناءة من رأسها:
" نعم , كما لا يمكن أن تكوني قد أحببته , ذلك لأنك تزوجت السيد مايكل أثر رحيله , وسافرتما قبل عودة السيد روبرت الى لندن".
في هذه اللحظة توجهت جولي نحو الباب , وقالت بنبرة لا تخلو من أنفعال:
" سافر روبرت قبل موعد زواجنا المقرر بأسبوع واحد , هل كان زوجك ليفعل ذلك لو تهيأت له الظروف نفسها؟".
" هذا سؤال تصعب الأجابة عنه , سيدتي ... هل أفهم من كلامك أن سبب خلافكما حينذاك , كانت تلك الرحلة؟".
كادت جولي أن تفقد رباطة جأشها وترد على مغالاة السيدة هادسون لواقع الأمر , ألا أنها تمالكت نفسها , وقالت:
" أنا لم أقل هذا ".
" صحيح , في أي حال , أنت أدرى بأمورك الخاصة , وأنا متأكدة من أنك ما كنت لتتزوجي السيد مايكل , كما سبق وذكرت , لو لم يكن لديك بعض الشكوك حيال علاقتك بروبرت".
فتحت جولي باب المطبخ , وقالت قبل أن تخرج:
" كلا , في أي حال , من الأفضل ألا نذهب بعيدا في بحث هذا الموضوع , يمكنك الأنتهاء من عملك , وأذا ما أحتجت الى شيء في ما بعد , فسأتدبر الأمر بنفسي".
" حسنا , سيدتي , شكرا ( نزعت السيدة هادسون مرولتها وطوتها بعناية ثم وضعتها في أحد الأدراج , وقالت ) سأغيب لمدة ساعة في زيارة للسيدة فيلدينغ في القرية".
" لا بأس".
تركت جولي الباب ينغلق خلفها وعادت الى الصالون , وما أن دقّت الساعة التاسعة , حتى شعرت فجأة بالملل وهي تشاهد التلفزيون , فعادت الى غرفتها لتأوي الى فراشها , لم تكن دامعة , لكن قنوطا ثقيلا كان يكتنف أحاسيسها.

الشغاف
06-23-2011, 06:34 PM
صبيحة يوم السبت ,وصلت ساندرا لوسن فجأة , من دون أي أشعار سابق.
فتحت لها السيدة هادسون تستقبلها , كذلك أتت جولي الى الرواق تلتقيها , وبادرت ساندرا قائلة , وهي تضع حقيبتيها أرضا:
" أرجو ألا يكون لقدومي المفاجىء أي مانع لديك , سيدة بمبرتون , الحقيقة أن مالكة الشقة التي كنت أشغلها أخطرتني بأنها أجّرت الشقة لشخص آخر أعتبارا من اليوم , لذا رأيت نفسي مضطرة أن أجيء الى هنا , بدل أن أبدد دراهمي في قضاء ليلة في فندق , على كل , يوم أكثر أو يوم أقل في التدريس , ليس بذي بال".
بدت جولي مرتبكة لحضور ساندرا على حين غرّة , وحاولت أن تقول شيئا:
" أنا... حسنا..... سيدة هادسون؟".
أجابت الخادمة تطمئن سيدتها:
" حجرة الآنسة جاهزة سيدتي , ليس هناك أي أشكال".
حدّجت ساندرا السيدة هادسون بنظرة فاحصة , وبادرتها:
" لا بد أنك السيدة هادسون , لقد أخبرتني عنك الآنسة هيلنغدون".
أحنت السيدة هادسون رأسها:
" نعم , أنا هي , آنستي".
عقدت جولي أصابعها وقالت:
" ليس هناك أي أزعاج في قدومك قبل اليوم المحدد بيوم واحد... هلا قدرت الآنسة لوسن سيدة هادسون , الى غرفتها؟ ثم أحضري لنا بعض القهوة".
" حسنا , سيدتي".
وتساءلت جولي , كيف يعقل أن تخرج الليلة وتترك ساندرا في أول يوم لوصولها؟ وماذا عن أتفاقها السابق مع السيدة هادسون في شأن أيما؟ قد تقرر ساندرا , مثلا , أن تأخذ المبادرة كونها المسؤولة عن أيما , لتهتم بالطفلة في غياب والدتها , وعلى الرغم أن جولي لم يتبادر الى ذهنها أن أيما يمكن أن تهتم كثيرا بمن سيرعى أمرها في غياب والدتها , ألا أنها كانت تشعر بأن أبنتها لم ترتح لساندرا لوسن.
بدا لها الوضع مثبطا ومصدر قلق , وتمنت لو تستطيع أن تفضي الى أحد بما يعتمل في داخلها.
دخلت أيما الصالون , تلك اللحظة , قادمة من الحديقة , خدّاها متوردان والعرق يتصبب منها , وهتفت تسأل والدتها مستفسرة :
" من الذي جاء منذ لحظات في سيارة الأجرة , أمي؟".
تنهدت جولي قبل أن تجيبها:
" أنها الآنسة لوسن , حبيبتي".
" لكنك قلت أنها لن تحضر قبل يوم غد؟".
" نعم , قلت هذا , لكن طارئا أضطرها الى المجيء قبل الموعد المقرر".
أرتسمت تقطيبة على وجه أيما:
" لماذا ؟ هل يعني هذا أنني سأبدأ دراستي اليوم؟"
" لا أعتقد ذلك حبيبتي , قبل مضي بضعة أيام , ..... لكن..... ما هذا الحذاء الوسخ الذي تنتعلينه ! أذهبي وأبلديه بخفّيك أذا أردت البقاء في المنزل".
بعدما خرجت أيما , رفعت جولي سماعة الهاتف , وأتصلت بشقة روبرت , رد هالبيرد , فسالته:
" هل السيدة بمبرتون موجودة".
" أسف سيدتي , أنها غير موجودة , خرجت هذا الصباح , هل تريدين أن أخبرها , لدى عودتها , أنك أردت التكلم اليها؟".
تردد جولي لحظة , ثم قالت:
" كلا , ليس هذا ضروريا هالبيرد , شكرا".
" كما تريدين سيدتي , في كل حال , سررت لسماع صوتك ثانية , هل أستقريتما كما يجب؟".
" ألى حد ما ( وختمت مكالمتها ) طلب يومك , هالبيرد".
بقيت تحدق في سماعة الهاتف , بدا واضحا أن روبرت لم يعد بعد من الولايات المتحدة , وألا لكان هالبيرد أخبرها بذلك , تناولت دليل الهاتف وأخذت تبحث عن رقم هاتف آل هيلينغدون , وجدت الرقم وحدّقت فيه لحظة وهي تتساءل , هل ستتجرأ على الأتصال بفرنسيس ؟ وماذا أذا ردت باميلا أولا , أو لويز؟ ما هو التبرير الذي ستقدمه سببا لأتصالها؟
ثم فكرت أن تتصل به في مكتبه , قد يكون هناك , وأذا كان الأمر سلبا , فيمكنها أن تستعلم عن مكانه وتتصل به مباشرة.
أجابتها عاملة الهاتف في شركة هيلينغدون :
" السيد هيلينغدون موجود , هل ترغبين في أن تتركي له أشعارا؟".
تنهدت جولي مترددة ثم سألتها:
" هل في الأن=مكان أن تبلغيه أنني على الخط وعما أذا كان مناسبا أن أتكلم معه؟".
ترددت عاملة الهاتف , وبدا أنها لم تكن متأكدة من هوية جولي , على رغم أن هذه ذكرت لها أسمها , ثم قالت:
" دقيقة واحدة , آنسة".
وحوّلت الخط.
أنتظرت جولي جوابا بنفاد صبر , وبينما هي كذلك , دخلت أيما الغرفة وكانت قد أغتسلت , وأنتعلت خفّيها , أقتربت من والدتها وهمست:
" من تخابرين؟".
أجابتها جولي بصوت خفيض:
" ليس الأمر مهما ".
" هل هي جدتي!".
" كلا".
وتساءلت جولي ألى متى ستظل تنتظر الجواب.

الشغاف
06-23-2011, 06:35 PM
مرت ثوان قليلة قبل أن يأتيها الجواب , كان المتكلم هذه المرة , فرنسيس , بصوته الهادىء:
" جولي؟".
" فرنسيس ! ( هتفت وقد أحست بالأرتياح ) عجبا , أن الذي يحاول الأتصال بك كمن يتصل بالقصر الملكي!".
أطلق فرنسيس ضحكة خفيفة عبر الهاتف , وقال بصوت رقيق:
" كنت في أجتماع أداري".
" أعرف هذا , أنني آسفة لأزعاجك".
أجابها مطمئنا:
" لا تكوني سخيفة , ماذا في الأمر؟".
رمقت جولي أبنتها بنظرة مستسلمة ثم قالت:
" حسنا , ليس في أستطاعتي الأفصاح الآن , في المناسبة , وددت أن أخبرك أن الآنسة لوسن هنا , لقد وصلت اليوم".
لم يبد في صوت فرنسيس أنه أعار الخبر أهمية , وقال متسائلا:
" وما الغرابة في ذلك؟".
" أليس هذا واضحا بما فيه الكفاية؟".
" تقصدين موضوع سهرتنا الليلة , طبعا".
" بالضبط ( وتنهدت قبل أن تضيف ) ما العمل والحال هذه , فرنسيس؟".
أجاب وقد أرتسمت نبرته بالحزم:
" سنخرج , طبعا , الى العشاء كما أتفقنا".
" لكن كيف السبيل الى ذلك , وهي تعرفك؟".
" وماذا أن هي عرفتني؟".
" أرجوك , فرنسيس!".
" أسمعي جولي , لقد أوضحت لك أن.... معرفة الناس بعلاقتنا لا تهمني , وكل ما أهتم له هو أنت فقط ( وتنهد ) أذا كان سبب أتصالك بي , هو رغبتك في ألغاء موعدنا الليلة لوجود تلك المرأة... فهذه مسألة أخرى".
شدّت جولي بكلتا يديها على سماعة الهاتف:
" أوه فرنسيس!".
" أسمعي أذا كان ذلك يجعلك أكثر أطمئنانا , فسأقترح على باميلا أن تزورك بعد ظهر اليوم , وهي ستجد ساندر هناك , فمن المؤكد أنها ستدعوها الى منزلنا , خصوصا أن روبرت لم يعد بعد , كيف يبدو لك هذا المخرج؟".
تنفست جولي الصعداء:
" هذا رائع ( ثم شعرت بساندرا لوسن تدخل الغرفة فيما هي مسترسلة فقالت تنهي المخابرة) أسمع , يجب..... أن أنهي الآن الحديث".
ضحك فرنسيس قائلا :
ط" فهمت قصدك , أي ورطة هذه التي أنت فيها ".
ضحكت جولي بدورها ضحكة ضمنتها ما لديها من رقة ولطف , وأقفلت الهتف , ثم ألتفتت الى الفتاة تسألها:
" هل كل شيء على ما يرام؟".
جلست ساندرا على الكنبة من دون أستئذان , وأجابت:
" نعم شكرا ( ثم ألتفتت نحو أيما تحييها ) مرحبا , أيما! أود أن أتعرف اليك جيدا".
أجابتها أيما والريبة في عينيها :
" هل ستقطنين معنا؟".
" نعم ( وبدت ساندرا مرتاحة وكأنها في منزلها , وأضافت) عليك أن تريني فيما بعد , المكان المعد لدراستك , هل أعدت لنا والدتك غرفة مستقلة , نستطيع أن نعمل فيها بهدوء؟".
تنحنحت جولي قليلا , ثم علّقت قائلة:
" في الواقع ليست كل الغرف مفروشة بعد , الصالون وغرفة الطعام مفروشتان , كذلك هناك ثلاث غرف جاهزة في الطبقة العلوية , لذا أرتأي أن نكتفي حاضرا بغرفة الجلوس أو غرفة الطعام".
عقدت ساندرا حاجبيها:
" أذن , فلتكن غرفة الطعام , ذلك أننا لا نستطيع أن نعمل في مكان حيث لا توجد طاولة , وأيما ستحتاج الى مسطح مقوى حتى تستطيع الكتابة".
سارعت جولي قائلة:
" في أي حال , آمل أن أنزل الى البلدة في بحر هذا الأسبوع , أو الذي يليه , لأختيار بعض ما نحتاج اليه من فرش وأدوات منزلية , ألا أنني لن أشتري في الوقت الحاضر طاولة خاصة بالدراسة , ذلك أن أيما تحتاج الى بعض الوقت لتتعود فكرة الجلوس عليها , ربما يكون من الأفضل أن تركزي على بعض الأمور الأكثر ملاءمة لطفلة في سنها , حتى يتسنى لي أن أتدبر أختيار الأثاث الملائم كما يجب".
علّقت ساندرا بطريقة فظة:
" لكن , مضى أسبوع على أنتقالكما الى هنا , أليس كذلك ؟ وهو وقت كاف ليتدبر المرء شراء ما يحتاج اليه".
" نعم ( أجابت جولي وهي ترفع نظرها لتستقبل بأرتياح قدوم السيدة هادسون تحمل صينية القهوة ) شكرا جزيلا , سيدة هادسون , ضعيها على الطاولة".
" حسنا , سيدتي ( وألتفتت الخادمة الى أيما تقول لها ) هل تودين المجيء معي اى المطبخ وتساعدينني في صنع بعض الحلوى؟".
" أووه , نعم , هل أستطيع فعلا مساعدتك؟".
قفزت أيما منتصبة تهم بمرافقة الخادمة , فأذا بساندرا توقف أندفاعها , ثم قالت توجه كلامها الى السيدة هادسون وقد بدا عليها الأنفعال:
" مهلك سيدة هادسون , نكاد أيما وأنا لا نعرف الواحدة منا الأخرى ".
حدّجتها جولي بنظرة حادة وقالت:
" أعتقد أن لدى أيما متسعا من الوقت لتتعرف اليك جيدا ( وأستطردت توجه كلامها الى أيما ) يمكنك حبيبتي الذهاب مع السيدة هادسون".

الشغاف
06-23-2011, 06:36 PM
أنسلت أيما الى خارج الغرفة , فيما الخادمة وساندرا تحدقان في جولي , ثم قالت المربية بصوت لا يخلو من حدة:
" كيف أستطيع أن أضبط سلوك الطفلة بينما أنت تقفين عقبة في وجه تعليماتي لها".
هزت جولي رأسها , وهي تحاول أن تتمالك غيظها , وأجابت:
" أن سماحي لأيما بمساعدة السيدة هادسون لا يعني نقضا لتوجيهاتك , هذا , أضافة الى أنه لم يمض على وجودك هنا وقت طويل , فلا تعاملي الطفلة بقسوة".
على أثر هذا الحوار الذي كان أقرب الى المسادة أستؤنف الحديث بينهما متكلفا , وبدا واضحا أن ساندرا كانت لا تزال تعاني أحساسا بالغبن , وأخذت جولي تتطلع حزينة الى سنين مقبلة مع هذه المرأة , كيف ستتمكن من تحمل هذا الوزر؟ والى متى؟
وفى فرنسيس بتعهده لها كما كان وعدها , ووصلت باميلا بعد ظهر ذلك اليوم , كانت فرحتها عظيمة لرؤية ساندرا , تركتهما جولي ودخلت الى االمطبخ تنشد مؤانسة السيدة هادسون.
كانت أيما لا تزال تلعب في الحديقة , أخذت جولي تراقبها بعينين حالمتين , لفترة قصيرة , قطعها صوت السيدة هادسون وهي تقول:
" ماذا عن اليلة , سيدتي؟ هل ما زلت تعتزمين الخروج؟".
" نعم ( أجابتها جولي وألتفتت نحوها وأضافت ) تحدثت مع فرنسيس هاتفيا هذا الصباح وقد أقترح أرسال باميلا الى هنا , لأنه يعتقد أن أبنته يمكن أن تدعو ساندرا الى العشاء في منزله , ذلك أنهما صديقتان حميمتان منذ زمن , كما تعرفين , هذا فضلا عن أن روبرت غائب".
لم تستطع السيدة هادسون أن تكتم ضحكتها , ثم علّقت قائلة:
" أنها فكرة جهنمية !".
" أنها حقا كذلك , ثم , أنني لم أشأ أن أترك أيما في عهدتها وهي الليلة الأولى لها في منزلنا , هذا طبعا , عدا أعتبارات أخرى".
تنهدت السيدة هادسون تقول:
" أرى ما ترمين اليه , سيدتي , لكن , أذا كنت لا تركنين اليها , لم قبلت بها مربية لطفلتك؟".
" تلك كانت رغبة روبرت , ظاهرا , ولم يكن لي آنذاك أي خيار آخر , فهو المسؤول قانونا عن تربية أيما وتنشئتها".
" ليس هناك من هو أفضل منه للأعتناء بها".
تخصّبت وجنتا جولي لملاحظة الخادمة , وألتفتت نحوها تسألها:
" ماذا تقصدين بذلك؟".
" لا شيء سيدتي , سوى أن السيد روبرت أهل لأن يرعى الطفلة ".
" لكنني أنا أمها!".
تنهدت جولي , وقالت:
" أتفهم وجهة نظرك".
وعاد الى وجهها أستقرار لونه:
" ماذا ظننت أنني قصدت بقولي , سيدتي بمبرتون؟".
تظاهرت هذه باللامبالاة:
" لست أدري ( وتوجهت نحو الباب, وقالت ) أنا ذاهبة لأستحم , أذا أردتني لشيء , تعرفين أين تجدينني".
صح ما كان متوقعا , أذ دعت باميلا ساندرا الى العشاء مع أهلها , وشعرت جولي بالغبطة تغمرها , ألا أن غبطتها سرعان ما تحوّلت قلقا وأرتباكا , حين أقترحت عليها باميلا الذهاب معهما , قالت:
" لم لا تأتين معنا , جولي؟ والدي سيخرج الليلة تلبية لدعوة , وهكذا نبقى نحن الأربع فقط , بحيث يمكننا أن نمضي سهرتنا في أحاديث حميمة دافئة".
أستبعدت جولي أي حديث بينهن يمكن أن يتّصف بالحميمية ألا أنها فكّرت مليا في الأمر قبل أن تجيب , ثم قالت تعتذر:
" في الواقع , لا أستطيع قبول دعوتك , شاكرة لك هذا ذلك أن أحدى صديقاتي أتصلت بي هذا الصباح , وأتفقنا على أن تتصل ثانية هذا المساء , لا أظنني سأستطيع تلبية دعوتك , أذ هي قد تتصل فلا تجدني , ألا تعتقدين ذلك؟".
بدت باميلا مصدّقة لما قالته جولي , فأجابت:
" فعلا , الأفضل أن تنتظري مكالمتها ( وأضافت وهي تفرك راحتيها ) هل قلت أنها صديقة قديمة؟".
سارعت جولي تجيب:
" نعم , أحداهن ..... كنت أعمل وأياها".
" في شركة بمبرتون ؟".
" نعم ".
" هل أعرفها؟".
" لا أعتقد ذلك ( أحست جولي بكره حيال أستجواب باميلا ) لقد تركت العمل منذ مدة ليست قصيرة , أسمها ....... فاليري سميث".
" لا , لا أظن أنني أعرف واحدة بهذا الأسم ( هزت باميلا رأسها وأضافت) حسنا , ساندرا , علينا أذن بالذهاب".
نهضت ساندرا من مكانها وهي توميء أيجابا , وسألت جولي:
" هل هناك مانع في أن أذهب , سيدة بمبرتون؟".
" كلا , أطلاقا".
كل ما تمنته جولي تلك اللحظة أن تخرجا , فقد بدأ وجودهما يوتّر أعصابها.
حسن سمعت صوت محرك سيارة باميلا وهي تبتعد , شعرت براحة قصوى ,وعادت الى الصالون مرهقة وما أن جلست في أحد المقاعد , حتى هرعت أيما أليها وأعتلت حضنها , فضمّتها بيدين محبتين الى صدرها المفعم حنانا.

الشغاف
06-23-2011, 06:37 PM
بادرت الطفلة تقول وقد غلبت عليها مسحة من الكآبة:
" أتمنى لو تغادرنا الآنسة لوسن , ألا يساورك أمي , أحساس بهذا أنت أيضا؟".
تنهدت جولي , ترد عل أبنتها :
" أنها مربية ليس ألا , أيما , لن يبدّل وجودها معنا أي شيء".
" بل سيكون علي أن أدرس على يدها".
علّقت جولي قائلة:
" نعم , ألا أنك , عاجلا أو آجلا , ستفعلين هذا , متى أصبحت في سن تؤهلك للذهاب الى المدرسة , أنني أعدك , بأن شيئا لن يتغير وستمارسين هواياتك اليومية التي تريدين متى أتممت دروسك".
قبل أن تتهي جولي من أرتداء ملابسها أستعدادا للعشاء , كانت أيما قد أستسلمت الى نوم هانىء ولم تذكر لها جولي شيئا عن دعوة فرنسيس لها الى العشاء ,لكي تتحاشا أسئلتها , لكنها أوصت السيدة هادسون بوجوب أطلاعها على حقيقة الأمر أن هي أفاقت , وبدأت تشعر بالقلق .
لبست جولي ثوبا عاديا لونه بيج , ذا ياقة مستديرة تكشف العنق , بدت فيه رشيقة القامة , رقيقة الخصر , وقد زاد الثوب من جمالها وجاذبيتها.
وصل فرنسيس بعد السابعة بقليل , وأذ لاحظ جمالها ومظهرها المميزين بادر يبدي أعجابه في كلمات من الغزل الرقيق ثم أستدرك قائلا:
" ألا أنك دائمة الجمال ".
وسرّت جولي لأطرائه أياها.
ثم خرجا الى مطعم في البلدة , حيث تناولا طعام العشاء , وبدت جولي مرتبكة الى حد ما كلما أقترب أحدهم , وكانوا كثرا , ليتحدث الى فرنسيس , وعيونهم تحدّج جولي بحشرية واضحة.
" ما لك تبدين مرتبكة ؟ نظراتهم نحوك تشعرني بأحساس لذيذ, بعدما ظننت أن رجلا في مثل سني فارقته هذه الأحاسيس.
أعترضت جولي , وهي تضحك :
" لكنك لست كهلا ".
أومأ يعترف:
" أنني في الثامنة والأربعين ( وأردف يسأل نفسه) أما أنت فكم عمرك؟ خمس وعشرون؟ ست وعشرون ؟ أنني أكبرك بنحو عشرين سنة , في الواقع , أنا في سن والدك".
مدّت جولي يدها , ووضعتها على يده , وقالت:
" العمر مسألة نسبية , أنت لا تبدو متقدما في السن , كما أنك تتصرف تصرّف واحد منهم , فلماذا توحي الى نفسك غير ذلك؟ ثم أنك لا تختلف في هذا الأحساس عن أي شيخص آخر , أنا مثلا ؟ أنني أتصرف أحيانا وأنا أعيش ظروفا معينة كأنني عجوز بائسة".
أرتسمت أبتسامة عريضة على شفتي فرنسيس وقال:
" كما سبق وقلت , أنت مناسبة جدا لشخص مثلي".
رقصا خلال تلك السهرة على أنغام موسيقى حالمة , وشعرت جولي بأرتياح وهي بين ذراعيه وأدركتها عاطفة قوية حياله , ومجرد أدراكها هذا الأحساس بعث فيها الدفء , لم تكن مغرمة به , غير أن علاقتهما كان لها طابع مميز هي في حاجلة اليه.
ما أن ولجت باب الدار حتى أنطلق بسيارته مبتعدا , كانت الأنوار في الصالون مضاءة , وأعتقدت أن السيدة هادسون لا تزال تشاهد فيلما تلفزيونيا , فتحت باب الصالون , وأنسلت بهدوء كي لا تفاجأ الخادمة بدخولها في حال كانت تغط في نومها , فجأة شهقت للمفاجأة غير المتوقعة , كان روبرت ممددا بكسل على الكنبة يغط في نوم عميق , وبدا المكان هادئا مريحا.
حدّقت جولي فترة طويلة في وجهه المتعب وقسماته المسترخية في آن , كان واضحا من محجري عينيه أنه لم ينم كفاية خلال سفرته , وبدا مرهقا.
ألا أنه وقد أخذ يشعر بوجودها وهي تمعن النظر اليه , فتح عينيه فجأة , يطرفهما بكسل , جمدت جولي في مكانها فيما نظراته تتبيّن حضورها بدءا من أسفل قامتها الى أن أستقرت على وجهها .
هتف قائلا وهو لا يزال أعشى العينين:
" جولي ! ( لم يكن في يقظة تامة بعد , تحامل على نفسه وأتكأ على مرفقه , عابسا , يحاول أن يعي ما حوله , ثم تأوّه متألما ) يا ألهي , رأسي!".
وأرتد ثانية يلقي رأسه على الوسادات خلفه .
جلست جولي على حافة الكنبة , وقد داخلها القلق , ووضعت راحتها على جبينه وشعرت بأرتفاع حرارته ألا أنه أمسك بيدها وأنزلها الى خده , ولامس راحتها فأرتعشت تحت قبضته , كانت عيناه شبه مغمضتين , وبدا لا يزال ناعسا , وتأكد لها أنه لم يكن يعي ما يقوم به .
" روبرت".
قالت معترضة , وحاولت أن تسحب يدها من قبضته , ألا أنه تطاول اليها وشدّها نحوه يحاول ضمها الى صدره , غير أن وهنه كان فرصة لها لتفلت ثم تبتعد , بينما هو بقي ممددا يراقبها ترد خصلات من شعرها أنسدلت على جبينها , بدا لها منظره مخيفا.
سألها بصوت أجش:
" ماذا بك ؟ هل تأخرت عنك اليلة ؟ هل كان فرنسيس في المستوى الذي يرضيك ؟".

الشغاف
06-23-2011, 06:37 PM
شهقة من فم جولي , ثم تناولت وسادة , والغضب يهز كيانها , ورمته بها , وأتبعتها بكتاب , وهي تصرخ فيه:
" كيف تجرؤ على التفوه بأشياء كهذه؟".
" وماذا يفترض في أن أفكر والحال هذه ؟ ( رماها بنظرة قاتمة وهو يضيف ) لماذا بحق السماء , لماذا , خرجت معه ثانية ؟ ما الذي تحاولين أن تفعلي بي؟".
تلاحقت أنفاسها بسرعة , وسألته مشدوهة:
" لك أنت".
" نعم , لي أنا , جولي , ألا تدركين أن مجرد وجودك مع رجل آخر .... ( وأختنق صوته ) هل أنت مغرمة به؟".
وضعت راحتيها على خديها , تستغرب سؤاله:
" كلا , طبعا".
" ليس أكثر مما أحببت مايكل ( غمغم بصوت قاس) يا ألهي , جولي , لقد فعلت حسنا بسفرك ومايكل الى مالايا قبل عودتي من فنزويللا , وألا لكنت قتلتكما! ( ضغط على مقدم رأسه متألما ( آه , هل لديك أي شيء يخفف من صداعي هذا ؟ أحس كأنه يكاد ينشطر نصفين!".
عندما عادت ثانية الى الغرفة , وفي يدها علبه الأسبرين وفي الأخرى كوب ماء , وجدت روبرت مستلقيا ثانية على الكنبة , وضعت ما في يديها على طاولة قريبة وجلست قربه تتفحصه بنظراتها , ثم سألته:
" منذ متى لم تنم ملء جفنيك ؟".
" لا أذكر ...... يومين ... ربما ثلاثة أيام".
" لكن , لماذا ؟ ألم يكن في أستطاعتك أن تنظّم أوقاتك في شكل أفضل يسمح لك بالراحة؟".
سألها بصوت أجش ومتهدج في آن :
" ما الفائدة في الذهاب الى السرير والبقاء فيه قلقا , أتقلّب يمنة فيسرى وبالعكس لساعات طوال فلا أستطيع الأغفاء؟".
" لا معنى لكلامك هذا ! فأنت تكاد تنهار".
قال لها بصوت لا يخلو من تهكم:
" آسف أن أكون مصدر لك , هذه الليلة ".
" لست مصدر أزعاج أطلاقا! لكن , ما الذي دفعك أن تأتي الى هنا , روبرت؟".
أغمض عينيه , وأجاب:
" أردت رؤيتك , لقد قال لي هالبيرد أنك أتصلت هذا الصباح بغية التحدث الى والدتي ولم تكن موجودة , قلت لنفسي لا بد أن يكون هناك أمر عاجل دفعك للأتصال بها ".
" آه فهمت الدافع الآن ".
" هل كان أتصالك لأمر مهم؟".
" كلا , أردت التحدث معها في شأن ساندرا لوسن , أفترض أنك على علم بوجودها هنا".
أومأ أيجابا من دون أن يعلق على المسألة أول الأمر , أما هي فوضعت يدا على فمها , وقد تنبّهت لما يمكن أن تشكّله معرفة ساندرا بخروجها , وقالت متسائلة:
" أظن أنها علمت هي الأخرى بخروجي مع فرنسيس".
أشاح روبرت بوجهه وأغمض عينيه ثانية:
" كلا , لم تعلم بالأمر , وصلت نحو التاسعة والنصف وكان هناك متسع من الوقت لأتحدث مع السيدة هادسون قبل أن تعود ساندرا".
سألته جولي , عابسة:
" وباميلا؟".
" وماذا عن باميلا؟".
أستوضحها من دون أكتراث لذكر أسمها.
" كانت ساندرا تتناول طعام العشاء عند باميلا , ألم ترها مع ساندرا لدى عودة هذه".
" كلا".
بدت جولي في حركات يديها كمن غلب على أمره , وقد أستعصى عليها فهم الحقيقة , وسألته:
" لكن , ألا تظن أن ساندرا يمكن أن تفسر وجودك هنا على غير حقيقته؟".
أجابها غير مكترث لملاحظتها:
" غالب الظن , نعم , ألا أنها أذكى من أن تعترض بأي شكل من الأشكال".
تنهدت جولي تسأله ثانية :
" وماذا قالت ساندرا حين رأتك هنا؟".
" مرحبا".
" أنك تتعمد الظهور مظهر الجاهل!".
أرادت أن تبتعد , ألا أنه أمسك بيدها , وشبك أصابع يده بأصابعها , فبقيت حيث هي مترددة.
" كلا , لست أتعمد ذلك , كل ما في الأمر أنني لا أريد التحدث عن باميلا الآن".
" هل قلت لساندرا أين كنت؟".
" كلا , لم أذكر لها شيئا عن هذا , ألا أن السيدة هادسون أوضحت لها أنك خرجت لفترة من الوقت , هذا , الى أن ساندرا فوجئت لرؤيتي هنا , فسها عن بالها كل حضور آخر".
" لا ألومها أن هي كانت مندهشة الى هذه الدرجة ( تنفست ملء رئتيها , ثم أستطردت تقول بلهجة جازمة ) أنك الآن في حال لا تسمح لك بالعودة الى شقتك , فأنت لا تستطيع قيادة السيارة , وما عليك ألا أن تبيت الليلة هنا".
" أين ؟ في غرفتك؟".
" نعم , في غرفتي... هل تقوى على الصعود بمفردك الى الطبقة العلوية؟".
حدّجها بنظرة غريبة مبهمة قائلا:
" لست عاجزا , كما يتبادر الى ذهنك".
" أعرف ذلك".
ومشت في أتجاه الباب , ثم ألتفتت نحوه , ورأته ينهض متثاقلا عن الكنبة , ثم يتمطى قليلا , تركت الغرفة وصعدت درجات السلم من دون أن تلتفت وراءها ثانية.

الشغاف
06-23-2011, 06:38 PM
دخلت غرفتها , نزعت غطاء السرير وطوته , ثم سحبت ثوب النوم من تحت وسادتها , في هذه اللحظة , ظهر روبرت عند عتبة الغرفة أسند ظهره الى الباب , وبدا أصفر الوجه منهكا على رغم مظهر قوته.
سألته , وهي تبتعد عن السرير :
" أتعرف أين غرفة الحمام ؟ هل تحتاج الى شيء آخر؟".
غمغم بصوت أجش:
" أنت فقط , تعالي الى هنا".
" لا وقت لهذا الآن ( وتحاشت جولي يده الممدودة نحوها , وأستطاعت الوصول الى الباب , ألتفتت نحوه قبل أن تخرج ) والآن , أصعد الى السرير ونم هنيئا".
شرع يفك أزرار قميصه بكسل , وخرجت هي بسرعة وأغلقت الباب خلفها , تنفست عميقا وسارت في أتجاه غرفة أيما.
كانت الطفلة تغط في نوم عميق , أنسلت جولي الى الغرفة في هدوء , لبست ثوب النوم وأزاحت طفلتها قليلا ليتسنى لها أن تندس الى جانبها.
" أمي؟".
تمتمت أيما وهي في شبه أغفاءة , ويداها تتلمسان وجه والدتها .
أمسكت جولي بيدي أبنتها وشدت عليهما تطمئنها في هدوء:
" هذه أنا , عودي الى نومك!".
أستغرقت جولي في نومها حتى ساعة متأخرة من صباح اليوم التالي , كذلك فعلت أيما , أذ بدا أن هذه نعمت بوهج من الدفء لوجود جولي الى جانبها , فنامت قريرة.
أفاقت جولي على حركة أبنتها تضجنشاطا وحيوية , أبتسمت لها وهي لا تزال مغمضة العينين , ووجه الطفلة تغمره الدهشة والتساؤل.
" لماذا أنت نائمة معي , أمي؟".
تمطت حولي وهي لا تزال ممددة وسألتها :
" هل من مانع لديك؟".
" كلا , لكن لماذا أنت هنا؟".
نهضت جولي من السرير , تتطلع بعجب الى ساعة يدها , وكانت تخطت العاشرة , وأجابت :
" لأن هناك شخصا آخر ينام في سريري".
" من هو؟".
بدا الأنفعال في سؤال أيما.
أجابت جولي وهي تتثاءب:
" عمك روبرت".
ثم توجهت نحو غرفة الحمام , وعندما خرجت منه كانت أيما قد أختفت.
تنهدت جولي وهي تضع عليها رداء المنزل , لم يكن لديها أدنى شك في المكان الذي يمكن أن تكون أيما ذهبت اليه , وتمنت لو تستطيع اللحاق بها لمنعها من أيقاظ روبرت في ما لو كان لا يزال نائما.
كان منظره , ممددا في هدوء وأرتياح , مبعث ألم في نفسها , وراودتها نفسها في الدخول الى الغرفة , لكنها أذ تذكرت أحداث اليوم الفائت , عادت أدراجها , وأوصدت الباب بهدوء.
كانت أيما في المطبخ مع السيدة هادسون , وبدت هذه متكدرة , تتمتم همسا بكلمات مبهمة وهي تحضر صينية أفطار.
قطبت جولي , وبادرتها:
" ماذا في الأمر؟".
ألتفتت السيدة هادسون نحوها وفي عينيها أستسلام , وأجابت:
" أنها الآنسة لوسن , نزلت فجأة الى هنا , منذ نصف ساعة تطلب أيضاحا عن سبب التأخر في تحضير الترويقة , أجبتها أنك لم تستيقظي بعد , نظرا الى تأخرك الليلة الفائتة .... ( وتنهدت قبل أن تضيف) مختصر القول أنها تريد أفطارا جيدا , وعليّ بالتالي أن آخذ لها طبقا من الرقائق , وبيضا مقليا , خبزا وقهوة!".
" أذن , هذا ما يضايقك ( ورمقت أبنتها بنظرة سائلة , ثم قالت تستوضحها ) هل دخلت غرفة عمك؟".
أطرقت أيما هنيهة , ثم أجابت:
" نعم , لكنه كان لا يزال نائما , فعدت الى الخارج , هل أيقظته بدخولي الغرفة؟".
" كلا , لحسن الحظ".
ثم أنتبهت جولي الى أن السيدة هادسون كانت تحدق فيها بدهشة لا تحفّظ فيها.
وسألتها الخادمة:
" هل بات السيد روبرت ليلته هنا؟".
تلوّن وجه جولي:
" نعم , لقد كان مرهقا , وكان نائما عندما عدت الى المنزل".
هزّت السيدة هادسون برأسها , وقالت:
" نعم , أعرف هذا , لقد عاد الى لندن نحو السابعة والنصف مساء, وبعد أن عرج على شقته حضر الى هنا".
قالت جولي وهي تحكم رباط ردائها الأزرق حول خصرها.
" أظن أنك فوجئت برؤيته".
" نعم , سيدتي , كما أنني سررت لوجوده , أذ كان رفيق سهرتي , أذا صح القول , قال لي , بعد أن أوت الآنسة لوسن الى فراشها , أنه سينتظر عودتك ( وتفحصت وجه جولي ) أرجو ألا تكوني تضايقت كوني ذهبت الى النوم وتركته هنا وحيدا ؟".
" كلا , طبعا".
أبتسمت للخادمة , وأحست هذه بالأطمئنان .
بعد أن أنهت السيدة هادسون وضع طبق الأفطار الذي كانت طلبته منها ساندرا , حملت الصينية , قائلة :
" سآخذها الى غرفتها".
قطبت جولي , معترضة:
" تقصدين أنها عادت ثانية الى سريرها؟".
" لست أدري أن هي هكذا فعلت , سيدتي , لكنها قالت أنها ستكون في غرفتها".
" هات الصينية , سأناولها أياها وأنا في طريقي الى غرفتي لأرتدي ثيابي".
حبذت أيما الفكرة فأومأت برأسها مؤيدة , وأخذت جولي الصينية بعزم من يي الخادمة , فتحت الباب , وعادت الى الطبقة العلوية.

الشغاف
06-23-2011, 06:39 PM
وكما توقعت , كانت ساندرا لوسن في ثيابها , تجلس الى طاولة تكتب رسالة , وفوجئت هذه لدى رؤيتها جولي تدخل الغرفة.
بادرت بالقول , وهي تفسح مكانا على الطاولة لتضع جولي الصينية :
" شكرا جزيلا كان في أمكان السيدة هادسون أن تحضرها".
ردت عليها جولي بنبرة جافة:
" ليس من عادة السيدة هادسون أو من ضمن عملها أن تؤمن الخدمة الى الغرف , وصادف أنني كنت آتية الى هنا....".
" في أي حال , شكرا , سيدة بمبرتون".
بدت أبتسامتها خلوا من أي تعبير صادق.
قبل أن تخطو جولي خارج الغرفة , بادرتها ساندرا بالسؤال:
"في المناسبة , هل كنت تعلمين أن السيد بمبرتون قادم الى هنا الليلة الفائتة؟".
" روبرت؟ ( دست جولي يديها في جيبي ردائها ), كلا , لم أكن على علم بذلك ؟".
" لم أسمع صوت سيارته ساعة غادر , هل كان لا يزال هنا لدى عودتك؟".
أمسكت جولي مقبض الباب , وأجابت:
" نعم ( وأضافت ) في الواقع , بات ليلته هنا!".
ثم خرجت توصد الباب بأحكام , تاركة لسندرا أن تستنتج من جوابها ما تشاء.
عندما خرج روبرت من غرفة جولي , كانت ساندراذهبت تتنزه في البلدة , بينما فضّلت أيما اللعب في الحديقة حيث بصمات الصقيع كانت لا تزال عالقة , أما جولي فكانت في المطبخ تساعد السيدة هادسون في تنقية الخضار تحضيرا لوجبة الغداء , كانت الساعة تقارب الثانية عشرة ظهرا , فتح الباب ودخل , بدا من قسماته أنه نام جيدا , وأختفت علامات الأرق والتعب التي رسمت وجهه الليلة المنصرمة , بادر جولي بنظرة قاسية لم تكن تتوقعها , ثم ألتفت الى الخادمة يسألها:
" هل فات الأوان لأن أتوسل من أجل فنجان قهوة؟".
جففت السيدة هادسون يديها وهي تجيبه:
" كلا , بالتأكيد.... أراك تبدو أحسن حالا اليوم ".
" نعم , أشعر بذلك ( وعاد ينظر ثانية الى جولي , ثم بادرها محييا ) صباح الخير , جولي".
أجابت متمتمة:
" صباح الخير".
أومأ برأسه شاكرا السيدة هادسون وقفل خارجا من المطبخ , وأحست جولي بأنفاسها تتلاحق بسرعة.
حضّرت السيدة هادسون صينية صغيرة عليها بضعة فناجين , أبريق قهوةحليب وسكر , أضافة الى كعك طازج , وما أن فرغت من أمرها حتى بادرتها جولي:
" هل ستحملينها اليه , أم تفضلين أن أقوم بهذا عنك؟".
" أذهبي أنت , لا لزوم لأن تنكري رغبتك في هذا".
كان روبرت يقف قرب النافذة في الصالون , في بذلته الرمادية , وكانت لحيته غير الحليقة دليلا على أنه لم يبت ليلته في شقته , وعلى رغم هذا بدا لا يدانى في جاذبيته , لدى سماعه وقع أقدامها , ألتفت نحوها قائلا:
" شكرا ( وأضاف) سأغادر حالما أنهي أفطاري".
وضعت جولي الصينية على الطاولة :
" أتريدني أن أسكب لك؟".
لم يبد أعتراضا , وقال:
" أذا أردت".
جلست جولي على حافة الكنب , وبدأت في صب القهوة , ثم ناولته فنجانه , وقربت منه علبة السكر , وضع حبة في فنجانه ورشف قليلا .
" يجدر بي , على ما أعتقد , أن أعتذر لك عن أزعاجي لك".
نهضت جولي من مكانها , وأجابت:
" أي أزعاج هذا ؟ ( ثم أردفت ) أنا التي عرضت عليك أن تبيت هنا ( ورفعت نظرها نحوه تسأله ) هل نمت جيدا؟".
" أنت تعلمين أنني نمت جيدا ".
" هذا جيد".
" أين نمت أنت؟".
" مع أيما".
" علي ألآن أن أذهب , أعتذر ثانية عن الأزعاج الذي سببته لك ".
" لكنك لم تكن مصدر أزعاج!".
في هذه اللحظة دخلت أيما الغرفة عدوا وهي تهتف بأنفعال:
" عمي روبرت! عمي روبرت! ( وقفزت الى ذراعيه ) , ثم سألته عاقدة الحاجبين ) لا أظن أنك مغادرنا؟".
" بلى , علي أن أذهب".
" لكن , لماذا ؟ ( ونظرت الى أمها ) لماذا , أمي ؟ هل عليه أن يذهب , حقا؟".
" نعم , حبيبتي".
وبدا صوت جولي متقطعا.
ضم روبرت الطفلة اليه , وقال لها:
" سأعود قريبا لزيارتك ثانية".
تكوّر فم الطفلة , وقالت بصوت متوسل :
" أوه , عمي , أرجوك أن تبقى , لقد كنت في غرفتك هذا الصباح , ألا أن أمي لم تدعني أوقظك ..... وها أنت الآن ذاهب!".
أجابها بجدّية قائلا:
" أنني متأكد , بوجود الآنسة لوسن هنا , أن.....".
" دعني من الآنسة لوسن , فأنا لا أحبها!".
فجأة , عضّت أيما على شفتها وأنسلت من بين يدي روبرت , وأدركت جولي للحال أن الآنسة لوسن كانت تقف صامتة عند باب الغرفة تراقبهم , وعندما لاحظه روبرت وجودها , تكلّف بالقول:
" عمت صباحا , آنسة لوسن .........".
بدا وجه ساندرا لوسن بارد التعابير , أذ هي سمعت ما كان يدور من حديث , لا سيما ما قالته أيما , ألا أنها , على ما يبدو , صممت على تجاهل الأمر وأجابت:
" صباح الخير , سيد بمبرتون , كنت في نزهة في القرية , وعلى رغم أن الطقس بارد , غير أنه منعش يبعث النشاك".
أبتسم روبرت مجاملا:
" لا شك أنه كذلك".

الشغاف
06-23-2011, 06:40 PM
ردت عليه بأبتسامة وحوّلت نظرها ناحية الطفلة:
" ماذا كنت تفعلين , أيما , في أثناء غيابي؟".
بدت علامات الرفض على وجه أيما وهي تجيب:
" لا شيء".
ولاحظت جولي , لأول مرة , أن أبنتها لم يسبق لها أن كانت في حال ثورة مشابهة, كانت الطفلة تنظر الى روبرت في أستسلام وتوسّل , ولمعت دمعتان عالقتان بين رموشها:
" أرجوك , عمي روبرت , لا تذهب".
تردد روبرت لحظة , وهو يرمق جولي بألم , فبدرت منها حركة عفوية , وسألته:
" أبق , أذا كنت ترغب في ذلك!".
" نعم , لم لا تبقى ؟ ( رددت ساندرا , وأضافت) في الواقع , كنت أتصور بقاءك , لذا أتصلت بباميلا بينما أنا في الخارج , وسألتها أن تأتي ".
بدرت شهقة غيظ من جولي :
" ماذا فعلت !".
" هدّئي من روعك , جولي ! ( علّق روبرت وبدا غير مهتم للخبر , ثم ألتفت الى ساندرا يسألها ) هل أخبرت باميلا أنني هنا؟".
تظاهرت ساندرا بالخجل :
" كلا , ليس هذا ما قصدته , كل ما في الأمر أنني تصورت وجودك هنا سيكون مفاجأة سارة لباميلا".
مسح روبرت دمعة عن وجنة أيما , وأبتسامة غريبة ترتسم على وجهه وقال بنبرة مهذبة:
" أستطيع القول أنك تصورت بعملك هذا يمكن أن تقلقي بالها؟".
أحتقن وجه ساندرا , وقالت تبرر تصرفها:
" باميلا صديقتي , وقد قمت بما أعتقد أنه الأفضل".
" الأفضل لمن ؟ لباميلا؟ أم لك؟".
" ماذا تقصد؟".
حدّق فيها روبرت بعينين ثاقبتين:
" بئس عقل كالذي لك , آنسة لوسن , هل تتصورين فعلا , أن مجيء باميلا , وأنا هنا , سيؤدي الى سوء تفاهم , ولو بسيط , بيني وبينها ؟".
" أنني متأكدة ....".
" كلا , آنسة لوسن , لن يكون خلاف بيننا , فهي ليست كما يتهيأ لك , أنها تبغي الزواج بي لأنني الرجل المناسب تماما لها , أجتماعيا وماديا على حد سواء , علما أنه قد يكون في بعض تصرفاتي , بين حين وآخر , ما يضايقها , ألا أن كل ما حققته بأتصالك بها ودعوتها الى هنا , هو أذلالها , أوتظنين أنها ستكون شاكرة لك صنيعك؟".
هتفت ساندرا بصوت مرتفع تدافع عما أقدمت عليه:
" كيف يمكنك والحال هذه أن تقر بتصرف كهذا؟".
" أنني لا أقر بشيء , أذ لا شيء لدي أعترف به , كذلك الحال بالنسبة الى السيدة بمبرتون".
" ما الأمر , عمي".
سألت أيما , يكاد ينفد صبرها.
" لا شيء , صغيرتي ( نظر اليها بحنان ) أذهبي , وبدّلي ثيابك , سألحق بك بعد خمس دقائق , سنلعب معا لعبة ( الأميرة والمارد)".
" رائع!".
وهرولت الطفلة الى خارج الغرفة وأستدار روبرت ثانية نحو المربية :
" والآن , ما رأيك؟".
بدت ساندرا متضايقة , ورمت جولي بنظرة خبيثة:
" لقد فات الأوان لأن أغيّر مجرى الأمور".
أجابها روبرت بصوت يترجم قساوة تعابير وجهه :
" يجب ألا تعرف باميلا ساعة وصولي الى هنا , فهي لا تنتظر عودتي مبدئيا قبل هذا المساء , وأذا ما تساءلت , أن هي حضرت ورأتني , عن ساعة قدومي فتفسير ذلك ببساطة , أنني عرجت الى هنا منذ فترة وجيزة".
صرخت ساندرا في غضب:
" أانت تدعوني في هذه الحال الى أن أكون شريكة لك في سرك؟".
" بالعكس , المطلوب منك أن تنقذي باميلا من موقف محرج".
" وماذا إن هي لم تعر أهتمامك لكونك بت ليلتك هنا؟".
" لكنك قصدت من وراء أتصالك بها ودعوتها الى هنا أن تجدني في المنزل , وبالتالي أفسحت المحال واسعا لشكوكها , أوتظنين أنها ستغفر لك ما يمكن أن تسببيه لها؟".
" أنك....... حقير فعلا!".
" بل أنا رجل عملي ( وأضاف يسألها ) هل أتفقنا أذن؟".
" حسنا , لن أقول شيئا , لكنني لن أنسى هذا أبدا".
" لن أنساه أنا كذلك".
رد عليها جازما , وخرج يبحث عن أيما".
كانت ساندرا , تلك اللحظة , ترقبها بعينين تتلظيان , ثم بادرتها بالقول:
" أظن أن الذي جرى , جلّه لمصلحتك , أليس كذلك؟".
رفعت جولي عينين متعبتين :
" لماذا؟".
" هذه المسرحية ! هذا الأدعاء بوصوله من الولايات المتحدة , منذ لحظات! أنه ليس مهتما بموقف باميلا من الموضوع أو مكترثا لصداقتي لها!".

الشغاف
06-23-2011, 06:40 PM
5- كوة في جدار الزمن



في الأيام القليلة التي تلت , بدأت أيما دروسها مع ساندرا , وكانت هذه أحضرت معها بضعة كتب للتمارين المدرسية وقرطاسية تكفي أيما لمدة أسبوعين تقريبا , وهي كانت أطلعت جولي على عزمها طلب كمية أخرى من لندن , في حال أظهرت أيما تقدما ملموسا.
ألا أن الطفلة بدت متعثرة في دروسها , ولم يكن هذا مستغربا , هذا , ألى أنها تحولت خلال فترة قصيرة من طفلة هادئة , حسنة الطبع الى أخرى عصبية المزاج دائمة البكاء , الى درجة أضطرت جولي معها أحيانا الى توبيخها.
بعد ظهر ذات يوم , قالت جولي تستطلع رأي السيدة هادسون في سبب تغير طباع أيما:
" لا أستطيع فهم هذا التغير المفاجىء , علما أنها كانت تبدي رغبة أكيدة في الذهاب الى المدرسة ".
" أن تتعلم على يد مربية ليس نفس الشيء كما لو أنها في مدرسة , فهي , هنا , لا أصدقاء لها , كما لم تسنح لها فرصة الأختلاط بأولاد آخرين , وهي بالتالي تشعر بالوحدة , وهي تدرك أنه ما دامت الآنسة لوسن هنا , فهي لا محالة باقية على هذه الحال".
" لكن روبرت يرفض أن يبحث في خيار آخر".
وبدت جولي ساخطة , فهي الآن قلقة على أبنتها فضلا عن همومها الشخصية.
" وما هو رأي السيدة بمبرتون؟".
" أوه , لا يمكن أن توافقني في أمر ما أبدا! الى أن ساندرا صديقة العائلة".
" ماذا ستفعلين أذن , لتدارك الأمر قبل أن يستفحل؟".
" في الحقيقة , لا أدري".
" ماذا عن السيد هيلنغدون ؟ أليس في أمكانه أن يفاتح روبرت في الموضوع , قد يصغي اليه".
أبتسمت جول:
" أشك في أمكان ذلك , كثيرا".
" لست أدري فعلا ما الذي يمكن أن تفعليه حيال هذا الواقع , ألا أن شيئا ما يجب القيام به , فالطفلة في بكاء شبه مستمر".
" أعلم هذا , الذي يزيد من واقع المأساة أن ساندرا لا تكف عن الشكوى من أن أيما تتصرف بقلة تهذيب في أوان الدرس, أنني متأكدة أنها تود لو تصفعها أحيانا لهذا".
علّقت السيدة هادسون بنبرة تنم عن كره حيال ساندرا:
" كما أنني أعتقد أن الشعور متبادل بينهما".
" أنني أكيدة من ذلك ( ردت جولي خصلة من شعرها الى خلف أذنها وأضافت ) حسنا , سأتصل بفرنسيس , لأبحث معه في الموضوع".
أتصلت به هاتفيا في مكتبه , وبدا فرنسيس مغتبطا , على عادته , لسماعها , وبادرها:
" متى أراك ثانية؟".
" في الواقع , أنني في حاجة الى مساعدتك , فرنسيس".
" مساعدتي ؟ في أي موضوع؟".
" أريد منك أن تبحث مع روبرت في مسألة ..... أن تسأله أذا كان ممكنا أن يعيد تقويم قراره في شأن أرسال أيما الى مدرسة , فهي ترغب في الذهاب ال مدرسة البلدة , أنها , ببساطة , لا تريد أن تدرس على يد مدرسة خاصة , علما أن ساندرا تظهر قدرا كبيرا من الصبر والأناة حيالها".
" هذه هي المشكلة , أذن , أتريدينني أن أحضر شخصيا وأبحث مع أيما في المسألة؟".
" لا أعتقد أن هذا سيغير من الواقع في شيء , طبعا , ستسر برؤيتك , لكن , ما أن تتركها وتغادرنا.....".
أجاب فرنسيس ,وقد أدرك عمق المسألة:
" حق ما تقولين , ألا يجدر بي أن ألفتك الى أنني وبروبرت لسنا على أتم وفاق هذه الأيام , لقد ألمح لي ببعض الملاحظات القاسية , لدى زيارته لنا الأحد الماضي".
" عم كانت ملاحظاته؟".
" عنك, طبعا , لقد طلب مني أن أدعك وشأنك.... وأنه لا يجد علاقتي معك مبررة , وأنه لن يقف مكتوفا حيال هذا , ويتركك تهدمين حياتك, ألخ......".
" أوه , أنني آسفة , إن كنت سببا في ما حصل بينك وبينه".
" لا أخفي عليك , أنني كنت ساخطا بادىء الأمر لملاحظاته هذه , ألا أنني أدركت في ما بعد أنه كان يبغي مصلحتك, وبدا لي أنه يحس بمسؤولية كبرى حيالك ملقاة على عاتقه.... أنتما الأثنتين , لا أدري كيف سيصمد زواجه وباميلا بأزاء هذه الحقيقة".
" ماذا تقصد؟".
" الحقيقة , أنني لو لم أكن أعرفه جيدا , لقلت أن ألتزامه حيالك هو إندفاع إلى أبعد من مجرد واجب أخلاقي , لكن هذا من السخافة بمكان , أليس كذلك؟".
" نعم ( ومع هذا وجدت صعوبة في التركيز على الموضوع الذي من أجله أتصلت به ) لكن ...... قل لي , هل ستبحث معه في موضوع أيما؟".
" تردد فرنسيس لحظة قبل أن يجيب :
" أذا كان هذا ما تريدين........".
" بالطبع , هذا ما أريده".
" حسنا , أنه قادم غدا الى الغداء عندما سأحاول أن أكلمه في الموضوع ".
" شكرا لك فرنسيس , شكرا".
" لا تشكريني الآن , فأنا لم أحقق شيئا بعد".

الشغاف
06-23-2011, 06:41 PM
بدت السيدة هادسون راضية عندما أخبرتها جولي بما دار بينها وبين فرنسيس , وعلّقت قائلة:
" أذا كنت لا تدرين , فأن للسيد هيلينغدون طرقا في الأقناع".
أبتسمت جولي وهي تقول:
" نعم , لكن يبدو أن روبرت أخذ عليه دعوته أياي الى العشاء خارجا في نهاية الأسبوع الفائت , وهما لهذا ليسا على وفاق تام".
رفعت الخادمة حاجبيها:
" أحقا ما تقولين؟ ( ثم أبتسمت وهي تتمتم ) لا بأس , لا بأس".
هزت الخادمة رأسها وهي تزن كمية من الطحين تحضيرا لصنع قالب من الحلوى , وقالت:
" ليس هذا من شأني , سيدة بمبرتون".
" كيف يمكنك أن تقولي هذا , وقد علّقت منذ لحظة على الموضوع؟ ( أعتلت جولي كرسيا , ثم أردفت ) آه , لو يقبل روبرت , فقط , بأن تذهب أيما الى المدرسة , فتكوّن صداقات مع أطفال آخرين.......".
" والمربية التي أستقدمها ستصير خارج المنزل!".
" هذا بديهي , لا أستطيع أن أفهم سلوك أيما هذا , من عادتها أن تكون حسنة الطبع والسلوك".
أفرغت السيدة هادسون الطحين في وعاء صغير , قبل أن تقول :
" أعتقد أن الأهتمام الزائد بها والدلال من قبل جدتها والسيدين روبرت وهيلينغدون جعلاها تركب رأسها , ثم أنها طفلة في الخامسة من عمرها فقط , تصوري المتغيّرات التي كان عليها أن تتكيّف معها خلال هذه الأشهر القليلة الأخيرة!".
" هل تعتقدين , أذن , أنها مدللة كثيرا؟".
" رعاك الله , ليست الحقيقة شيئا من هذا , من حقها أن تكون مدللة إلى حد ما , هذا إذا ما سئلت في الموضوع , , أنها تحاول أن تجد لنفسها موطىء قدم في عالم يكثر فيه الناس حولها ".
" هل تعتقدين أن هذا هو السبب الذي يجعلها فرحة في كل مرة يأتي روبرت إلى هنا ؟".
" لا أعتقد أن هذا هو كل ما في الأمر , أنها طبعا ترى في روبرت الأمان , لكن المسألة أبعد من هذا , على ما أعتقد , أذ أن الطفلة متعلقة به كثيرا , فهي تتحدث عنه في شكل مستمر , كذلك نتحدث عن السيد هيلينغدون , إلا أن السيد روبرت هو الإنسان المصطفى لديها".\وضعت جولي راحتيها على خديها وقد أحست بدمعتين حارقتين في مقلتيها .
أردفت السيدة هادسون قائلة:
" أنه أهل لأن يكون كذلك ".
كان صوتها خافتا إلى درجة لم تسمعه جولي بوضوح :
" وسألتها:
" ماذا قلت؟".
تخصّب وجه السيدة هادسون :
" قلت.. أنه المفضل لديها , ألا تعتقدين ذلك؟".
" لماذا؟".
" حسنا , كونه أخ السيد مايكل , ويشبهه كثيرا".
" آه , فهمت ما ترمين إليه".
" ماذا ظننت أنني قصدت بقولي غير هذا؟".
رفعت جولي كتفيها تفتش عن جواب :
" لماذا؟ ........ لا شيء".
مسحت السيدة هادسون الطحين عن يديها بطرف مرولتها , وقالت:
" لو أنك كنت تزوجت السيد روبرت , سيدتي , لكان هو والد أيما ".
حدّقت فيها جولي وأجابتها في إقتضاب:
" لم يكن هذا ممكنا".
" صحيح , لأنك رفضت الزواج به قبل سفره إلى فنزويلا , أليس كذلك؟".
" وكيف عرفت هذا؟".
" السيد روبرت نفسه أخبرني , كنت نتحدث , تلك الليلة التي بات فيها هنا , عن تلك الأيام التي كان يكثر فيها من أسفاره".
" وماذا أخبرك أيضا غير ذلك؟".
" لا شيء يذكر , سوى أنك كنت ثائرة يومها على قراره في السفر ".
" كان ذلك أمرا بديهيا ".
" كان في إمكانك أن تسافري معه , بعد زواجكما".
أحست جولي بالصقيع يغلّف قلبها :
" أعرف ذلك , إلا أننا تجادلنا تلك الليلة......".
" والسبب إضطراره إلى السفر قبل أسبوع من موعد زفافكما؟".
" نعم , أوه , أنني أدرك أن الأمر يبدو الآن سخيفا , غير أنه في ذلك الوقت كانت مسألة مبدأ كنت في التاسعة عشرة من عمري".
أضاف السيدة هادسون كمية من السكر غلى الطحين في الوعاء , وسألتها تستزيد:
" وماذا حدث بعد ذلك؟".
" ما نفع أستذكار هذا كله الآن ؟ فليس في الإمكان تبديل ما كان ".
" أخبريني كيف تعرفت إليه؟".
" كنت أعمل في الشركة خاصتهم .... في الواقع , مديري هو الذي عرّفني إليه , كنت قد سمعت عنه قبل ذلك , ذلك أن شهرته كانت في كل مكتب من الشركة".
" أكملي".
" أوه , كان روبرت شخصا ينال أي شيء يسعى وراءه , وبالتالي أخذ يوجه الأعذار ليأتي إلى مكتب السيد هارفي حيث كان عملي , كان يعرض عليّ أن يوصلني بسيارته , أو أن يدعوني إلى غداء , وكانت الفتيات الأخريات يحذرنني منه , غير أن ذلك لم يكن ضروريا بالنسبة لي , أذ كنت أدرك تماما أي نوع من الشباب هو , كان معتادا على أن يصل إلى مبتغاه إل أنه لم يحاول شيئا من هذا معي بعد خروجنا معا للمرة الأولى , ظننت أن علاقتنا لن تتعدى هذا الحد , غير أنني كنت مخطئة , أذ هو سألني ذات يوم إن كنت أقبل الزواج به! ( هزّت رأسها في أسى ) لم أصدق آنئذ عرضه , ظننت أن الأمر لا يعدو كونه مناورة كي يستطيع أن يحصل مني على ما يريد , إلا أن الحقيقة كانت غير ذلك , لقد كان يحبني فعلا".

الشغاف
06-23-2011, 06:42 PM
" وماذا حدث بعد ذلك؟".
" ما يحصل عادة في مسائل كهذه أصطحبني ليقدمني إلى والدته , وكانت هذه آنذاك تملك منزلا في منطقة ريتشموند ... أوه , طبعا , أنت تعرفين هذا , حسنا , في أي حال , لم تشغف والدته بي , لكنها أدركت يومئذ كم كان روبرت جادا , وكان عليها بالتالي أن تسلم بالأمر بطريقة تحفظ ماء الوجه , ثم وضعت كل الترتيبات تحضيرا لحفلة الزواج , ولم يكن هناك من يساعدني على تحضير نفسي , ذلك أنني , بعد مقتل والدي في حادث سيارة , أرسلت إلى ميتم حيث ترعرعت , فأخذت السيدة بمبرتون على عاتقها أمر مساعدتي في التحضير لحفلة الزواج , ثم طرأت فجأة حادثة فنزويلا التي فجّرت المسألة برمتها".
" وألغيت حفلة الزواج؟".
" نعم".
أستدارت جولي مبتعدة , لم يعد في إستطاعتها أن تسترسل أكثر في الحديث , وأدركت السيدة هادسون معاناة جولي فغيّرت موضوع الحديث , وبدت جولي مقدّرة لها ما فعلت.
عاودتها ذكرى تلك الليلة التي كان على روبرت أن يخبرها أنه مضطر إلى السفر إلى فنزويلا .
في بدء سهرتهما , لم يخبرها شيئا , وكانا ألتقيا , عل عادتهما , في وسط المدينة , ثم تناولا طعام العشاء في أحد المطاعم كانا يكثران من أرتياده , تلك الأمسية , بدا روبرت قليل الكلام مكتئبا قليلا , إلا أن جولي لم تلاحظ ذلك , كونها كانت تحس بسعادة عارمة لعلمها أن أسبوعا واحدا يفصلها عن زواجهما , تصير بعده السيدة روبرت بمبرتون.
لكنها أضطرت إلى أن تعترف لنفسها , وقد فرغا من عشائهما, أن شيئا ما ليس على أحسن حال , وملكت قلبها رعشة من الخوف , وعندما أقترح روبرت أن يعرجا على منزل والدته في ؤيشتموند , لم تمانع , غير أنها تساءلت , على رغم أن كل شيء أصبح جاهزا في شأن حفلة الزواج , عما أذا كانت هذه هي اللحظة التي سينهار فيها كل شيء بينهما.
عندما توقفت السيارة في الباحة , لاحظت جولي أن المنزل غارق في ظلام دامس , وتطلعت نحو روبرت مستفسرة .بادر هو يوضح لها:
" والدتي تقضي نهاية الأسبوع هذه خارج المنزل".
وخرج من السيارة ليأتي ناحيتها ويفتح لها الباب .
خرجت من السيارة مترددة :
" لماذا أتيت بي إلى هنا , روبرت؟".
أغلق الباب , قبل أن يجيب :
" تعالي إلى الداخل , أنا في حاجة إلى فنجان قهوة".
في الرواق المترف الأثاث , أغلق الباب خلفه , وقادها إلى الصالون , وفيما هما في طريقهما إذا بالسيدة هيوز , خادمة السيدة بمبرتون , تطل من باب المطبخ وفي عينيها إستغراب.
بادرت تسأله :
" ظننتك , سيدي , ستمضي سهرتك في المدينة؟".
أجابها بنبرة لا تخلو من حدة:
" كنت أعتزم هذا , لا تزعجي نفسك , سيدة هيوز , لن نكون في حاجة إلى شيء , يمكنك الذهاب".
" كما يشاء سيدي".
وقفت جولي خلف الكنبة , تراقب روبرت يسكب لنفسه فنجان شاي مثلج , فجأة , إستدار في حركة عصبية , وقال لها:
" إنزعي عنك معطفك وإجلسي , لن أضايقك في شيء فلا تجزعي".
إلا أنها لم تستطع أخفاء قلقها , فسألته:
" لماذا أتيت بي إلى هنا؟".
" لا سبب لقلقك هذا , جولي , أردت أن أحدثك عن أمر في مكان حيث نستطيع ذلك في هدوء , هذا كل ما في الأمر , إجلسي , أرجوك ".
فكّت جولي أزرار معطفها , نزعته ثم ألقته على مقعد قريب منها , أقتربت لتأخذ لنفسها مكانا على كنبة وثيرة .
" ألا ترغبين في فنجان شاي؟".
" كلا , شكرا".
" لدي نبأ غير سار , جولي".
أحست كأن يدا باردة أخذت تعصر قلبها :
" نبأ غير سار ! أي نبأ هذا؟ ليس.... في شأن مايكل؟".
كان مايكل في ذلك الوقت في رحلة على متن سفينته , وظنت أنه قد يكون وقع له حادث.
هز روبرت رأسه نفيا , يحررها من قلق ليأسرها من جديد:
" كلا , ليس مايكل , بل موران الذي قتل في فنزويلا , البارحة ".
وضعت يدا على عنقها , وفي عينيها حيرة وتساؤل , ورددت :
" موران ؟ تقصد دنيس موران؟".
كان دنيس موران مهندسا أستشاريا يعمل لشركة بمبرتون.
" نعم , هو بالذات , كان يعمل في مشروع وادي نهر غوابا ( صمت لحظة , ثم سألها ) هل سمعت بهذا المشروع؟".
" بالكاد ( حاولت جولي أن تتذكر ) أليس هو المشروع الذي بدأته أنت شخصيا؟".
" نعم ".
أجاب روبرت يومىء برأسه .
وأردفت قائلة:
" طبيعي أن أشعر بأسى لفقدان أي إنسان , إلا أنني لا أرى , عدا هذا , ما الذي........".
" لست ترين أي علاقة بين مقتله وبيننا نتيجة هذه الحادثة , أهذا ما أردت قوله؟".
" نعم , أهذا كل ما في الأمر؟".

الشغاف
06-23-2011, 06:42 PM
" أخشى أن يكون غير هذا , كان مفترضا أن نكمل هذا المشروع منذ وقت طويل , لكن حدث تأخر في التنفيذ , وعلينا أن ننتهي من بناء السد قبل موسم الشتاء الذي أخذ يقترب".
حبست جولي أنفاسها:
" وماذا يعني هذا؟".
صرخ فيها روبرت وقد عيل بصره .
" أنت لا تسهلين الأمر علي لأشرح لك الموضوع".
قالت وهي تحدّق فيه:
" ماذا تريدني أن أقول؟ لست أرى كيف أن مقتل هذا الرجل يمكن أن ينعكس علينا".
" ألا ترين العلاقة ؟ أم أنك لا تريدين ذلك؟".
أراح يده على الجدار وأحنى رأسه يسنده إل ذراعه , وأضاف:
" أن الأمر واضح ( صمت قليلا ثم أكمل بصوت ضعيف) علي أن أسافر إلى هناك لأحل محل موران في الإشراف على تنفيذ المشروع".
أنتصبت جولي كمن لدغ , وهتفت بصوت عال وبغضب:
" عليك أن تسافر إلى فنزويلا؟".
" نعم ".
" لماذا أنت؟".
في هذه اللحظة نسيت جولي كل ما يتعلق بحفلة الزفاف التي لا يفصلهما عنها سوى أيام معدودة.
" لأنه..... وكما ذكرت أنت بنفسك للحظات , أنا الذي بدأ هذا المشروع , وقد تسلّم موران إدارته مني".
هزت رأسها بعنف غير مقتنعة:
" وإن يكن هذا , فهناك مهندسون آخرون في الشركة ....... ( وإنهارت فجأة ) ماذا يعني كل هذا؟ ماذا تحاول أن تخبرني ؟ متى ستسافر؟".
إستدار نحوها وبدا وجهه مكفهرا:
" علي أن أغادر في مهلة .... يومين أو ثلاثة".
تملّكها الخوف , وهتفت:
" لكنك لا تستطيع أن تفعل هذا ! هل نسيت , روبرت؟".
غمغم بصوت حمّله كل ما في داخله من مرارة:
" بحق السماء , كيف أستطيع أن أنسى ؟ ولهذا جئت بك إلى هنا لأخبرك الحقيقة من دون مواربة , كل ما أطلبه منك أن تحاولي تفهّم وضعي......".
صرخت به قائلة:
" وضعك أنت! وماذا عني؟ لا يمكنك أن تقدم على عمل كهذا ؟ لم لا يذهب أحد غيرك ؟ لماذا يجب أن تكون أنت بالضرورة البديل؟".
أشار إليها بيده أن تهدىء من ثورتها وإنفعالها , وقال بصوت أجش :
" حاولي أن تنظري إلى المسألة بعين المنطق , هل تظنين أنني راغب في السفر إلى فنزويلا؟".
" لست متأكدة , حقيقة , ما الذي ترغب فيه".
تنهد روبرت , وقال بصوت متهدج:
" بالطبع تعرفين ماذا أريد , أريد أن أبقى هنا , معك , أريد أن أتزوجك! أردت هذا وأنتظرته لفترة طويلة , كيف تتصورين أحساسي , والحال هذه؟".
أجابته , وهي تكاد لا تصدق ما يقوله:
" لست أدري شيئا , لم تعطني بعد عذرا مقبولا يوجب ذهابك".
قاطعها بأنفعال , قائلا:
" أنني لا أقدم أعذارا , إسمعي , سأحاول أن أوضح لك المسألة بالتفصيل , المشروع هذا من تصميمي , أنا الذي رعاه وأشرف عليه في بداياته , وعندما بدا أن كل شيء يسير بحسب ما هو مرسوم , وقع أنفجار في السد , قتل بنتيجته موران , فكيف , بالله , أستطيع أن أرسل شخصا آخر لينجز ما بدأته أنا؟".
كانت جولي في حال عصبية ظاهرة , تشبك أصابعها وتباعدها في حركة مستمرة , وعلّقت قائلة:
" لكن الوقت ليس عاديا , روبرت , أذ أن كل الترتيبات وضعت تحضيرا لزواجنا الأسبوع المقبل , ولا يمكننا أن نلغي كل شيء".
أجابها روبرت غاضبا:
" أنني لا أقترح ألغاء كل شيء , كل ما أطلبه منك أن توافقي على تأجيل الموعد المقرر".
" أن نؤجله ! ترى , في رأيك , كيف سيقبل الناس هذا الأمر؟".
" ماذا تقصدين ؟".
" تماما ما أقوله ( كانت حركات رأسها تواكب حدة كلماتها ) ألا ترى كيف سيفسرون هذه الخطوة ؟ هل فقدت بصيرتك أيضا؟ مجرد ذهابك في هذه المهمة دلالة على أن العلاقة بيننا قد قطعت ..... أنتهت! وأن تأجيل موعد الزواج ما هو إلا إلغاء تدريجي لعلاقتنا برمتها".
" ما تقولين هراء بهراء , ( بدأ صبر روبرت ينفد , وأعصابه تزداد توترا إذ فاجأته كل هذه العقبات غير المنتظرة لخططه ) لن نؤجل موعد زواجنا فترة طويلة.... شهر أو شهران على الأكثر".
" شهران ! ( أشاحت بنظرها بعيدا عنه ) دع شخصا آخر يسافر بدلا منك".
أجابها معاندا وقد عقد الرأي على المضي في ما رآه .
" لا أستطيع ذلك , إسمعي , جولي , لقد حاولت أن أشرح لك المشكلة , وأذا كنت لا تصدقينني , فلست أدري سبيلا آخر لأقناعك ".
أحنت جولي رأسها في إنكسار:
" كيف لي أن أصدقك ؟ هل والدتك على دراية بالأمر؟".
" نعم , أنها تعرف".

الشغاف
06-23-2011, 06:44 PM
" غالب الظن أنها هللت للحدث ( قالت بصوت ضعيف , ثم أضافت وفي نبرتها مرارة اليأس ) على كل , أنها فرصة توفر لها أسبوعا أو أسبوعين تستطيع خلالها أن تقنعك بأنك تقترف بزواجك أعظم خطأ في حياتك , أليس كذلك؟".
بدا روبرت في حال من المعاناة الشديدة , فصرخ فيها :
" جولي! ".
وأقترب منها يضع يديه على كتفيها محاولا أن يجعلها تلتفت إليه ثانية , إلا أنها تخلصت منه وإبتعدت.
وهتفت بصوت عال :
" لا تلمسني ".
تمالك روبرت غضبه .
" أنك سخيفة , تتصرفين كما لو أنني أحاول أن أنكث بعهدي لك ".
" أوليس هذا ما تفعله ؟".
" كلا!".
أبى أن يعترف بكل ما أوتي من قوته , كذلك , فإن جولي بدت في حال يرثى لها , لا تستطيع أن تتبصر بفكر سليم.
قالت بصوت لا حياة فيه:
" أريد أن أعود إلى منزلي".
" جولي! ( هتف فيها والغضب يتملكه ) لا يمكنك أن تذهبي هكذا ببساطة , نحن لم ننه حديثنا بعد , هناك ترتيبات علينا القيام بها في شأن إرسال إشعار بتأجيل موعد الزواج....".
قالت تكرر طلبها:
" أريد أن أعود إلى منزلي ! ( ثم إستدارت نحوه ) قم بالترتيبات التي تراها ملائمة فهذا شأنك , خصوصا أن والدتك هي التي خطّطت لكل هذا ".
" لن أدعك تذهبين وأنت في هذه الحال....... كوني عاقلة , جولي! أنني أحبك , ألا يعني لك هذا شيئا؟".
" لو كنت تحبني , لما سمحت لنفسك أن تفعل بي هذا . بل بنا نحن الأثنين ( حدقت فيه , ونداء رجاء أخير في عينيها ) أرجوك روبرت , دع أحدا آخر يذهب , بيتر مثلا أو ليونل غرانت".
" كلا ( قالها بحزم ) علي أن أذهب بنفسي , أرجوك أن تتقبلي الأمر ".
تلفت روبرت حوله بحركات يائسة , كما لو كان يفتش عن كلمات يثبت بها صدقه في ما قاله :
" جولي , لا يمكنك أن تفعلي بي هذا..... ...أنا في حاجة إليك !".
" أريد العودة إلى بيتي , هلا أوصلتني ؟ أم أن عليّ أن أسير إلى المحطة لأستقل قطارا؟".
نهض روبرت من مقعده وهو يحدّق فيها بكآبة يخالطها الحقد , وقال غاضبا:
" لن تذهبي الآن , وكما قلت لك قبل قليل , هناك ترتيبات علينا أن نقوم بها".
أجابته جولي بحدة , أذ لم تعد تحتمل المكوث:
" ليس في ما يخصني شخصيا".
وتناولت معطفها تبغي الخروج.
عندئذ , تحرك روبرت نحوها بغضب عارم , وقبض على ذراعيها , وأنفاسه تحرق بشرتها الرقيقة , وصرخ بها:
" أحبك ! أريد أن أتزوجك !".
حدقت فيه جولي , والألم يعتصرها , الحقيقة أنها كانت مستعدة أن تنتظره مهما طال غيابه , إلا أنها أبت تلك اللحظة أن تستسلم للواقع , وأجابته:
" لكنني أكرهك ! ولن يكون هناك زواج !".
إكفهر وجهه , وشدّها إليه يحاول , كمجنون , أن يعانقها , أما هي , ومع علمها أن رد فعله هذا طبيعي , فقد قاومته بشراسة .
إلا أن معركتها معه كانت معركة خاسرة.
كان البرد قارسا في الخارج , على عكس الجو الدافىء الذي لفّها وهي قرب الموقد , وتراءت لها الحياة في غياب ساندرا راحة مطلقة , في أي حال , كانت هناك مشاكل أخرى تقلقها بمقدار ما كانت تعذبها , وأحست بحاجة ماسة إلى رفقة أيما فقصدت غرفتها تتفقدها , إلا أنها , ما أن وصلت إلى باب الغرفة , حتى وجدتها خالية , دخلت إلى الحمام , عاقدة الجبين , فلم تجد لها أثرا , وخالجها إحساس رهيب بأن أيما ربما ذهبت إلى غرفة ساندرا بغية تحطيم بعض أغراضها إنتقاما لما فعلته بها وبإرجوحتها , فأسرعت جولي في الرواق المؤدي إلى غرفة المربية , لكنها وجدتها خالية , هزّت رأسها مستغربة أختفاء طفلتها , ونزلت ثانية إلى الطبقة الأرضية , وفكرت أن إبنتها لا بد أن تكون مع السيدة هادسون , كانت السيدة هادسون وحيدة في غرفتها , وقالت لجولي أنها لم تشاهد الطفلة , فبدأ القلق يداخلها شيئا فشيئا , ترى أين هي؟
قالت السيدة هادسون:
" ربما خرجت إلى الحديقة".
" آه , طبعا , كيف لم يخطر هذا ببالي , خصوصا أنها لم تصعد إلى غرفتها بعد الغداء".
" سآتي معك".
الطقس الضبابي ألقى ظلالا على الحديقة , وغشاوة رقيقة حجبت رؤوس الأشجار , وبدأ الغسق يهجم , والبرد قارس إلى درجة جعلت جولي تحبس أنفاسها , وسرت قشعريرة في جسمها , كان السكون يخيّم على المكان , وبدا لهما أنه من غير الممكن أن تكون أيما خرجت إل الحديقة , هذا , إلى أنهما لم تسمعا لها صوتا ولا لاحظتا لها أثرا , نادت جولي بصوت عالي:
" أيما ! أين أنت يا حبيبتي؟".
لم يلق نداؤها جوابا , وإلتفتت الى السيدة هادسون التي لحقت بها , بدت هذه قلقة وهزت رأسها في حيرة:
" أليست في الحديقة؟".
" كلا , هل..... يا ربي , هل هذه أيما هناك؟".

الشغاف
06-23-2011, 06:45 PM
ولم تنتظر جولي جوابا , بل إطلقت تركض هلعة إلى حيث لمحت جسما يتحرك ببطء بين حطام الأرجوحة , هناك على الأرض , تحت الخيوط المنسلة من حبل الأرجوحة كان جسم الطفلة الصغير مطروحا بلا حراك تقريبا , والدماء تسيل غزيرة من جرح في رأسها.
صرخت جولي وهي تنشج :
" يا إلهي ! أيما ! أيما!".
وجثت على ركبتيها تلقي برأسها على جبين الطفلة , ثم مرّرت يدها على صدر الطفلة تتحسس النبض الخفيض الصادر من قلبها الصغير .
بالكاد أحست بوجود السيدة هادسون إلى جانبها , فرفعت إليها عينين معذبتين وتمتمت:
" هل هي...... هل هي ميتة؟".
هزت السيدة هادسون رأسها نفيا , غير أنها , مثل جولي , بدت ممتقعة , وقالت بعد جهد , بصوت مشدود:
" كلا يا عزيزتي , لم تمت , لكن يبدو أنها نزفت كثيرا , خصوصا بعد مضي وقت عليها هنا في هذه الحال وفي هذه الحال وفي هذا الجو الشديد البرودة , هيا , أسرعي إلى المنزل وأطلبي سيارة إسعاف!".
ترددت جولي أولا , وقد أبت أن تترك أبنتها , إلا أنها أدركت أن بقاءها إلى جانبها لن يفيد الطفلة في شيء , فإنتصبت وخفت برشاقة ألى المنزل , فعبرت الرواق , لتطلب سيارة أسعاف , أخطأت في طلب رقم قسم الطوارىء مرتين , قبل أن تسمع صوت محرك سيارة في باحة المنزل , فأندفعت تهرول إلى النافذة تستطلع الأمر , رأت روبرت يترجل من سيارته وهرولت ثانية عبر الرواق ودفعت الباب قبيل أن يهم بالدخول , نظرة واحدة إلى وجهها كانت كافية ليستنتج أن أمرا رهيبا قد حدث وبكلمات متقطّعة , أستطاعت جولي أن تخبره بما حدث , أبعدها من طريقه وراح يعدو عبر المنزل في أتجاه الحديقة إلى حيث الطفلة ممدّدة , نظر بعبوس إلى الأرجوحة المحطمة , وخيّل إلى جولي أنه سيسألها عنها , لكنه أنحنى يجلس القرفصاء إلى جانب الطفلة المغمى عليها ثم أخذ يتفحص الجرح في رأسها , وسأل بصوت متهدج تخنقه العاطفة:
" بالله , كيف حدث لها هذا؟".
أجابت السيدة هادسون:
" يبدو , سيدي , من ثيابها الممزقة , أنها تسلّقت الشجرة وسقطت ...... ويبدو أن رأسها أصطدم بحافة الممر لدى سقوطها .... أنظر".
أومأ روبرت وهو ينتصب ثانية:
أسرعي إلى المنزل وأحضري بطانية لألفها بها , سأنقلها بنفسي ألى المستشفى ".
نظرت السيدة هادسون إلى جولي بتساؤل , فأومأت لها هذه أن تفعل ما طلبه منها روبرت , وأسرعت الخادمة نحو المنزل , بينما جثت جولي ثانية على ركبتيها إلى جانب أيما وأخذت يد الطفلة بين راحتيها , كانت الصدمة قوية , غير أن دموعها لم تعرف إلى مقلتيها سبيلا , وأحست بجفاف في حلقها , وشعور رهيب بالخوف.
وضع روبرت يده بثبات على كتفيها وشدّها إليه , وقال:
" لا تخافي , ليس هناك شيء نستطيعه حيالها , كل ما تفعلينه بتصرفك هذا أنك تزيدين الأمور تعقيدا , هل تريدين الذهاب معي إلى المستشفى؟".
" طبعا".
خرجت الكلمة من فمها بصعوبة بالغة , أرتعشت , فخلع معطفه وألقاه على كتفيها , وهو يتفقد المكان حوله بقلق , ينتظر عودة السيدة هادسون , حاولت جولي أن تجد وسيلة لمساعدة أيما , فسألت بصوت تفاوتت قوة نبرته:
" أليس من الخطر أن نحركها من مكانها؟".
ألقى روبرت نظرة على الجسم الصغير الجامد , وقال:
" لا أعتقد أن هناك كسورا في جسدها , ويجب أن تنقل من هنا بسرعة فالضباب والرطوبة يؤذيانها ".
" هل تعتقد.......هل تعتقد أنها ستكون بخير؟".
" طبعا , طبعا ستكون بألف خير".
عادت السيدة هادسون ببطانية , تناولها روبرت ولف بها الطفلة بعناية , وحاول ما أستطاع أن يرفع رأسها بكلأ أناة , لحظة بان مصدر النزيف , أشاحت جولي نظرها , وطغى عليها هاجس رهيب أن الطفلة ستموت لا محالة , من دون أن يدري روبرت أنها........ إبنته.
في الطريق ألى المستشفى , كانت جولي , بين الفينة والأخرى , ترفع ضمادة من القطن عن الجرح النازف وتبدلها بأخرى , والأفكار تتقاذف ذهنها وعقد الذنب تكبلها , ولاحظت في الوقت نفسه أن روبرت كان يعاني الأمرين هو الآخر , العاملون في قسم الطوارىء كانوا في إنتظارهم , ذلك أن السيدة هادسون أتصلت بالمستشفى سلفا , وفور وصولهم نقلت أيما على حمالة نقالة على جناح السرعة , كان الطبيب لطيفا جدا , قاد جولي وروبرت إلى غرفة الأنتظار وطلب إليهما البقاء حتى يفحص أيما ويأخذ صورة أشعة لرأسها.
مرّت بضع دقائق , خالتها جولي دهرا , وأذا بممرضة تدخل الغرفة , ونظرت نحو جولي والأضطراب باد على محياها , نهضت هذه من مكانها وكادت أن تخونها قواها , أشارت أليها الممرضة .
" سيدة بمبرتون , هلا تفضّلت بالمجيء معي؟".

الشغاف
06-23-2011, 06:46 PM
ألتفتت جولي نحو روبرت فأومأ لها بإشارة يشد من عزيمتها , خرجت الممرضة وسارتا في الرواق المؤدي إلى غرفة صغيرة مخصصة بالفحوصات الأولية حيث كانت أيما لا تزال ممدّدة على السرير بلا حراك.
أقترب منها الطبيب لحظة دخولها , وقال:
" هناك شيء عليّ أن أصارحك به , سيدة بمبرتون ".
" ما الأمر؟".
" هدّئي من روعك , سيدة بمبرتون , فليس هناك ما يخص وضع أيما لا نستطيع التغلب عليه , ستكون أنشالله على ما يرام , لكنها تحتاج إلى كمية من الدم أثر النزيف الذي أفقدها الكثير منه , والواقع أن فئة دم أيما , لسوء الحظ , نادرة , أنها الفئة أ-ب سلبي , وهي ليست متوافرة حاليا في المستشفى".
هتفت جولي تلقائيا , تقاطعه :
" دم روبرت من الفئة ذاتها!".
" روبرت ؟ ومن يكون؟".
شدّت بقبضتها على حقيبة يدها , لكثرة أرتباكها , وقالت :
" نعم ...... أنه السيد روبرت بمبرتون ..... صهري".
" أتعتقدين أنه مستعد للتبرع؟".
" أوه , لست أدري ..... أنه .... ربما".
كانت كلماتها الأخيرة تعكس ترددها , أذ هي ندمت على أطلاعهم على هذا الأمر , لكنها أدركت في ما بعد أنها فعلت هذا لأنقاذ أيما , فحياة الطفلة عندها كانت أهم من أي شيء آخر , أومأ الطبيب إلى الممرض التي أحضرت جولي قبلا , وقال لها:
" أذهبي وأسألي السيد روبرت أن يأتي ألى هنا".
أما جولي فدنت من سرير أيما تنظر بحنان ألى وجهها المبيض والدم المتخثر بقعا على جبهتها , مسكينة هذه الصغيرة , كل ما حدث لها سببه تلك الأرجوحة.
دخل روبرت الغرفة , تتقدمه الممرضة , نظر ألى أيما أولا ثم ألى جولي , وتقدم منه الطبيب وهو يراجع بعضا من الملاحظات كان قد دوّنها على ورقة صغيرة , رفع نظره نحو روبرت وبادره بالقول:
" آه , سيد بمبرتون , كنت أخبر جولي أن أيما في حاجة إلى كمية كبيرة من الدم , ولسوء الحظ الفئة التي تحتاج أليها ليست متوافرة عندنا في الوق الحاضر , وعلينا أن نطلبها من مستشفى آخر".
" وهل أرسلتم في طلبها؟".
" كنت على وشك أن أفعل , لحظة أنبأتنا السيدة بمبرتون بأن فئة دمك هي ذاتها التي نحتاج أليها".
بدا روبرت كمن أخذ على حين غرّة , وحدّج جولي بنظرة خاطفة ثم ألتفت ألى الطفلة , تعابيره الحائرة تكشف عما كان يدور في ذهنه , محاولا أستيعاب ما قاله له الطبيب.
" أتعني أنني أستطيع أعطاء ما تحتاج أليه الطفلة من دم؟".
" نعم , سيد بمبرتون , أذا كنت موافقا؟".
" بالطبع أنا موافق".
بدا نافذ الصبر وهو يفك أزرار معطفه ويرخي كم قميصه , ثم أردف قائلا :
" أرني فقط ما الذي يجب فعله".
أحست جولي , تلك اللحظة , أنه يكاد يغمى عليها , أذ لم تعد تستطيع أن تتحمل المزيد , ترنحت قليلا , وحاولت الأمساك بذراع كرسي قربها كي تتفادى السقوط , ولما لاحظ الطبيب حال المرأة أوعز ألى الممرضة أن تخرج السيدة بمبرتون من الغرفة حيث تستطيع أن تستريح لبضع دقائق , تستعيد خلالها أنفاسها.
" لكنني أريد البقاء هنا".
" ليس ما تستطيعين عمله , تعالي معي , لا أظنك تريدين أن تكوني غائبة عن الوعي عندما تفيق أيما من غيبوبتها".
عادت جولي ألى غرفة الأنتظار تجلس وحيدة , وخيل أليها أن ساعات عدة مرت وهي تنتظر , لكن لا يعقل أن يكون مضى عليها وقت طويل وهي في هذه الحال من الترقب , وما أن عادت ألى وعيها كاملا حتى نهضت تذرع الغرفة جيئة وذهابا بخطى لا أتزان فيها , تتوق ألى معرفة ما حدث أثناء غيابها , وتتساءل أذا كان روبرت أنتهى من التبرع بكمية الدم المطلوبة , لا بد أنه فعل ذلك منذ بعض الوق , لكن أين هو ؟ وهل تمت عملية نقل الدم؟
فتحت الباب وألقت نظرة متفقدة على الرواق , فلم تجد أحدا يمكن أن يطالعها بخبر , عدا بعض الخدم والممرضات الذين كان كل واحد منهم منكبا على عمله , أخيرا , جاءتها الممرض بالخبر اليقين:
" تفضلي معي , سيدة بمبرتون فإبنتك صحت من غيبوبتها , هل ترغبين في رؤيتها؟
خانت الكلمات جولي , فأومأت برأسها إيجابا , وتبعت الممرضة عبر الرواق , كانت الطفلة في غرفة جانبية وقد بدلت ملابسها وغسل رأسها ثم قمط بضمادة بيضاء زادت من أبيضاض بشرتها , لكنها , على رغم كل هذا , بدت أفضل حالا , جثت جولي إلى جانب سريرها , وأخذت يد الطفلة تضغط بها على خدها ثم قرّبته ألى فمها ولثمتها , هتفت , لحظة فتحت الطفلة عينيها الرماديتين وأرتسمت على ثغرها إبتسامة تعبة :
" أوه , أيمل!".
غمغمت الطفلة بصوت ضعيف:
" مرحبا يا أمي.... رأسي يؤلمني".
" نعم يا حبيبتي , لقد سقطت سقطة قوية , لكنك ستتعافين قريبا بأذن الله , أنت الآن في المستشفى , والجميع هنا رهن أشارتك".

الشغاف
06-23-2011, 06:47 PM
أغمضت الطفلة عينيها ثم فتحتهما ثانية:
" أعرف ما حصل لي , عمي روبرت أخبرني كل شيء".
نظرت جولي حولها , كانت مستغرقة في أقناع نفسها أن أيما ستتعافى , فلم تنتبه ألى الآخرين معها في الغرفة , وقع نظرها على الطبيب يراجع ملاحظاته , واقفا عند مقدم السرير , وألى جانبه وقفت الأخت المسؤولة عن القسم , لكنها لم تر أثرا لروبرت.
بادرتالأخت تقول أذ لاحظت تساؤل جولي:
" الممرضة تحضر فنجان شاي للسيد روبرت , لقد خرج ليتسنى لك الأختلاء بأيما على حد قوله".
" حسنا ( وعادت تسأل إبنتها ) في ما خلا جرح في رأسك , كيف تشعرين يا حبيبتي؟".
" أنني بخير , سوى أن ذراعي تؤلمني , فضلا عن جرح في ساقي".
قالت الأخت معقبة وهي تقترب منهما :
" أنها رضوض سطحية , ليس هناك من أصابات بالغة , وأذا ما تم الأعتناء بجرح رأسها كما يجب فأنني لا أرى سببا لبقائها هنا أكثر من أيام قليلة".
هتفت أيما:
" أيام معدودة! كنني لا أريد البقاء وحدي هنا؟".
تدخلت جولي تطمئنها :
" لن تكوني وحدك يا حبيبتي ( ورفعت نظرها نحو الأخت تسألها ) هل يمكني البقاء معها؟".
ترددت الأخت قليلا , وبلهجة مسؤولة قالت :
" ربما لهذه الليلة , نعم , يمكننا أن نتدبر هذه المسألة , هل ترغبين , أيما , في أن تبقى والدتك , الليلة , معك؟".
" أوه , نعم".
" حسنا , سأذهب لأرتب مسألة بقائك".
وأبتعدت الأخت فيما أقترب الطبيب من السرير .
وبادر بالقول موجها كلامه ألى أيما:
" حسنا يا سيدتي الصغيرة , آمل أن يلقنك هذا الحادث درسا بعدم تسلق الأشجار ثانية ".
خرجت جولي ثانية تبحث ن روبرت.
" أين ذهب السيد روبرت؟".
أجابها الطبيب:
" أظن أنه عاد ثانية إلى غرفة الأنتظار".
أسرعت في أتجاه غرفة الأنتظار , دفعت الباب ودخلت , كان روبرت جالسا في أحد المقاعد , وذراعاه تستريحان على ركبتيه , بطالع مجلة وجدها على طاولة قريبة منه , رفع نظره مستطلعا , لحظة دخول جولي , أغلقت الباب وراءها وأسندت ظهرها إليه , وقالت:
" لقد أعطوها منوما , وستنام بعد قليل".
أعاد روبرت المجلة إلى مكانها ونهض من مقعده , وعلّق قائلا:
" حسنا".
ولاحظت جولي أن سلوكه لم يكن مشجعا , فترددت قليلا , ثم خاطبته قائلة :
" يرى الطبيب أن لا مانع في بقائي هنا الليلة , وقد وافقت على ذلك , هل في أمكانك أن تعود إلى الكنزل وترسل ألينا بعض الملابس؟ السيد هادسون ستوضبها لك".
" حسنا".
" أمها أفضل الآن , أليس كذلك؟ ".
" أنها أفضل بكثير".
" والفضل في هذا .......يعود أليك , فبوجودك أستطاعت أن تحصل على ما أحتاجته من دم , أنني .... شاكرة لك صنيعك".
" لا شكر على واجب , ألا أن هناك ما أود معرفته , كيف عرفت أن فئة دمي هي من فئة دم أيما؟".
" مايكل أخبرني".
" بحق السماء يا جولي , كيف صادف أن فئة دم أيما هي ذاتها فئة دمي وليست من فئة دم مايكل ؟ واحد منا فقط دمه من هذه الفئة النادرة ".
" وكيف لي أن أعرف ؟ هذه الأمور تحدث....".
أمسكها من كتفها وأدارها في مواجهته مرغما أياها على النظر إليه:
" جولي , أريد معرفة الحقيقة , هل أيما أبنتي؟".

الشغاف
06-23-2011, 06:48 PM
6- حاولي أن تفهميني


حدّقت فيه جولي طويلا قبل أن تجيبه , كانت تتوقع هذه اللحظة منذ أن أطلعت الطبيب , عن غير قصد , على نوع فئة دم روبرت , ومع هذا لم تكن مستعدة لمواجهته , أخيرا , قالت له:
" لا يحق لك أبدا أن تطرح علي سؤالا كهذا".
" ليس لي حق السؤال ؟ ( بدا ثائرا يتآمله الغيظ ) بالطبع لي الحق , أذا كانت أيما أبنتي , فمن حقي أن أعرف".
" كيف تسمح بأن تدّعي هذا , وأنت الذي غادر إلى فنزويلا من دون أن تلتفت أليّ ؟".
" هذا ليس صحيحا ! ( وأشدت أصابعه على كتفها ) أفكاري وأحاسيس كانت لها معك! لكنك , في المقابل تزوجت مايكل ! لم تنتظري عودتي , بل أرغمتني على أن أحتقرك! وعندما عدت من فنزويلا وأدركت ما فعلته , تمنيت لك الموت , صدقيني!".
أرتعشت جولي لوقع كلماته , ألا أنها حاولت أن تظل هادئة , لكن الأمر لم يكن سهلا عليها وقبضته تبعث الأضطراب والأثارة في أعماق أحساسها وعواطفها , وقالت ترد عنها التهمة:
" لقد بعثت إليك برسالة , سألتك فيها أن تعود , قلت لك أنني أرغب في الأجتماع بك......".
سارع يقاطعها بصوت يكتم فيه غيظه:
" من دون أن تفصحي عن أي سبب , قصاصة ورق صغيرة تطلبين فيها أن أعود ألى أنكلترا , كيف يمكن أن أجيب عن رسالة كهذه ؟ وكيف يكون مطلوبا مني أن أدرك الغاية منها ؟ خصوصا أن موقفك لم يتبدل حيالي , كان علي أن أذهب إلى غوابا , وأن أعرف سبب الأنفجار الذي وقع , فكيق بالله , تريديني أن أترك كل شيء على ما هو وأعود إلى أنكلترا , وأنت في المقابل ترمينني بإتهامات شتى وترسلين أليّ أنذارات قاطعة ؟ ( كان روبرت يتكلم وهو في حال غليان , وجهه كالح وصوته يشوبه التوتر ) , لن تدركي أبدا كيف كان شعوري تلك الليل , يوم تركتني وخرجت من منزل والدتي! ".
لم تستطع جولي , وقد أحست من خلال عينيه المعبرتين بصدق أحساسه , أن تطلق العنان لأحاسيسها , فقالت:
" كان هذا من زمن طويل".
" ليس بالنسبة ألي, أتذكر هذه الأمور وكأنها حدثت البارحة , هل تظنين أنني لم أوجه اللوم إلى نفسي لما أقدمت عليه تلك اليلة؟".
" كيف أستطيع تصديق كلامك؟".
أجابها وصوته أقرب الى الحشرجة :
" يا ألهي.........! أنها الحقيقة يا جولي".
سألته ثاني وصوتها يكاد يختنق:
" كيف لي أن أعرف أن ما تدّعيه ليس سوى وسيلة دهاء لتدفعني ألى الأقرار يحقك في أبوّة أيما , بعدها يمكنك قانونا أن تأخذ إبنتي مني؟".
" جولي! ( أمتدت أصابعه تحكم الطوق حول عنقها ) جولي..... لقد عهد ألي مايكل بمسؤولية رعاي الطفلة وتنشئتها , بهذا وحده أستطيع أن أوجّه حياتها كيفما أشاء , لماذا فعل ذلك , في رأيك؟".
دفعته جولي عنها مشيحة بنظرها , ومن دون أن تلتفت إليه قالت بصوت خافت:
" لست أدري شببا لذلك".
تمتم بكلمات لم تفهمها قبل أن يقول:
" بالطبع تعليمين يا جولي , من تراه أحق مني في رعاية الطفلة ؟ يا ألهي , قوليها أنطقي بالحقيقة !".
أستدارت أليه , وصرخت , والأضطراب يشحن نبرات صوتها:
" حسنا , يا روبرت , أيما هي طفلتك , لكنك لن تستطيع أثبات هذا أبدا!".
تنفس بعمق وقال أذ فوجىء بأعترافها:
" أذن , أنها الحقيقة , يا ألهي لماذا علي أن أثبت حقيقة ساطعة ؟".
رفعت كتفيها أستسلاما وقد أسقط في يدها وقالت:
" لا تحاول أن تجرني الى ألاعيبك , فأنا لست طفلة , وأعرف تماما ما يعنيه الأمر بالنسبة أليك , لقد كرهتني قبلا , ولا يمكن أن يزداد كرهك حيالي أكثر من ذلك , ولا أتصور أنك ترى فيّ الأم الصالحة لتربية طفلتك! لهذا كله ستسعى ألى...".
وأختنق صوتها فأستدارت مبتعدة تخبىء ملامح الذل في قسماتها.
حاول روبرت الأقتراب منها , لكنه عدل فجأة وأستدار على عقبيه خارجا من الغرفة , تاركا أياها وحيدة وسط الغرفة , يبعث منظرها على الأسى والشفقة , مساء ذلك اليوم , أحضر أحد العاملين حقيبة إلى غرفة أيما , وأوضح لجولي أن أحدهم سلّمها ألى حارس المستشفى فأدركت أنها الحقيبة التي كانت أوصت روبرت على طلبها من السيدة هادسون.
صباح اليوم التالي , حضرت السيدة هادسون لتعود أيما وقد أحضرت معها بعض ألعاب التسلية , وكانت جولي تجلس على السرير قرب أبنتها بعد ليلة نالت فيها قسطا قليلا من النوم , وأضفى حضور الخادمة ولطفها المتميز وقعا طيبا في نفس جولي وأيما على حد سواء , وبدت الطفلة مرحة مفهمة حركاتها بالحيوي , وهي منشغلة في تفحص بعض الدمى , وعلى رغم أنها كانت لا تزال تحس وهنا جسديا , لكن شحوبها خف كثيرا وبدت في حال أفضل , بادرت السيدة هادسون بالقول تسأل جولي:
" ما الذي حدث لك البارحة؟ تبدين في أسوأ حال! عيناك غائرتان , كفي عن خوفك , فليس من سبب الآن في ألا تتعافى الطفلة قريبا!".

الشغاف
06-23-2011, 06:49 PM
تنهدت جولي:
" لم أنم جيدا الليلة الفائتة".
" لكن هذا ليس سببا كافيا؟ وهل تظنين أنني غبية ألى هذه الدرجة فلا أدرك أن أمرا آخر يقلق بالك ؟ وأن حادث أيما ما هو ألا جزء بسيط من المشكلة ؟ ( طوت قفازيها , وأردفت ) أما في ما يتعلق بروبرت , فلا تسألي أي طبع سيء كان لدى عودته الليلة الفائتة , كان غاضبا ألى درجة أحسست معها بالشفقة حيال الآنسة لوسن".
عقدت جولي حاجبيها وسألت تستوضحها:
" الآنسة..... لوسن؟".
" نعم , الآنسة ساندرا لوسن , لقد غادرت المنزل هذا الصباح".
بدت الدهشة على جولي.
" ماذا فعلت؟ .......لماذا؟".
" لأسباب عدة , على ما أعتقد والسبب الأبرز , كون أيما ستذهب ألى مدرسة القرية".
شهقت جولي وقد أخذها النبأ , ورفعت أيما عينيها والدهشة على وجهها , وهتفت بأنفعال:
" هل حقا ما تقولين ؟ هل هذا صحيح يا أمي؟".
هزت جولي رأسها بأستسلام.
" أذا .... أذا قالت السيدة هادسون ذلك فهو صحيح لا لبس فيه ( وألتفتت الى الخادمة تسألها وهي تشع بدوار ) لكن....... لماذا ؟ هل أخبرك الغاية من ذلك ؟".
أجابتها السيد هادسون وقد بدت تتمتع بههذه اللحظات المهمة والسعيد في آن :
" هو بالكاد كلّمني , إلا أنني سمعت جدلهما وهما في الصالون , ثم أخبرتني الآنسة لوسن خلاصة ما دار بينهما من حديث".
تنفست أيما بأنشراح , وقالت معقبة:
" وأنا سأذهب إلى المدرسة؟".
أجابتها جولي:
" يبدو الأمر كذلك ( وأضافت تسأل السيدة هادسون ) هل أتى روبرت على ذكر السيد هيلينغدون؟".
" لم يذكر شيئا من هذا القبيل يا سيدتي وكما سبق وقلت , لم يكن في حال مرضية لدى عودته إلى المنزل , ولم تكن حاله أفضل عندما شاهدته يغادر المنزل وينطلق بسيارته في سرعة جنونية".
تنهدت جولي وعلّقت قائلة:
" حسنا , لقد حققنا أخيرا مكسبا ما".
أومأت الخادمة برأسها أيجابا.
" هذا ما أعتقده , لم أصدق حقيقة أنه إرتاح في يوم من الأيام إلى تلك المرأة , فهي ليست من النوع الذي يصلح لتربية طفلة حساسة كأيما وتعليمها".
أخذت أيما ( تنطنط ) على سريرها لشدة أنفعالها وسرورها مما حدا بجولي أن تمسك بها وتهدىء من حركتها , وقالت الطفلة تسأل والدتها:
" متى أستطيع الذهاب إلى المدرسة ؟".
أعادت جولي ترتي غطاء السرير بعناية وهي ترد على أبنتها :
" أهدأي الآن , وإلا عاودك الصداع فتضطرين عندئذ الى البقاء في المستشفى فترة أخرى , في أي حال , ذهابك إلى المدرسة لن يكون قبل نهاية عطلة الميلاد , حين يعاود جميع التلاميذ دراستهم".
أحكمت أيما يديها حول ركبتيها المرفوعتين أمام صدرها , وهتفت:
" كم هو رائع هذا !".
" صحيح , لكن لا تظني أنك تستطيعين نيل ما تشائين , لمجرد أن عمك روبرت......".
وأختنق صوت جولي , ولو لم تكن يقظة وتتمالك نفسها لكادت تنفجر بالبكاء وبدا أن السيدة هادسون نبهت للأمر , فحوّلت أنتباه أيما بأظهار أهتمامها بما كانت الطفلة تفعله , وأستطاعت جولي في هذه الأثناء أن تسيطر على نفسها ثانية , ثم تركت السيدة هادسون بعد أن وعدتها جولي بالإتصال لاحقا لتخبرها بموعد عودتها إلى المنزل , ولم تبد أيما كثير أهتمام لأنها ستترك وحيدة هذا اليوم , وقررت جولي العودة إلى المنزل مساء حالما تغفو أيما.
بعد ظهر اليوم جاءهما زائر غير منتظر : لوسي بمبرتون التي ولجت إلى غرفة أيما كما لو كانت سليل العائلة المالكة , هتفت حين رأت أيما والضمادة تزنر رأسها:
" أوه , يا مهجتي , ما الذي فعلوه بك؟".
لم تكن أيما معتادة عل مثل هذا النوع من ردات الفعل وكادت تدمع خوفا , في الوقت الذي بادرت جولي قائلة:
" أيما في حال أفضل بكثي مما كانت عليه , والمرضون والممرضات يحبونها ويعاملونها معاملة حسنة , أليس كذلك يا حبيبتي؟".
أومأ أيما موافقة , أما لوسي فتفقدت المكان حولها بعينين غير راضيتين ثم علّقت هاتفة:
" لكنه مكان لا يليق بها ! يجب أن تنقل الطفلة إلى مستشفى خصوصي , أكثر تمدنا وتطورا , حيث للغرفة سجاد وورق جدران! ( ثم حوّل أنتباها نحو الطفلة , وقالت لها ) كيف تشعرين , يا حبيبتي؟".
أجابتها أيما ونظرها نحو والدتها:
" أنني بخير".
وبدا أن الطفلة لم تعد تشعر بميل نحو جدتها منذ تلك الليل عندما تقيأت في شقة روبرت.
قالت الجدة:
" روبرت أطلعني على الأمر هذا الصباح ..... هاتفيا..."".
بدت جولي متفكرة , وبدا لها واضحا من كلام لوسي وتصرفاتها , أن روبرت لم يطلع والدته على حقيقة أبوته للطفلة , لكن آلى متى سيبقى هذا الأمر طي كتمانه ؟ ثم أجابت :
" أعتذر عن ذلك , ألا أنني لم أرد أن أشغل بالك في أمر ليس ضروريا ".
ردت لوسي كتفيها دفاعا ترفض تبرير جولي:
" غير ضروري؟! لكنني جدتها! من حقي أخذ العلم حين تصاب حفيدتي بحادث خطير".

الشغاف
06-23-2011, 06:50 PM
رفعت أيما عينيها عن علبة الهدي وقد هلعت أذ أدركت بلاغة جرحها , حاولت جولي أن تخفف من وطأة كلام حماتها , فهتفت مدافعة:
" أنك تتكلمين وكأ الأمر أخطر بكثير مما هو فعلا , نعم , أصيبت أيما في الحادثة بجرح ورضوض , هذا كل ما في الأمر".
" هذا كل ما في الأمر ؟ عملية نقل دم بكمية كبيرة , ليست شيئا بسيطا يا عزيزتي جولي".
تنفست جولي عميقا تكتم غيظها , وأدركت أن روبرت أطلع والدته على مسألة نقل الدم.
أسترسلت لوسي قائلة:
" كان شيئا حسنا أن وجدت كمية كافية من الدم التي أحتاجت أليها أيما , هل يمكن أن تتصوري ماذا كان يمكن أن يحدث لو لم تكن الكمية متوافرة هنا؟".
" أي دم هذا يا أمي؟".
سألت أيما وفي عينيها قلق ظاهر .
" لا شيء يا حبيبتي".
نزعت جولي ما تبقى من غلاف العلب التي أحضرتها لوسي ,وبانت في داخلها دمية في ثوب ثمين.
" آه, أنظري كم هي جميلة".
حاولت جولي أن تحوّل أهتمام أبنتها , وفي ذهنها تضج أفكار مختلفة كون روبرت لم يطلع والدته على أن الدم الذي أعطي لأيما هو نفسه الذي تبرع به.
في هذه اللحظات كان أنتباه لوسي قد تحوّل إلى الطفلة الفرحة بحصولها على الدمية , إلا أنها , وفيما جولي ترافقها في البهو إلى المدخل الرئيسي للمستشفى , عادت تقول:
" سوف أرتبّ الأمر لتنقل أيما إلى مستشفى خاص , كنت نصحت بالذهاب أليه منذ سنوات , لمستواه الراقي وخدمته الجيدة".
" أرجوك! لا أريد أن تنقل من هنا , فالمكان قريب من ثورب هيلم , وأنني أتوقع عودتي إلى المنزل هذه الليلة".
" إذن , سأبحث الأمر مع روبرت ".
" كما تشائين , أنني لا أستطيع منعك ".
" لا تستطيعين ؟ لقد أخبرني روبرت أيضا أنه صرف الآنسة لوسن؟".
" هذا ما أعتقده ".
" هل تعرفين لماذافعل ذلك؟".
" لأن أيما ستذهب آلى مدرسة القرية".
" مدرسة عامة؟!".
" نعم".
" أوه! لكن الأمور تعدت نطاق المعقول , ما الذي يعتقد روبرت أنه فاعل بعمله هذا ؟ طبعا, تلك هي مشيئتك".
لم تهن عزيمة جولي ازاء كلام حماتها القاسي , وقالت لها بصوت هادىء:
" أيما ف حاجة إلى الإختلاط بأولاد آخرين , أنك تدركين هذا الأمر بالطبع".
" أستطيع أن أرى بوضوح جيدا".
أخرجت منديلا من حقيبتها وعالجت أنفها بحدة , ثم عادت تنظر ثانية إلى كنتها , وظهر في عينيها نداء رجاء , وقالت:
" لا أظنك يا جولي , ستقومين بأي عمل قد يؤذي روبرت , أليس كذلك؟".
أرتسمت الدهشة على وجه جولي ورددت:
" أنا؟ أؤذي روبرت؟".
هزت لوسي رأسها وكأنها تخلّت عن ألتماسها لدى جولي ورجائها إياها , وقالت في أقتضاب:
" أنا عجوز غبية .... والآن علي الذهاب , هالبيرد في أنتظاري , هو الذي أتى بي في السيارة , وداعا يا جولي".
في وقت لاحق من تلك الأمسية , أستقلت جولي سيارة تاكسي عائدة إلى المنزل.
فور عودتها , رحبت بها لسيدة هادسون بحرارة , وساعدتها في نزع معطفها وواكبتها إلى غرفة الجلوس , كان الطقس في الخارج رطبا شديد البرودة , بعكس الداخل حيث الدفء والنور , ورغم كل هذا أحست جولي بالحزن يكتنفها , سألتها السيدة هادسون , وهي تراوح في الغرفة :
" هل أكلت شيئا ؟".
هزت جولي رأسها نفيا.
" كلا , لكنني لست جائعة.....".
ثم فجأة , أنفجرت قائلة , أذ لاحظت أناء كبيرا من الورد الأبيض موضوعا على طاولة في الطرف القصي من الغرفة:
" من أين أتت هذهالورود؟".
أجابت السيدة هادسون وهي تحل رباط مئزرها عن وسطها:
" وصلت بعد ظهر هذا اليوم , ورود جميلة , أليس كذلك؟".
" من أرسلها؟".
رفعت السيدة هادسون كتفيها لا تدري هي الأخرى:
" لم ترفق بها بطاقة , ظننت أنك تعلمين ممن تكون ".
هزت جولي رأسها نفيا وأجابت بعدما أستعصى عليها معرفة المرسل :
" كلا , كلا , لا أدري , هل ...... أتصل السيد .......روبرت , اليوم؟".
" كلا , قد يكون أتصل بالمستشفى ليطمئن ....... لا أدري".
" ألا تعتقدين يا سيدتي أنه هو مرسل الباقة؟".
هزت جولي رأسها تنفي قطعا :
" كلا , أتساءل فقط أذا كنت سمعت منه أي شيء".
عكست قسمات وجه السيدة هادسون إحساسها الداخلي وهي تراقب جولي , ثم سألتها:
" كيف حال الصغيرة؟".
" أنها نائمة الآن سأعود إليها غدا صباحا".
" تبدين تعبة يا سيدتي , لماذا لا تأوين إلى فراشك؟ سأحضر لك كوبا دافئا من الحليب".
" كلا , ليس الآن , أين..... أين ذهبت الآنسة لوسن؟".
" عادت إلى لندن , على ما أعتقد , ويمكن أن تكون عرجت على منزل الآنسة هيلينغدون قبل ذلك".
أومأت جولي برأسها تراجع الأمر وإستراحت على كنبة قربها:
" أوه , نعم , باميلا".

الشغاف
06-23-2011, 06:51 PM
" هل أحضر لك شيئا منعشا ؟ ( سألتها الخادمة وبدت مصرة على ذلك) أذا إستمريت على هذه الحال في إرهاق نفسك , فستمرضين ".
أراحت جولي رأسها على ظهر الكنبة:
" أنا بخير , شكرا , سيدة هادسون".
فجأة , تناهى إلى جولي , مع صفير الريح , صوت محرك سيارة تقترب ثم ضجيج فراملها وهي تتوقف أمام باب المنزل , وفي رمشة عين كانت منتصبة على قدميها ويد رشيقة تسبل شعرها.
خاطبت الخادمة بصوت لا عزم فيه:
" أنا لست هنا , كائنا من كان القادم , لا أستطيع أن أقابل أحدا الآن".
" حسنا يا سيدتي".
توجهت الخادمة تفتح الباب , فيما أغلقت جولي باب الصالون , وأسندت ظهرها إليه , كأنها صممت على رد أي دخيل بالقوة , في أي حال , لم تدم لحظة هنائها طويلا , أذ سمعت وقع أقدام تعبر الرواق , وما هي إلا لحظات حتى دفع الباب وجولي حادت إلى جانبه , بينما ولج روبرت إلى الدار , ترافقه نسمة باردة مشبعة برائحة عطره وعبير معجون الحلاقة الذي يستعمله , لم يلاحظ وجودها , بادىء الأمر , حيث وقفت , وأخذ يجول بنظره حوله بصبر نافد , إلى أن وقع نظره عليها , أوصد الباب وراءه بحزم , وشرع يفك أزرار معطفه , إبتعدت جولي عن الباب وعبرت لتقف في الوسط قرب الموقدة الكهربائية , وتمنت لو يقول شيئا , ولما لم يفعل , بادرت تقول بتأن:
" أذا كنت أتيت لترى أيما , فهي ليست هنا".
" أعرف هذا ذهبت إلى المستشفى , ظانا أنك لا تزالين هناك , بغية إعادتك إلى المنزل , كيف عدت ؟ هل هو فرنسيس هيلينغدون الذي أقلّك بسيارته؟".
" فرنسيس؟ .........كلا , لماذا؟".
" لأنه ذكر أنه ذاهب ألى المستشفى ليعود أيما .... على كل حال , ليس هذا مهما".
" أذن , عرفت أن أيم هي في حال أفضل بكثير؟".
" نعم , لقد سمحوا لي برؤيتها , كانت نائمة بالطبع , لكن بدا واضحا أنها كانت تتنفس بشكل طبيعي , ولون بشرتها أفضل".
" حسنا , حسنا".
إلا أنها كانت مضطربة وبدأت عصبيتها تتضح شيئا فشيئا.
فجأة سألها:
" ألن تسأليني لماذا حضرت إلى هنا؟".
بدت كمن أسقط في يده :
" حسنا..... لماذا أنت هنا؟".
إبتعد روبرت عن الباب قليلا , وعكست ظلال الضوء على وجهه الأرهاق الذي يعانيه هو الآخر , كان لا يزال مشدود الأعصاب , حوّل نظراته إلى أناء الورد الموضوع على طاولة جانبية , وظنت أنه سيعلق بشيء ما . , إلا أنه بدل ذلك قال:
" لقد أتيت لأراك جولي".
" آه , فعلا؟ لست أرى ما يمكن أن يقال بيننا أكثر مما قيل , اللهم إلا أذا كنت في صدد إبلاغي أن علي ألا أفاجأ متى جاءت والدتك لتواجهني بحقيقة معرفتها أن أيما هب طفلتك".
" جولي! ( صرخ فيها وفي صوته ألم عميق) كفي عن التكلم بهذا المنطق , فلن يعلم أحد أبدا بأنني والد أيما!".
حدّقت فيه جولي:
" وكيف أستطيع تصديق ذلك؟".
هز روبرت رأسه بأسى , وقال:
" لا بد أنك تظنينني رجلا بلا مبدأ لتفكّري أنني قد أكشف للجميع أن أخي فضّل أن يكون أبا لأبنتي ! إلى الآن , وكما يعلم الجميع , أيما هي إبنة مايكل وسيبقى الأمر كذلك , لا أستطيع أن أقدم أقل من هذا إلى رجل أحببته وأعجبت به".
أحست جولي بوهج الدمع في مقلتيها :
" أذن , لماذا كان عليك أن تطلب معرفة الحقيقة؟ لماذا دفعتني إلى أن أخبرك؟".
وقف روبرت أمامها , يحدق فيها بثبات :
" لأنني أناني إلى درجة أردت معها أن أتأكد من أن السبب الحقيقي الذي دفعك إلى الزواج به لم يكن مرده أنك وقعت في حبه آنذاك".
أرتعشت جولي لكلامه هذا , وقالت مدافعة:
" كان مايكل لطيفا جدا معي وقد غمرني بحنانه , ولست أدري ما الذي كنت أستطيع فعله من دونه ".
صرخ فيها روبرت بصوت أجش:
" لكن , كان يجب أن تخبريني ! أنا هو الشخص الذي كان مفترضا فيك اللجوء إليه ..... وليس مايكل !".
" كيف كان لي أن أفعل ذلك ؟ فأنت كنت مسافرا , فضلا عن أنني بالكاد كنت أستطيع الكتابة إليك , بعد الذي حدث وقيل بيننا , لأشرح لك بالتفصيل أن عليك أن تعود إلى أنكلترا وتتزوجني لأنني حامل! كم...... كان هذا ليبدو محببا وساحرا ؟".
أنحدرت نظرات روبرت بإضطراب على قوامها الرشيق , وقال بصوت غليظ :
" يبدو أنك لا تدركين الحقيقة , لو أنك كتبت لي توضحين حقيقة وضعك لكان لكلماتك وقع طيب في قلبي".
تدافعت أنفاس جولي في صدرها , وسألته مستغربة:
" كيف تستطيع أن تقول هذا بعد الطريقة التي أجبتني بها عن رسالتي؟".

الشغاف
06-23-2011, 06:54 PM
" أعلم هذا , أعلم , لكنني كنت غاضبا آنذاك , أرجوك , حاولي أن تفهميني , كنت قد رفضت الأنصات إلى كل شيء قلته لك وعرضته عليك , رفضت أن تتزوجيني , يوم توسلت إليك أن توافقي , رفضت أن تتفهمي وضعي بالنسبة إلى مشروع غوابا , فكيف كان في أستطاعتي أن أدرك المعنى الحقيقي لرسالتك تلك؟ لقد مزقتها , لم أكن , يومها , أعتزم الرد عليها , إلا أنني عدلت ع رأيي وفعلت".
سألته جولي وأظافرها تنغرز في راحتيها من حدة معاناتها:
" لماذا؟".
هز رأسه لا يدري جوابا:
" في قرارة نفسي أظن أنني فعلت ذلك لأنني لم أكن مقتنعا أن كل شيء أنتهى بيننا , حتى أنني رغبت إلى حد ما في رؤيتك بعد عودتي من فنزويلا , في محاولة لرأب الشرخ الذي في علاقتنا".
سارعت جولي تقول:
" لكن رسالتك آنذاك لم تكن توحي بمثل ما تقول :
" أعرف هذا , أعرف أن جوابي لك دفعك إلى البحث عن وسيلة تؤمن لك عيشك وتربية الطفلة , لكن , هل كان عليك أن تتزوجي أخي مايكل لتؤمني مستقبلك؟".
شمخت جولي برأسها , وقالت:
" لم يكن قرارا سهلا , صدقني , كنت وكان مايكل الأنسان الوحيد الذي أبدى عطفا وتفهما .... وقليلا من الحنان , لقد سألني أن أكتب إليك وأخبرك الحقيقة , كان متأكدا أنك لن تتهرب من مسؤولياتك , لكني.... لم أردك وفق هذه الشروط . ( وأبتعدت مسرعة إلى الطرف الآخر من الغرفة , أذ لم تعد تستطيع إحتمال وجوده قريبا منها من دون أن تفضحها أحاسيسها).
إلا أن روبرت سار في أثرها , وأقترب منها , ثم وضع يده على خصرها محاولا تقريبها منه , إلا أنها لم تمكنه من ذلك , وقالت:
" صحيح أنك والد أيما , لكن لا تنس أنك خطيب باميلا هيلينغدون , وبالتالي لا يحق لك أن تتودد أليّ بهذا الشكل".
" لا يحق لي ! ( كانت أنفاسه تتلاحق , وأخذ يحدّق بثبات في عينيها المغرورقتين بالدموع , وقال بصوت متهدج ضمّنه كل ما يعتمل في قلبه ) بل لي كل الحق في ذلك, لأنني أحبك , جولي , ولم أتوقف يوما عن حبك , حتى حين كرهتك , صدقيني , وعندما علمت بزواجك من مايكل كرهتك وحقدت عليك , أنت أيضا تحبينني , فلا تحاولي أن تنكري ذلك".
أرتعشت جولي لا تدري ماذا تقول , ثم سألته:
" وماذا غير ذلك يمكن أن أفكر فيه؟ وكما سبق لي وقلت , أنت خطيب باميلا.....".
غمغم بوحشية:
" لتذهب باميلا إلى الجحيم , أنني لا أحبها , ولم أحبها قط , لقد أخبرتها هذا صباح اليوم".
طرفت عينا جولي غير مصدقة:
" لقد أخبرتها؟".
| بالطبع أوتعتقدين أنني سأستطيع العيش مع أمرأة أخرى سواك بعد أن عرفت أنك لا تزالين تحبينني ؟ أوه , جولي , لا يمكنك أن تدركي المعاناة التي كنت أعيشها بسببك , وأنا أتذكر الآن..... أتذكّر.......".
حاول أن يعانقها إلا أنها تمكنه من ذلك , وعاودت محاولتها التخلص من قبضته , ألى أن أفلحت أخيرا.
قال لها:
" يجب أن تتزوجينني , جولي ( وتنفس عميقا قبل أن يضيف) قولي لي أنك ستفعلين , وإلا فليكن الله في عوني... لست أدري ما الذي سأفعله في هذه الحال!".
خلعت جولي عن ذاتها كل قناع وتحفظ , ورمت بماضيها وراء النيهات الحالمة , وقالت :
" أوه , روبرت , أنني أقبل الزواج بك متى تشاء , لكن , عليّ أولا أن أعتذر , ذلك أنني كنت مراهقة غبية منذ ستة أعوام , وما حدث أتحمل مسؤوليته بمقدار ما تتحمل أنت ذلك , لا بد أن تعرف هذا , ثم بعد ذلك , يوم كنت حاملا , كانت أيام...... أوه , كيف أستطيع أن أفسر لك ؟ لقد أردت الجنين , هل يمكنك أن تدرك هذا الأمر؟ لقد أردت أن أحمل طفلك ! ".
شدّها روبرت إليه ثانية وعيناه شبه مغمضتين , وهو في حلم يقظة , ثم قال:
" يجب ألا تبوحي لي بأشياء كهذه , الآن , لأنني أرغب فيك إلى درجة أنني لن ألمسك ثانية قبل أن نصير زوجين أمام الله".
إبتسمت جولي بحنان , وقالت بصوت دافىء:
" وهل تعني ما قلته بالفعل في ما خصّ أيما؟".
نظر إليها وأجابها :
" بالطبع , فلن يدري أحد حقيقة موضوع أيما سوانا نحن الأثنين ".
" وأمك؟".
" أذا هي أستنتجت من تلقاء نفسها , هذا , ألى أنني أخبرتها هذا الصباح أن كل شيء أنتهى بيني وبين باميلا , وهي لن تعترض , فهذا ليس من أسلوبها".
" كلا".
أومأت جولي برأسها موافقة , وأدركت تلك اللحظة مغزى سؤال لوسي لها وهي عند باب المستشفى.
فجأة , سألها روبرت:
" قولي الحقيقة , لو..... لو أنني لم أستنتج الحقيقة في موضوع أيما , هل كنت أخبرتني بذلك من تلقاء نفسك في يوم من الأيام".
أحنت جولي رأسها , وقال:
" وهل تعتقد أنني كنت أحاول أن أكون عقبة بينك وبين باميلا؟".
"لكن , كان يجب أن تدركي منذ نهاية الأسبوع المنصرم أن أحساسي حيال باميلا كان شيئا عارضا بالنسبة إلى أحساسي العميق حيالك , شكرا لله أن ساندرا قطعت حبل الأرجوحة , من النافل أن أقول هذا , لكن من دون الحادثة التي وقعت لأيما لكنا أستمرينا في مواجهتنا الحامية للأشهر وأشهر".
رفعت جولي نظرها إليه :
" كنت تزوجت باميلا , والحال هذه في الربيع".
" هل تعتقدين ذلك؟ من اللحظة التي نزلت فيها من الطائرة , بل من اللحظة التي علمت فيها بوفاة مايكل , أدركت أنه عاجلا أو آجلا , كان علي أن أخبرك بحقيقة مشاعري أتجاهك".
لمست جولي خدّه وسألته:
" لكنك غضبت جدا يوم خرجت مع فرنسيس....".
" بل كنت غيورا ! ولو أنك كنت تثقين بي أكثر , لكنت أدركت حقيقة غضبي يومذاك".
" أوه , روبرت ( فجأة بدا عليها التساؤل وأستوضحته قائلة ) لكن , كيف عرفت بقصة الأرجوحة , يومذاك؟".
" أخبرتني بذلك السيدة هادسون".
إبتسمت جولي:
" بالطبع , كان فألا حسنا أنك كنت هناك تلك الساعة , وإلا لكنا وقعنا في مأساة , كيف صدف أن كنت حاضرا؟".
تنهد روبرت قبل أن يجيب :
" كنت في زيارة لآل هيلينغدون وبعد تناولنا الغداء حاول فرنسيس أن يقنعني بأن أيما ستكون أسعد حالا لو ذهبت إلى مدرسة القرية".
أومأت جولي برأسها تقر:
" نعم ...... أنا سألته أن يكلمك في الموضوع".
" أعرف هذا , وكنت في الحقيقة , غاضبا جدا , خصوصا أنني , بعد ما جرى في الأسبوع المنصرم , أخذت أفكر جديا في الموضوع".
" فعلا؟ يا حبيبي كم أنا مسرورة".
" كان واضحا أن أيما لن تستجيب لمعاملة أمرأة كساندرا لوسن , ألى ذلك , لم أكن مرتاحا البتة لمجرد التفكير أنها قد تكون موجودة في هذا المنزل لتراقب تحركاتي هنا ( سوّى شعره بأصراف أصابعه , وأضاف) متى ستتزوجينني ؟ قريبا ؟ يجب أن يتم هذا في القريب العاجل".
فجأة , أتسعت حدقتا جولي وهتفت بعدما أتضحت لها كل الأشياء على حقيقتها:
" الورود البيض! أنت أرسلت الورود البيض !".
" طبعا ( أومأ برأسه ) ومن يكون أرسلها غيري؟".
هزت جولي برأسها:
" لكن , بعد الذي جرى في المستشفى الليلة البارحة , بالكاد تجاسرت على التفكير بك , دعك من تصوري إياك ترسل أليّ وردا!".
داعبتها نظرات روبرت الحالمة , فتوردت وجنتاها , وقال لها:
" لم أرد أن أتركك مساء أمس على حالك تلك , ألا أنه كان علي أن أصارح باميلا بالحقيقة قبل أن أبوح لك بما يعتمل في قلبي , وكما قلت , لم أكن حرا قبلا , وكنت في حاجة إلى أن أكون كذلك , كنت في أمس الحاجة إلى حريتي".
تراجعت جولي قليلا إلى الوراء وهمست قائلة:
" أتعتقد أن السبب الذي حدا بمايكل على أن يعهد إليك بتربية أيما أعتقاده بأن هذا يمكن أن يدث بيننا؟".
" ربما , قد يكون هذا أحتمالا في محله , فهو كان يدرك أنك لن تحاولي الإتصال بي لأسباب كثيرة , وكان عليه أن يتأكد من أحدا سيرعى حياتكما من بعده".
" لكنه لم يكن في أستطاعته أن يعم أنك..... أنني.".
" أتعتقدين ذلك؟ ( وهز روبرت رأسه مشككا ) لا بد أنه أدرك حقيقة أحساسنا واحدنا حيال الآخر , يوم عاد إلى أنكلترا مع أيما وكانت لا تزال طفلة تحبو , يومها أدرك أن أهتمامي بك... أو بحياتكما هناك , لم يكن أمرا عاديا".
تركته جولي يشدها إليه ثانية , وهي تقول:
" كم أنا سعيدة الحظ , روبرت".
خيّمت لحظات من الصمت الدافىء المعبر إلى أن أبعدها روبرت عنه بحزم , وقال:
" علي أن أذهب الآن , وإلا فلن أذهب من هنا أبدا".
دنت منه جولي ثانية , وقالت تقترح عليه:
" يمكنك أن تشغل الآن الغرفة الإضافية وقد رحلت ساندرا لوسن".
إلا أنه هز رأسه نفيا.
" لا أظن أن هذا سيكون ممكنا الآن , جولي , أنني أحبك , لكن علي أن أكون متعقلا , وأستطيع الأنتظار إلى أن نتزوج شرعا".
وزرر سترته ثانية.
سألته جولي وإبتسامة حنونة قابعة على ثغرها:
ط حسنا , متى أراك ثانية؟".
تمتم قائلا:
" سأعود غدا صباحا ثم نذهب معا إلى المستشفى لنخبر أيما , موافقة؟ هل تعتقدين أنها قد تمانع؟".
هزت جولي رأسها نفيا :
" أنها تحبك , وأنت تعرف هذا , ويوما ما , حين تصبح في سن راشدة , سنطلعها على الحقيقة".
مال اليها يعانقها وأضاف بصوت حنون :
" وأعتقد أنها ستكون متفهمة , فهي في أي حال أبنتك".
**تـــــــــــــمـــــــــــت**

الشغاف
06-23-2011, 06:58 PM
186- جزيرة الأقدار -مارجري هيلتون -روايات عبير القديمة

الملخص


الواجب دائما ً مقدس ... أوهكذا مفروض .لكن ماذا يفعل الانسان اذا أرتطم واجبه بعواطفه ؟ وهل هناك طريقة للتوفيق بين المصلحة العملية وبين هتافات الصدر ؟
هذه الأسئلة سرعان ما وجهتها لوريل دانوي لدى وصولها الى جزيرة الأقدار حيث عليها أن تقوم بالبحث عن أمكانية أقامة منتجع سياحي لحساب شركتها .الا أن صاحب الجزيرة الكونت رودريغو كان لها بالمرصاد , لا ليرفض عرضها وهي لم تتلفظ بكلمة امامه بل ليأسر قلبها و يأسرها... ثم يكتشف مهمتها فيطردها من جزيرته , لكن الى متى يا ترى ؟

الشغاف
06-23-2011, 06:59 PM
1- جزيرة ........المدير


وضعت لوريل دانواي رزمة المستندات على مكتب مديرها السيد سيرل , ثم أغلقت الآلة الكاتبة ودولابها بالمفتاح وأطلقت تنهيد عميقة قائلة لنفسها بصوت مرتفع:
" آه , أنتهى أسبوع العمل ! هيا نستعد لعطلة الأسبوع!".
كانت الساعة قد شارفت السابعة مساء وما زالت لوريل في مكتب عملها , هادة ينتهي نهار العمل في الخامسة , لكن هذا اليوم كان غير أعتيادي , خاصة في ما يختص ( بالسياحة الكوكبية ).
غياب مديرها بسبب المشاكل العائلية , مرض الدليل السياحي الأيطالي , تأخر أفتتاح فندق لارينا الجديد بسبب الأضرابات العمالية.. وثلاثمئة سائح حجزوا في هذا الفندق لحضور الأسبوع الأول للتدشين , ماذا سيحل بهم الآن ؟ وماذا يمكن للمؤسسة أن تقترح لهم كبديل ؟ وأسوأ ما في الأمر وتتويجا لكل ما حدث ذلك النهار , الأخبار السيئة الآتية من سارينغا , ففي هذه الجنة السياحية , أندلعت الحرب , منذ أيام الطوفان والسلام يعم تلك المنطقة! كيف بأستطاعة الشركة أن تؤمن سفر السياح الستين كلهم من العجزة أحتجزوا فجأة هناك بسبب الحرب؟
وأضافة الى كل هذا , هناك مشاكل لوريل الخاصة , جواربها المنسولة , موعدها مع الباص الذي ترك المحطة من دونها وعطلة الأسبوع.. لكن هذه المتاعب الخاصة بدت ضئيلة بالنسبة الى مشاكل العمل الطارئة , هيا أذن ..... أعلان هدنة .. لكن ليس ما حصل اليوم بسبب غياب مديرها...
قطبت جبينها وألقت نظرة أخيرة على مكتبها قبل الرحيل , هل فعلت حسنا في أرسال جانيت الى روما في رحلة المساء ؟ وفي الأتصال هانفيا بريمون , في طنجة , طالبة منه الألتحاق السريع بسياح سارينغو الحانقين والمذعورين ؟....... من النادر أن تأخذ قرارات بهذه الأهمية لكن كان مفروضا عليها أن تفعل ذلك.
وما أن أقفلت الباب وراءها حتى سمعت الهاتف يرن , تنهدت وترددت لحظة ثم أخرجت من خقيبة يدها المفتاح ودخلت الى المكتب , على أستعداد لسماع كارثة جديدة , هل فيليب يتصل بها ليدعوها الى العشاء ؟ كلا , لم يكن فيليب , أنما كان مديرها , لم يلاحظ خيبة أمل الفتاة وسألها:
" هل أنت حرة الآن ؟ هل بأنكانك مقابلتي في مطعم سكالا في الثامنة ؟
نظرت آليا الى الرزنامة المعلقة على الحائط وقالت بتلعثم :
" أوه....... نعم".
" لا ضرورة أن تذهبي الى المنزل وأنا أعرف أنك دائما متأنقة في لباسك , حتى بعد نهار عمل طويل".
أجابت بفرح لأن غوردن سبرل لا يلفظ أبدا مديحا للمجاملة وحسب.
" شكرا".
" أنا آسف لأنني لم أحدد لك موعدا مسبقا , بل أخذتك على بغتة , لكنني بحاجة الى مساعدتك , تعالي بسرعة , خذي سيارة تاكسي , أتفقنا؟".
" طبعا , يا سيدي".
أقفلت السماعة مندهشة ثم طلبت سيارة , وبأنتظار قدوم التاكسي, دخلت الى الحمام وسرحت شعرها الطويل الذهبي ورفعته كعكة أنيقة , ثم زيّنت وجهها الجميل وتساءلت : ماذا جرى؟ لماذا يبدو مديرها متوترا ومهموما ؟ ليس من طبيعته أن يكون مضطربا الى هذا الحد , هل أصيبت زوجته بمرض جديد؟ هل أبنته عادت تعانده؟ أم أن الأمر يتعلق بالمشاكل المهنية؟
أستقبلها غوردن سبرل أمام المطعم بأناقة , لكن بوجه مشدود الملامح , وما أن جلسا أمام طاولة صغيرة منعزلة حتى دخل لتوه في الموضوع وقال:
" كنت أنوي أن أحدثك بالأمر نهار الأثنين , أي بعد عطلة الأسبوع , لكن الأمور تسوء يوما بعد يوم , وأضطررت الى أن أبدل رأيي".
سكت لحظة بينما كانت لوريل تنظر اليه متسائلة , لكنه تابع يقول:
" أعتقد أنك ما زلت تتذكرين المشروع الذي كنت أخطط له منذ وقت قصير : مشروع أفتتاح محطة جديدة على جزيرة ( المصير ) في شمال جزر الكاناري , كنت أنوي أن أذهب الى هناك بنفسي خلال الأسبوع المقبل , للقيام بتحقيق وأستقصاء ".
دخل خادم المطعم حاملا الطعام , فتوقف سيرل عن الكلام لحظة , ثم راح يصف لها , بفرح وحماس , الرحلة التي يمكن أن تخطط لها شركته , خلال العام المقبل , الى هذه الجزيرة , في حال نجح المشروع , ثم أضاف وأبتسامة ساخرة على شفتيه:
" ر بما تتساءلين أذا جئت بك الى هنا من أجل أن أقول لك ذلك.. لا ,وللأسف , لا يمكنني أن أذهب الى جزيرة ( المصير ) بنفسي , وأريدك أن تذهبي اليها مكاني".
بأندهاش كبير , قالت لوريل:
" أنا ؟ والى هذه الجزيرة؟".
" نعم , وأريد تقريرا مفصلا وواضحا".
هتفت تقول :
" لكنني لست سوى سكرتيرتك ".
قاطعها بقوة قائلا:
" ستتدبرين هذه الأمور جيدا , أنه تحقيق أولي : أنظري أذا كانت الشواطىء جميلة والسياحة غير خطرة , تحدثي مع أهل الجزيرة لمعرفة آرائهم عن السياحة , وبطريقة غير مباشرة تأكدي من أكتفاء الجزيرة بالمياه الجارية , لكن وأهم شيء , هو أن تحافظي على التنكر والسرية , المنافسون عديدون ولا يجب أن يعرفوا أننا على هذه الدرب , وخاصة في هذه الجزيرة بالذات".

الشغاف
06-23-2011, 07:00 PM
أجابت بأرتباك:
" أنت تعرف بأنني على أستعداد كامل , أن أفعل ما في وسعي للمساعدة , لكنني أكره القيام بالأخطاء الفادحة أذا كان الأمر لا يتعلق بعملي المباشر".
" كلا , أنا أثق بك كليا , وفيما يتعلق بأمور السكن , آسف أن أقول لك بأن الأمكانيات ضئلة جدا ,في الجزيرة فندق صغير بأمكانه أن يتسع لستة أشخاص , تديره عائلة أنكليزية متقاعدة عاشت هناك لسنوات طويلة , يشعر الأنسان هناك وكأنه في القرون الوسطى , زار المكان أحد أصدقائي في النادي ونصحني به , لكنه متخوف من شح المياه , لذلك أطلب منك التحقيق في ذلك المشروع يرمي في البحر , أذا نشفت المياه منذ بداية الربيع ".
ظلت لوريل صامتة , هل بأمكان أمرأة غريبة أكتشاف موارد المياه التابعة لهذه الجزيرة ؟ أي لغة يتكلم أهل هذه الجزيرة ؟ أي لغة يتكلم أهل هذه الجزيرة؟ الأسبانية أم البرتغالية ؟ وأية أهمية في ذلك , ما دامت لا تتكلم لا هذه ولا تلك.....
قال ببطء وتردد:
" لقد حجزت لك غرفة لمدة شهر بكامله , لكن علي أن أحذرك بوجود عقبتين مهمتين.......".
أبتسمت بتقلص وقالت:
" قل لي الأسوأ ".
" أريدك أن تصطحبي أبنتي معك ".
تذكرت لوريل هذه الفتاة المدللة العنيدة , في السادسة عشر من عمرها , التي تحمل والدها المشاكل العديدة وقالت مندهشة :
" أيفون! هل ترغب في رؤية الجزيرة؟".
" للأسف لا ! لا أدري ما أفعله بهذه الفتاة الشقية , زوجتي متعبة كثيرا هذه الأيام وما فعلته أيفون من حماقات في الأيام الأخيرة , أثر في زوجتي كصدمة قوية".
بلطف كبير قالت لوريل:
" أنا آسفة جدا , وسأفعل المستحيل لمساعدتك".
" أعرف ذلك تماما وأكن لك بعرفان الجميل , لذا سأبوح لك بشيء مهم ...... وأطلب منك التكتم التام".
هزت لوريل رأسها موافقة , فأضاف يقول:
" تعرفت أيفون أخيرا على شلة من الأصدقاء من الطراز السيء... وتعلقت بشاب مستحيل , حاولنا كل ما بوسعنا ردعها عنه , ولكنها لم تصغ لأقوالنا".
أطلق زفرة عميقة ثم أضاف :
" علمت مؤخرا بأن هذا الشاب له علاقة بتجارة المخدرات ولذلك أردت أن أبعدها عنه , يأي ثمن .... صباح اليوم وضعتها أمام الخيار الآتي : أما أن تصحبك لمساعدتك , أو أقطع عنها المصروف حتى آخر السنة , فرضخت للأمر لأنها تحب الرفاهية , ولم تعتبر ما قلته تهديدا في الهواء بل عرفت بأن الكيل قد طفح , هل ما أطلبه منك الشيء الكثير؟".
قبل عشر دقائق لربما ترددت لوريل , لكن غوردن سبرل تمكن من التأثير فيها , وكرمه الطبيعي دفعها من دون تفكير الى مساعدته فقالت بحماس:
" طبعا لا , لا تقلق علينا , فأنا أكيدة من أن الأمور ستنجلي أمام أيفون , وبعد شهر من العطلة , سترى هذا الرجل بنظرة مختلفة وربما تعود الى رشدها".
تنهد غوردن سبرلوقال:
" الله يسمع منك ! لكن عليّ أن أحذّرك بصراحة بأنها ليست فتاة سهلة المعاملة , أذا رفضت مجاراتك , أرجو أن تعلميني بذلك , فأعيدها الى المنزل , من المستحيل في أيامنا هذه , فرض الطاعة على هذا الجيل من الشباب! وأود أن تذهبا في بداية الشهر المقبل , أذا كان هذا ممكنا , يعني نهار الجمعة المقبل".
فوجئت لوريل لا أراديا , فنظر اليها بقلق وقال:
" هل هذا التاريخ لا يوافقك ؟".
وبتردد ملحوظ أجابت:
" كلا".
رفضت أن تفكر بعطلة الأسبوع المقبلة التي ربما ستقضيها مع فيليب , منذ وقت طويل وهي تكرس وقتها الحر من أجله , تبقى في المنزل بأنتظار أن يتصل بها هاتفيا وتأمل في أن يدعوها الى الخروج.
قال لها غوردن سبرل بعد تردد قصير:
" أعذريني , يا لوريل , أنا أغرقتك كثيرا بمشاكلي الخاصة الى درجة نسيت بأن لديك حياة خاصة , صديقك سيغضب مني لأنني سأبعدك عنه لمدة شهر بكامله , ربما من الأفضل أن أفكر بحل آخر ".
أجابته لوريل بعزم:
" لا , سأذهب بكل سرور , وعلى فكرة , لم أخبرك بعد عما جرى اليوم من أمور تخص العمل.......".
ولما عرضت له سلسلة الكوارث التي أنهمرت عليها , قالت في النهاية :
" لم أكن قادرة أن أتصل بك في أي مكان .... آمل أن يكون ما فعلته حسنا".
أبتسم غودرن سبرل وقال :
" ما فعلته جيد جدا , لقد أرسلت جانيت الى روما وريمون الى سارينغو , كنت سأفعل ذلك لو كنت مكانك".
" كنت أخشى أن تفقد ليندا دابل توازنها في مهمتها الأولى في سارينغو".
هز غوردت سبرل رأسه وقال:
" عندما سمعت الأخبار , كانت لي ردة الفعل نفسها , وأتصلت بطنجة , بعدك , لكن منذ قليل , عرفت من السلطات في سارينغو بأن الثورة قد أحبطت , وكل شيء عاد الى هدوئه في المنطقة الساحلية حيث ستصل فرقتنا الصغيرة اليوم , آمل أن أعرف قريبا بأنها في طريق العودة".

الشغاف
06-23-2011, 07:01 PM
شعرت لوريل بالأرتياح وراحت تحتسي قهوتها بفرح وأفكارها تدور حول المهمة التي تنتظرها , هل ستبدو بمستوى ذلك؟
من تقريرها المفصل يتقرر مصير السواح , ونجاح الشركة , رفعت نظرها نحو مديرها وقالت:
" لقد نسيت يا سيدي أن تخبرني عن العقبة الثانية التي تواجهني....".
" آه , نعم , العقبة الثانية تتعلق بصاحب القصر المبني في الجزيرة ... ممتلكاته تشكل ثلثي الجزيرة وتقع في أفضل جزء منها , ثروته وتأثيره كبيران , يجب عليك جس النبض ومعرفة ردة فعل هذا الرجل حيال أمكانية أن تصبح جزيرته مركزا سياحيا , في الواقع كل شيء متعلق بأرادته الحسنة".
" هل تريدني أن أزوره؟".
" كلا , ليس في هذه المرة , زيارته الآن ستكون باكرة لأوانها , لا ضرورة لأضاعة وقته ووقتك , قبل أتخاذ أي قرار بهذا الشأن ".
هزت لوريل رأسها وفكرت بأنها لم تلتق من قبل أمرا بتنفيذ مهمة مماثلة , وبدأت تروق لها هذه الفكرة وتتحمس لها , الى درجة أنها نسيت كليا أيفون الشقية وصاحب القصر وأسراره.
سألته بصوت خفيف :
" هل تعتقد بأنه سيعرقل العمل ويقيم العقبات؟".
بعد تردد بسيط , أشار غوردن سبرل برأسه أيجابا فأضافت تقول :
" هل لديك سبب معين يجعلك تعتقد ذلك؟".
" كلا , أنه مجرد حدس , لكنه لا يخطىء معي ألا نادرا".
" وماذا يدعى هذا الرجل... النبيل الأسباني؟".
" الكونت فيشينتيه رودريغو دي رينزي فالديس!".
أوف!.........".
" ربما تكون مشكلته معقدة مثل أبنتي , لكن آمل أن يكون حدسي خاطئا هذه المرة".
" وأنا أيضا".
وفي الأيام التالية لم يتسن للوريل الوقت لكي تتوقف مليا وتفكر فيما ينتظرها , كان عليها أن تنتدب واحدة لتحل مكانها في المؤسسة , مديرها كان مهموما على صحة زوجته أذ طلب منها الطبيب الدخول الى المستشفى لأجراء عملية جراحية صغيرة , لا خطر على حياتها , وبالرغم من كل هذا كان غوردن سبرل ينظر الى كل ما يدور في المؤسسة , جنبا الى جنب مع سكرتيرته , أصر على أن يقدم لها مبلغا محترما من المال لتغطية النفقات غير المنتظرة , أححتجت لوريل لكنه لم ينصع لها وقال:
" ليس واردا أن تتحملي وحدك مصاريف الألبسة الضرورية لهذه الأقامة".
" لكنك دفعت الفندق , أضافة الى معاشي".
" أنا طلبت منك أن تكرسي لهذه المهمة كل وقتك , كما أفرض عليك أبنتي أيفون ..... آه لو ترين ما أشترته من ملابس لهذه الرحلة! ".
قضت لوريل أذن نهارا مرحا , تخلله بعض الأضطراب , بينما كانت تبتاع الملابس الصيفية , من ملابس السباحة الى الفساتين الخفيفة, لقد حّذّرها مديرها بأنها لن تجد شيئا يناسبها داخل الجزيرة وعليها أن تشتري كل ما تحتاجه لقضاء أربعة أسابيع في الجزيرة , أضافة الى الأدوية ومساحيق الزينة والأفلام.
صباح الخميس , وصل السيد سبرل الى مكتبه مصطحبا أيفون معه , ثم دعا الفتاتين الى الغداء , أيفون تصغر لوريل بأربع سنوات , أنما تزيدها طولا بعشر سنتيمترات , أنها فتاة جميلة , سمراء ,وذات شعر أسود طويل , لكنها عابسة كأنها لا تستطيع أخفاء عداوتها أتجاه والدها , خلال الغداء أسترخت أيفون قليلا وراحت تعرض على لوريل لائحة مشترياتها بالتفصيل.
" لو ترينالتنورة الحمراء القطنية , والقميص الناعم الكريمي , والعقد المتناسق , التي أشتريتها للمساء !".
ثم نظرت الى والدها وقالت:
" يقول أبي أن الجزيرة لا تحتوي على ملاه ليلية وأن الفندق الوحيد الموجود هناك هو الذي سننزل فيه , لكن هذه البزة كانت جميلة الى درجة لم أقدر أن أمتنع عن شرائها!".
قال والدها بهدوء:
" ستطيرين من الجزيرة فورا أذا أرتديت لباسا شفافا".
همست أيفون وقالت:
" أذا عارض أحد ما سأرتديه , سأغادر هذه الجزيرة اللعينة من دون أن أنتظر أن يطردوني منها , يا له من مكان رهيب! ما رأيك يا آنسة بذلك؟".
قالت لوريل مبتسمة :
" لنرى الجزيرة أولا ثم نحكم عليها , لا شك أن الأنجذاب الأساسي في هذه الجزيرة الشمس والطقس الدافىء , ولا شك أننا سنمضي معظم وقتنا في لباس السباحة".
ألقت أيفون نظرة من النافذة , المطر لم يكف طول النهار , لوريل أذن على حق , كل شيء أفضل من هذا الربيع الرطب , العفن .
أفترقت افتاتان بأتفاق , وقضت لوريل فترة بعد الظهر برفقة مديرها , في تسجيل لائحة مفصلة بالمعلومات الضرورية التي يجب أن تحصل عليها خلال أقامتها في الجزيرة , وبعد أن أحتست الشاي في المكتب وأكلت السندويش ,عادت لوريل الى منزلها لتبدأ تحضير حقائبها.
في الثامنة مساء , شعرت بالتعب يحتلها حتى الأرهاق , لقد وضبت حقائبها ونظفت الشقة ودفعت الأيجار وغسلت شعرها , فالسفر سيبدأ باكرا في الصباح التالي وعليها أن تكون حاضرة كليا عندما يصل مديرها مع أبنته لأخذها الى المطار.

الشغاف
06-23-2011, 07:01 PM
كانت تستعد لأخذ حمام ساخن , عندما سمعت جرس الباب , وضعت مئزرها عليها وأسرعت بأندهاش لتفتح الباب , الرجل الذي كان ينتظرها بفارغ الصبر دخل فجأة وأبتسامة واسعة على شفتيه.
وبين الفرح والرعب صرخت لوريل:
" فيليب! لكن لست.......".
" لا أهمية , يا حبيبتي , سأنتظرك".
وبثقة تامة , مد ذراعيه وتقدم منها وقال:
" في كل حال , ألسنا دائما على موعد؟".
" نعم ,لكن.........".
أبتعدت لوريل عنه بسرعة وقالت :
" لكني لم أكن أنتظرك , لقد قلت لي على الهاتف بأنك مشغول جدا طيلة الأسبوع و.........".
" أعرف , يا حبيبتي".
منذ ستة أشهر دخل فيليب الى حياة لوريل , أنجذبت لسحره وعينيه السوداوين الواسعتين وصوته المداعب , أضاف يقول :
" تمكنت بسرعة من أنهاء هذه القصة المملة مع دافرلي , كما أتصل بي جاك هارفينغ ليعلمني بأن محاضرة الغد ألغيت , وها أنا حر وسأبقى معك حتى صباح الأثنين , يا حبي".
طبع قبلة صغيرة على خدها قبل أن يجتاز الصالون , لوريل صامتة ومسمرة مكانها , ألتفت نحوها مندهشا وقال:
" هيا , يا حبيبتي , لا تتسمري مكانك كالقصبة , الساعة الآن التاسعة , كوني لطيفة وحضري حالك , ألا أذا أردت البقاء هنا والسهر قرب نار المدفأة , أنا لست ضد ذلك ...... تعرفين".
قالت بسرعة:
" هذا ليس واردا على الأطلاق! لا يمكنني الخروج معك , هذا المساء , يا فيليب , كنت أستعد أخذ حمام ثم الأيواء الى الفراش باكرا".
" كيف؟".
تقدم منها بسرعة وقال:
"ما بك , هل أنت غاضبة مني؟".
وضع يديه على كتفيها ونظر اليها بأمعان ثم قال:
" أنا آسف حقا , لكن ليست هذه غلطتي , صدقيني".
" تقول لي ذلك دائما ! الوقت متأخر وعلي النهوض غدا باكرا جدا , لأنني........".
" غدا ؟ غدا يوم آخر , هيا يا لوريل , أذهبي وأرتدي ملابس السهرة وزيني وجهك , سأخذك الى المدينة , الى حيثما تريدين , مت رأيك ب...........".
أبتعدت عنه وقالت:
" كلا , هذا مستحيل , يا فيليب , أنا رحلة غدا ".
" ماذا؟ ترحلين ؟ لكن لم تحدثيني عن ذلك من قبل!".
" لم أعرف ذلك بنفسي ألا منذ أيام معدودة , وكيف أستطيع أن أخبرك ما دمت لم أرك منذ ذلك الحين.......".
زم شفتيه بفكاهة وقال:
" نعم طبعا .......لكن ......الأمر مفاجىء حقا , كم سيطول غيابك؟".
" شهر , وربما أكثر ".
ذعر بالخبر وقال :
" شهر ! آه , يا لوريل , لا يسعك أن تفعلي ذلك معي , يا لها من كارثة!".
أندهشت لوريل ونظرت اليه متسائلة , فقال مسرعا:
" أسمعيني , أننا مدعوان خلال عطلة الأسبوع المقبل عند جاك هارفينغ في منزله الريفي , أنه شرف كبير أن يدعوني الى منزله , آه , لوريل , عليك أن تعودي قبل آخر الأسبوع المقبل".
عضت لوريل على شفتيها وقالت:
" هذا مستحيل , كل شيء منظم , ثم أنا لا أعرف هذا الرجل , لماذا دعاني؟".
" لم تفهمي بعد , بالنسبة الي , أنها مناسبة نادرة وحظ يفلق الصخر , سألتقي في منزله بأشخاص ذوي أهمية كبرى , كما أن هذا يعني أن جاك بدأ يعرف قيمتي , طلب مني أن أصطحب معي فتاة وفكرت بك , لم أكن أتوقع أن....".
" أنا أسفة , يا فيليب , أنا مسافرة في عمل ولا يمكنني أن أنسحب الآن منه , أذا أردت , بأمكاني أن أرسل لمديرك رسالة أسف وأعتذار".
" لكن جاك يريد أن يراك أنت , لقد حدّثته عنك , أنت من نوع النساء الذي يحب , ترتدين بأناقة وتشعرين بأرتياح مع الجميع وتعرفين أن تحفظي مكانك دائما , هذا أمر مهم جدا بنظره ,والآن ترحلين ... هكذا!".
لم يلاحظ فيليب النار الساخطة في عيني لوريل , قالت له:
" أسمع , يا فيليب , لقد قلت لك بأنني آسفة , وهذا يكفي الآن , لن أغيّر مشاريعي في آخر لحظة بسبب دعوة من شخص لا أعرفه , حتى ولو كان مديرك بالذات , ولا أرى لماذا وجودي سيسهل عليك العمل".
" أذن , حان لك الوقت أن تفهمي ذلك , في مؤسستنا , المرأة القديرة ورقة نادرة لنجاح الموظف الصغير , أعتقدت بأنك مصرة على البقاء معي ويهمك أمري , لكنني كنت مخدوعا , على ما أظن".
نظرت اليه لوريل بصمت , لكن غضبها جعلها تقول:
" نعم , كان يهمني أمرك , كما أنني وقعت في حبك أول مرة رأيتك , لكن هذا الأمر لا يهمك , على ما أظن , ما تريده هو أمرأة قادرة على نيل رضى مديرك , أمرأة تسمح لك أن تنجح في مهنتك , أذن , لقد أخطأت الأختيار!".
وببطء أجتازت الغرفة وفتحت الباب وقالت:
" أعتقد أننا قلنا كل شيء , يا فيليب".
نظر اليها فيليب غير مصدق وتقدم منها وقال:
" لوريل , لا... لا تعرفين ما تقولين؟".
" بلى أعرف".
" نحن نعرف بعضنا وتعترفين بذلك بنفسك , وأنا بأستطاعتي أن أبرهن لك عن حبي".
أبتعدت عنه وقالت بلهجة باردة :
" كلا , لم أعد قادرة على أنتظارك وراء آلة الهاتف , وأبتلاع أعذارك وأكون حاضرة كلما واجهت مشكلة في عملك , أنتهى كل شيء!".
" الم تفهمي بأنني كنت أعمل من أجلنا , من أجل مستقبلنا , ومتى وجدت بأن عملي مستقر , سأطلب يدك , ستندمين على ذلك ,يا لوريل......".
هزت رأسها وبدأت ترى الأنانية المخيفة وراء سحر فيليب , صحيح أن الطموح فضيلة , لكن لوريل تريد أكثر من هذا , من رجل حياتها.
قال بلهجة عابسة:
" أضيع وقتي في مناقشتك , لست في مزاج جيد يسمح لك بالأصغاء الي هذا المساء , فكري جيدا , مساء الخير , يا لوريل ".
هذا يعني بأنه مستعد أن يسامحها أذا ما أعتذرت منه , أكتفت بقول ( مساء الخير ) ألقى فيليب نظرة غاضبة ثم أقفل الباب وراءه بقوة , سمعته يهبط السلالم ويصفع باب المدخل العام , تنهدت وتابعت عملها من دون حسرة , أنتهى كل شيء بينهما .
بكن , ما أن وضعت رأسها على الوسادة , حتى راحت تبكي طويلا في العتمة , هذا اللقاء الأخير مع فيليب أقلقها كثيرا , وتذكرت لوريل تحذيرات غوردن سبرل في ما يتعلق بأيفون وصاحب قصر جزيرة ( المصير ) .... هل ستكون على قدر واسع لمجابهة المشاكل التي تنتظرها هناك؟
شعرت بالوحدة والقلق وظلت مضطربة في سريرها مدة طويلة قبل أن تنام........

الشغاف
06-23-2011, 07:02 PM
2- الغريقة


" آه , دعيني وشأني!".
صرخت أيفون بهذا الكلام وصعدت الى الأرجوحة , نظرت اليها لوريل بأرتباك عندما لاحظت بزة السباحة الوقحة التي ترتديها الفتاة , آه , بدأت المشاكل فعليا , منذ وصولهما الى الفندق , كانت لوريل تشعر بقدوم العاصفة , لكنها حاولت جهدها أن تتحاشاها , ربما أيفون منزعجة من الطعام أو من كثرة تعرضها للشمس , فقالت لها:
"لا تبدين على ما يرام , يا أيفون.....".
" آه , وهذا له مبرره , أنني أمل هنا حتى الموت! وصلنا منذ ثلاثة أيام وكل ما نفعله هو أن نمشي ونمشي في هذه المنطقة المعزولة , حيث لا شيء يستحق المشاهدة , آه...... ( جزيرة المصير ) هذه التسمية تضحكني , من الأفضل لو أطلق عليها أسم ( جزيرة اللعنة!".
" لا تتكلمي بصوت مرتفع , يا أيفون , لماذا لا تكوني صادقة مع نفسك , قبل مجيئك الى هنا كنت تعرفين بأنه مكان هادىء ولا يؤمه السياح".
أنفجرت أيفون قائلة:
" آه , نعم , أنه مكان هادىء حتى الموت , أنها مقبرة حقيقية! أما في ما يتعلق بالسياح.... في هذا المكان القاحل , ربما أنا وحدي التي ما تزال على قيد الحياة".
قالت لوريل بجفاف:
" شكرا لي".
" عندما أفكر بالكولونيل كارلتون وبزوجته المسكينة ...... هذا العجوزان التعسان ! هو لا يتحدث ألا في السياسة وهي تطعن بجيل اليوم , والسيد بينكلي المقيت الذي يحاول أن يقرصني في فخذي عندما لا ينظر اليه أحد والآنسة جيسويس التي تقضي وقتها تتذمر من غلاء المعيشة ! وتحدثني عن اللهو!".
" الآنسة جيسويس أمرأة مسكينة ,لقد فقدت أخيرا صديقتها الحميمة وتشعر بالوحدة الآن , بأمكاننا أن نكون في رفقتها من وقت الى آخر".
" شكرا , عليها أن تجد صديقة أخرى غيري , مملة وخشنة مثلها ".
شعرت لوريل بالغضب يحتلها , فقالت بقسوة:
" أسمعيني , لا تنسي بأنني جئت الى هنا للقيام بعمل معين وأن والدك يدفع لي معاشا من أجل ذلك".
" لا أحد يمنعك من القيام بعملك , لكن أطلب منك ببساطة ألا تدخليني في شؤونك المهنية".
" وماذا ستفعلين بدورك؟".
" آه , لا تقلقي علي , سأستحم بالبحر أو سأقرأ , لكن ليس واردا أن أمشي بتسكع عبر الجبال والوديان , لقد تورمت قدماي من جراء اللحاق بك".
" لو أنتعلت حذاء متينا لما عانيت من أي ألم".
" لقد أشتريت هذه الصنادل لهذه الرحلة وأصر على أنتعالها ".
أطلقت لوريل زفرة عميقة وعرفت أن الكلمة الأخيرة ستكون لأيفون , وما العمل؟ عليها القيام بالمهمة الموكلة اليها , وأيفون مصرة عل عدم مرافقتها في أستكشاف الجزيرة , حاولت مرة أخرى أقناعها , فقالت:
" أنا أجد متعة في أمتشاف جزيرة مجهولة , أعترفي بأن المنظر رائع وخلاب".
" نعم أنت على حق , لكن أذهبي من دوني , أرجوك".
في هذه اللحظة ظهرت روزيتا , خادمة الفندق , حاملة سلة على ذراعها وأجتازت الحديقة بأتجاه الفتاتين , ثم قالت:
" هذه زوادتكما!".
أعطت السلة للوريل وأتجهت نحو الحديقة الممتدة وراء البناء الطويل الأبيض , لم تكن لوريل تعرف ما ستفعله , وتبعت بنظراتها الخادمة باللباس الأسود وهي تعبر الباب الحديدي , لمحت وراء السياج رينالدو الخادم الشاب , بشعره الأسود وعينيه المخمليتين والأبتسامة الساحرة ! الكولونيل كارلتون يعتبره شابا دخيلا , أما السيد بينكلي فيستغرب كيف يوظف الأنكليز شخصا لا يتكلم الأنكليزية الصحيحة.
حدثت ضج صغيرة وراء السياج وسمعت الصرخات .... ثم عم الصمت قليلا , وظهرت روزيتا من جديد , حمراء الوجه ومشعثة الشعر , وأختفت داخل الفندق , صفقت الباب , فأبتسمت لوريل وعادت الى وعيها وقالت وهي تدل الى السلة:
" لكن.... وغداؤك , لقد قلت بأننا سنقضي النهار معا خارج الفندق".
تثاءبت أيفون وقالت :
" وماذا بعد! لا تقلقي , لن أدع نفسي أموت جوعا".
" أشك بذلك , من الأفضل أن أعلم السيدة ألين ببقائك هنا".
" سأتكفل بذلك بنفسي , لدي لسان وأعرف أن أتكلم".
" حسنا , لا تنسي الأعتذار ولا تستحمي في البحر مباشرة بعد الغداء , هل فهمت؟".
وضعت ايقون يدها على قلبها وقالت بسخرية:
" أعدك وأقسم لك".
ترددت لوريل لحظة , لماذا تشعر بعدم الأرتياح ؟ ماذا سيحل بأيفون أذا بقيت هنا ؟ هل ستغرق أم تقع عن الصخرة؟ ما دامت أيفون ترفض مرافقتها , فلا داعي للأصرار أذن.
أجتازت بابا صغيرا محفورا في الجدار المرتفع الذي يحيط بالحديقة وأخذت ممرا نحو منحدر التلة , ثم أنعطفت في ممر آخر بعد أن تبينت خطوطه على الخارطة التي بدأت في تصميمها , هل سيقودها الممر الى طرف الجزيرة المخبأة وراء التلة , أم ستصل الى القصر الذي تراه من كل مكان؟

الشغاف
06-23-2011, 07:03 PM
كيف سيكون منظر صاحبه النبيل؟ بدأت تفكر بأن مديرها وقع أختياره على هذه الجزيرة خطأ , فالجزيرة خاوية من جميع وسائل اللهو , لكنها تناسب تماما السياح الذين ينشدون الهدوء والهواء الطلق , الشمس تسطع بأستمرار , وريح البحر تخفف من حدة الحرارة , على بعد دقائق قليلة من الفندق شاطىء رائع ومحمي يقع على الساحل الشرقي من الجزيرة , بينما في الجانب الآخر , رياح المحيط الأطلسي تجعل السباحة مستحيلة.
داخل الأراضي توجد أمكانيات عديدة للتنزه وسط المناطق المشجرة , والوديان التي تسير فيها الأنهر , ومن التلال يبدو المنظر رائعا , مطلا على الأفق المتلألىء , في هذه القرية الهادئة , النساء أمام عتبة المنزل تعملن على التطريز والحياكة , الفاكهة متوفرة بغزارة , السمك وفاكهة البحر لذيذة الطعم والهواء المعطر منعش ونشط.
يبقى للوريل أن تكتشف أذا كانت موارد المياه كافية وأذا كانت الأرض صالحة للبناء والسكن , حتى الآن لم تر أرضا مناسبة , لكن ربما في الجهة الأخرى من الجزيرة....
الممر يتعرج ببطء على التلة , ومن حين الى آخر تظهر غابة صغيرة , ويصلح بأمكان لوريل أن ترى من بعيد العرائش وأشجار الحمضيات التي تشكل موارد الجزيرة الأساسية.
وحوالي الحادية عشرة أعتقدت لوريل بأنها قطعت نصف الطريق تقريبا , فجلست على صخرة دافئة وأعطت لنفسها عشر دقائق للراحة , أكلت تفاحة وشربت ماء ثم عادت تسير بأتجاه القصر , كانت الساعة قد أصبحت الواحدة عندما وجدت نفسها في مكان متشعب الطرق , الى اليمين , الطريق تضيق بين التلال والى اليسار , تصل الى شاطىء رملي محمي بصخرة عالية , ومن دون تردد أختارت الأتجاه الثاني.
الشاطىء كان فارغا من أي كائن حي , جلست لوريل بأرتياح على الرمل الأصفر وأتكأت الى صخرة وفتحت السلة , وضعت محتوياتها على شرشف خاص , الهدوء تام , تهيأ للوريل أنها الكائن الحي الوحيد على مسافة كيلومترات عديدة , لا عواء كلاب , ولا صراخ أولاد ولا صوت المذياع... أنها الجنة.... ملجأ رائع للعشاق!
شعرت بالنعاس , فتمددت لحظة وأغمضت عينيها وقررت عدم البقاء هنا مطولا , فما زال أمامها عمل كثير , ولما نهضت أخيرا لاحظت أن ساعة بكاملها قد مضت , الطقس حار والتعب أضناها ولم تشعر برغبة في متابعة الطريق , وضعت بقايا الطعام داخل السلة وراحت تتأمل المحيط , كم المياه مغرية!
خلعت حذاءها وأسرعت تبلل قدميها بماء البحر , وشعرت بأنتعاش كبير , أنها ترتدي بزة السباحة تحت ملابسها , نظرت حولها , لا أثر ألأي مخلوق , ولا ترى أمامها سوى القصر , ولا شك أن سكانه يخلدون الى النوم أثناء القيلولة وفي هذا الوقت الحار من النهار.
بعد تردد خعت لوريل فستنها ودخلت في الماء ببزة السباحة وراحت تسبح في المحيط , تتقدم ببطء وكسل , عيناها مغمضتان تتمتع بالمياه المنعشة الصافية , وراحت تقفز كالشقية وتسبح تحت الماء ونسيت الوقت كليا.
أخيرا شعرت بالتعب , وطافت تحت السماء الزرقاء , لكن فجأة تذكرت هدف نزهاها وألقت نظرة قلقة نحو الشاطىء , السلة والملابس ما زالت مكانها حيث تركتها على الشاطىء القاحل , تذكرت فجأة أنها لا تحمل منشفة , لا أهمية ستجفف حالها نحت الشمس وتلف شعرها بمنديلها القطني , أتجهت نحو الشاطىء وفجأة كاد يغمى عليها من الخوف عندما لاحظت أنها ليست وحدها.
هناك أنسان يسبح ....... بعد ثوان معدودة لاحظت بأنه رجل , فتحت فمها هلعا , فشربت بعض الماء وغطست تحت الأمواج , ثم صعدتالى السطح , لاهثة , أحتلها الخوف وأنحرفت نحو الشاطىء.
" سينيورا ! سينيوريتا !".
ولدى سماعها هذا الصوت اقوي , أسرعت في حركتها , من أين جاء هذا الرجل ؟ لم تره يصل , هل كان يراقبها منذ ترة طويلة؟ هل قرر بأنها فريسته التي يحلم بها؟ ألقت نظرة سريعة خلفها وأرتعبت , أنه يسبح وراءها وكأنه يتبعها.
" توقفي يا سينيوريتا! أنتبهي !".
لا مفر من الأبتعاد عنه , نحرت البحر كالمجنونة تطلب من السماء أن يتعب الرجل قبلها ويتخلى عن متابعتها , وللأسف , سيل من الكلمات الغامضة تعلو صداها في الماء , أصبح قريبا منها , توقفت ثانية , لا هثة وقالت بحسرة:
" أذهب من هنا , أرجوك!".
" يا ألهي! أنت أنكليزية ..... لم أفطن لذلك أبدا!".
هل هذا الرجل مجنون ؟ لقد أجتازت أميالا عديدة, من أين أتتها القوة لعبور كل هذه المسافة ؟ أصبحت الماء باردة وهائجة , قامت بجهد قوي لئلا تستسلم للخوف , أيهما أفضل : أن تموت من التعب أم أن يلتقطها هذا الأسباني الغريب...... فجأة شعرت بألم في الكاحل سرعن ما أمتد الى كل أنجاء جسمها , فجن جنونها ولم تعد تعرف ماذا حل بها , سبحت مكانها لحظة قبل أن تغرق منتحبة , أصابها تشنج قوي .

الشغاف
06-23-2011, 07:04 PM
عادت الى سطح الماء, تحاول أن تجد شيئا تتعلق به , أذناها تطنطنان ورأسها على وشك الأنفجار , تسبمع بغموض صوت الرجل الذي يتبعها , أمسكتها يدان قويتان ودفعتاها فغرقت مرة ثانية , الويل له! هذا الرجل الغريب يحاول أغراقها!..........
صرخ الرجل :
" لا تتخبطي أنني لا أنوي قتلك".
راحت تصرخ:
" النجدةّ! النجدة!".
سمعت قبل أن تختفي من جديد في الأمواج العالية :
" أذا أستمريت على هذا المنوال , سنغرق معا".
أنها تختنق , وشاح أسود مر أمام عينيها , لكن فجأة , وكالأعجوبة , وجدت نفسها تتنفس الهواء , الشمس أعمتها , فوق رأسها بدت السماء نقطة زرقاء لا حدود لها , الرجل وضع يده تحت ذقنها وجرها بعيدا عن الأمواج , فجأة شعرت بأنها دمية وتخلت عن أية مقاومة بدافع البقاء.
سحبها الرجل نحو الشاطىء , رافعا رأسها لئلا تبلع الماء , ولما شعر بالأرض تحت قدميه , وقف وحملها بين ذراعيه وصعد بها الى الشاطىء ومددها فوق منشفة زرقاء , رافعا رأسها قليلا , ثم أنحنى فوقها محاولا القيام بالتنفس الأصطناعي , لكن ما أن وضع يديه على ظهرها حتى شعرت بقشعريرة عنيفة وتقوقعت على نفسها مذعورة تعي ما جرى لها بوضوح.
جلس قربها بوجه قاس وراح ينظر اليها وهي تسعل وقال:
" حسنا , ما دمت تفضلين أن تتدبري أمورك بنفسك...".
تمكنت من القول:
" أذهب عني!".
" كيف تستطيعين المناقشة ورئتاك مليئتان بالماء؟!".
وبحركة قاسية لفها بطرف المنشفة , لم ترد عليه من شدة الخجل , ولما أصبح بأستطاعتها أن تستعيد أنفاسها , شعرت بضعف قوي وراحت تمسح الدموع المتساقطة من عينيها الحمراوين.
" أذن , الظاهر أنك تشعرين بتحسن".
كان يتكلم بجفاف وغضب , وهزت لوريل رأسها , شعرها الأشقر يلتصق بوجهها وعنقها , سمعت الصوت الجليدي يقول بألحاح:
" ربما تشعرين الآن بتحسن لتشرحي لي أسباب تهورك الجنوني؟".
أدارت رأسها نحوه وقالت:
" تهوري؟ لكن.... لكن أنت الذي بدأت ! أنها غلطتك لو...".
ولما ألتقت بنظراته المتعالية , بدأ صوتها يرتجف وأختفى , لأول مرة تراه بوضوح , رأسه مليء بالكبرياء ,ونظرته متعجرفة , يرتدي بزة سباحة حمراء تظهر سمرته الفاقعة , قال بعدما حدق بها مفصلا:
" أذن..... ستتهمنينني بماذا....؟".
" كنت أسبح بهدوء ألى حين رحت تتبعني و......".
" تبعك! لماذا رفضت الأنصياع ألى تحذيراتي ؟ كدنا نغرق معا بسببك!".
حدقت لوريل بأندهاش وقالت:
" أي تحذيرات؟ كيف تجرؤ أن تتهمني , بينماكنت طول الوقت...".
قاطعها بلهجة قاسية:
" كنت أحاول أن أدلك الى الخطر الذي ينتظرك , بدأت أندم الآن لتدخلي في الأمر , نعم , لا أخترع شيئا , الخطر كان محتوما ,,,,, كنت تخالفين...".
قالت وهي ترتجف من البرد:
" قبل مجيئك , لم يكن الخطر واردا أطلاقا".
" صحيح أذن , أسمعيني لحظة من فضلك , هذا الخليج يبدو بنظرك مثاليا ورومنسيا , أليس كذلك؟ البحر أزرق ومغر والرمل ناعم وأشقر , نعم, بأمكان المرء أن ييبح هنا بأمان .. شرط ألا يغامر قرب الأعصار".
أنتفضت لوريل , فأبتسم الرجل بسخرية وقال:
" بدأت تفهمين , أليس كذلك؟".
قالت متلعثمة :
" هل هناك دوامة حيث كنت؟".
" نعم , مباشرة قبل اللسان الجبلي".

تجمد دمها في عروقها وقالت:
" لم أكن أعرف ذلك".
" ولماذا تجاهلت تحذيراتي أذن؟".
" لم أفهم ما كنت تقوله , أعتقدت أن ......".
" ’ه , تصورت بأنني أتبعك لغرض شنيع؟".
" ضع نفسك مكاني!".
نظر اليها بسخرية وقال:
" أعرف بأن الفتيات الأنكليزيات لا تبالين بالأعراف , ووجودك هنا وحدك في هذه المنطقة النائية لا مبرر له , ما هي نواياك؟".
" آه , لا , يا سيدي ,لو كنت أعرف.....".
" دعينا من هذا الحديث , يا آنسة".
كيف ستتخلص منه الآن ؟ هل يجب أن تشكره لأنه نجّاها من موت أكيد ؟ رفعت عينيها نحوه وقالت:
" أنا..... أنا لا أعرف لغتك ولم أفهم ما كنت تقوله".
"لا أريد التحدث بهذا الموضوع بعد الآن".
أضطربت لوريل وأرتفع الدم على خديها الشاحبتين وقالت:
" لكنني مصرة على أن أشكرك ....... لأنك أنقذت حياتي".

الشغاف
06-23-2011, 07:04 PM
قام بحركة ليفرض عليها الصمت وقال:
" هل تشعرين بتحسن الآن؟".
" نعم , ويجب أن أرتدي .. الآن ... ملابسي...".
" نعم , نعم , أنا لست أحمق".
نهضت وقالت بغضب:
" أنت وقح!".
شعرت بالأرض تدور حولها وتمايلت وكادت أن تقع لو لم يلتقطها ويشدها اليه ويقول:
" أنت ما تزالين تحت تأثير الصدمة , أجلسي وقولي أين وضعت ملابسك , سأذهب وأجلبها لك".
ما العمل , غير الطاعة؟ بعد لحظات عاد حاملا السلة والملابس.
ثم قال:
" والآن , سأسبح , وأنت أرتدي ملابسك , لا تقلقي ولا تخافي , لن ألح عليك بلطفي".
نظر الى ملامحها الشاحبة والمشدودة وقال:
" بصراحة , منظرك الآن ليس مثيرا , صدقيني , ولا أرغب في تمثيل دور المتلصلص".
وقبل أن يتسنى لها الوقت أن تقوم بردة فعل حيال هذه الوقاحة الغريبة , كان قد ركض وغطس في الماء , أحتلها الغضب وتبعته بنظراتها كيف يجرؤ على قول مثل هذا الكلام؟ لا ,لم يسبق لها أن رأت رجلا متعجرفا ومقيتا مثله.
أرتدت ملابسها بعصبية وسرحت شعرها قدر المستطاع , وشيئا فشيئا خف غضبها وراحت تشفق على نفسها , ليست جميلة المنظر , أنه على حق , وكيف بالأحرى عندما تكون بهذه الحالة التي يرثى لها.
راودتها هذه الأفكار القاتمة , وأرتدت حذاءها وطوت المنشفة الزرقاء , وتمنت لو تستطيع الأختفاء قبل عودة الرجل الغريب.
ألقت نظرة سريعة نحو الماء ... فما زال يسبح.... أوف...... أمسكت لوريل السلة وأخذت طريق العودة , خائفة من المسافة الطويلة التي ستجتازها في هذه الحالة من التعب والأرهاق , لكن هذا أفضل من أن تبقى في الجوار.
وبعد بضعة أمتار سمعت صوتا سمّرها مكانها , خرج الرجل من الماء وأقترب منها وقال:
" الى أين ذاهبة , يا آنسة؟".
" الى الفندق!".
" الى فندق آلين؟ هل تعتقدين أن ذلك ممكن ؟ أمامك أكثر من عشرة كيلومترات".
" وماذا تريدني أن أفعل ؟ أن أخيّم على هذا الشاطىء؟".
" لا! نحن على بعد عشر دقائق من منزلي بأمكانك أن تستحمي هناك بالماء الساخنة وتستريحي قليل , هيا , تعالي".
رجعت لوريل الى الوراء وقالت وهي تهز رأسها:
" كلا , شكرا , يا سيدي , شكرا للطفك الحساس لكننيلا أستطيع قبوله".
قال بأستغراب:
" لكن لماذا؟".
" لا أريد, هذا كل ما في الأمر...... الى اللقاء".
" لحظة , أرجوك".
أمسكها بمعصمها وأدارها نحوه وقال:
" لماذا تخافين مني؟".
" أتركني , أنا لست خائفة منك !".
" أذن , لماذا ترفضين ضيافتي؟".
أبتعدت عنه بسرعة وقالت:
" هذا يسهل التكهن به ! تتبعتني حتى درجة أغراقي , ثم تتهمني بالمخالفة , وأخيرا تسخر مني , وتريدني بعد كل ما حصل أن........".
قاطعها قائلا:
" لا تعرفين ما تقولين , يا آنسة , أنا مستعد أن أنسى أتهاماتك المجانية , لكنني ما زلت مصر بأنك لست في حالة تسمح لك بالعودة الى الفندق....".
" لا أحد في العالم يستطيع أن يدعني أبقى هنا لحظة واحدة , رغبتي الوحيدة هي الأبتعاد بسرعة من هنا ونسيان هذه القصة وعدم رؤيتك من جديد!".
وبعينين مغرورقتين أنطلقت لوريل في الممر المرتفع , ولما وصلت الى ظل شجرة توقفت لحظة لاهثة وألقت نظرة حولها , ما زال واقفا مكانه , أستدارت ثم ألتفتت تحوه من جديد , فرأته يلم المنشفة الزرقاء , يضعها على كتفيه ويأخذ الأتجاه المعاكس.
وراح قلبها ينبض بسرعة , وأضطرب عقلها زظلت تتبعه بنظرها مدة طويلة........

الشغاف
06-23-2011, 07:05 PM
3- خاتم وليل وحصان


لدى وصولها الى الفندق كانت لوريل مرهقة كليا , في الطريق توقفت عدة مرات , والآن لا تستطيع أن تقوم بخطوة أضافية من دون أن تقع أرضا.
كان الليل قد حل وشعرت بأرتياح عندما رأت أخيرا المصابيح الحديدية تبث نورا آمنا , وبصعوبة كبيرة أجتازت لوريل الشرفة الفارغة لتضع السلة على باب المطبخ , لا تطلب أكثر من حمان ساخن لتريح ساقيها المتألمتين , ثم النوم الباكر , ولحسن الحظ , الفندق لا يتبع التوقيت الأسباني , والعشاء يقدم في الثامنة بدل العاشرة , كما هو التقليد في أسبانيا.
كانت تجتاز البهو عندما سمعت صوتا يناديها , أنها السيدة آلين , زوجة صاحب الفندق , وعلى مضض توقفت , أشارت لها المرأة بالدخول الى الصالون الخاص , قائلة بصوت منخفض:
" لو سمحت بلحظة , يا آنسة , لدي شيء سأقوله لك".
" طبعا".
تبعتها لوريل الى الشرفة الصغيرة , محاولة أخفاء تعبها وقلقها . هل حصل شيء ما لأيفونفي غيابها؟
سألت بقلق :
" ماذا جرى؟ حادث ما؟".
أشارت السيدة آلين بعلامة النفي , لكن تعبير وجهها لم يكن مطمئنا , وما أن جلستا حتى باشرة السيدة الحديث قائلة:
" لا أريدك أن تعتبري كلامي عن سوء ظن ومن مبادئي ألا أتدخل في شؤون النزلاء.... لكن هذه المرة أعترف بأنني منزعجة جدا.....".
تقلصت يدا لوريل على طرف المقعد وسألتها:
" لماذا أذن؟".
يا ألهي , هل وصل خبر مغامرتها الى الفندق؟ هل هناك شكوى ضدها؟
تلعثمت وهي تضيف:
" ماذا ..... ماذا حدث؟ ماذا فعلت؟".
" آه , يا آنسة , الآمر لا يتعلق بك أنت! لو كان جميع النزلاء لطفاء مثلك, لكانت حياتنا عذبة ! للأسف , المشكلة تتعلق بالآنسة سيرل".
ماذا فعلت هذه الأبنة المدللة ؟
تابعت السيدة كلامها وكأنها تعتذر:
" أعرف جيدا بأنها ما زالت صبية ولا تفعل ألا ما يدور في رأسها , لكنني أعتقد أنه من واجبي أن أحذّرها".
" ضد ماذا؟".
" أنها تتصرف بطريقة تافهة وحمقاء مع أحد العاملين هنا , ألم تلاحظي ميلها الواضح الى رينالدو؟".
تجهم وجه لوريا وقالت:
" لا..... كيف أشك بذلك ؟ لقد وصلنا منذ ثلاثة أيام فقط , وهذه أول مرة أتركها وحدها.....".
قالت السيدة آلين بلهجة قاسية:
" أذن فهي لم تضع وقتها , لقد فاجأتهما في الحديقة , آه , لا تقلقي........ لا شيء يدعو الى القلق..... لكن يتهيأ لي أنهما أمضيا فترة بعد الظهر معا على الشاطىء .... المشكلة تحصل بسرعة ...... رينالدو شاب وسيم , لكن الفتيات الأسبانيات لا يتصرفن عامة بهذه الطريقة , آه , لا أعرف أذا كنت تفهمين ما أقصده , السياحة لم تقتحم الجزيرة بعد , في كل حال الكونت يمنع ذلك , نحن بعيدون جدا عن الوطن الأم وما زلنا نعيش هنا كما في العصر الماضي......".
لوريل تصغي بشرود لشدة تعبها والسيدة آلين تتابع قائلة:
" جزيرة المصير ملكية أسبانية منذ أربعمئة سنة تقريبا , وحاكمها الحقيقي هو الكونت ..... يعيش في القصر االذي يسيطر على الجزيرة كلها , لا يسمح بالتطور والأنماء ألا تدريجا – لدينا مستشفى صغير حديث الطراز , ومدرسة جديدة , الفقر غير وارد عندنا ...... لكن الباقي....
رفعت السيدة آلين كتفيها بأناقة , فهزت لوريل رأسها موافقة بينما كانت تفكر بشيء آخر , تابعت المرأة تقول:
" ولهذا السبب أطلب منك أن تتحدثي مع الآنسة سبرل , حاولي أن تفهميها أن سكان الجزيرة سيعتبرون تصرفها هذا فاسقا , بالنسبة اليهم , تنقص قيمة الفتاة أذا تصرفت بوقاحة مع الرجال , أما الصبيان بدورهم فلا يتذمرون أبدا , بل بالعكس , خاصة أمثال رينالدو الذي قضى مواسم السياحة على شاطىء الكوستا برافا ود ليتباه بأنتصاراته النسائية , لا نريد شيئا كهذا هنا , قضية آل سميث تكفينا......
حبست لوريل أنفاسها وبتهذيب وليس عن فضول , سألتها:
" آل سميت أتوا الى هنا لتمضية بضعة أشهر مع أبنتهما الوحيدة , التي ولدت بعد زواج دام عشرين سنة , ربياها تربية صارمة وجدية , والسيدة سميث جاءت لتقضي فترة النقاهة في هذه الجزيرة بعد مرض طويل , ولم يسبق للأبنة أن رأت من قبل شابا وسيما مثل رينالدو ,وبسرعة وقعت في غرامه , وصل السيد سميث الى هذه الجزيرة مع زوجته وأبنته وبقي معهما أسبوعا واحدا ثم عاد الى لندن لمتابعة أعماله , لكن عندما جاء ليصطحبهما الى بلاده في الوقت المحدد , كانت المصيبة قد حلت!".
" ماذا حصل؟".
" حملت الفتاة!".
" وهل حصل ذلك هنا؟".
" نعم , رينالدو أعترف بمسؤولية ما حدث , لقد أرتمت سارة في أحضانه , ومع أنه طلب يدها , لكن السيد سميث رفض بأصرار , لم يسمح لأبنته الوحيدة أن تعقد زواجا جبريا وهي ما تزال في السادسة عشرة من عمرها , وبسرعة حمل السيد سميث عائلته وعاد بهما الى لندن , بعدئذ لم نسمع بأخبارهم , أتساءل أحيانا ما حل بسارة ..... والأهم أن الكونت كان حانقا جدا........".

الشغاف
06-23-2011, 07:06 PM
وبعد هذا السرد الطويل توقفت السيدة آلين عن الكلام لاهثة , أما لوريل فكانت تفكر بما سمعته , نهضت وقالت:
" أشكرك لتنبيهي لما حصل , سأتحدث في الأمر مع أيفون".
في أعماق تفكيرها تعرف لوريل بأنكلامها مع أيفون لن يجدي نفعا , في كل حال أيفون ليست فتاة بسيطة وساذجة وتعرف ما ينتظر منها في حال قامت بمغامرة عاطفية.
غيّرت السيدة آلين الموضوع وسألتها:
" هل قضيت نهارا جميلا؟".
" نعم , والآن أعذريني , أنا متعبة وأريد أن آخذ حماما ساخنا ".
لكنها أدركت أن الوقت لن يسمح لها بأخذ حمام طويل , بل أكتفت بدوش سريع , التعب يضنيها لكنها قررت توضيح الأمور نهائيا مع أيفون من دون تأخير , فذهبت للتفتيش عنها , لكنها لم تجدها , ومن باب غرفة الطعام رأت رينالدو يضع الصحون على الطاولات , فشعرت بأرتياح وراحت تغيّر ملابسها.
فوجئت لوريل بوجه أيفون وشعرها المشعث عندما وافتها الى صالة الطعام , بالكاد ذاقت وجبة الدجاج وتصف الحلوى , ودفعت فنجان القهوة جانبا .
أنحنت لوريل نحو الفتاة الشاردة وسألتها:
" ماذا جرى , يا أيفون؟ لم تأكلي شيئا".
" لست جائعة".
" هل الأمور سيئة الى هذه الدرجة؟".
أنتفضت أيفون بأنزعاج وقالت:
" نعم , وأذا كنت تريدين معرفة كل شيء , فأنا أعاني من آلام المغص ومن ألم حاد في الرأس , سأتركك وأذهب الى فراشي".
خرجت من الغرفة كالصاعقة , ألتفتت الوجوه اليها , وزوجة الكولونيل عبرت عن أستيائها بحركة من رأسها.
وما أن أنتهت لوريل من أحتساء قهوتها حتى نهضت بدورها , هذا المساء لن تخرج الى الشرفة للقاء بقية نزلاء الفندق , كما هي عادتها بل صعدت الى غرفتها الواسعة التي تتقاسمها مع أيفون , مصممة على أعطاء أيفون حبة أسبرين مع فنجان شاي.
دخلت الغرفة على رؤوس أصابعها.
الغرفة مظلمة , أقتربت لوريل ببطء من سرير أيفون وأنحنت فوقها وسألتها بصوت منخفض:
" هل تريدين شيئا؟".
لا جواب , وجه أيفون تحت الوسادة وتنفسها متناسق , كانت تنام نوما عميقا.
نظرت لوريل الى ساعة يدها : أنها التاسعة , ترددت , الوقت ما زال باكرا للجوء الى النوم , لكنها متعبة جدا , خرجت الى الشرف , في النهار يبدو المنظر رائعا مطلا على البحر , لكن هذا المساء , القمر هلال والجو غامض , مصابيح الحديقة تبث نورا شحيحا فوق التماثيل والقوارير الفخارية والشجيرات المنثورة فوق العشب الأخضر , الفراشات ترتمي على الزهر وغناء زيزان الحصاد يقطع الصمت الليلي.
وأمام هذا الجو الرومنسي بدأت لوريل تحلم.... حلمت بأن فيليب هنا , قربها ...... بأنها أخطأت أتجاهه..... بأنه يحبحا حقا.... ليلة الكارثة أنمحت وعاد السلام كما من قبل.
أغمضت عينيها وهي تفكر به , لكن لم يكن وجه فيليب ما رأت.... بغضب شديد دخلت الى غرفتها , ألا يكفي أن فاجأها هذا الرجل الغريب وحيدة في الماء وعرّض حياته للخطر , أنه الآن يحتل أفكارها ..... حاولت لوريل أن تطرد صورته من ذهنها , فراحت تخلع ملابسها وتسرح شعرها وتلملم أغراض أيفون المبعثرة على البساط , ثم دخلت الى فراشها , لكن النوم طال: حوادث النهار ظلت تدور في رأسها كشريط سينمائي , ترى الشمس الحارقة والماء الشفافة والرجل الغريب المتعجرف بشعره الأسود وصوته العميق , الشمس والملح وذكرى ذراعي الرجل , كلها تحرقها بنار غريبة....
وبعدما تقلبت في سريرها مرات عدة , تمكنت أخيرا من النوم , لم تعد تسمع الأصوات الآتية من طرف الغرفة.
ألقت أيفون نظرات أرتباك على لوريل النائمة , ورفعت أغطيتها وأرتدت ملابسها بسرعة , نظرت الى ساعتها المعلقة بسلسال في عنقها , ثم حملت صندلها , وعلى رؤوس أصابعها خرجت من الغرفة.
عندما أنغلق الباب وراءها أحدث ضجة صغيرة , فأنزعجت لوريل في نومها , وجلست في سريرها وأضاءت المصباح , ولما لم تر أيفون في سريرها , قفزت بسرعة وفتحت الباب , شاهدت أيفون على السلالم , فأسرعت نحوها وسألتها:
" ما بك؟ هل أنت مريضة؟".
" لا عودي الى فراشك!".
" ألى أين ذاهبة؟".
غضبت أيفون وقالت:
" أخفضي صوتك , ستوقظين الجميع , أنا نازلة الى الطابق ألأرضي فقط".
" ولماذا أذن؟ لماذا لم توقظيني ؟ لجلب لك ما.....".
ولما رأت أيفون تهبط السلالم حافية القدمين , تبعتها وهمست تقول:
" لماذا أرتديت ملابسك؟".
" لأنني خارجة , حاولي أن تمنعيني! فهمت؟".
أمسكت لوريل بمعصم أيفون وقالت:
" أريد تفسيرا مفصى , ماذا جرى؟".
" لا شيء".
في هذه اللحظة أنفتح الباب على الممر وخرج منه السيد بينكلي الذي قال:
" ماذا يجري هنا ؟ آه, آه........ فتاتان جميلتان ! هل أنتما ذاهبتان الى موعد جميل؟".
صرخت أيفون :
" أوف , يا لحظي السيء!".
عادت الى الوراء ومرت قرب الرجل العجوز ثم دخلت الى غرفتها وصفعت الباب , بعد تردد قصير تبعتها لوريل والأحمرار يعلو وجهها........

الشغاف
06-23-2011, 07:06 PM
أرتمت أيفون في سريرها تنتحب باكية فسألتها لوريل بجفاف :
" هل ستشرحين لي سبب كل هذا؟".
ناحت أيفون ورأسها على الوسادة وقالت:
" أنها غلطتك , لقد دمرت كل شيء , أذهبي عني , أنا أكرهك!".
" ماذا تعنين ؟ منذ قليل قلت لي بأنك متعبة والآن تهربين في السر..... أريد أن أعرف لماذا؟".
لم ترد , فأقتربت لوريل من سرير أيفون وقالت:
" هل سمعت ما أقوله؟ الى أين كنت ذاهبة؟".
" لدي موعد".
" موعد؟ في هذه الساعة المتأخرة؟".
" والآن , فات الأوان! لن يسعني الحصول عليه , أه , ماذا سأفعل؟".
أرتبكت لوريل وأنحنت فوق أيفون الباكية وقالت:
" ماذا تعني هذه القصة الغامضة؟ هل ستشرحين لي مفصلا؟".
" أنه خاتمي".
" الخاتم؟".
" خاتم الياقوت , سعره باهظ , أهداني أياه والدي في عيد ميلادي , وسيغضب مني".
" هل أضعت الخاتم".
" نعم , اليوم".
تذكرت لوريل الخاتم الذهبي وحبتي الياقوت على شكل حية , لاحظته في أصبع أيفون عندما دعاهما غوردن سبرل الى الغداء ., لماذا أرتدت أيفون هذا الخاتم الثمين في هذا المكان المنعزل؟
" متى رأيته آخر مرة؟".
" لا أتذكر جيدا.........".
" هل كنت تلبسينه اليوم؟".
" نعم".
" الى أين ذهبت في غيابي؟".
" أوه...... لا أدري.... الى شاطىء البحر.......".
فجأة أنتفضت الفتاة وجلست على السرير وصرخت وهي لا تجرؤ على النظر الى لوريل:
" آه , وماذا بعد؟ سأقول بأنني أضعته وهذا كل ما في الأمر !".
" لا أفهم ما تقولين , أذا لم تجدي هذا الخاتم , سأضطر الى أعلام السيدة آلين بذلك كي تعلن بدورها عنه في مركز الشرطة".
" آه , لا ! لا ! , أرجوك , لا تقولي شيئا!".
" هيا أخبريني كل شيء".
" شرط أن تعديني بالأحتفاظ بالسر".
تنهدت لوريل وقالت:
" لا أريد سوى صالحك , يا أيفون".
" أذن , دعيني أخرج من هنا , وأذا عارضت , ستوقظين جميع نزلاء القصر".
" أسمعي , يا أيفون , لست ساذجة ولا فتاة صغيرة , لن تدعيني أصدق بأنك أضعت هذا الخاتم , مع من كنت على موعد؟".
" مع رينالدو , هو الذي يحمل خاتمي".
" وكيف حصل هذا......".
" كنا على الشاطىء بعد الظهر ونسيت أنني ألبس الخاتم , فلاحظه رينالدو وقال لي بأنني ربما أضعته في الماء , أردت أن أعود الى الفندق لأخبئه في حقيبتي , لكنه أقترح علي أن يعلقه بسلسلة عنقه".
هزت لوريل رأسها , فتابعت أيفون الكلام:
" قبلت عرضه , لكن عندما طلبت منه أن يعيد لي الخاتم , بعد السباحة , قال لي أن آتي لآخذه بنفسي , وحينئذ بدأ يعانقني و....... و.....".
" ورفض أن يعيد لك الخاتم , أليس كذلك؟".
" نعم , وعدني أن يعيده الي هذا المساء , في منتصف الليل , في الخليج الصغير الواقع خلف القرية".
" يا مسكينة ! وصدقت كلامه؟ ألا تعرفين بأنه يسخر منك ؟".
" آه , ثقي بي , أعرف تماما كيف أعامل هذا النوع من الأشخاص".
" حتى الآن فشلت في ذلك , هيا يا أيفون , دعك من هذا من التصرف الطفيلي , رينالدو ليس سوى رجل متهتك يفتخر بمفاته النسائية , لقد حدّثتني عنه اليوم السيدة آلين".
" لكنه لم يخف علي شيئا , هل غلطته أذا كانت النساء ترتمي في أحضانه؟ ومهنته تطلب منه أن يهتم بهن , لكنه لا يذهب أبعد من ذلك , أرجوك لا تعامليه كأي غاو سخيف!".
" هل تعرفين , بأنك تذهبين وراء الكارثة , يا أيفون؟ أنا التي ستستعيد الخاتم منه".
" أنت!".
" نعم , وعدت والدك بأن أسهر عليك وسأفعل ذلك , هيا , يا أيفون , عودي الى فراشك ونامي وألا سأغضب منك".
أرتدت لوريل ملابسها بسرعة وأقنعت أيفون بالبقاء وخرجت من غرفتها ببطء وصمت كالظل , وبينما كانت تهبط في سرعة عبر الطريق المتعرجة الى اقرية تمنت لو كانت هذه الجزيرة تعج بالسكان , كانت ترى وراء النوافذ المطلة على الشرفات الحديدية , أضواء وأصواتا وصراخ الأولاد وضجة المذياع , وحدها في الخارج , فريسة هلع كبير , حبست صرخة رعب لدى عبور هرة بشكل مفاجىء.
وما أن أجتازت القرية حتى وجدت نفسها في قلب الريف توجهت الى الخليج الصغير حيث موعد اللقاء , ماذا سيحدث أذا تمنع رينالدو عن أعادة الخاتم؟ ليس لديها القوة الكافية لأخذه منه قسرا , وربما لن يأتي الى الموعد بنية مناكدة أيفون , من المستحيل الآن أن ترجع الى الوراء , تقدمت بخطوات حذرة وسط الظلال التي تعكسها أوراق الشجر , وما أن وصلت الى الشاطىء الرملي الفاتر حتى نظرت حولها تصغي : الصمت تام تقريبا , العصافير نائمة , والأمواج الصغيرة تلتقي بهمس بالشاطىء القاحل , سيطرت على خوفها وتقدمت خطوات قليلة قبل أن تتسمر مكانها , هل نصب رينالدو فخا لأيفون؟

الشغاف
06-23-2011, 07:07 PM
" سينيوريتا........".
حبست لوريل صرخة رعب ودارت حول نفسها باحثة عن مصدر الصوت , وخلال ثوان قليلة , لم تر أحدا , ثم ظهر ظل قرب الصخرة وسمعت ضحكة صغيرة.
" ها أنت أخيرا , بدأت أصدق بخيبة الأمل".
ظل وجه لوريل في الظل , فقالت ببرود:
" لكنني سأخيب أملك , يا سيد".
أختفت الأبتسامة عن وجه الرجل الذي أنتفض لدى سماعه صوتا مجهولا , ثم قال :
" لا أفهم , ماذا تفعلين هنا ؟ أين الآنسة سبرل؟".
" في الفندق".
تقدم منها وقال بقسوة :
" لماذا لم تأت الى الموعد؟".
" هذا ليس من شأنك , أين خاتمها؟".
قال بسذاجة متصنعة:
" أي خاتم؟".
سيطرت لوريل على أرتجاف يديها وقالت:
" أنت تعرف جيدا , أعني خاتم الآنسة سبرل الذي وكّلتك به بعد ظهر اليوم....".
وضع يده خلف ظهره وقال:
" أنه ليس لك , يا آنسة , لن أعيده ألا لصاحبته".
" أولا , لا يحق لك الأحتفاظ به!".
" هل هذا تهديد , الآن؟".
" لم أبدأ بعد , أطلب منك ببساطة أن تعطيني الخاتم الآن".
" بأمكانك أن تطلبيه بلطف , في كل حال , أنها مزحة وحسب.....".
" أنا لا أفهم المزاج الأسباني , الوقت متأخر وأنا متعبة , أعطني الآن الخاتم وتنتهي المشكلة!".
نظر اليها مفصلا , من رأسها حتى أخمص قدميها ثم قال:
" آه لا , ليس بهذه السرعة , لا تنسي بأنك سببت لي ضررا كبيرا".
" هيا , لا تكن أحمق!".
" بلى , لقد حرمتني من لقاء جميل مع الآنسة أيفون , هذا اللقاء الذي كنت أتوق اليه بشدة .... لقد حدّثتني عنك كثيرا .... أعرف أن والدها وكلك بها , وبأنك تقيدين حريتها........".
أكتفت بالرد ببرود:
" لا أنوي متابعة هذا النقاش , هل ستعيد الخاتم الي؟ أم تريدني أن أستنجد بالشرطة؟".
" آه , لا , لكنك تقومين بتهديدي على ما أرى!".
بحركة مفاجئة وغير منتظرة , أمسكها من كتفيها وقال متابعا:
" أو ربما هذا التدخل من قبلك يخفي نوايا سرية؟".
أبتعدت عنه وقالت:
" وعن أية نيّة تتحدث؟".
أمسكها من جديد من كتفيها وشد عليهما وقال بصوت لطيف ومتصنع:
" الغيرة مثلا".
" ماذا بعد! يا له من غرور وغطرسة ! لا ينقصك شيء , لا المخيّلة ولا الوقاحة! أبتعد عني!".
" هذا الأمر غير وارد! هذا الكلام يقال دائما ..... في البداية... قولي لي , هل صديقتك خائفة مني؟ هل أرسلتك لتدفعي عنها الرهن؟".
" الرهن! أي رهن! لكنك بدأت تهذي أبتعد عني وألا سأصرخ!".
جذبها اليه وحاول أن يعانقها , راحت تتخبط بكل قواها , لكنه تمكن من وضع ذراعها وراء ظهرها , أعرف جيدا ما تريدينه ! أنتن النساء كلكن شبيهات!".
ضحك وشد عناقه , صرخت لوريل بغضب عندما مد يده الى صدرها , رفست كاحله , فصرخ ألما وقال:
" يا أيتها الشريرة الفاسقة! ستدفعين ثمن فعلتك!".
نجح في رميها على الرمل , فراحت تنتحب وتبكي ( يا ألهي , كيف سأستطيع التخلص من هذا المجنون الغاضب الذي يصمم على الحصول علي ؟ ) راحت تجاهد بكل قواها ضد هذا الحيوان المفترس وتمكنت من تحرير ذراعها والصراخ:
" النجدة ! النجدة! ".
فجأة أنعكس ظل عليهما , وسمع شجار قصير وسقوط , وجدت لوريل نفسها حرة , أنتشلتها يدان قويتان من كتفيها لمساعدتها على النهوض , ثم سمعت صوتا ناعما يقول:
" هل أصبت بأذى , يا آنسة؟".
( آه , لقد نجوت ! حقا نجوت! ) رأت من جديد السماء المنجمة ووجه الرجل الواقف على بعد سنتيمترات من رأسها , لمن هذا الصوت المعروف , لكن..... أليس صاحبه الرجل الغريب؟
وضعت يدها على جبينها لتبعد خصلات شعرها المشعث , بالكاد تعي ما حدث لها , لكن عندما رأت رينالدو ينهض ويستعد للهرب , أرادت أن تلحق به وصرخت:
" أوقفه! لقد أخذ خاتمي!".
خانتها قدماها , فسقطت بثقل على الرمل , وفي هذه الأثناء , كان مخلّصها قد ألتقط رينالدو , فقال الرجل الغريب:
" يا أيها القذر , ألا يكفي أن تتحرش بالنساء , بل تسرقهم أيضا؟".
بعد مناقش عنيفة بالأسبانية , أختفى رينالدو وراء الجدار وعاد الغريب الى لوريل , ويده مفتوحة نحوها وقال:
" هل هذا لك؟".
نظرت لوريل الى الخاتم البرّاق في قعر يده وأكتفت بأشارة من رأسها , مضيفة:
" أنه خاتم صديقتي".
" هل أنت أكيدة بأن هذا الرجل لم يؤذك؟".
أحمرت خجلا وقالت بتلعثم:
" أشعر.....شكرا......لكن.........لو لم تأت.....".
وبينما كانت تتكلم , كانت تحاول النهوض وترتيب ملابسها , لكن يداها خانتاها فراحت ترتجف كورقة غير قادرة على حبس دموعها .
وبعدما تأملها الغريب فترة طويلة , أنحنى فجأة وحملها كأنها طفل صغير وقال:
" لست بحالة جيدة , حادثتان في يوم واحد هل هذا من عادتك؟".
لم تستطع أن ترد بوضوح , فهزت رأسها متعبة , فألتفت الغريب الى حصانه وقال:
" أذا حملتك على ظهر حصاني , هل تستطيعين الجلوس وحدك فترة قصيرة كي أتمكن من الصعود بدوري؟".
" نعم".
حملها الى ظهر الحصان , شعرت كأن الدنيا تدور من حولها , فتمسكت بعنق الفرس وبعد ثانية كان مخلصها وراءها , متمسكا بها لئلا تقع.
" أسندي ظهرك ألي وأسترخي.....".
" أنا..... هذا لطف منك , يا سيد , لكن لا حاجة لأيصالي , فأنا قادرة أن.....".
" في هذه الحالة ؟ لا تستطيعين أجتياز خمسة أمتار!".
بدأ الجواد يهز رأسه , فتقلّصت لوريل عفويا , أمرها بلطف قائلا:
" قلت لك أن تسترخي! أنا متمسك بك ولا خطر عليك من السقوط".
لكز الحصان بلطف , فسار ببطء على طول الشاطىء , غير منزعج من الحمل الثقيل , وشيئا فشيئا , هدأت لوريل وأسترخت على صدر الرجل الغريب , وشعرت بالأمان , لكن عندما لاحظت بعد قليل أنها ليست في طريق العودة الى القرية , شعرت بالخوف وأنتفضت, فقال لها الرجل وهو يشد عليها:
" لا تخافي ,يا آنسة , سآخذك الى منزلي , لست في حالة تسمح لك بالعودة الى الفندق".
" لكن , أنا.....".
" دعيني أهتم بالأمر بنفسي , معي لا خطر عليك أطلاقا , أنا والعاملون لدي أشخاص متمدنون".
" هذا لطف منك , يا سيد وأنا مدينة لك , لكن الوقت ليل والساعة تجاوزت منتصفه....".
" وماذا بعد؟".
ما هو ردّها على هذا السؤال؟ لو لم يصل الى الشاطىء في هذه الساعة المتأخرة من الليل , لحلت بها الكارثة! فضّلت عدم التفكير بالأمر , أذن لماذا المناقشة ؟ لماذا طرح الأسئلة ؟ في هذه الزاوية البعيدة من هذا العالم , تشعر وكأنها وحيدة مع هذا الرجل الصامت الذي تنبع منه حرارة تبعث على الأطمئنان والأضطراب في آن واحد , لا شيء له أهمية بعد ذلك , الكاوبوس أبتعد.
على بعد بضعة مئات من الأمتار أنعطف الشاطىء نحو لسان الجبل الداخل في البحر , فأخذ الحصان طريقا قاسية تحيط بها الشجيرات النحيلة , وشيئا فشيئا أصبحت النباتات أكثر كثافة وأتسعت الطريق , في الهواء الفاتر , الأزهار غير المرئية تفح عطورها الزاهية , والحشرات الليلية تطير حولهما وتلسمهما بأجنحتها .
فتحت عينيها ورأت سياجا قرب السماء الزرقاء الغامقة , ثم قصرا ضخما مزينا بالأبراج , أظهرت تعجبا لا أراديا , كيف لم تفطن الى ذلك من قبل؟
وصلا الآن الى القصر , هذا الرجل الغريب الذي قفز ثم مد لها ذراعيه , ليس هو أذن .... سوى الكونت.

الشغاف
06-23-2011, 07:08 PM
4- موعد فلقاء........ ولكن


" أهلا وسهلا بك الى فالديروزا!".
قال الكونت هذا الكلام بلهجة ساخرة وهو يتقدمها تحت القنطرة الحجرية المؤدية الى داخل القصر.
دخلا بهوا واسعا سقفه ملبّس بخشب السنديان , واللوحات العديدة ذات الأطر المذهبة , بساط رائع يغلف جدارا بكامله , والمكان يعج بالخزائن المحفورة والكراسي العالية والخزف الذي يملأ الرفوف الى جانب الأواني الفضية والتحف الفنية النادرة , المصابيح الجدرانية المذهبة تبعث نورا خرافيا على كل هذه الروعة.
سحرت لوريل بهذا الأكتشاف وألتفتت ببطء حولها وأنتفضت عندما أشتبكت نظراتها بنظرة الرجل الباردة , دخل خادم بصمت وأنحنى أمام الكونت , فأعطاه صاحب الدار تعليمات ملخّصة قبل أن يقول الى لوريل:
" أتبعي جوزيه , سأوافيك بعد لحظة".
لا شك أنه يريد وضع حصانه في الأسطبل , فجأة شعرت بالخجل لرؤية الخادم صاحيا في هذه الساعة المتأخرة , فتبعته في ممر طويل , فتح جوزيه بابا ثقيلا منحوتا , بمصراعيه ثم قال:
" هذه هي قاعة الأستقبال".
ثم أشار لها الى باب آخر وأضاف:
" ومن هنا , تجدين الحمام".
أختفى جوزيه ودخلت لوريل الى الحمام الحديث الطراز والمبلط بالحجارة الزرقاء التوركوازية المتناسقة مع المغسلة والمغطس والمناشف السميكة.
غسلت وجهها مطولا بالماء الباردة , وبفرشاة نظّفت ملابسها الملطخة بالوحل وسوّت هندامها , ثم سرّحت شعرها وعادت الى قاعة الأستقبال , أنها غرفة متوسطة الحجم , داخلها الرفوف تحمل الكتب العديدة , واللوحات الحديثة والبساط السميك الفاتح وأريكة ومقاعد مريحة , على طاولة منخفضة قرب النافذة قيثارة أسبانية أضفت جوا دافئا على المكان.
جلست لوريل بأسترخاء على الأريكة وأحست بتعب بعد هذا النهار الحافل بالحوادث العديدة والأنفعالات المختلفة , آه , لو تملك آلة لأعادة الزمن الى الوراء.... فلسوء حظها ألتقت بالشخص الوحيد , الذي كا عليها أن تؤثر فيه تأثيرا جيدا , ولا شك أن مشروعها قد فسد , لم يخف لها عن نظرته أتجاهها..... بعد سباحة بعد الظهر ومحاولة النيل منها...... آه , لو لم تتصرف أيفون تصرفا أحمق ! .......ز أيفون ....... آه , ستقلق لعدم عودة صديقتها , عليها أن تعود الى الفندق الآن , نهضت من مكانها وفي الحال أنفتح الباب , فواجهتها النظرة النظرة الباردة لصاحب الدار المندهش.
قالت متلعثمة:
" يجب..... نعم, يجب علي أن أعود الى الفندق".
" لكنك وصلت لتوك! أبقي فقط لأحتساء القهوة التي ذهب جوزيه لتحضيرها".
جلست وقالت :
" آه , لا حاجة للأنزعاج من أجلي , الوقت متأخر جدا".
قال بجفاف:
" ليس من المفروض أن تفاجأي من تأخر الوقت , ما دمت قد أعطيت موعدا في منتصف الليل".
" ليس أنا من حدّد هذا الموعد".
" لكنك ذهبت اليه بنفسك... آه , ها هو جوزيه".
وضع جوزيه الصينية وأختفى بصمت كما دخل , رمق الكونت لوريل بنظرة غريبة وقال:
" هل بأمكاني أن أطلب منك خدمة؟ أليس من عادة بلادكم أن تقوم الفتاة بتقديم القهوة مكان ربة المنزل؟".
أحمرت لوريل أمام نظراته الساخرة وتوجهت الى الطاولة وحملت غلاّية القهوة الفضّية وسكبت القهوة السوداء العطرة في فناجين , قدمت فنجانا الى الكونت وقالت:
" يبدو أنك مطّلع بغض الوقت في بلادكم".
حمل الفنجان وأنتظر لوريل كي تجلس وجلس بدوره , قال:
" يخيّل ألي بأنك لا تتقيّدين بعادات بلادك".
كادت أن تختنق , ثم قالت:
" ماذا تقصد؟".
أبتسم قليلا وأجاب:
" ليس لطفا مني أن ألح على ما أقوله , وأخشى أن أوترك أكثر , في مساعدتك على ذتكّر.....".
أحمرت لوريل وأخفضت وجهها ببطء وجرعت قهوتها قبل أن تقول بصوت متقطع:
" أنا أشكرك على أستقبالك لي , يا سيد ,وعلى كل ما فعلته من أجلي اليوم , لكن يجب علي أن أعود الى فندقي".
" لماذا؟".
" لأن الوقت متأخر .... لم نتعرف الى بعضنا بعد....".
ضحك بصوت مرتفع وقال:
" أنت في أجازة وتعيشين في الفندق وليس في الدير ! لا تحبين البقاء هنا, لأننا لم نتعارف بعد على بعضنا , كما هي الأحوال , هل تخافين من الأشاعات؟".
" أوه.... أذن..... نعم , أخاف......".
قال بسخرية:
" لا تقولي بأن الأعراف تخنقك! لن أصدق ذلك منك , خاصة بعد أن رأيتك بعد الظهر اليوم تسبحين وحدك كما أنك أعطيت موعدا في منتصف الليل مع غاو محترف".
قالت بعنف:
" بلى , أصر على مجاراة الأعراف ! لا تتهمني بأشياء لا علاقة لي بها , لا أحب أن يسخر أحد مني".
" معاذ اللله , يا آنسة , سامحيني , أرجوك , كيف بأمكاني أن أعوض عن ذلك؟".
" لا أطلب منك ألا شيئا واحدا , وهو أن تصدقني , أقول لك مرة أخرى بأن موعد منتصف الليل لم يكن مخططا له من قبل".
" أشرحي لي لماذا أنوجد خاتمك في حوزة رينالدو".
" الخاتم ليس لي بل لأيفون , وأردت أن أجلبه مكانها".

الشغاف
06-23-2011, 07:08 PM
ترددت لحظة , ثم قالت:
" لم يكن مناسبا أن تذهب بنفسها الى هذا الموعد...... ومن هنا حصل سوء التفاهم هذا".
" لا أفهم شيئا , يا آنسة , لماذا أعطيت لرينالدو خاتما لا يخصك؟ أم هل سرقه؟".
" آه لا , كلا , أبدا".
قررت أن تكون صريحة معه وتقول الحقيقة , فأضافت:
" في الواقع أنا مسؤولة عن أيفون , والدها أوكلني بها , لأبعادها عن شاب فاسق تعلّقت به , أنك ترى بنفسك , أنني لم أقصد أن أرميها بين ذراعي رجل آخر مثل رينالدو , لذلك قررت أن من واجبي التدخل في الأمور التي تتعلق بها".
أطلقت زفرة سرّية وعمّ الصمت , رفعت لوريل عينيها وألتقت بنظراته المتفهمة سألها:
" ما عمر أيفون؟".
" ستة عشر سنة ".
هز رأسه وقال:
" أفهم جيدا شعورك نحوها , يا آنسة , ذلك لأنني نفسي , أنا أيضا أجابه قصة من النوع نفسه".
" أنت؟".
أبتسم بمرح وقال:
" هل تعتقدين بأن هذه المشكلة لا وجود لها عندنا؟ حتى هنا , حيث التقاليد محترمة وصارمة نجد أنفسنا معرضين لما يرفضه هذا الجيل الشاب لأي شكل من أشكال السيداة والسطوة".
تذكّرت لوريل فجأة عمتها العجوز التي ربّتها بعد وفاة والديها , أي عندما كانت طفلة , التربية الجدية الصارمة التي أعتمدتها العمة أديل أثّرت بالفتاة تأثيرا عميقا , وربما هذه الحشمة الغريزية , هي التي أفسدت علاقتها مع فيليب , الذي لم يكن يفهم معنى تحفّظها القوي , هي الفتاة الحرة والمستقلة.
أنحنى الكونت يراقب بتمعن وجه الفتاة الجميل المعبّر وقال:
" هل تعتقدين. أنت أيضا , بأن التقاليد الصارمة يجب أن تعود؟".
" يتعلق الأمر بنوعية هذه التقاليد والشخص الذي يتعامل معها ".
" في مثل هذه الحال , الأمر يتعلق بفتاة طائشة , ووقحة , أذن؟".
أمام صمت لوريل تابع الكونت يقول:
" أبنة عمتي تكبر صديقتك بقليل , ولقد تعلّقت هي أيضا بشاب رفضته عائلتها قطعيا , أنه عاطل عن العمل, يحوم حول ثروتها , كارلوتا تصبح غنية عندما تبلغ سن الرشد , ولا نريدها أن تنخدع به ونحاول أبعادها عن هذه التجربة الى أن تعود الى رشدها , ستصل في نهاية الأسبوع المقبل".
" الى هنا؟".
" نعم , لست فرحا جدا بهذا المشروع , أنها تحب كثيرا أن تأتي لزيارتنا , لكن في الظروف الحالية.....".
لم يكمل كلامه , سألته بحذر:
" لا شك أن أبنة عمك فتاة تعيسة , ربما هي تؤمن بصدق هذا الرجل؟".
" مهما حدث , فالقضية أقفلت نهائيا , لن تراه بعد الآن وستنساه بسرعة , الفتاة , عندما تكون في السادسة عشر من العمر , لا تعرف ما تريد , أما بالنسبة الى عواطفها.....".
قاطعته لوريل بحدة قائلة:
" ليس كلامك العسلي , الذي سيمنعها من الألم والعذاب".
" تضعين نفسك الى جهتها على ما أرى , لكنك تدخلت في شؤون أيفون , بحجة أنك تفعلين صالحها , أنت فتاة غريبة ومتناقضة وغير منطقية , يا آنسة!".
رفعت الفتاة كتفيها بتعب , هذا الحديث أرهقها , لكنها قالت:
" كيف بأمكاني أن أضع نفسي بجانب الفتاة وليس ضدها , وأنا لا أعرف شيئا عن المشكلة التي تعانيها؟ أما بصفتي غير منطقية ..... فأنت حقا صادق بأتهامي ...... فقط لأنني لست من رأيك".
أبتسم بتقلّص وبرقت عيناه وقال:
" في كل حال , عندما ترين كارلوتا , ستدركين أنها ليست بحاجة لأن يدافع أحد عنها".
هزت لوريل رأسها وقالت:
" في كل حال , الأمر ر يخصني مباشرة".
ثم نهضت وقالت:
" أنا متعبة وأريد العودة الى الفندق".
نهض بدوره وقال:
" آه , أعذريني , سأوصلك الى الفندق , لكن قبل ذلك ....".
تردد فسألته:
" ماذا؟".
" كم من الوقت ستبقين في هذه الجزيرة؟".
" شهر تقريبا".
" وهل وصلت الى هنا منذ وقت طويل؟".
" منذ أقل من أسبوع , لكن..... لماذا هذه الأسئلة؟".
" لأسباب عديدة , من المستحيل أن تبقي , من الآن فصاعدا , في الفندق".
" لكن لماذا؟ لقد حجزنا فيه لمدة شهر بكامله".
" لكن الأمر الآن لم يعد مناسبا , بسبب ما حدث حتى الآن ".
" كيف؟".
" عليك الحذر من الآن فصاعدا , لقد هاجمك أحد مستخدمي الفندق , لا تنسي , طبعا ليست غلطتك ........لقد تصورت أن رينالدو قد فهم بعد الذي حدث في الماضي....".
لم يكمل كلامهوتذكرت لوريل قصة سارة ......... لكن هل سيأمرها بمغادرة الجزيرة؟".
" بالنسبة اليّ شخصيا , أفضل أن أنسى كل ما حدث , ولا أعرف لماذا يجب علينا أن نعاقب , لن نلغي عطلتنا بحجة علاقة عاطفية عابرة , كانت لها نهاية مأساوية".
" هل شعرت بالخوف؟".
" نعم , لكن هذا لا يكفي كي أغادر الفندق الوحيد الموجود في الجزيرة".

الشغاف
06-23-2011, 07:10 PM
" وماذا أذا أستضتكما عندي؟".
" ماذا؟".
" لا تنظري ألي كأنني أنسان مجنون , فكري بالأمر ......".
" لن أسمع شيئا طالما.......".
" دعيني أكمل حديثي , من فضلك".
فضّلت السكوت على رؤيته غاضبا , فتابع يقول ببطء مدروس :
" نحن الأثنان تسرّعنا في أصدار أحكام عامة وأخطأنا , ألا تفهمين بأن التصرف الوقح لدى بعض الفتيات يمكنه أن يسبب ضررا للآخرين؟ ومثال على ذلك , ما كاد أن يحدث لك من جراء غلطة أرتكبتها صديقتك , ونتيجة ذلك تضعيني في فئة الغاوين مثل رينالدو , أنا لم أحاول الحكم عليك , أقسم لك بذلك".
تنهد ولامس خدها بلطف وتابع يقول:
" الفتيات الطائشات لا تحمر خدودهن بسهولة أنما أنت خجلت بعد الظهر وأحمرت وجنتاك , وها أنت الآن تفعلين الشيء نفسه...........".
شعرت بأنزعاج وقالت:
" دعك من هذه القصة الرهيبة , أفضل أن أنسى ما حصل بسرعة !".
" أنا لا أحب نسيان ذلك بشكل خاص".
سكت قليلا ثم أضاف:
" حسنا , لن أفتح هذا الموضوع بعد الآن , لكن بشرط واحد , وهو أن ندفن العدائية بيننا ونقر السلام".
رجع الى الوراء , لكن لوريل ظلت جامدة مكانها لا تعرف أين هي من كل هذا , ترغب في تصديق الرجل والقبول بتفسيراته , وفي الوقت نفسه لا تريد الأستسلام لجاذبيته القوية , ما معنى هذا التغيير الجذري من قبل الكونت؟ توجهت الى الباب وقالت:
" حسنا , ما دمت تريد ذلك".
ترددت ثم نظرت اليه وقالت:
" عادة , أنا لا أغضب بسهولة , لكن هذا النهار كان مختلفا".
" أنا أصدق كلامك وأوافق معك".
" شكرا لكل ما فعلته لأنقاذي , وشكرا على القهوة , والآن أعتقد بأنه من الأفضل أن......".
وقفت لدى رؤية أبتسامته المرحة , فقال:
" آه , يا ألهي لن أفهم أبدا النساء الأنكليزيات .....".
هز رأسه مرتبكا وفتح الباب , ولما أصبحا خارج القصر , كانت الساحة مضاءة وسيارة نحاسية تنتظرهما , بدت الجزيرة , في ضوء القمر , ساحرة وسرية , وبعد دقائق معدودة وصلت الى الفندق , أوقف الكونت السيارة أمام اباب وقال:
" آه, لا شك أنك متعبة , أعذريني أذا حجزتك مطولا".
ترددت لحظة قبل أن تقول:
" آمل في ألا تكون جدّيا في ما يتعلّق بمغادرتنا الجزيرة؟".
" لكن , لم ألمح الى ذلك أبدا , أكتفين بالقول بأنك لا تستطيعين البقاء في الفندق بعد الذي حدث , وما زلت أصر على ذلك".
" هل كنت تقصد بان.........؟".
" نعم , فكرت بأن أبنة عمتي ستكون فرحة لرفقة الفتيت فعمتي التي تعيش معنا , هي الآن خارج البلاد في زيارة أصدقائها , ولا تنوي العودة بهذه السرعة لمراقبة كارلوتا , أما أنا فسأضطر للسفر الى مدريد من أجل القيام بأعمال ملحة ولن يطول غيابي , لكن أبنة عمتي ستجد نفسها وحيدة , وهذا الأمر لا يعجبني , جدتي , أمرأة مسنة , وليست على أستعداد لتحمل مزاج هذه الفتاة العنيدة , ومن يدري , ربما أرى لدى عودتي بأن العصفور قد أختفى!".
" بدأت أفهم ما تقصده , والمشكلة ليست سهلة , لكن هل تعتقد بأن وجود الغرباء سيغيّر الأمر؟".
" آه نعم! أطلب منك أن تفكري مليا بأقتراحي , وأذا قبلت , سنصيب هدفين برمية واحدة , أذا رفضت , سأطرد رينالدو من عمله وستعاني آلين من مشكلة أيجاد من يحل مكانه , وهذا الأمر صعب جدا في هذا الموسم".
" آه صحيح ؟".
" أنت لا تعرفين الجزيرة ومواردها ونوعية ومستوى العمال فيها , دعيني أكون الحاكم الوحيد".
" طبعا , يا سيد , لكن علي أن أفكر أيضا بالوضع المالي لهذه القضية , لا أدري ما أفعله لقد دفعت أجرة الفندق مسبقا".
راح يضحك بطيبة خاطر وقال:
" آه , أنتن الأنكليزيات عنيدات ! لا تقلقي , لا أحد سيخسر , لا أنت ولا السيدة آلين , سأشعر بأمان أذا كنت في حمايتي , لكن أعذريني أن قلت لك بأنك تجلبين الكوارث كالصاعقة , الله وحده يعرف ما يمكن أن يحل بك , في ( جزيرة المصير) حتى نهاية أقامتك !".
كادت أن ترد عليه لأتهامها بأفتعال الكوارث , لكن تحلت بالوعي الكامل وقالت:
" أنت لطيف حقا , يا سيدي وأنا مدينة لك بالشيء الكثير , لكن لست مضطرا لأن تأخذ تحت حمايتك فتاتين غريبتين , وفي ما يتعلق بأبنة عمتك ..... أوه ..... سأكون فرحة للتعرف اليها , ومرافقتها قدر المستطاع".
" لقد أفهمتك بأن لا دين بيننا , وبالتالي لا وفاء للأحسان....".
لمعت عيناه غضبا وقال :
" كيف سأتوصل الى أقناعك ؟ هل تعتقدين بأنني أتصرف أتجاهك بداعي التهذيب؟".
" كلا , كلا , أبدا , أرجوك لا تفكر أبدا بأنني.......".
" أسمعيني أيضا مرة أخرى , يا آنسة , نحن أيضا لدينا عاداتنا وتقاليدنا , عندما غادرت القصر الآن , كان بأمكاني أن أقول لك ( أنت هنا في منزلك ) لكنني لم أفعل ذلك , لأنك غريبة , قولي بصراحة , هل تعتقدين بأنني أتكلم في الهواء؟".
" لا , أبدا , آه , حاول أن تفهم ! لا أريد أن أستغل كرمك ولطفك , أرى بأنني جرحت شعورك , ليس هذا قصدي , صدقني".
ران صمت قصير , ثم وضع يده في يدها وقال:
" أعرف ذلك , والآن أتركك , سأراك غدا لنضع النقاط على الحروف".
طبع قبلة على يدها , فأعتقدت لوريل بأنها تحلم , أمامها رجل أنيق ولبق يساعدها على الخروج من السيارة ويرافقها حتى عتبة الباب ثم ينحني ويقول قبل أن يبتعد:
" الى اللقاء , لا توقظي النائمين".
توقفت لوريل أمام الباب , تنظر اليه يبتعد في الليل , شعرت وكأنها تحلم في نهاية هذا النهار الحافل , في الصباح , عندما ذهبت لأستكشاف الجزيرة , لم يكن الكونت موجودا , أما الآن فيبدو أنه يملأ عالمها.....
" لوريل ؟ أين ذهبت؟".
ظهرت أيفون في أعلى السلم , قلقة , وتابعت تقول متهمة:
" كدت أجن ! من هو؟ رأيت السيارة...".
وقبل أن يتسنى للوريل أن ترد , مدت أيفون يدها وسألت:
" هل حصلت عليه؟".
حدقت بها لوريل لحظة , فمها مفتوح ونظرتها لا تعبر عن شي , ثم كادت أن تنفجر بالضحك أمام سخافة الوضع , هذا الخاتم اللعين , سبب كل عذاباتها , وما زال في حوزة الكونت!

الشغاف
06-23-2011, 07:10 PM
5- ضيفتان


" هل قال لك أي ساعة سيأتي الى الفندق؟".
أجابت لوريل:
" كلا , قال بأنه سيمر خلال النهار".
" لكن ماذا أذا لم يأت ؟ وماذا أذا فقدت خاتمي ؟ أنت حقا أنسانة غريبة , يا لوريل , كيف نسيت أن تطلبي الخاتم منه؟".
" لقد نسيت ذلك كليا, ضعي حالك مكاني , تشاجرت معه ..... وبعد الذي حصل , لم أكن أنوي سوى العودة , لا تنسي بأنني أضطررت , في بادىء الأمر , أن أدافع عن نفسي ضد رينالدو".
" قولي بصراحة , يا لوريل , هل حاول فعلا أن.....".
قاطعتها لوريل بجفاف قائلة:
" نعم , كان على وشك أن يفعل ذلك.....".
" أوه! مساء أمس , لم أكن أعرف أذا كنت تقولين الحقيقة كاملة أم تضحكين علي".
" ألم تشجعيه على ذلك؟".
" أبدا".
" ألا تريدين أن تقولي شيئا بهذا الخصوص؟".
" لقد أخبرتك بكل ما حصل , لدى عودتي".
" ليس كل شيء.......".
" أذا كنت تريدين تفاصيل مؤنسة , لا تتكلي عليّ".
" آه! لست لطيفة , لكن , يا لها من مغامرة لا تصدق ! الكونت يأتي لنجدتك في منتصف الليل , على ظهر حصان أسود , ثم يضعك فوق الفرس ويقودك الى قصره ..... آه , بعض الناس محظوظون !".
" أستطيع أن أعيش من دون الذي حدث!".
أدارت لوريل ظهرها وراحت ترتدي ملابسها , حول عينيها شحوب يدل على أنها لم تنم جيدا خلال الليل , بعد كل أنفعالات ومفاجآت الأمس , في وضح النهار بدت كل هذه الحوادث كالحلم , أو كالكابوس وتريد لوريل أن تنساه , لكن أيفون تمتع بحشرية ملحة فراحت تنهمر عليها بالأسئلة خلال فطور الصباح.
" أذن , سنتناول الغداء في القصر".
" لا أعرف".
" لكن ما دام قد دعانا.....".
" أتساءل أذا كان لائقا أن نقبل دعوته؟".
" ولم لا ؟ حسب رأيي أنا , هذه الدعوة رائعة , أخبريني كيف هو ؟ ما عمره؟".
" لم أسأله , لكن ربما يكون في الثلاثين".
" هل هو وسيم؟ وجذاب مثل رينالدو؟".
" من الصعب القول.....".
أنها ترى الكونت رجلا وسيما , لكن أن تقارنه برينالدو هذا مستحيل , كمقارنة الهر بالنمر الملكي.... وخشية أن يظهر التوتر الذي يختلجها , أسرعت في القول لأنهاء الحديث :
" آه , سترينه بنفسك".
" لكن , يا لوريل , قلت لي بالأمس , بأنك تشاجرت مع الكونت , ما سبب ذلك؟".
لا تنوي لوريل أن تخبرها عن الظروف المذلة التي جعلتها تلتقي بصاحب ( جزيرة المصير ) فأجابتها قائلة:
" كنت أبالغ قليلا , مثلك , أعتقد الكونت بأنني شجعت رينالدو على ما فعله , فقلت له بأنه مخطىء وبلهجة قاسية , لا شك أنه غير معتاد على ذلك".
" هذا كل ما في الأمر؟".
" ألا يكفي ؟ هل تشعرين بتحسن اليوم؟".
" أنا؟ نعم , لماذا؟ هل أبدو مريضة؟".
" لا , أبدا , بالعكس تبدين متألقة , وأحسدك على ذلك".
فوجئت أيفون وقالت:
" لكنك رائعة , يا لوريل , مبتهجة ومنتعشة وجميلة أيضا.
" أنت جميلة جدا , يا أيفون , ولا حاجة بك للحسد من أي أنسان".
" صحيح؟".
" أنا أكيدة من ذلك , أما الآن فأريد أن أتمدد على الكرسي ّ الهزاز في الحديقة , وأنت ماذا ستفعلين؟".
" لن أتركك , وأود من كل قلبي أن أرى الكونت حين يصل".
خرجت الفتاتان الى الحديقة وتمددتا تحت الشمس وشرعتا في القراءة , ولم يأت أحد , بعد الظهر بدأت أيفون تقلق على خاتمها , عجّ المكان بالنزلاء العجزة وأزوادهم , فملّت أيفون من هذا الوضع وقالت:
" آه , لا أريد أن أبقى دقيقة واحدة مع هؤلاء العجزة المجانين! هذا فوق ما أستطيع تحمله".
" أين تذهبين؟".
" الى الشاطىء".
وضعت أيفون نظارتيها وقبعتها وغادرت المكان بخطوات متمايلة , أطلقت لوريل زفرة عميقة وتساءلت : ماذا بأمكانها أن تفعل؟ من المستحيل أن تراقب صديقتها من الصبح حتى المساء.
ربما كان الكونت على حق , في القصر ستتمكن لوريل من مراقبة أيفون أكثر , وأذا برهنت كارلوتا عن لطفها وتعقلها , لربما أصيحت رفيقة ثمينة لأيفون , التي ما زالت تجد صعوبة في أخفاء ضجرها , وكيف لالأمكان لومها ؟ الجزيرة لا تحتوي على وسائل اللهو لفتاة من جيلها , والآن تأمل لوريل ألا تكون دعوة الكونت مجرد لياقة سطحية كما تتمنى ألا يطول تأخره.
وبأنتظار ذلك , قررت كتابة بعض الرسائل , فنهضت من مكانها وتوجهت الى غرفتها لجلب قلم وورقة , في البهو ألتقت بالآنسة جيسون , هذه المخلوقة العجوز , القصيرة الناعمة , الوحيدة , توقظ عند لوريل الشفقة , تحدثنا معا ثم سألتها العجوز :
" أنسى داما ألا أحد هنا في هذه الساعة من النهار , ساعة القيلولة , أريد شراء بعض البطاقات البريدية ولا أريد أزعاج السيدة آلين , هل تعتقدين أنه بأمكاني أن آخذ بضعة بطاقات الآن؟".
أبتسمت لها لوريل بلطف ونعومة وقالت:
" ليس في ذلك أي مشكلة , وأنا كذلك سآخذ بعضا منها , عادة أضع المال في هذا الصحن , هناك".

الشغاف
06-23-2011, 07:11 PM
فعلت الآنسة جيسون مثل لوريل , ثم تبعتها الى زاوية مظلمة في الشرفة , وقالت:
" هل تركتك صديقتك؟".
" آه... لوقت قصير , ذهبت الى الشاطىء".
" لا شك , أنها لا تتسلى معنا , هذا أمر طبيعي , لمن في سنها , الصغار يعتقدون دائما بأننا لم نمر بسن الشباب , بينما عندما أفكر بذلك الوقت...... في شبابنا , أقول , بأننا لهونا كثيرا , صديقتي وأنا , أتذكر أيّما عندما وقعت بغرام شاب فرنسي ألتقت به نيس مع أحد أصدقائه , تبعانا لمدة أميال عديدة , في جادة الأنكليز , في تلك الأيام , لم يكن سهلا التعرف على الجنس الآخر , ولو عرفت وادة أيّما بذلك , لجنّ جنونها .... آه , نعم كانت أجازة رائعة , ألتقيت بمارك بعد مدة قليلة , وتواعدنا على الزواج.......".
تنهدت عميقا وبأسف أضافت:
" كان ذلك عام 1940 , ومن ثم أندلعت الحرب ومات مارك! جحيم دانكرك.....".
" آه! هذا مؤسف حقا".
" نعم , بقيت حزينة عليه سنوات عديدة ..... لكن, يجب الأستمرار في الحياة....".
فجأة توفت الآنسة جيسون عن الكلام , قائلة:
" آه , المعذرة , يا عزيزتي الصغيرة , لا شك أنك مللت من كلامي".
" لا , أبدا".
" لكنك تسامحين بسهولة , لن أنطق بكلمة بعد الآن!".
وأنغمست العجوز الأنكليزية في كتابة الرسائل وران الصمت مدة طويلة , وحوالي الرابعة بدأ النزلاء يهبطون الى الحديقة , والسيدة آلين تحضر السندويشات والحلوى لمن يريد, محافظة على التقليد البريطاني".
وفي تلك الأثناء وصلت أيفون وتمددت على المقعد , سألتها الآنسة جيسون:
" هل قضيت وقتا ممتعا على شاطىء البحر؟".
" أنت تمزحين , أليس كذلك؟".
هزت العجوز كتفيها ونهضت لتتوجه نحو زاوية الشرفة حيث الشاي يقدم للجميع , وكالجراد أحاط النزلاء بطاولة الطعام , واحوا يأكلون السندويش وقطع الحلوى الصغيرة.
فسألت أيفون:
" أنظري , أنهم يعيشون فقط في أنتظار موعد الطعام , وفي الحقيقة لا يحبون شيئا آخر ! يا لهؤلاء التعساء! ".
" أخفضي صوتك , بأمكان أحد ما أن يسمعك ".
" وأذا سمعني أحد؟ أليس ما أقوله صحيحا؟".
" في المستقبل , يا آنسة , أنصحك أن تبدي رأيك بطريقة سرّية".
هذا الصوت الجاف والمتعالي جعل الفتاتين تستديران معا دفعة واحدة وحين تعرفت لوريل الى النظرة الساخرة التي كانت تهددها منذ الأمس , رفعت يدها الى عنقها.
منذ متى والكونت هنا وراء مقعدها , كيف بم تسمعه يصل؟
قالت أيفون مذعورة:
" ألا تخجل من التنصت على الحديث , يا سيد!".
أبتسم وقال:
" المعذرة , يا آنسة , أنت على حق , غلطتي أسوأ من غلطتك , أسمحي لي أن أقدم نفسي .. رودريغة دي رينزيه , تحت خدمتك ,وأنت , يا آنسة , من تكونين؟".
أعطته أيفون أسمها ونظرت اليه بعينين مسحورتين وأضافت :
" لمعذرة يا سيدي , لا شك أنك عرفت بأنني لم أكن أريد أن أجرح شعور أحد".
" أنا مقتنع كليا بذلك , يا آنسة".
ثم ألتفت الى لوريل وسأل:
" هل بأمكان الجلوس معكما؟".
" طبعا".
جلس الجميع , لكن لوريل كانت ترتجف أضطرابا وتحسد أيفون على أسترخائها وفرحها في الأستئثار بأنتباه هذا الرجل الجذاب , بدا وكأنه عرف نداء العينين الجميلتين البراقتين , وبسرعة أخرج الخاتم من جيبه ونصحها أن تضعه في مكان أمين , فمدت له يدها النحيلة وقالت :
"أظن أنه من الأفضل أن أضعه في أصبعي".
" هل تسمحين أن أساعدك؟".
شكرته أيفون بحرارة , مضيفة بأن والدها مستعد لقتلها أذا أضاعته , ولم تستطع لوريل من كبت أبتسامتها الساخرة : غوردن سبرل هو آخر من يفعل ذلك!
" لست أنا من يجب أن تشكري , بل صديقتك".
" آه , نعم , لقد فهمت , أنها تعرضت للمشاكل من أجل الحصول عليه ".
" نعم , بالفعل".
نظر الكونت الى لوريل وقال:
" هل شفيت كليا من أنفعالات الأمس المؤلمة , يا لوريل؟".
أضطربت لسماع أسمها على لسان الكونت , وهزت رأسها قبل أن تسأل بخجل:
" ربما تريد بعض الشاي".
" شكرا , لقد طلبت من السيدة آلين أن تحضره لنا , كما حدّثتها عن قضيتنا , لقد شاركتني الرأي ولا يبقى لي ألا الحصول على موافقتكما".
لمعت عينا أيفون فرحا , أما لوريل فما زالت مترددة , هل من الصواب أن تدع الكونت يتدخل في شؤونهما لكن.. ما دامت السيدة آلين موافقة.........
" يا لهذه المراعاة!".
وبأسترخاء مبالغ , راح رودريغو دي رينزي يحتسي الشاي .فأعتبرته لوريل في تلك اللحظة بأنه يشبه الحرباء , يتكيّف مع كل الأوضاع بسهولة غريبة , وبدا على أيفون بأنها أتخذت بسحره وجاذبيته.

الشغاف
06-23-2011, 07:13 PM
وبعد ذهاب الكونت , أنتشر الخبر كالصاعقة , الجميع فرحوا لدعوة الفتاتين الى منزل صاحب الجزيرة , ولما جاء السائق ليأخذهما الى فالديروزا , تجمّع النزلاء كلهم على الشرفة ليودعوهما.
ولما توقفت السيارة الضخمة أمام مدخل القصر, شعرت لوريل بأبتهاج غريب , راح قلبها ينبض بسرعة جنونية , وما أن هبطتا من السيارة حتى تقدم الكونت لأستقبالهما , ثم قال:
" سنريكما غرفتيكما وسنتناول العشاء في الساعة التاسعة وسيكون بسيطا جدا , لأن العمة كونستانس لم تأت بعد".
ولما أصبحتا في غرفتيهما , سألت أيفون بعدما دخلت الى غرفة لوريل الشاسعة:
" ماذا يعني بالعشاء البسيط هل نرتدي الجينز أو الملابس الأنيقة؟".
" أنا سأرتدي تنورة مخملية وقميصا مطرزة".
" وأنا أرغب في أرتداء بزّتي الجديدة , الحمراء والسوداء ...... الشفافة... على شرف الكونت ! لا شك أن ذلك سيحدث تغييرا جذريا في عادات الكونت , أذ كان هذا الأخير معتادا على ذلك !".
ولما رأت أيفون تعبير لوريل المذعور , راحت تضحك بصوت عال وتقول:
" لا تخافي! أنا أمزح فقط .... أليس هذا رائعا أن يكون لكل واحدة منا غرفتها الخاصة تعالي وأنظري الى غرفتي.. شرفتي تطل على البحر , أنه حلم!".
كانت الغرفتان مفروشتين بالأثاث الفاخر والأنيق , غرفة لوريل مغلفة جدرانها بالورق الوردي المقلّم بالفضي , الستائر وغطاء السرير كلها وردية , الأثاث الأبيض المذهّب , منثور على البساط السميك الرمادي , أما غرفة أيفون , فلونها ليلكي وأصفر.
قالت أيفون:
" لم أكن أتوقع سريرا بهذا الشكل وأثاثا من السنديان الأسود ولوحات تمثل المغامرين الأسبان الذين غزوا أميركا! آه , لو كان أبي هنا , لأعجب بذلك".
أطلقت لوريل زفرة عميقة وجلست على السرير , فسألتها أيفون قلقة:
" ماذا بك؟".
" آه , يا ألهي! كيف نسيت؟".
" نسيت ماذا؟".
" المهمة التي أوكلني والدك بها!".
" آه , لا تقولي بأنك لم تصرّحي للكونت عن سبب أقامتنا في هذه الجزيرة...".
" لا! خلال اليومين الفائتين حدثت أمور كثيرة , جعلتني أنسى كليا هذه المسألة , ماذا سأفعل الآن , يا ألهي كيف سأبوح للكونت بأنني جئت بهدف أستكشاف المكان؟".
" لكن ذلك ليس ضروريا!".
" بل هذا من واجبي , ليس لدي خيار".
قالت أيفون بحماس:
" أنا لست من رأيك , فكري بالأمر مليا , أنها فرصة رائعة لنا , وما دمنا في القصر , فسيقول لنا الكونت كل شيء ويدلنا على كل شيء, وهكذا نربح الوقت".
" كلا , لا أريد ذلك , هذا غش وتضليل".
" آه لا تبالغي , أنت ما تزالين في المرحلة الأولى من الأستكشاف وبأمكانك أن تتوقفي عند الحد , والكونت لن يعرف بالأمر".
نهضت لوريل وقالت:
" لا يمكنني أن أقنعه بأنني هنا سائحة وحسب, سأقول له الحقيقة في أسرع وقت , آه , لا أجرؤ على التفكير بردة فعله أتجاه ما سأبوح له".
" آه , أرجوك , نحن محظوظتان لوجودنا في هذا القصر الجميل , كأنه حلم لا يصدق , وأخشى التفكير في توضيب حقائبا من جديد والرحيل!".
ران صمت طويل , بعده أن أقتربت أيفون من لوريل , المتكئة على النافذة:
" لوريل..".
" نعم".
" هل يهمك رأي أنسن غريب , الى هذه الدرجة؟".
" كلا , طبعا , لكنني ممزقة , هل تفهمين ؟ لا أقدر أن أخدع رجلا يقدم لي ضيافته".
أحتجت أيفون وقالت:
" أسمعي , يا لوريل , لا تقلقي , لم يدعونا الكونت الى هنا ألا بهدف واحد , وهو أن تسلي أبنة عمته المدللة , وها نحن الآن في مستوى الأنصاف , أليس كذلك؟".
" هذا المنطق ليس مقنعا".
" ربما , لكن ماذا سيقول أبي , أذا رآنا عائدتين.......".
حدّقت لوريل بصديقتها بنظرة حارقة وفهمت ما تعنيه, أضافت أيفون بتوتر:
" ومتى أصبح رودريغو دي رينزي على علم بمهمتك , سيرمينا خارج القصر.. وخارج الفندق أيضا, ولن يعود لنا سوى الرحيل , وسيتساءل أبي عن سبب عودتنا الباكرة , فسأضطر أن أبوح له بكل شيء وسيقول أن ذلك حصل بسببي أنا".
" لكن لا , كيف يمكننا أن نفكر مسبقا بأن الأمور تحوّلت الى مأساة؟".
أغرورقت عينا أيفون بالدموع السخيّة وناحت تقول:
" بلى , أنها غلطتي , لولاي لما حصل شيء من كل هذا , وسيعرف والدي ذلك , من دون أن نضطر الى أخباره , لقد سببت له حتى الآن المشاكل العديدة .... ولا ..... ولا أنوي أن.... أنزل للعشاء".
" لا , يجب أن تنزلي الى العشاء , فقط من أجل اللياقة".
" هل.... هل ستقولين له عن هدف مجيئنا الى هذه الجزيرة ؟".
" لا أعرف , سأفكر بالأمر".
" في حال أردت أن تقولي له الحقيقة , أرجو أن تفعلي ذلك في غيابي , أن والدي هو الذي يريد تطوير السياحة في هذه الجزيرة , وأنت لا تفعلين سوى تنفيذ أوامره".
وعدتها لوريل بذلك , لكنها شعرت بثقل على قلبها وهي تدخل بعد قليل الصالون الواسع حيث كان ينتظرهما الكونت , هذه الخدعة تتناقض والقيم التي تتحلى بها لوريل , لكن , أذا كانت صريحة , وباحت بالحقيقة فسيكون لذلك عواقب جمة على مشاريع مديرها , وبالتالي على صحة زوجته ,لو تصرف الكونت بطريقة متعالية ومقيتة , كما فعل في الأمس , لكانت الأمور أسهل بنظر لوريل , لكن للأسف , أظهر هذا المساء لطفا كبيرا موضحا جاذبيته أتجاه ضيوفه.
كانت غرفة الطعام واسعة وأثاثها قديم العهد , الأضواء الآتية من الثريات العالية تتمايل على الآنية الفضّية الفاخرة , خادم صامت يقدم الطعام الشهي : شمام مثلج وسلطة فاكهة البحر وأرنب مطبوخ مع الخضار الناعمة والأرز.....
تهيأ للوريل بأنها تعيش القصص الخرافية , وبدا رودريغة دي رينزي أنيقا أكثر من العادة في بزته السموكينغ وقميصه البيضاء المكسرة , الضوء الخافت خلق جوا خرافيا.
وخلال الحديث قال:
" أوكلتني جدتي أن أتمنى لكما أقامة سعيدة بيننا , فهي ستفرح لرؤيتكما غدا , صحتها مرهقة ولا تخرج من شقتها ألا نادرا وخادمتها تدلّلها كولد صغير".
تساءلت لوريل أذا كان أحد آخر من أفراد عائلته يعيش في القصر , لكنها لم تجرؤ على سؤاله.
كان الليل جميلا ومنعشا , خرجوا الى الشرفة بعد العشاء , رودريغو دي رينزي يدير الحديث بأسترخاء وراحة , وأيفون تشاركه بحماس , أما لوريل فكانت متوترة , شاردة في تأملها البحر وضوء القمر , كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل عندما قال الكونت فجأة :
" آه , المعذرة , أخشى أن أكون قد أتعبتكما , لا شك أنكما ترغبان في فك حقائبكما والذهاب الى النوم".
أوصلهما الى أسفل السلم وأنحنى أمامهما محييا , صعدت لوريل وراء أيفون , عندما توقفت فجأة لدى سماعها صوتا آمرا :
" آه , لقد نسيت , يا آنسة دانواي ...... هل بأمكاني أن أحدثك لحظة.......".
أنتظرها الكونت كي تهبط , قلبها ينبض بسرعة , أدخلها الى
مكتبه وأغلق الباب وراءه :
" تبدين مهمومة , يا آنسة؟".
" أنا ؟ لا , أبدا!".
" بالكاد سمعت صوتك هذا المساء".
" صحيح لقد....... لم أكن أقصد ذلك".
" هل أزعجتك خطأ؟".
" كيف ؟ لا أبدا , علي أن أشكرك للطفك الكبير , لقد أستقبلتنا كالأميرات".
" هذا أمر طبيعي جدا , أصر على أن تكون أقامتكما هنا ممتعة جدا , لذلك كنت قلقا عندما رأيتك مهمومة.....".
نظر اليها مباشرة في عينيها , منتظرا ردها , ترددت لوريل , أليس الآن الظرف المثالي لتبوح له عن سبب وجودها في الجزيرة وماذا تقول له؟ كيف تبدأ ؟ كانت تبحث عن كلماتها عندما رأت ملامحه تتغير ثمة بريق عبر في العينين السوداويت.
" هيا , يا آنسة , لا تخافي ! أين حسك الدفاعي الذي أظهرته أمس أتجاهي؟".
تحولت أبتسامته الى سخرية وأضاف:
" هل بلعت لسانك بسبب المسؤوليات الجديدة التي تنتظرك ؟".
" ربما ".
فات الآوان , المناسبة ولّت , لكن خطر جديد يهددها فهي لا تعرف هذا الرجل ألا نتذ 24 ساعة وهي هي مدركة جيدا لردات فعله ...... بعد المزاح الغضب! سيرغمها على قول شيء تندم عليه فيما بعد فمعه يجب أن تطبّق شريعة الغاب.
ما زال يبتسم حين سألها:
" أنت أنكليزية , ولست أسبانية!".
" ليس لطفا مني أن أهاجم الكونت الكريم المضياف".
" أذن , لم نعد نلعب بالنار ؟".
" كلا".
رفع نظره نحو لوحة تمثل رجلا في بزة رسمية وقال:
" يا للأسف , لقد هيأت سيفي سدى".
" هل أنت بحاجة لسلاح مع عدو خال من أي دفاع؟".
" لطفك يخفي قوة غير أعتيادية , يا آنسة".
" ربما تتكلم عن خبرة يا سيد , لكنني أؤكد لك بأنني لا أرغب في العراك معك".
أقترب منها وقال:
" لكن لا يجب تحريضي ".
" أنت من يفعل ذلك ّ! هل هذه عادتك مع جميع الضيوف ؟".
" فقط أذا كانوا يستحقون ذلك".
" آه , أنت تسخر مني!".
ران صمت قصير , بعدها أقترب الكونت منها وأمسكها بكتفيها , شعرت بأنفاسه قرب أذنيها , فقال هامسا:
" أبدا".
قشعريرة غريبة أجتازت جم لوريل وتذكرت عناقات الأمس , وبتوتر شديد أفلتت منه بقوة , متمتمة بكلمات غير مفهومة , فلبس الكونت قناع الرجل العادي وهمس قائلا:
" لقد أخّرتك , وأرجو أن تعذريني .......".
فتح لها الباب , لكن قبل أن تخطو خطوة , كان قد أمسك يدها وطبع عليها قبلة صغيرة.

تمنت له ليلة هنيئة وخرجت من الغرفة متمايلة , قلبها ينبض بسرعة مجنونة داخل صدرها , ماذا تعني هذه البهجة الغريبة التي تحتلها؟

الشغاف
06-23-2011, 07:14 PM
6- قيثارة ونجوم


" آه , ما أجمل الحياة!".
هذا ما قالته أيفون وهي تتأمل أظافرها الجميلة المطلية باللون الوردي ثم سألت لوريل:
" ما رأيك بأصابع يدي؟".
أبتسمت لوريل وقالت:
" أصبحت فتاة مترفة! أذن , هل أنت مسرورة بدروس الفروسية؟".
" نعم , جدا , وأنت , أخبريني عن الجلسات الشعرية التي تقضينها مع الدونا لويزا".
" يا لها من عجوز رائعة! للأسف أن تكون محجوزة في غرفتها , بسبب الأمراض العصبية".
" الظاهر أنها تلاطفك وتحبك....".
" آه , أحيانا تمر بوحدة قاسية , لكن العمر لم يضعف مقدرتها العقلية".
" سأطلب غاليا أذا طلب مني قضاء معظم نهاري في قراءة الشعر أو مناقشة كتاب , خاصة مع الذين عاشوا في القرن الماضي , من جهتي , أفضل الشاطىء , الى اللقاء".

وضعت أيفون مئزر السباحة على كتفيها وخرجت من الغرفة مسرعة , تبعتها لوريل بنظرها وتمنت لو تكون مكانها.
أنهما الآن في القصر منذ ثلاثة أيام , وأيفون في أوج النشوة لأنها تحب الخيل , أختار لها رودريغو حصانا صغيرا وأخذ يرافقها كل صباح على ظهر حصانه الأسود الذي يدعى سيزار , وبرفقته وجدت دليلها المثالي , كانت أيفون تكتشف محاسن الجزيرة الجزيرة بفرح كبير , في مهاية هذه النزهة يلتقي الجميع لأحتساء القهوة في شقة دونا لويزا , وبعد الظهر تذهب الفتاتان الى البحر للسباحة وللتشمس , أو تتنزهان في الحدائق العطرة التابعة للقصر.
أظهر الكونت عن حسن ضيافة ,وأعجبت أيفون بالمغازلة السرية التي كان يظهرها الكونت أتجاهها , أما لوريل فكانت تتصرف بتحفظ تام , ضميرها لم يجعلها تسترح لحظة واحدة.
وبتنهد عميق , خرجت من غرفتها , وتوجهت الى شقة جدة رودريغو , الخادمة ماريا , وصيفة دونا لويزا , فتحت لها الباب , كانت العجوز جالسة على مقعد مريح , قرب الباب الزجاجي المفتوح على الشرفة , عصاها الفضية موضوعة على كرسي قربها , وعلى الطاولة تلة كتب مجلدة , ولما رأت العجوز ضيفتها تدخل تلألأت عيناها السوداوين , أنها في الثمانين من عمرها , وبالرغم من داء العصبي الذي شوّه مفاصلها , ما زالت مستقيمة كالعصا , ووراء تجاعيد وجهها آثار لملامح جمال جذاب , أبتسمت وقالت:
" أهلا وسهلا بك , يا لوريل , أجلس قربي , والآن , يا ماريا , بأمكانك تركنا".
جلست لوريل على مقعد مريح مصنوع من القش , النسيم العليل يجلب معه مئات العطور من الحديقة وطنين النحل الباحثة عن أريج الزهور , ووراء قنطرة من العريش سبيل رخامي , تهدر مياهه ببطء.
سألت دونا لويزا:
" هل تعجبك حديقتي؟".
أبتسمت لوريل وأجابت:
" أنها حقا رائعة ".
" صمّمها حفيدي من جديد , منذ سنتين , حتى يصير بأمكاني التنزه فيها بالرغم من عجزي , سأريك زاويتي المفضلة , هل بأستطاعتك أن تتأبطي ذراعي , من فضلك؟".
" بكل سرور , يا سيدتي".
نهضت لوريل وقدمت لها العصا , وبصعوبة نهضت العجوز وأجتازت الشرفة ببطء ثم أخذت الممر الواسع المتعرج وسط العشب والزهر... دونا لويزا تعرف كل زهرة بأسمها , فقالت:
" أختار رودريغو أفضل الزهور التي أحبها , أنه حفيد طيب , وأنت , يا أبنتي , ألا تجدينه كذلك؟".
قالت لوريل بتهذيب:
" طبعا".
فجأة أصغت السمع , عندما فوجئت بزغردة العصافير المتناغمة ,ولما رأت دونا لويزا الدهشة على وجه الفتاة , أبتسمت ثم قالت:
" جوزيه يطعم الآن عصافيري , سترينها بعد قليل".
ينتهي الممر أمام باب مركب داخل جدار مرتفع ومغطى بالورود الليلكية والزهرية , فتحت لوريل الباب , ودعت العجوز الى الدخول قبلها , ثم لحقتها , ووجدت نفسها في حديقة أخرى واسعة ومستديرة تحيط بها الشجيرات العديدة والأشجار المزهرة , وسطها أقفاص كبيرة , مخصصة لتربية الطيور , وداخلها عشرات العصافير الملونة تطير في كل الأتجاهات , داخل قفص جوزيه يرمي للعصافير الحبوب والعصافير تغط على رأسه وعلى كتفيه.
لوريل لا تحب أن ترى العصافير داخل القفص , في بعض البلدان عادة بربرية لجعل العصافير عميانا , لا يرون , بغية أن يغردوا أفضل , لذلك أسرعت وراء السياج للتأكد من أن العصافير أمامها لم تخضع لهذه التربية البربرية.
فقلت لها الكونتيسة وكأنها عرفت مخاوفها:
" لا تقلقي , يا أبنتي الصغيرة , عصافيري يعتنى بها بها جيدا , أنظري......... فعلنا كل ما في وسعنا لنخلق لها أطارا طبيعيا , لديها المسافة اللازمة لتطير وتتناسل , وأؤكد لك بأنها تعيش هنا وقتا أطول من عمرها في الغابة".
أطمأنت لوريل وأسترخت , راحت الكونتيسة تمشي بصعوبة وتقول:
" والآن , أذا أردت , سنجلس لحظة , هنا في الظل لئلا يتأثر لون بشرتك الأنكليزية !".
أمضتا وقتا ممتعا تحت العرائش تثرثران في مختلف المواضيع , وبسرعة عادت العجوز من جديد تتحدث عن حفيدها الذي تحبه كثيرا , بعد وفاة والديه بحادث طائرة , تكفلت هي بتربيته , كان حينذاك في السادشة عشرة من عمره, وهي أرملة منذ وقت قصير.

الشغاف
06-23-2011, 07:15 PM
همست لوريل ببعض الكلمات اللطيفة , فرفعت العجوز كتفيها وتابعت تقول:
" القدر كان قاسيا علي ...... فقدت زوجي وأبني الوحيد في وقت قصير جدا .. لكن المسؤولية الكبرى وقعت على ظهر رودريغو الذي من ينته من دراسته , أنما وجدنفسه بين ليلة وضحاها , على رأس أملاك واسعة مثل فالديروزا".
دونا لويزا أنجبت ثلاث بنات , الكبيرتان متزوجتان والصغيرة , كونستانس , قررت أن تعيش في فالديروزا!
" لقد عارضنا جميعا زواجها مع رجل لم يكن يناسب العائلة , ومن ثم , رفضت كل الذين تقدموا بطلب يدها , هل تندم الآن لأنها تمتعت بالأستقلال؟ أي شيخوخة تنتظرها في هذا القصر الذي ستحكمه قريبا سيدة أخرى ؟ ذلك لأنه من الضروري أن يتزوج رودريغو , في النهاية".
يا لكونستانس المسكينة ! أنها ضحية التقاليد الأسبانية البالية التي تقرر مستقبل بناتها من دون أي أعتبار للعواطف , وأحتراما للمرأة العجوز , فضلت لوريل الصمت , هل سبق وأختارت لرودريغو زوجة؟ من تشبه؟ هل تتمتع بجمال أسمر وشعر لمّاع وعينين مخمليتين نارية؟ كادت أن تسأل العجوز عتدما أضافت هذه الأخيرة قائلة:
" للأسف , كارلوتا تشبه عمتها كونستانس وأسوأ أيضا! منذ طفولتها وهي تعاكس النظام وجميع النصائح , هل أخبرك رودريغو عن مغامرتها الأخيرة؟ أنها حقا فتاة وقحة".
أطلقت زفرة عميقة وتابعت تقول:
" في مرحلة معينة من عمرها , وجدها أهلها المرأة المثالية لرودريغو , بالرغم من أن الزواج بين أبناء العمات والعموم لا ينصح به , في كل حال من المستحيل معرفة ما يفكر رودريغو به في هذا الخصوص , أنه يجعلني أتساءل أحيانا أذا كان أمرا عاقلا عندما أرسلناه الى أنكلترا لأنهاء دروسه , عاد الى هنا حاملا أفكارا واسعة ومتقدمة بالنسبة لذوقنا ...... غدا , سنتجابه مع كارلوتا , ورودريغو محظوظ للأبتعاد عن أبنة عمته ومزاجها السيء".
سألتها لوريل بأبتسام:
" أنها ما تزال صبية , أليس كذلك؟".
" نعم , ولا أحد بأمكانه أن يفرض عليها الطاعة! سترين ذلك بعينيك".
" أعتقد بأنها ستكون بحاجة الى صداقتي".
" لا تدافعي عنها , في كل حال أرى بأن حفيدي مخطىء لتحمل مسؤوليتها , أنه يضحي كثيرا لعائلته ولفالديروزا".
" لكنه ورث القصر عن والده".
" نعم , لكن هذا القصر الشاسع يتطلب مهمة ثقيلة , الجزيرة تعيش في أقتصاد مغلق وأموالنا حلالنا, لا يوجد بلد مثلنا بأستطاعته أن يفتخر حاليا بهذا الأنجاز الباهر , لكن لا تتصوري أن ذلك نتيجة معجزة وحسب , الشباب اليوم يرغبون في الحضارة , وبأمكانهم الأستسلام لمجتمع أستهلاكي بسهولة , أذا كان التوسع مرغوبا به في بعض البلدان , أخشى أن يكون هنا كارثة".
بعد دقائق صمت , قالت العجوز فجأة :
" لكنني أتكلم كثيرا , ي صديقتي الصغيرة , أنا خجولة من هذه الثرثرة هيا نرجع الآن".
ولما وصلتا الى الشرفة حيث كانت ماريا تنتظر معلمتها , ظهرت أيفون بثياب الفروسية , فرحة من رحلتها الصباحية , لكن لم يكن لرودريغة أي أثر.
قضت الفتاتان بقية النهار في أستكشاف القصر الرائع الذي يحتوي بأستمرار على مواقع خلابة , وفي أواخر بعد الظهر , ذهبتا الى المرفأ لشراء البطاقات البريدية والطوابع , ولما عادتا الى القصر كانت الشمس قد غابت وحلّ الظلام.
وكالعادة كان العشاء لذيذ الطعم وصاحب القصر ألطف من العادة , دونا لويزا تشاركهم مائدة الطعام ولوريل لا تتوقف عن التفكير بما قالته لها العجوز في الصباح.
وبدأت تفهم , الآن , طباع رودريغو المتعجرف , ذلك لأنه تحمّل باكرا المسؤوليات الضخمة , من دون سلطته وطاقته الكبيرة , لربما عرفت الجزيرة البؤس , ولربما بيعتن فالديروزا بالمزاد العلني , وبدلا من هذا كله ( جزيرة المصير ) تعيش سعادة هادئة , فوق المرفأ الصغيروسط الحدائق الرائعة المزهرة , نرى المدرسة الحديثة والمستشفى , وخلف كل هذا نرى يد صاحب الجزيرة , من غيره بأستطاعته أن ينظم ويقرر وينشق؟
هذا ما فكرت لوريل به بينما كانت تحتسي القهوة.... فجأة شعرت بصمت غير أعتيادي , فرفعت رأسها , في هذا الوقت بالذات نهض رودريغو وقال:
" المعذرة , أنا مضطر لترككن , لدي رسائل ملحّة عليّ أن أنتهي منها هذا المساء , جوزيه تحت تصرفكن عند الحاجة".
ولما أختفى الكونت , بدت الغرفة باردة وفارغة , فصرخت الكونتيسة بخيبة أمل :
" هل رأيتما ؟ أنه لا يستطيع التوقف عن العمل لحظة واحدة ! الواجب دائما الواجب! أتوسل اليه أن يتزوج وأن ينجب الأولاد والوقت يمر , وأذا أستمر على هذا المنوال , سيصبح كبيرا في السن , من سيرثه بعده ؟ وماذا سيحل بجزيرتنا ؟ لكنه يرفض الأصغاء الي".
أبتسمت لوريل بلطف وقالت:
" آه يا سيدتي , حفيدك ما زال شابا".
" لكن الوقت يمر بسرعة , وذات يوم , نصحو ونرى بأن الشباب قد ولّى وقد أبيّض شعرنا ونحزن".

الشغاف
06-23-2011, 07:16 PM
ولما رأت لوريل عيني العجوز تغرورقان راحت تبحث عن شيء مريح للقول , لكن أيفون سبقتها وقالت:
" لكن , يا سيدتي , لا يجب أن تنظري الى الأمور هكذا , المهم , كي لا نشيخ , أن نبقى شبابا في قلوبنا".
فوجئت دونا لويزا بهذا اللطف غير المنتظر , وأجابت مبتسمة :
" أنت على حق , يا صغيرتي , لكن عليّ أقناع جسمي الهرم , هيا , لنحاول أيجاد موضوع آخر , مسلّ ومفرح! وقبل ذلك , يجب أن نطلب من جوزيه أن يجلب لنا العصير".
جسم العجوز متعب , لكن عقلها ما زال فتيا وذاكرتها لا تخطىء , ولمدة ساعة بكاملها , راحت تقص على الفتاتين عهد شبابها وزواجها وحياتها في الجزيرة , فجأة قالت بأستغراب:
" لكنني أمرأة ثرثارة جدا , كجميع النساء الأسبانيات ".
وبعدما أوصلت الفتاتان العجوز الى شقتها وسلمتاها الى الخادمة ماريا , عادتا الى الصالون , فقالت لوريل:
" سأقوم بنزهة قصيرة في الحديقة , هل تأتين معي؟".
" كلا , عليّ أن أغسل شعري , فلم يتسنّ لي الوقت الكافي قبل العشاء , أصر على الظهور بمظهر حسن لدى وصول كارلوتا".
" كوني صريحة يا أيفون , ليس من أجلها فقط ترغبين ذلك......".
" في كل حال , أنه مسلفر غدا , أليس كذلك؟".
ثم خرجت أيفون من الغرفة.
توجهت لوريل الى الحديقة , حالمة وأجتازت الساحة الكبرى المضاءة بالمصابيح الحديدية التي تبث نورا خافتا , ثم فتحت الباب الحديدي الذي يؤدي الى المشتل , الهواء كان فاترا وعطرا , وسط الشجيرات والنباتات العطرة , وجدت ممرا يصل الى شرفة صغيرة تطل على المحيط , أستندت لوريل على الحائط المغطى بالنباتات المتسلّقة , وراحت تتأمل مطولا الخليج الشفاف تحت ضوء القمر , أضاعت تمييز الوقت , وأنسحرت بجمال المنظر الخلاب وتخدّرت في خليط العطور الحلوة والمالحة ولم تعد تستطيع أن تنتشل حالها من هذه النشوة.
فجأة , في هذا الليل الصامت , سمعت موسيقى قيثارة قريبة منها , تقلّصت لا شعوريا وقررت العودة , شء ما تحرك في ظل الشرفة , فأنتفضت:
" هل أخفتك؟".
القيثارة سكتت وميّزت لوريل اللون الأبيض لقميص رجل , وأقفلت بد على معصمها , ووجدت نفسها قرب رودريغو , تحت عريشة صغيرة.
" هل أنت مستعجلة للعودة الى الداخل؟".
" كلا... لكن , لم أسمعك قبل أن تبدأ بالعزف أنا آسفة لأزعاجك".
أبعد يده عنها ووضع القيثارة على المقعد الحديدي بجانبه , ثم قال:
" لكنك لا تزعجينني أبدا , بالعكس , هيا , أجلسي هنا".
جلست لوريل بأنزعاج وقالت :
" لم..... لم أتوقع أن أجدك هنا ....... في هذه الساعة....".
" ولم لا ؟ ألا يحق لي , أنا أيضا , أن أسترخي قليلا ؟ وجدت بأن الموسيقى هي الوسيلة الفضلى للبرهان عن وجودي من دون أن أخيفك , هل كنت مخطئا؟".
لم ترد عليه مباشرة , بل قالت:
" أكمل , يا رودريغو , سأصغي الى عزفك قليلا , لو سمحت".
" بكل سرور , يا عزيزتي".
تناول القيثارة وراح يعزف عليها , أصغت اليه لوريل بفرح كبير , عزفه يتحدث عن الحياة والحب والشغف , ولما تبخّرت الموسيقى في الصمت , أصدرت لوريل زفرة عميقة وقالت:
" يا لهذا العزف الجميل!".
" هل فاجأتك؟".
" نعم".
" لكن موهبة الموسيقى والرقص تولد معنا هنا!".
" أعرف , ولم أكن أتصور بأن الوقت يسمح لك بأتقان هذه الموهبة وممارستها".
" آه , الظاهر أن جدتي أخبرتك الكثير عني!".
فجأة رفعت لوريل رأسها وأشتبكت نظراتها بالعينين السوداوين البراقتين ,وبدأت تقول بتردد :
" كنت أتساءل......".
" ماذا؟".
" منذ قليل , قلت بأنك مشغول وعليك كتابة الرسائل , ألا يمكنني مساعدتك خلال مدة أقامتي ؟ أنا سكرتيرة وفكرت أنه بأمكاني أن أطبع لك الرسائل أو الفواتير على الآلة الكاتبة , سأتمكن من شكرك على ضيافتك بهذه الطريقة المتواضعة".
لم يرد عليها فورا , وبدأت لوريل تندم على أنفعالها المباشر , أخيرا سألها بأبتسامة غريبة:
" ألهذا السبب كنت مهمومة منذ قليل؟".
عرفت بأنه يسخر منها , فعضّت على شفتيها وقالت بتلعثم:
" ........... ربما..........".
" أنا متأثر بذلك كثيرا".
" المهم ألا تكون غاضبا".
" ولماذا أغضب ؟".
" الظاهر , وللأسف , بأنني أملك موهبة أغضابك , حتى عندما لا أكون أرغب في ذلك".
حكّ ذقنه بأصابعه الطويلة النحيلة وسألها:
" هل يعني كلامك هذا بأنك تخافين مني؟".
" كلا , لكنني أعارض طريقتك في ممارسة العقاب!".
" هه هه! لكن المذنب عادة لا رأي له في العقاب ...".
" هل من عادتك , أذن فرض العناق العنيف؟".
" لكن , يا عزيزتي , لم أجد , حتى الآن , أفضل من هذا العقاب ".

لأسكات المرأة !".
نهضت لوريل وقالت بصوت مرتفع:
" آه , أنت رجل مستحيل! لقد تأخرت ...... من الأفضل أن أعود الآن ".
" قبل أن أغضب مرة أخرى ؟ أحذري , يا لوريل , صحيح أننا وضعنا المعركة جانبا , لكن , أرجوك , لا تصعّبي عليّ الأمور .......".
" آه , لكن ...... لكنني أردت أن أقدم لك المساعدة.....".
نهض بدوره وقال :
" أنا متشكر جدا , لكن أخشى أن تكون قد أهملت تفصيلا صغيرا ومهما....".
" أي تفصيل؟".
" لا أشك قطعا بقدراتك المهنية عندما تمارسينها في لغتك....".
نظرت اليه مطولا قبل أن تفهم ما يقوله , أبتسمت ثم قالت:
" آه , كم أنا حمقاء! لقد نسيت".
أبتعدت لوريل , فصرخ بها قائلا:
" لا تذهبي! ولا تقولي بأن الوقت متأخر ! لماذا تشعرين بالذنب عندما تتغيبين أكثر من ساعة؟".
" أنت على حق يا رودريغو , فقدت والدي منذ طفولتي وعمتي التي ربتني كانت أمرأة طيبة , بل صارمة , كانت تطلب مني دائما أن أعود قبل ساعة معينة , ومنذ سنوات أعيش وحدي في لندن , ومع ذلك لا أستطيع أن أفقد عادتي في الشعور بالذنب عندما تصبح الساعة الحادية عشرة ليلا.
" لدينا على الأقل نقطة مشتركة .... وهي كوننا يتيمين .........".
هزت لوريل برأسها ولم ترد , فسألها ببطء:
" وتحاولين الآن التحرر من هذه العقدة؟".
" ليس تماما , النظام المعين قوة في الحياة ".
ترددت لحظة قبل أن تتابع قائلة:
" ربما لا تصدقني , لكنني قمت بجهد كبير على نفسي .... حتى أقتنعت بأمكانية السباحة وحدي , في هذا البحر الشاسع وفي هذا الحر القوي......
" لم أنس ذلك النهار , ومن ثم بدأت أفهم أمورا كثيرة".
وضع يديه على كتفيها وقال:
" لم يفت الأوان بعد , يا لوريل , ليس هناك من حارس ظالم , يلنظر الى ساعته بأستمرار...........".
قالت هامسة وهي ترتجف :
" بلى , أنت , يا رودريغو ".
ضحك وقال :
" أنا؟ لكنني أنسان من لحم ود , ولست بسجّان!".
بنعومة وقوة ضمّها بين ذراعيه وراح يعانقها بشغف قوي , كانت ترغب في ضمه اليها , لكنها لم تجرؤ , نار غريبة أحتلتها , لما رفع رأسه , فتحت عينيها وأطلقت زفرة مخنوقة وظهر رأس رودريغو الأسمر تحت السماء المليئة بالنجوم.
" العناق ليس دائما عقابا!".
العالم الخارجي أختفى كله بالنسبة الى لوريل , وببساطة تامة وضعت ذراعيها حول عنق رودريغو وعانقته مطولا .
فجأة دفعها بعيدا عنه وقال:


" لندخل قبل أن نفقد وعينا".


عادا الى القصر صامتين , يمسكها رودريغو بذراعها لئلا تتعثر , وفي أسفل السلالم , رفعت لوريل نظرها اليه ولم تر شيئا في تعبير وجهه الجامد , أبعدت رأسها بسرعة كي لا تقرأ الحقيقة , فقال لها :
" مساء الخير , يا لوريل".
همست هاربة :
" مساء الخير".

الشغاف
06-23-2011, 07:16 PM
7- وصول الشيطانة


وفي اليوم التالي أستيقظت لوريل في حالة من النشوة العالية , هل حلمت بلحظة الأمس العاطفية ؟ كلا....... مجرد تذكر تلك اللحظات الرائعة , يشعرها بالقشعريرة , أرتدت ملابسها ونظرت الى نفسها في المرآة بحيرة وأرتباك متأكدة بأن كل خلية فيها تهتف للحب , لكن لا شيء يبدو على وجهها المالس , ما عدا أبتسامة صغيرة في زوايا شفتيها المرتجفتين , ونظرة مندهشة.
لم تعجبها هذه الصورة في المرآة , فراحت تخلع بسرعة الثوب القطني الأزرق الذي أرتدته , فتحت خزانتها وراحت تبحث في داخلها عن شيء أجمل تلبسه , فقررت أخيرا أخراج قميص فلاحية مطرزة لم يسبق أن أرتدتها من قبل , وتنورة حمراء واسعة مكشكشة . القماش يتمايل حول خصرها النحيل والقميص الناعمة أبرزت أنوثتها , في هذه البزة بدت أنيقة , سرّحت شعرها وتركته ينسدل على كتفيها شلالا ذهبيا , تعطّرت وتحمّرت ثم خرجت من غرفتها , وألتقت بأيفون على السلالم , وكادت أن تضمها بين ذراعيها , من شدة الحماس , لكن سألتها:
" هل نمت جيدا؟".
لكن مزاج أيفون لم يكن مبتهجا , فرفعت كتفيها وتمتمت:
" نعم ....... كالعادة , أنت فرحة , مرحة , هذا الصباح".
" ولماذا لا أكون فرحة , مرحة؟".
" لكنك غريبة عل غير عادتك!".
أحمرّت لوريل بقوة , وتساءلت أذا كانت أيفون قد رأت ما حصل بالأمس مساء.
" يا ألهي , قولي ما الذي لا يعجبك في منظري".
تسمّرت أيفون مكانها من شدة الضحك وقالت:
" لا شيء , أنت رائعة حتى الكمال , وكالعادة , لكن هذه أول مرة أرى شعرك منسدلا على كتفيك , وهذا القميص....... رائع!".
" شكرا".
" وكل هذا على شرف من؟".
" لا تكوني حمقاء , يا أيفون".
" حسنا , أنها قضيتك ولا أريد التدخل فيها , لكن , هل بأستطاعتي أستعارة قميصك ذات يوم؟".
" طبعا".
هبطت أيفون السلالم وهي ترندح لحن أغنية , فجأة توقفت وسألت لوريل:
" أين كنت مساء أمس؟ أردت أن أستعير منك شامبو الشعر ولم أستطع العثور عليك , وتساءلت ما يمكن أن يكون قد حل بك".
" وماذا يمكن أن يحل بلوريل ؟".
هذه الكلمات صدرت عن رودريغو الواقف على عتبة باب الصالون , فأجابته أيفون ضاحكة:
" من يدري ربما خطفها شبح الجزيرة!".
توقفت لوريل على الدرجة الأخيرة من السلم وتسمّرت مكانها أمام نظرات رودريغو الذي كان يفصّلها من رأسها حتى أخمص قدميها , لكن من دون حرارة , منذ متى هو هنا؟ ماذا سمع من ثرثرة أيفون الطائشة؟
قال بحركة أنيقة:
" تعالي , الفطور جاهز".
ألم تشعر في نبرة صوته بعض الملل كأنها تلقت دوشا باردا! نشوة الأمس لم تكن ألا حلما عابرا أختفى بسرعة , وعاد رودريغة , الرجل المتعجرف , المتكبر ذا المزاجات غير المتوقعة.
بعد الفطور أعتذر الكونت أمام ضيفتيه لشدة أنشغاله , أما دونا لويزا فلم تخرج من شقتها لشدة ألمها من داء المفاصل , والخدم منشغلون , يركضون في جميع الجهات تحضيرا لوصول كارلوتا.
ولما توجهت الفتاتان الى الشاطىء , قالت أيفون:
" يا لهذه الحركة الدائمة داخل القصر! آمل ألا تكون كارلوتا فتاة صعبة ومتسلطة , من الأفضل أن تفكر مليا قبل أن تعطيني الأوامر ".
ذكّرتها لويل بنبرة هادئة:
" لا تنسي بأننا هنا بسببها".
" أنت هنا بسببها , أما أنا , فلا دخل لي بذلك , أنت من سيهتم بها ويراقبها خلال غياب صاحب القصر.
لم تنس لوريل مهمتها الجديدة , ومع مرور الوقت وأقتراب موعد وصول الباخرة , شعرت من جديد بالقلق يحتلها , ماذا سيحدث أذا كانت كارلوتا فعلا عنيدة والجميع يتحاشونها , لكن , هل رودريغو على حق عندما أكّد لها بأن أبنة عمته ستتصرف تصرفا حسنا كسيدة منزل في غيابه وما أذا قررت كارلوتا أن تعود في أول باخرة , حين يبتعد رودريغو عن الجزيرة كيف بأمكان لوريل أن تمنعها من ذلك؟
بعد الخامسة بقليل , رأت لوريل من نافذة غرفتها صاحب القصر يتوجه , بلا شك الى المرفأ , في مشيته نبرة عاتبة أكيدة , كأنه مستعد لمجابهة أي شيء.
دخلت أيفون الى غرفة لوريل وراحت تبحث في مساحيق الزينة وتقول:
" هل بأمكاني أن أستعير أزرق العيون , يا لوري , حنجري تعطّل".
" طبعا".
تقدمت أيفون من النافذة في الوقت الذي أقلعت فيه سيارة الكونت , فقالت , بعد عبسة متأسفة:
" آه , أما كان بأمكانه أن يأخذنا معه!".
" لسنا من أفراد عائلته".
قالت أيفون وهي تبتعد عن النافذة:
" نعم , لكن نحن هنا بسبب أبنة عمته".
ولما رأت أيفوت ثوبا أبيض ممددا على السرير , سألت:
" هل ستغيرين ملابسك بهذه السرعة؟".
" نعم , أشعر بثيابي مبلّلة بالعرق وملتصقة على جسمي , بعد هذا النهار الذي قضيناه على البحر , سآخذ الآن دوشا ساخنا".
" أذا كنت تريدين أرتداء ملابسك , الآن , في هذه الساعة , أنت حرة , أما أنا , فسأخرج".
" لا تتأخري".
" نعم , نعم , سأحاول".

الشغاف
06-23-2011, 07:17 PM
صفقت الباب وعضّت لوريل على شفتيها , تعرف عدم جدوى نصائحها أتجاه هذه الفتاة المستقلة , يبقى أن تأمل بأن تعود أيفون في الوقت المحدد ولو تهذيبا.
كان البهو الواسع فارغا , أشعة الشمس تظهر لمعان الخشب الأشقر , والأرض الخشبية البرّاقة وتبث هالة ذهبية على باقات الزهر الملونة الموضوعة في كل مكان.
قامت لوريل بخطوات قليلة في الساحة , ثم ألقت نظرة الى الحديقة , لا أثر لأيفون , دخلت وتوجهت الى المكتبة وأخذت كتابا وبدأت تقرأ فيه , لكنها لم تستطع التركيز كليا , بين عينيها والكتاب تظهر الصورة نفسها , بعد قليل أغلقت الكتاب , من المستحيل أزالة ذكريات الأمس من مخيلتها , رودريغو عانقها تحت ضوء القمر , وماذا بعد؟ لماذا تعلّق على هذه القصة أهمية كبرى , صحيح أن دقائق النشوة أيقظت عند لوريل أحساسا لم تشعر به من قبل.
لكن أذا كان هذا الأحساس نتيجة أنجذاب لا أكثر , هل يعني أنها تحبه......ز وأول أحساس أتجاهه ألم يكن نابعا من عدائية قوية كيف بأمكانها أن تنسى هذا اللقاء الأول........
لم تعد قادرة على البقاء مكانها , نهضت وراحت تزرع الغرفة ذهابا أيابا , بخطوات حازمة وتقول لنفسها بضرورة التعقل وعدم الأستسلام للأحلام العاطفية العابرة , لا جدوى من بناء قصور على الرمال , ألم يسبق أن أعتقدت مرة بأنها مغرمة واليوم عندما تفكر بفيليب , فلا يخفق قلبها بسرعة , ماذا أذن والوضع الآن أليس هو نفسه؟
شعرت لوريل بقشعريرة تجتازها لمجرد تفكيرها بسلطة رودريغو عليها , وصلت الى جزيرة المصير وقلبها فارغ أصبح هذا القلب مليئا بالحب , ولم يعد ملكها...
وبعد هذا التفكير العميق ,وجدت نفسها بحالة يرثى لها وفضّلت العودة الى غرفتها , وما أن صعدت السلالم حتى سمعت أصواتا وخطوات مسرعة , أدارت رأسها ورأت رودريغو على عتبة باب المدخل , ووسط البهو تقف فتاة تحدق بها بعينين برّقتين.
أنها كارلوتا.... قصيرة القامة ونحيلة , ذات وجه طويل وشعر أسود , كانت ترتدي بزة معروفة لدى جيل الشباب , سروال جينز باهت اللون , وسترة مبطنة فوق قميص ملوّنة.
قال الكونت بصوت بارد :
" هل بأمكانك أن تتركينا وحدنا لحظة ,يا لوريل؟".
شعرت بأرتباك وأجابت:
" طبعا".
لكن قبل أن تتقدم خطوة , كانت كارلوتا قد أصبحت قربها , نظرت الى رودريغو بتحد وقالت:
" لماذا تريد يا رودريغو من هذه الفتاة أن تبتعد عنا , ليست خادمة , على ما أظن".
" كارلوتا , أرجوك دعي التمثيل جانبا من فضلك!".
" آه , أنت خجول مني , وخجول من بزتي ! وتسجنني في هذا القصر من أجل مقاصصتي ! ثم تفرض عليّ هذه الفتاة الأنكليزية بينما تذهب وتلهو بعيدا , دعني على الأقل , أنظر بتفصيل الى حارستي الشريرة , أصر على رؤيتها بأسرع ما يمكن!".
وبسرعة نظرت كارلوتا نحو لوريل وحدقت اليها بوقاحة , تقلصت لوريل أمام هذه الشتيمة , وأوشكت على التدخل , لكن الكونت أقترب منها , وقبل أن يفتح فمه , كانت لوريل قد أستعادت رشدها وقالت:
" لست خادمة ولست حارسة شريرة , يا آنسة , والآن أتركك آملة أن يصحح أبن خالك الأمور , ولا يقدمك الي خطا".
ألقت الى رودريغو بنظرة غاضبة وأجتازت البهو قبل أن تخرج من باب الحديقة , ولما وصلت الى الشرفة كانت ترتجف غضبا , تقدمت من سبيل الماء ومدت يدها تحت المياه الناعمة المنعشة , شمس المغيب تعكس على الحجارة القديمة نورا شفافا وذهبيا , لكن لوريل لم تكن حساسة الآن حيال هذا الجمال الذي يحيط بها , كلام كارلوتا الحقير يتابعها , آه , هكذا وصفها رودريغو أبنة عمته!
" هل أنت غاضبة يا لوريل؟".
أدارت رأسها بسرعة , كان رودريغة قربها , لم تسمعه حين وصل.
" أليس هذا من حقي؟".
أبعدت نظرها عنه وحدّقت بالماء الملونة بأشعة شمس المغيب فقال:
" أبنة عمتي تصرفت بصورة حقيرة منذ قليل , وأنا متوتر جدا وآسف أيضا ".
" شكرا".
ران الصمت ولم تجرؤ لوريل على النظر اليه مباشرة , لأنها أذا رأت في عينيه ملامح سخرية , ستنفجر بالبكاء ,لكن , ما الذي جرى لها , ما بالها واقفة مثل ولد عابس ؟ تشجعت وقالت بصوت ناعم قبل أن تدير ظهرها:
" اننس هذا , من فضلك ".
لكنه تمسك بيدها بقوة وقال:
" لوريل.....".
" أذن , ماذا؟".
" هل أنزعجت كثيرا من هذه الفتاة الشيطانة العديمة التربية؟".
" كارلوتا ليست شيطانة ".
" ربما , لكن تجربتك مع الصغار تفرض عليك أن تكوني قوية أمام طفلة مدللة".
حافظت لوريل على صمتها , راح يداعب وجهها ويقول :
" أنظري الي , يا أبنتي الصغيرة , هل ما حصل الآن غلطتي أنا؟".
" نعم , ماذا قلت لكارلوتا كي تأخذ هذه النظرة عني؟".

الشغاف
06-23-2011, 07:17 PM
قطب حاجبيه وقال :
" لكني لا أفهم........".
" صحيح!".
" نعم صحيح , لا أفهم , لم أقل شيئا لأبنة عمتي كي تأخذ فكرة سيئة عنك".
" لكنك نجحت في ذلك".
" أذن , أنت تطابقين الوصف الذي قامت به كارلوتا؟!".
" أجدك تافها ! والآن أبتعد عني".
وبحركة غير منتظرة رفعها من خصرها في الهواء , قبل أن يجلسها بقوة على حافة البركة وأمام صراخها راح يضحك من كل قلبه ويقول :
" لن أدعك تقومين من مكانك قبل أن نضع حدا نهائيا بسوء التفاهم هذا , أولا كوني أكيدة بأنني لم أستعمل أبدا هذه التعابير الفظة عندما حدثتها عنك , ثانيا , أرجو أن تفهمي بأن كارلوتا لا تتكلم الأنكليزية بصورة حسنة".
" أرجوك , أتركني , وألا سأقع في الماء".
لكن سرعان ما وجدت نفسها متعلقة بعنقه , حملها من جديد وهو يضحك ثم وضعها على الأرض وما زال متمسكا بذراعيها , ثم قال:
" لا أريدك أن تكوني كلوح الثلج , غير قادرة على الشعور بأي أنفعال عاطفي".
آه لو يعرف حقا , ما الذي تشعر به وهي بين ذراعيه؟
" كن جديا , يا رودريغو! كنا نتحدث عن كارلوتا , لا شك أنك وصفتني بأنسامة متوحشة , ولو كنت مكانها لفعلت الشيء نفسه".
" لماذا ترتجفين هكذا يا لوريل هل خفت من أبنة عمتي الشقية؟".
" كلا , طبعا , لكن......".
" آه , لم أنتبه , نافورة الماء , أعذريني.... لكن ثوبك مبلل حول ظهرك!".
وبحركات فوضوية حاولت ترتيب هندامها , فقال لها رودريغو أخيرا:
" هيا , يا لوريل , لا أقلق من أجل كارلوتا , ولحسن الحظ أنها ما زالت تخاف من جدتي , تعالي , لندخل , أنا أكيد من أننا سنجد فتاة هادئة ..... ولائقة".
رفعت لوريل نظرة متسائلة نحوه , فقال :
" نعم , أمرتها بتغيير ملابسها , وأرتداء بزة لائقة , قبل أن تجن جدتي".
ولما وصلا الى حافة الشرفة , توقفا , فسألت لوريل , رافعة عينيها القلقتين نحو رفيقها:
" هل ستذهب غدا؟".
" نعم".
" كم من الوقت ستكونغائبا؟".
" أسبوع , ربما , أسبوعان , لا أكثر , سأعود قبل الأحتفال السنوي".
" هل هذا الأحتفال خاص بالجزيرة؟".
" نعم , في هذا النهار نعيّد , ألم تزوري الكنيسة بعد؟".
" كلا , هل هي بعيدة من هنا".
" أنها تقع على بعد سبعة كيلومترات , كل سنة , في العشرين من شهر أيار ( مايو ) نحتفل باليوم الذي نبعت فيه المياه , وبالنبع الذي لم يجف بعد , منذ دهور عديدة , من زمان بعيد , كانت الجزيرة تعاني من الجفاف , كان الحصاد يابسا والماشية تموت عطشا , وبعد الصلوات المتعددة , أنبق الماء من الصخرة , وهكذا كل سنة , بعد الأجتماع الأحتفالي , نقوم بزيارة الروابي الخضراء الواقعة قرب الكنيسة المبنية قرب النبع , وبعدها نحتفل بعيد كبير في حدائق فالديروزا , أنها فرصة نادرة , وأنا سعيد لأنك ستشتركين فيها هذه السنة".
" شكرا رودريغو , أنا فرحة جدا بهذه المناسبة".
وبصمت عادا الى القصر , الأبتسامة على وجه الكونت , بينما الأنهيار يحتل قلب لوريل , مم هي خائفة؟ هل بسبب رحيل الكونت؟
حاولت جهدها الأبتسام في طريقها الى شقة دونا لويز , قربها , وجدت كارلوتا , بثوب أبيض أنيق , كالملاك الهادىء , ولحسن الحظ أن أيفون كانت قد وصلت , لكن لوريل لم تكن تفكر ألا برودريغو , لماذا تخاف على غيابه الى هذه الدرجة؟

الشغاف
06-23-2011, 07:18 PM
8- المحتالتان


وفي صباح اليوم التالي رحل رودريغو مباشرة بعد الفطور وبحزن عميق حضرت لوريل فترة رحيله , لم تنم طوال الليل , وتعرف جيدا سبب ذلك , عندما يعود رودريغو ستكون على وش مغادرة الجزيرة لتحضر موسم السياحة , وبعد أيام قليلة تحمل حقائبها مع أيفون وتغادر القصر والجزيرة وكل من فيها وتعود الى بلادها ومن جديد الى ممارسة عملها , وبينما كانت تنظر الى الكونت يصعد في سيارته ويومىء بأشارات الوداع , شعرت لوريل بالضياع والوحدة , لكن عليها الأقتناع بأن الجزيرة والقصر وصاحبه ستصبح ذات يوم ذكريات حلوة , ماضية.
وبحزن كبير دخلت البهو تفكر بلندم والحسرة على كل ما عانته خلال الليل , أجّلت مرارا أخبار الكونت عن سبب وجودها في هذه الجزيرة , في بادىء الأمر وجدت طبيعيا أن تكون من جهة مديرها , لكن , مع مرور الوقت , بدأت تشعر بضرورة الأفصاح عن كل شيء , لم تعد تحتمل هذا الغش , بالرغم من مخاوفها أتجاه ردة فعل صاحب القصر , وبدت لها المشكلة صعبة : كيف ستتمكن من أقناع رودريغو بأنها لم تقصد أبدا خداعه ؟ هل سيفهم الموضوع؟ ولمجرد التفكير راحت ترتجف من الخوف...... أليس أفضل أن تستمر في الصمت , ما دام مكوثها في الجزيرة قد أشرف على نهايته ؟ ربما لن تراه أبدا بعد ذلك ......
" آنسة ......".
صوت قوي جعلها تنتفض وتدير رأسها لترى كارلوتا أمامها , أضافت الفتاة الأسبانية بأبتسامة واضحة:
" هل تسمحين لي أن أدعوك لوريل؟".
" طبعا".
ترددت كارلوتا لحظة قبل أن تتابع قائلة:
" كان يجب أن أعتذر منك مساء أمس...... وأرجو.... أن تعذريني على تصرفي الوقح , لم أكن أعرف ما قلته , لشدة غضبي , هل تسامحينني؟".
أجابت لوريل بأبتسامة دافئة , مندهشة من تغيّر الفتاة غير المنتظر:
" طبعا".
" شكرا , والآن بأمكاننا أن........".
وصول أيفون السريع قطع كلام الفتاة.
" لويل , أنا ذاهبة الى شاطىء البحر مع كارلوتا , وسنأخذ الحصانين , هل توافقين على ذلك؟".
قالت كارلوتا متسائلة:
" لكن , ربما لوريل تريد المجيء معنا , يا أيفون؟".
أجابت أيفون بسرعة:
" لكنها لا تعرف ركوب الخيل , كما أنها على موعد مع دونا لويزا , كل صباح , هل أنت مستعدة؟".
"لحظة , أريد أعلام جدتي بذهابنا".
ولما أختفت كارلوتا بأتجاه شقة جدتها قالت أيفون :
" أظن أننا سنلهو معا جيدا!".
بعد قليل ذهبت الفتاتان الى البحر , والعجوز شاهدت خروجهما , متكئة على عصاها , ثم قالت للوريل:
" أنا أكيدة من أنهما ستتفقان , مشكلة اللغة غير واردة عند هذا الجيل الشاب , آه كم تغيرت الأمور!".
مدت لوريل يدها لتساعد الكونتيسة على دخول الصالون , فقالت لها العجوز:
" لكن ألم يكن مفروضا أن تكوني معهما , يا أبنتي , ستضيّعين وقتك في سماع حديثي الممل".
أجابت لوريل بلطف وبساطة:
" في كل حال , أنا لا أجيد ركوب الخيل , كما لا أشعر أبدا بأن وقتي يضيع برفقتك , لن أستطيع أبدا أن أشكرك على ضيافتك الحسنة".
" لا يجب المبالغة, أنا أعرف جيدا سبب وجودك هنا , حفيدي لم يخف عليّ الأمر".
" لدي أسباب معينة لأشكر رودريغو على كل ما فعله من أجلنا ".
" آه , صحيح؟".
أذن رودريغة حفظ سر ما حصل لها , شعرت لوريل بأرتياح وقالت ببطء:
" أنا لا أنسى كيف خلّصني رودريغو من ورطة كبيرة , بعد وصولي الى هذه الجزيرة , بأيام قليلة".
ران صمت قصير قبل أن تقول العجوز :
" لا شك أنك لا ترغبين في أستعادة هذه الذكريات المؤلمة , ومهما حدث , أنا سعيدة لوجودك هنا في القصر, كارلوتا فتاة شقية ومتعبة..... لكن المهم أن تتفق مع أيفون!".
تمنيات دونا لويزا تحققت وأصبحت الفتاتين صديقتين حميمتين لا تفترقان لحظة واحدة , وشعرت لوريل بأنهما وضعتاها جانبا , كلما ظهرت أمامهما , تسكتان أو تهمسان سرا , وأغتنمت لوريل هذه الفرصة لأكمال الملف المطلوب منها من قبل مديرها , كما صوّرت بضعة أفلام ملونة لن تظهّرها ألا بعد عودتها , لكنها كانت تجد صعوبة في رسم خريطة جديدة للجزيرة , وحده رودريغو بأمكانه مساعدتها , لكن كيف تطلب منه ذلك؟ أحست بأنها تلعب دور الفتاة المتجسسة , كلما فكّرت برودريغو , تيار قوي يجتازها في كل كيانها , وكلّما تخيّلت ردة فعله وقعت في هاوية من القلق الشديد.
فجأة أخذت قرارا نهائيا , ستبوح له بكل شيء حين يعود , وذلك من أجل راحة ضميرها وهدف مهمتها , وفي حال أراد مديرها متابعة القضية , لن يجابه هذا الأخير رفضا قطعيا من قبل رودريغو , نتيجة أكتشافه خدعتها.

الشغاف
06-23-2011, 07:19 PM
صحيح أن هذه الجزيرة تبدو مركزا رائعا للأقامة , لكنها كانت تتمنى أن يكون هذا المكان بعيدا عن السياحة العالمية والنوادي الليلية.........
ولما عادت الفتاتان سألتهما لوريل:
" هل قضيتما نزهة جميلة؟".
أجابت كارلوتا:
"نعم , الماء رائعة , للأسف أنك لا تعرفين ركوب الخيل".
ضحكت أيفون في سرّها وقالت:
" آه! لكن لوريل لا تجهل ذلك كليا , لقد سبق وأمتطت حصان الكونت مرة".
" آه , صحيح".
" وكان رودريغو معها".
نظرت لوريل الى أيفون نظرة قاسية , فأعتذرت هذه الأخيرة قائلة:
" آه , عفوا! لم أكن أنوي ذلك ... أنها مزحة , يا كارلوتا , لن تمتطي لوريل حصان الكونت , مهما كلف الأمر".
قالت كارلوتا في ريبة:
" بصراحة , أنا لم أفهم المزحة , تماما!".
" وهل هذا ضروري ؟ هل سنبقى هنا حتى المساء!".
وعلى مائدة الغداء , أظهرت كارلوتا عن برود حيال لوريل , لكنها لم تطرح عليها الأسئلة , ثم أختفت بعد ذلك مع أيفون , ولم ترهما لوريل ألا في المساء حيث بدتا كأنهما تخططان لمؤامرة ما.
وبينما كانت لوريل تستعد للنوم , دخلت أيفون الى غرفتها وراحت تعبث بمساحيق الزينة الموضوعة على المنضدة وتقول:
" هل بأمكاني أستعمال بعض المساحيق من عندك؟".
" تفضلي".
نظرت أيفون في المرآة وراحت تضع المسحةوق المبلل على وجهها ثم قالت:
" لوريل........".
" نعم؟".
" هل بأمكانك أن تعطيني بعض المال؟".
" هل أنت مفلسة؟".
" أوه ...... لقد أشتريت اليوم قبعة من القش , كما أشترينا كمية كبيرة من البوظة".
قطّبت لوريل جبينها وقالت:
" والدك أعطاك مبلغا محترما من المال , ومن المستحيل أن تصرفيه كله , في هذا المكان المعزول عن العالم".
" آه المال يصرف بسرعة خلال العطلة , وهذا أمر معروف كليا , لا تنظري أليّ هكذا , يا لوريل , لم أصرف كل ما معي من مال , لكن كارلوتا تريد أن تقوم بنزهة غدا ولا أريد أن أكون مفلسة برفقتها".
" أي نزهة هذه؟".
" سنأخذ الباخرة".
" لكن , ألى أين ستذهبان؟".
قالت أيفون بعدما جلست على حافة السرير:
" آه , لوريل , لا تسببي لنا المشاكل , نمل هنا حتى الموت , وكارلوتا تعرف جيدا الى أين تذهب".
" لا أشك بذلك , لكن.... هل دونا لويزا على علم بذلك؟".
" ربما , سنذهب غدا .... الى الجزر المكتظة بالسكان , آه , كم ستكون رحلتنا ممتعة!".
" لكن , لا يمكنكما أن تعودا في النهار نفسه , تذكري بأننا قضينا خمس ساعات في البحر من لاس بالماس حتى وصلنا الى هنا".
" أعرف ,ولهذا السبب أريد بعض المال , سننام هناك ونعود في اليوم التالي , ولا أريد كارلوتا أن تدفع عني أجرة الفندق , أرجوك , يا لوريل , لا تكوني قاسية , والدي أعطاك المال الكافي , أليس كذلك؟".
" هذه الرحلة غير واردة ولن أسمح بها , في كل حال , ليس قبل عودة رودريغو".
" آه , كنت أعرف جيدا بأنك تنغصين الأفراح وتعرقلينها! كل شيء سيفسد بسببك".
" بالعكس , أظن أنني سأبعد كارلوتا عن بعض المشاكل , بتصرّفي هذا , أذهبي الى النوم وأنسي هذا المشروع".
نهضت أيفون حانقة وقالت قبل أن تصفق الباب:
" يا لوريل المسكينة , لا تعرفين سوى النظام الصارم! أنت متأخرة قرنا بكامله!".
هذه السخرية الوقحة من قبل أيفون جرحت شعور لوريل , لقد طفح الكيل , كان دور كارلوتا في البداية والآن أصبح دور أيفون, منغصة الأفراح! وماذا بعد ! يا لها من من مسؤولية كبيرة , عليها أن تتحملها , أتجاه فتاتين مراهقتين شقيتين! وفي صباح اليوم التالي , أضطرت الخادمة أن تأتي ثلاث مرات قبل أن تتمكن من أيقاظ لوريل من نومها العميق , كانت الساعة التاسعة , فقالت الخادمة بخليط من الأسبانية والأنكليزية:
" أنا آسفة لأيقاظك , ومتأسفة ل..........".
" لا تخجلي ,أرجوك".
" ليست الغلطة غلطتي .... هل فهمت يا آنسة؟".
كلا , لوريل لم تفهم , لماذا كانت صوفيا المسكينة مرتبكة وخائفة .
وعلى مائدة الفطور كانت وحدها , لا شك أن الفتاتين ذهبتا على ظهور الخيل في نزهتهما الصباحية العادية , وبعد أنتهت من أحتساء اقهوة , صعدت الى غرفتها لتغسل يديها وتأخذ سترة , لعلّ دونا لويزا أحبت التنزه خارجا , فالريح القوية تعصف حتى في أعالي الأشجار.
فتحت دولاب خزانتها وفوجئت بالفوضى داخله , وجدت حقيبة يدها مفتوحة , كمية كبيرة من المال أختفت! شحب لون وجهها وأطلقت صرخة أستغراب , آه , لا شك أن أيفون دخلت الى غرفتها خلال الليل , وسرقت المال , ألقت نظرة الى غرفة أيفون وتأكدت شكوكها عندما رأت أن بعض ملابسها وحقيبتها أختفت , نزلت لويل من جديد الى البهو , فألتقت بماريا التي أعلمتها بأن الكونتيسة تريدها , لا شك أن دونا لويزا أكتشفت أختفاء الفتاتين وستطلب منها تفسيرا لما حدث , لكن العجوز أستقبلتها بلطفها العادي وأضافت تقول:
" تبدين مهمومة , يا صغيرتي ؟ ماذا جرى؟".

الشغاف
06-23-2011, 07:19 PM
أخبرتها لوريل بما جرى , فصرخت الكونتيسة ملتفتة الى السماء:
" يا ألهي! هل أنت متأكدة؟".
هزت لوريل رأسها بحزن , فصرخت العجوز قائلة:
" يا لكارلوتا الشقية! ربما طلبت السيارة باكرا في الصباح.......".
" لكن .......... ألم يطرح عليها جوزيه الأسئلة؟".
" جوزيه؟ لا يسمح لنفسه أن يفعل ذلك , أنه خادم لائق ومهذب".
" آمل أن تجري الأمور بخير , أشعر بثقل المسؤولية".
" لا تقلقي , يا أبنتي , ماذا يمكنك أن تفعلي ضد فتاتين عنيدتين , غير ما فعلته , لمنعهما من تنفيذ هذا المشروع؟ لا يجب أن تلومي نفسك أبدا.....".
" نعم , لكن أخاف من.....".
" مما سيقوله رودريغو؟".
" نعم".
" هذا أمر بسيط للغاية , لن نقول له ما حصل , شرط ألا يعود قبلهما".
" قال لي بأن غيابه سيدوم أسبوعا على الأقل , والفتاتان ستعودان مساء الغد....".
" لكن , يا صديقتي الصغيرة , كذبتا عليك ! الباخرة اليوم لا تذهب الى لاس بالماس , بل الى ماديرا!".
" الى ماديرا!".
" نعم..... ولن تعود قبل خمسة أيام".
شحب وجه لوريل وقالت:
" لكن أيفون لم تحدثني أبدا عن.......عن.......".
لم تستطع أكمال جملتها , غير قادرة أن تصدق بأن أيفون كذبت عليها بملء أرادتها.
وبعد يومين سألتها الكونتيسة :
" تبدين منزعجة , يا صغيرتي , لماذا؟".
" طال غياب الفتاتين , وقد أنشغل بالي".
" تتحملين مسؤولياتك بجدية , يا لوريل وتتألمين كثيرا".
وأمام نظرات الفتاة المندهشة , أكملت العجوز قائلة:
" في سني ينظر المرء الى الأمور بعين مختلفة , لقد تربيت تربية قاسية وتعلمت أحترام التقاليد والعادات , وربيت أولادي بالطريقة نفسها , أما اليوم فالجيل الجديد ينتقد بعنف كل ( ظلم ) ويطالب بالحرية , ربما أحسدهم أحيانا على هذه الحرية التي يتمتعوم بها".
مهما كانت نظريات الكونتيسة الفلسفية , فلوريل هي التي ستتحمل مسؤولية غياب الفتاتين , أذا عاد رودريغو قبل عودة كارلوتا وأيفون , لن ينظر الى الأمور بتحرر كما تنظر اليها دونا لويزا , أما , فيما يتعلق بغوردن سبرل , فماذا سيقول لو عرف بمغامرة أبنته؟
ولحسن الحظ , عادت الفتاتان قبل مجيء الكونت وصرخت أيفون وهي ترتمي على عنق لوريل:
" آه , كانت رحلة رائعة! أنا آسفة للذهاب سرا , هل تلومينني ؟ أنظري ماذا أشترينا لك.... أنها حقيبة يد مصنوعة من القماش المطرز الجميل".
أضافت كارلوتا وهي تقبّل خد دونا لويزا:
" هذه زجاجة العطر لك , يا جدتي , أنه عطرك المفضل ".
كان العشاء حافلا بما لدى الفتاتين من أشياء تقولانها عن رحلتهما , وكانت دونا لويزا تصغي اليهما بجماس شديد وأهتمام , ثم قالت:
" لدي صديقة في ماديرا تدعى السيدة بيريرا , هذ تتذكرينها , يا كارلوتا ؟ زوجها كان يعمل في السلك الدبلوماسي , والآن متقاعد ويعيش مع عائلته في هذه الجزيرة , للأسف لم تفكري بزيارتهما ".
" بلى , فكرت بذلك , لكنني لم أتذكر عنوانهما , في المرة المقبلة , سنأخذك معنا , يا جدتي".
" يا ألهي! وماذا بعد , يا مجنونة! أخشى أن........".
لا أحد عرف ما كانت تخشى , ودخل جوزيه بصمت وهمس للعجوز , صمت الجميع , نظرت الكونتييسة الى لوريل بأندهاش ثم قالت:
" لوريل , أنت مطلوبة على الهاتف".
بأندهاش وقلق , نهضت لوريل معتذرة وتبعت جوزيه , هل يطلبها غوردن سبرل؟".
هل جرى شيء ما لزوجته؟
أدخلها الخادم الى مكتب الكونت وأشار بأصبعه الى الهتتف الموضوع على مكتب خشبي ثم أغلق الباب وراءه من دون ضجة حملت لوريل السماعة وهمست بصوت منزعج:
" لوريل دانواي على الهاتف".
سمعت ضحكة صغيرة وصرخ صوت الرجل:
" لا تخافي , يا لوريل ! السماء لن تهبط على رأسك!".
" رودريغة! لم..... لم أنتظر أن...... أسمع عن أخبارك".
خارت قواها وجلست على الكرسي القريب منها وسمعته يقول بصوت ناعم:
" أنا خجول من نفسي لأنني لا أستطيع الأهتمام بضيوفي كما يجب, هل كل شيء على ما يرام في فالديروزا؟".
" نعم , شكرا".
" وجدتي؟".
" أنها جيدة وتنتظرك بفارغ الصبر".
" قولي لها بأنني سأعود مع غدا مع عمتي كونستانس".
" حسنا".
بدأت الخطوط تشوش , بالكاد سمعت لوريل أسمها , ولبرهة قصيرة خافت أن تنقطع المخابرة , لكن التشوش زال فقالت:
" آلو, آلو...........".
" ما زلت على الخط............".
" هل لديك أمور تريد أن تطلبها مني؟".
" كلا , لقد أعطيت أوامري لجوزيه".
حلّ الصمت قليلا ثم تابعت تقول:
" كنت قلقة لأن......".
" لأن؟".
" لأن هذه المخابرة ستكلفك مبلغا كبيرت".
ضحك بلطف وقال:
" أراك تخافين أن أصرف المال الكثير......".
" هذا طبيعي!".
" بالنسبة اليّ هذا شيء جديد ولا أرى أن الوقت يمر , خاصة عندما أسمع صوتك الرنان".
فرحت لوريل من هذا الكلام , وأحمرت ولم ترد , فتابع الكونت يقول:
" أحيانا أملّ من أصوات الأسبانيين القوية , لكن ........ لماذا هذا الصمت؟ أذن عليّ أن أسمع نصائحك وأوفر قليلا , وداعا يا لوريل , الى الغد".
" الى الغد".
بدت السعادة تلفها وهي تعود الى الصالون , نظرت اليها الفتاتان بحشرية , ولما صعد الجميع الى النوم , دخلت أيفون الى غرفتها وسألتها:
" هل كان أبي على الهاتف؟".
" كلا".
" من أذن؟".
" رودريغو".
" ماذا يريد؟".
" يريد أن يقول بأنه آت غدا".
" هذا كل شيء ؟ هل أنت مغرمة به؟".
" يا لهذه الفكرة ! وماذا , أذا قلت لك , بأنه أراد أن أخبره بالتفصيل عن تحركاتكما , كارلوتا وأنت؟".
" وماذا بعد؟ هذا الأمر لا يخيفني.......".
" أرى ذلك بوضوح........ قولي الآن , كيف عرفت كارلوتا بأن رودريغو لن يغيّر مشاريعه ويعود قبلها؟".
تلألأت عينا أيفون وقالت:
" كانت تعرف بأنه سيعود مع كونستانس فقبل مغادرتها أسبانيا رأت كارلوتا عمتها التي أخبرتها بأنها ستحضر حفلة موسيقية في 18 الشهر , أي اليوم , وهكذا أدركت بأنها لن تعود قبل هذا التاريخ".
" نعم , لقد فهمت الآن , لكن لا أرى كيف كيف ستخفي عنه ,ما فعلته , سيغضب بكل تأكيد".
رفعت أيفون كتفيها وقالت:
" كارلوتا لا تخاف منه".
" صحيح؟".
" تعرفين ذلك ؟ أنها وريثة ثرية".
" بلى , أعرف ذلك , لكن ما العرقة؟".
" رودريغو يصرّ ألا تذهب ثروة كارلوتا خارج العائلة , لذلك سيتزوجها بعد سنة أو سنتين , ولولا ذلك لتزوج , هل تعرفين ما عمره؟".
" كلا ".
" عمره 33 سنة , وحسب أقوال كارلوتا , لا يعيش حياة النساك ".
حزنت لوريل على هذا الكلام ولم ترد , فأضافت أيفون تقول :
" لكن كارلوتا ليست متأكدة من رغبتها في الزواج منه ".
" صحيح؟".
" وكيف ألومها؟ رودريغو هو ملك هذه الجزيرة ولن يغادرها أبدا , هل ترين كارلوتا مسجونة في هذا القصر بقية حياتها؟".
" كلا , طبعا...... هل تعتقدين....... بأنها تحبه؟".
" الحب لا دخل له هنا , الزواج هنا مصلحة لئلا تذهب الثروة خارج العائلة....... وبأنتظار ذلك تحب كارلوتا أثارة غيرة أبن خالها .
جلست لوريل في فراشها , حزينة تفكر بالحديث الذي جرى منذ قليل , هل أن فتاة مستقلة مثل كارلوتا , تقبل بزواج مصلحة؟ أذا قرر رودريغو الزواج منها ؟ والتغلب على قلبها وعلى ثورتها , هل تستطيع كارلوتا مقاومته؟

الشغاف
06-23-2011, 07:20 PM
9- بأي حال عدت يا عيد؟


ولما أستيقظت لوريل من نومها في اليوم التالي , كانت عازمة على التفكير فقط بعملها وبعودتها المقبلة الى لندن , وبالرغم من نواياها وأستعداداتها , صوت داخلي لم يكف عن تذكيرها بأن الكونت في طريق عودته الى فالديروزا......
ذهبت الفتاتان في نزهتهما الصباحية الأعتيادية , على ظهور الخيل, وبقيت دونا لويزا في شقتها للأستراحة بأنتظار قدوم أصحاب القصر.
تحضيرات العيد في ذروتها , فوق عربة جوزيه تعلّق المصابيح على أشجار الحديقة وعلى الأعمدة المنتصبة قرب حافة جدران القصر , شعرت لوريل بأن لا أحد بحاجة اليها , فقررت القيام بزيارة كنيسة النبع , حملت سلة الطعام التي أحضرتها لها صوفيا وأخذت طريق التلال.
الصباح كان رائعا والبحر يلمع تتحت سماء زرقاء خالية من أي غيمة , النسيم الخفيف الآتي من البحر يخفف من حدة الحرارة القاسية , صعدت لوريل التلال ببطء , تتوقف من حين الى آخر للتمتع بالمنظر حولها , وفجأة , ظهرت أمامها كنيسة صغيرة تقع في جوف الجبل , في ظل غابة صغيرة من الصنوبر , بضع خطوات في الصخر المصقول تؤدي الى المغارة الواقعة في زاوية الكنيسة , في الواقع , المغارة كناية عن شق واسع تنبعث منه المياه الشفافة كالكريستال , كان الجو هذا المكان المعزول رائعا وهادئا , الصمت لا يقطعه سوى هدير النبع.
ولما خرجت لوريل من الكنيسة تسمرت لحظة في الساحة من شدة الأعجاب , أمام عينيها تبرز الجزيرة كبساط من المخمل الأصفر فرش على البحر الأزرق , هنا وهناك , نقطة بيضاء تدل على وجود بيت أو مزرعة , أحيانا يسمع صوت راع وقطيعه على طرف الجبل , أو طقطقة حوافر حصان يجر وراءه عربة , الى اليسار يرز القصر المحاط بالحدائق الواسعة المتدحرجة حتى الشاطىء , أطلقت لوريل زفرة عميقة ثم تناولت سلة الطعام وراحت تبحث عن زاوية مظللة للغداء.....
وبينما كانت العصافير الصغيرة تنقر فتات الطعام , راحت لوريل تتأمل حالمة المنظر الخلاب أمامها , وهي ,نصف مددة على بساط من العشب , لكن , سرعان ما أدركت الواقع , فأذا أحتلت السياحة هذه الجزيرة , ماذا سيحل بالهدوء الكبير في هذا المكان الساحر؟
فجأة , أنتفضت , في الأفق الفارغ ظهرت نقطة صغيرة , راح قلبها ينبض بسرعة , الباخرة تسير في المياه الزرقاء , مقتربة من المرفأ , وأذا أصغت لوريل ال ى قلبها لأنطلقت كالمجنونة نحو الرجل الذي يعني كل شيء لها..... لكن للأسف , ليست سوى غريبة في فالديروزا , وليس من اللياقة أن تعكر صفو الأجتماع العائلي , لذلك أخذت وقتها وعادت في الطريق المتعرجة , وتراءى لها بهو القصر منعشا , بجانب الحر الخارجي , المكان هادىء , وضعت منشفتها ومنديلها ونظارتيها في المدخل , ودخلت الى المطبخ لوضع سلة الطعام , ولدى عودتها سمعت حديثا آتيا من الصالون , ترددت في المرور أمام الباب المفتوح عندما ظهرت منه كارلوتا , غاضبة , حانقة , ولما رأت لوريل , توقفت مكانها وقالت بلهجة متهمة:
" آه , هذه أنت! أنت من أخبر كل شيء ! ألا تخجلين من التدخل في أمور لا تعنيك!".
" كارلوتا! أرجوك أن تسكتي!".
ظهر رودريغو بدوره وقال:
"ستعتذرين فورا!".
" هذا أمر غير وارد أطلاقا!".
أمسك رودريغو بذراعيها وقال:
" كيف تجرؤين على أتهام ضيفتنا مجانا؟".
" أنا أعرف جيدا بأنها جاءت الى هنا للتجسس عليّ".
" أنت مخطئة كليا , ليست لوريل من أخبرتني عن رحلتك السرية".
" لكن من أذن.. لا أرى من يستطيع أن ........".
" الظاهر أن كلمتي لا تكفيك , ولا شك بأنك نسيت بأن العالم صغير.... أمس , ألتقيت مصادفة بآل بيريرا في مدريد ....... لقد لمحوك مع صديقتك في ماديرا , ويأسفوا لأنك لم تزوريهم , الآن , ستعتذرين من لوريل , وأنا أنتظر ذلك منك".
نظرت كارلوتا الى لوريل نظرة أستياء وقالت:
" أذن , بأمكانك الأنتظار! لست أنا من طلب المجيء الى هنا لأجد مثل هذه الجاسوسة القذرة!".
" كارلوتا ! رودريغو!".
ظهرت دونا لويزا تتبعها أمرأة قصيرة وسمينة , شعرها رمادي , ثم قالت:
ألا تخجلان من الصراخ هكذا؟".
قال رودريغو بجهد كبير :
" أعذريني , يا جدتي".
" في المستقبل , لا أريد أن أسمع عراكا كهذا , هنا , ضيوفنا سيستاؤون من ذلك , كارلوتا , لدي كلام معك , أنتظريني في الصالون الصغير".
أبتعدت الفتاة الأسبانية بسرعة ومن دون أحتجاج , أمسكت دونا لويزا ذراع أبنتها وسارت ببطء بعدما رمقت رودريغو بنظرة متعالية.
خلال كل هذا الوقت , بقيت أيفون على حدة ,لكن لوريل لاحظت أنها تكبت رغبة ملحة في الضحك , فتقدمت منها , لكن رودريغو قطع عليها الطريق وقال لها وهو يشير الى باب مكتبه:
" لدي شيء أقوله لك يا لوريل , هل بأمكانك أن تعطيني قليلا من وقتك؟".

الشغاف
06-23-2011, 07:21 PM
وما أن أغلق باب مكتبه وراءه حتى قال:
" لماذا لم تنفذي أوامري؟".
" أوامرك؟ أي أوامر؟".
" هيا , يا لوريل , لا تتصنعي السذاجة , تعرفين جيدا ما أريد قوله , كيف تجرأت وتركن كارلوتا نخالف أوامري؟".
" لكن لم.....لم .......".
" ألم تسمحي لهما بالذهاب ؟".
" طبعا لا !".
" أذن , كيف تمكنتا من الذهاب؟".
" هل تعتقد بأنه من السهولة أن تفرض سلطتك على فتاتين مراهقتين ؟ نحن لا نعيش في القرون الوسطى ! ليس لأنك رئيس العائلة ..... وبأنك , ذات يوم , سيكون لك الحق أن تفعل ما.....".
ترددت لحظة فسألها بسرعة:
" الحق أن أفعل ماذا؟".
" أن تحدد مستقبل كارلوتا , بأتباعك تقليد بال يجعلك لا تكترث بعواطف الآخرين , ألا يمكنك مرة واحدة أن تبذل جهدا وتضع نفسك مكانها ؟ لماذا لا تحاول أن تنصحها بدلا من معاملتها دائما وكأنها ما تزال طفلة؟".
" كيف أنصح فتاة شقية وعنيدة مثلها؟ هل تمزحين وأذا أستمريت في الكلام بهذه اللهجة ربما سأضطر الى انسيان بأنك ضيفة عندي وأعاملك , أنت أيضا , كما تستحقين , لنتوقف عن المناقشة".
بغضب , أرتمت على الباب الذي كان يفتحه لها وقالت بحماس ناقم :
" لكنني لم أنته من الحديث , أنا أرى بأن غلطتي الكبيرة كانت عندما قبلت ضيافتك , آه , كان يجب عليّ أن أثق بنظريتي الأولى فيك.. حين عرفت بأنك رجل بارد , قاس ومتعال , وبأنك لا تبالي بعواطف الآخرين , وبأنك أعمى حيال التقاليد البالية! آه كم أشفق على كارلوتا المسكينة!".
" هل أفرغت ما عندك؟".
أرتجفت لوريل أمام نظرات الكونت القاسية وقالت بصوت حازم:
" نعم , ولم يعد لدي ما أضيفه".
" وأنا أيضا أرتكبت خطأ في الحكم عليك ".
" آه......".
" نعم , لقد وثقت بك وما كان يجب أن أتكل عليك ".
لم تتذكر لوريل أبدا كيف تمكنت من الخروج بعد هذه الشتيمة القاسية , ولا كيف أستاعت التحلّي بالجرأة والبرود لأكمال هذا النهار الطويل.
وفي ذلك المساء كثر المدعوون الى العشاء ومن بينهم قس الجزيرة , الدون أماديو ومعلم المدرسة السيد ألفاريس وزوجته , والجراح الألماني الذي قرّر التقاعد في هذه الجزيرة , العشاء كان لذيذا والحديث خصبا لكن لا شيء مكّن لوريل من التوقف عن التفكير بما حدث قبل قليل.
وبعدما أنتهت هذه السهرة الطويلة , شعرت لوريل بأرتياح كبير وهي تستعيد وحدة غرفتها , وبعينين تحرقهما الدموع دخلت الى سريرها محاولة أقناع نفسها بأنها تكره رودريغو , لكن من دون جدوى , أغمضت عينيها , لكن الصور ظلت تلاحقها , ذكريات ذراعي رودريغو وهي تلتف حول عنقها وحنانه الناعم والقوي في آن واحد....
مع الفجر , بدأت الحركة حول القصر , الأولاد يقطفون الزهور العطرة لتزيين العيد , في الحادية عشر بدأت الأجراس تقرع بفرح داعية الى حضور الصلاة الأحتفالية.
كانت لوريل تنتظر في الساحة , رائعة بثوبها الأبيض البسيط , شحوب وجهها الخفيف يضفي على ملامحها بريقا ليلكيا يجعلها حنونة وجذابة.
عندما توجهت الى المائدة توقفت وترددت لحظة على عتبة الباب , لكن رودريغو نهض وأنحنى ببرود , فأشارت لها دونا لويزا بالدخول قائلة:
" تعالي , يا أبنتي , تعرفين الآن بأننا نضج من لا شيء !".
" المعذرة , لقد تأخرت".
قال رودريغو بتهذيب :
" لا , كلا نحن جئنا باكرين".
جلست لوريل مكانها وران صمت طويل , وبأبتسامة ساخرة , قالت كارلوتا:
" لا شك أن لوريل أعتقدن بأننا كنا على وشك أن نتضارب بالأيدي , بينما كنا في الواقع نتحدث عن الطقس".
قال رودريغو:
" أولا , لم نكن نتحدث عن الطقس.....".
قالت دونا لرودريغو:
" نعم , بالفعل , أنا مصرّة على حضور الأحتفال والذهاب الى الكنيسة".
قالت العمة كونستانس :
" لكن , يا أمي , فكّري بالجمهور والأزدحام والحر... ... هذا أكثر مما بأمكانك تحمّله , في السنة الماضية , لقد....".
" كفى ! سئمت الدلع , مثل عجوز مسكينة فقدت وعيها!".
رفعت ذقنها بعناد وقالت:
" أذن , رودريغو , هل تصطحبني أو سأطلب من جوزيه أن يخرج السيارة القديمة".
قال رودريغو منحنيا أمام جدته:
" لا حاجة لذلك , يا جدتي , أنا تحت أوامرك".
ولما رأت لوريل الكونت يساعد جدته بلطف في الجلوس داخل السيارة , لم تكف عن التفكير بظلمه أتجاهها , لقد فرض عليها مسؤولية كبرى , ثم راح يتهمها بالفشل في أمر لا أرادة لها فيه.
ولحسن الحظ تمكنت لوريل من عدم التفكير بحزنها أمام الفرح العام خلال هذا النهار الكبير المليء بالألوان , الجميع في الشوارع , بثياب الأحد : الرجال بالبزات السموكينغ السوداء والفتيات بالأبيض , والنساء بالثياب الملونة.
الكنيسة كانت تعج بالناس والحر لا يطاق , الشموع تضيء منصة العذراء المرتدية ثوبها الأحتفالي بألوانه الزرقاء , الوردية والفضية .
أخيرا جاء الوقت الأحتفالي الذي ينتظره المصلون بفارغ الصبر , وببطء خرج الناس من الكنيسة والمنصة محمولة على سرير أبيض , ذهبي ويفيض فرحا وراح الأولاد يضعون باقات الزهور , وبدأ الأحتفال بالنشيد الوطني , داخل المدينة , ثم على طريق التلال.

الشغاف
06-23-2011, 07:22 PM
وبسرعة أختفت كارلوتا وأيفون بين الجمع , أما لوريل فلم ترفع نظرها عن قامة الكونت الممشوقة , أحيانا كان يلتفت الى الوراء ويلقي نظرة الى الموكب , كأنه يبحث عن شخص معيّن , وفي كل مرة كانت لوريل تحاول الأبتسام أو التحدث مع الذين قربها.المكان صغير لا يقدر أن يحتوي جميع المصلين , بقي القس خارجا , تحت السماء الزرقاء وتم الأحتفال ببساطة متناهية ,)
عاد الجميع الى المدينة لوضع المنصة في مركزها الأعتيادي , تفكك الجميع وحان الوقت للأستعداد لحفلة المساء.
وبعدما أعدت المائدة في حديقة القصر , لم يبق سوى وقت قصير كي بستعد الجميع للسهرة , صعدت لوريل الى غرفتها لتحضر نفسها , وفوجئت بأن ثمة من جلب أغراضها التي نسيتها في المدخل , مساء البارحة , رتبتها مكانها ثم أخرجتم خزانتها تنورة طويلة حمراء وقميصا من الدانتيل الأبيض , هذه ابزة تجلب لها الحظ ..... من يدي ربما الأعجوبة ستحل....
بدأت الوفود تنتشر وسط الحديقة المضاءة بالمصابيح العديدة , النساء كالفراشات الملونة , بعض الرجال أرتدوا بزات مخملية , رائحة لحم الغنم والدحاج تفوح في الهواء , الليل فاتر وفي السماء المنجمة ظهر القمر ببطء , فجأة , وجدت لوريل نفسها وحيدة في طرف الطاولة , فسحرت بهذا المنظر الغريب , لقد أبتعدت عنها ايفون وذهبت للرقص.
" تذوقي هذا , يا لوريل".
أنتفضت , قدم لها رودريغو صحنا فيه بعض الحلوى الصغيرة , فسألته وقلبها ينبض بسرعة مجنونة:
" ما هذا؟".
" برشان من أختصاص الجزيرة , والأنكليز يحبونه كثيرا ".
أخذت لوريل وحدة وتذوقتها ثم قالت بصوت متقلص :
" آه , أنها لذيذة!".
" هل تتسلين هنا؟".
أبتسمت لوريل وقالت:
" كثيرا , شكرا , الحديقة مضاءة بصورة رائعة".
وقبل أن يتسنى له الرد كان جوزيه قد ظهر أمامه , فتبعه رودريغو من دون أن يعتذر, شيء ما قد حصل , حاولت لوريل جهدها أن تنسى حقدها والتغلب على توترها فأنخرطت مع الجمع المتحمسين , بعض المدعوين تجمعوا حول الطاولات الصغيرة المنثورة على العشب , والبعض الآخر جلسوا تحت الشجر , ببساطة ومن دون تكلف.
" لوريل , يا صغيرتي , تعالي وأجلسي قربي , أخبريني كيف تم الأحتفال؟".
أشارت لها دونا لويزا من حيث تجلس تحت أحدى العرائش , ثم أضافت بطيبة :
" تبدين متعبة لا أحد يهتم بك .. رامون".
ظهر صبي في الحالت فقالت له:
" أحضر كأس شراب للآنسة دانواي".
جلست لوريل على الكرسي فرحة , جرعت شرابها ببطء , سعيدة لهذا الأسترخاء قرب العجوز الطيبة .
فجأة , ناصت الأضواء وبدأت الأوركسترا تعزف لحنا حماسيا وظهر على المسرح ستة راقصين يرتدون الملابس الملونة , راحوا يؤدون الرقصات الأسبانية الشعبية , وبعد الرقص بدأ الغناء , أخيرا دخل راقص وسيم الى الحلبة وعلى لحن بوليرو لرافيل رقص رقصة رائعة.
صفقت لوريل بحماس وقالت بأستغراب:
" أنه راقص رائع وغريب , كنت أجهل بأن الجزيرة تحتوي على مواهب رفيعة الشأن ".
" هؤلاء الفنانون ليسوا من هنا".
هذا الصوت ظهر من وراء رأسها , أرتجفت لوريل وهي تشعر بيديه تسندان الكرسي وتلمسانها , منذ متى رودريغو واقف وراءها ؟
تابع يقول:
" يأتون من مدريد , وصلوا صباح اليوم وسيعودون في الغد".
" آه , صحيح".
أستمر الغناء والرقص والعزف , لكن فرح لوريل أختفة , ظلت جالسة على حافة الكرسي , مستقيمة كالعصا , كي تتحاشى ملامسة رودريغو , ولما أنطفأت الأضواء العالية , أعتذرت لوزيل وصعدت الى غرفتها وراحت تغسل وجهها ويديها , متمتعة بوحدتها.
ولما نزلت من جديد , كان العيد في أوجه , الموسيقى الشعبية ترن في كل مكان , والراقصون والراقصات يرقصن بحماس غريب , أتكأت لوريل على حافة الشرفة وراحت تتأمل الراقصين , لمحت كارلوتا ترقص مع راقص معروف عرض مواهبه منذ قليل , فشعرت بالوحدة الغريبة , فجأة صوت معروف طلع من خلفها:
" ها ها , أذن هنا أنت مختبئة يا لوريل !".
" ولماذا ...... أحتاج الى الأختباء؟".
" هل تسمحين لي بهذه الرقصة؟".
لكن رودريغو كان قد أمسكها من معصمها وسار بها الى أسفل الشرفة , ثم همس بصوته الناعم وهو يضمها اليه:
" أسترخي , أرجوك , لا تحاولي أقناعي بأنك تجيدين الرقص , ليس من الصعب الرقص على هذه الموسيقى , والآن , أريد أن أرى على وجهك تعبيرا مختلفا.....
" كيف؟".
" لو كانت عيناك رصاصتان , لمتّ في الحال! هل نكرهينني الى هذا الحد؟".
" لا , لا!".
" أنا سعيد لسماع ذلك ,أذن أشرحي لي لماذا تتحاشينني منذ الصباح؟".
لم ترد خوفا من الأنفضاح , وتمسكا بالوعد الذي قطتعته على نفسها , لكن هذه الموسيقى الناعمة لا تساعدها , فهمس في أذنيها :
" أنت غاضبة عليّ؟".
قلبها يطرق بسرعة , لكنها أستطاعت أن تقول , مديرة له رأسها :
" أبدا , يا رودريغو , لكن لم يتسن لي فرصة التكلم معك اليوم , هذا كل ما في الأمر".
" ليس هذا ما سألته".
أرتجفت لصوته الساخر , ثم أبتعدت عنه وصرخت:
" ما دمت تريد معرفة كل شيء , نعم , أتحاشاك منذ صباح اليوم , نعم , أنا غاضبة منك , ماذا أنا في نظرك؟ هل تعتبرني عبدة في مملكتك؟ والآن , ترى من الطبيعي أن أضمك كأن شيئا لم يحدث ؟ كلا أنا لست من هذه الفئة ! أذهب وأعثر على أنسانة أخرى لترقص معها!".
وبغضب قوي , أنزلقت بين الراقصين وهرولت من أول طريق , بعد قليل أصطدمت بشاب وفتاة متعانقين , فأعتذرت وحاولت أكمال طريقها , لكن , هذه التنورة والقميص الحمراء والسوداء.... أنها أيفون ...... وكانت مع.........
ألتفتت بسرعة لترى الفتاة تبتعد عن ذراعي رينالدو , أحتلّها الغضب ...... كل مصائبها ناتجة عن تصرف أيفون الأحمق مع رينالدو الدون جوان , لم تعد تتحمل الصبر , أقتربت من الفتاة بغية توبيخهما , لكن في هذا الوقت شعرت بيدين تمسكانها من كتفيها وتديرانها , وعندئذ لمحت أيفون ورينالدو يختفيان في الظلام.
هزّها الكونت كي تكف عن أحتجاجاتها , أذ قال :
" يا ألهي , دعيهما وشأنهما! بدأت أملّ من هذا الشباب الطائش ".
" وأنا أيضا , بدأت أملّ , لكن ليس للأسباب نفسها".
" ماذا تعنين بهذا الكلام؟".
" أمل أيضا من مزاجاتك المتقلبة , من البرود البعيد الى الحماس الملهوف , وتتهمني بجميع الخطايا , ثم.....".
" تابعي".
رفعت ذقنها بتحد ونظرت اليه مواجهة وقالت:
" ثم , متى أردت , تلعب دور الدون جوان , كأن شيئا لم يكن! ".
" دون جوان! أنا !".
كان على أستعداد للأنفجار , ولعدة لحظا أنتابها الخوف , لكن غضبه حل بسرعة وهمس لها:
" يا ألهي , هكذا تنظرين الي أذن!".
فجأة لم تعرف لوريل ما تقوله , أخفضت رأسها , لكنه رفع وجهها بهدوء وتابع يقول:
" هذا أذن سبب هذه النظرات الحزينة ...... كيف بأمكاني أن أسامح نفسي على ما فعلته بك".
قالت بصوت مخنوق:
" أنت لم تجرح شعوري .... أردت فقط أن ......".
داعب عنقها وقال:
" أنظري الي , يا لوريل".
توتر لذيذ عبر كيانها , وأصبح من المستحيل عليها مقاومة هذا الصوت الدافىء وهذه النظرات الساحرة .
" لا أريد أن أرى بعد الآن هذا التعبير الحزين في عينيك , أريد....".
وقبل أن ينتهي من جملته , ضمها اليه وعانقها بلهب , ونسيا الزمان والمكان.....
نداء قطع عناقهما , رفع رودريغو رأسه , وتساءلت لوريل : لمن هذا الصوت الآتي من عالم آخر , سمعت رودريغو يقوا بغموض:
" ينتظروننا في القصر , يا لوريل , أنها ساعة المفاجأة النهائية , تعالي يا حبيبني".
يا حبيبتي..... لقد دعاها ( يا حبيبتي ) نسيت نظرة كارلوتا القاسية التي فاجأتهما في هذا العناق الجميل.
وفي شرفة القصر , العائلة مجتمعة بأنتظار الأحتفال النهائي , صوت دوى , في الحال أشتعلت السماء
أنسحرت لوريل بهذا المنظر الرائع , كان رودريغو قربها , وذراعه حول خصرها , شعرت بتوتر جميل وبسعادة متناهية , أستأذنت دونا لويزا معتذرة وصعدت الى شقتها , بينما عا الضيوف الى الحديقة حيث بدأ الرقص من جديد , كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل , لكن لا أحد يبالي بذلك.
" تعالي نرقص".
كان رودريغو يحدق اليها بشغف كبير , فألتفتت نحو الطاولة حيث أرادت أن تضع كأسها , وأذا بها تلتقي بنظرات كارلوتا الوقحة المحدقة بها , قالت لها الفتاة الأسبانية :
" أظن بأنك وجدت كل هذا شيئقا , يا لوريل , أنها تسلية أضافية


تلعثمت لوريل وقالت:
" أنا....... أنا لا أفهم ما تقولينه".
" بلى , تفهمينني جيدا , ولا حاجة لنفي ذلك , في كل حال لم يعد ذلك سرا لأحد , لماذا ترسمين أذن خرائط الجزيرة ولماذا تدونين جميع التفاصيل أليس والد أيفون مديرا لمكتب السفريات وأنت مساعدته؟".
شعرت لوريل بدواخ وبغموض وسمعت تعجب الكونت , أضافت كارلوتا تقول:
" نعم , هذا صحيح , يا رودريغو , أنت لا تعلم بالأمر , أنهم يريدون جلب السياح الى هنا , وبناء الشقق المفروشة والمطاعم الفخمة والنوادي الليلية , سيأتي السيّاح بالألوف ليدمروا كل شيء , كالجراد , وأنت ألم تكن تعرف ذلك , أسألها أنت بنفسك , لا يمكنها أنكار ذلك , هذه مهنتها".
" هذ هذا صحيح؟".
رجعت لوريل الى الوراء أمام نظرات رودريغو القاسية , هل أيفون هي التي أفصحت لكارلوتا عن سبب وجودهما هنا ؟ لكن فجأة , وكالبرق , فهمت كل شيء .... المنشفة التي تركتها في المدخل ذلك اليوم......
" كلا , دعني أشرح لك , لم أنو أبدا أن ....".
" الحقيقة , أريد الحقيقة , هل تعلمين , نعم , أم لا , عند هذا.... هذا.......".
قاطعته كارلوتا, فرحة من نفسها:
" يدعى غوردن سبرل وشركته تدعى : ( السياحة الكوكبية) ".
قال كأنه لم يسمع ما قالته أبنة عمته:
" هل ستجيبينني؟".
" نعم , لكن.... أنا.....".
" حسنا , لست بحاجة أن أعرف المزيد , لقد خدعتني ..... لقد...".
وضعت لوريل يدها المرتجفة على ذراعه وقالت متوسلة:
" أرجوك , أسمعني , لقد..........".
أبتعد عنها وقال بغضب:
" لا أريد أن أسمع شيئا , يكفي ما كذبت عليّ , حتى الآن , أعتقد بأن عودتك الى لندن أصبحت أكيدة وبسرعة , وجوابي هو نفسه , الذي أعطيته لشركة من هذا النوع , أبدا , لن أدع السياحة تتطور هنا , مساء الخير".
وبسرعة جنونية , غادر الكونت وأختفى داخل القصر.
وجدت لوريل نفسها وحيدة على الشرفة وسط فرقعات سعادتها المدمرة , حولها العيد ما زال مستمرا.........

الشغاف
06-23-2011, 07:22 PM
10 – سهرة لم تحصل


النهار الأخير , الذي أمضته لوريل في فالديروزا , سيبقى محفورا في ذاكرتها الى الأبد , ومنذ ذلك الحين مضت ثلاثة أسابيع , أستعادت لوريل حياتها اليومية الأعتيادية , لكن قلبها ما زال حزينا , وكلما فكرت بيومها الأخير في جزيرة المصير , تتذكر الساعات الطويلة التي قضتها بين خوفها من مجابهة رودريغو وبين رغبتها في رؤيته , ولو لمرة واحدة.
أخيرا , غادرت القصر من دون أن تراه ومن دون أن تستطيع شرح ظروفها له , كان قد غادر الجزيرة منذ الفجر , مصطحبا كارلوتا معه , ترك لضيفتيه كلمة لطيفة , مهذبة طالبا منهما عدم التردد في أستعمال الهاتف لأبلاغ ذويهما عن وصولهما , مشيرا بأن جوزيه سيهتم بحقائبهما وبأيصالهما الى المرفأ.
دونا لويزا وحدها تمنت لهما رحلة سعيدة , وكادت لوريل أن تذرف الدموع لدى رؤية وجه العجوز الحزين والمتأسف .
وخلال العودة , تمكنت أيفون من رفع معنويات رفيقتها عندما أخبرتها هذه الأخيرة بما جرى , من غير أن تلومها , كان غوردن سبرل بأنتظارهما في المطار , باشرت أيفون بسرعة في سرد تفاصيل مغامرتهما الفاشلة , غير تاركة للوريل المجال في الكلام.
" آه , كيف تمكنتما من دخول القصر ؟ أن تدعيا اليه أمر خارق ".
أجابت أيفون:
" هذا بفضل سحرنا الكبير , طبعا"
ولما رأت تعبير لوريل المتقلص , خففت من حدة لهجتها وقالت:
" في الواقع , حدثت للوريل مغامرة غير مفرحة , بعد قليل من وصولنا الى الجزيرة , ولكونت هو بنفسه أخرجها من تلك الورطة.
وراحت أيفون تخبر والدها بتفصيل ما جرى , مصرّة على عدم أخباره الدور المتعلق بها , فسأل غوردن سبرل سكرتيرته بنبرة شكوكة:
" هل كلام أيفون صحيح , يا لوريل؟".
" نعم , أه يا سيدي , أفسدت كل الخطط , بوجودي هناك.......".
" لكن , لا يمكنك أن تفعلي المستحيل , أرجوك , لا تحزني".
أصطحبهما غوردن سبرل الى مطعم جيّد بعدما مرّ الى المنزل وأخذ زوجته التي شفيت تماما , وخلال الطعام راح يتحدث عن مشروع أخر , من النوع نفسه , لكن في جزر الكاريبي , ولم يعد واردا التحدث عن ( جزيرة المصير) أذ أن غوردن سبرل لا يحب أضاعة الوقت في التأسفات غير المجدية.....
وخلال العشاء , كانت لوريل تلوم نفسها على كل ما حدث , لماذا لم تحدّث رودريغو بالحقيقة منذ وصولها الى القصر؟ ولماذا وقعت في حب هذا الأرستقراطي الرائع والكريه في آن واحد؟
أوقف غوردن سبرل سيارته قرب المكتب ونظر الى لوريل وقال:
" ما بك يا لوريل , حزينة هكذا؟".
هزت رأسها من دون أن تنطق بكلمة , فقال:
" هل ما زلت تفكرين بالمهمة الفاشلة و في جزيرة المصير؟".
ومن جديد هزّت رأسها , فأضاف يقول:
" أراك مضطربة ويائسة منذ وصولك لا حاجة للتوتر , يا لوريل , أنسي كل ما جرى وحصل , حتى الآن".
أنت تنسى ما حصل , كيف؟
" أنها مهمة خاسرة , منذ البداية , أقطعي عليّ وعدا بعدم التفكير فيها من جديد , هل أخبرتك أيفون عن الحفلة التي سنقيمها في مناسبة عيد ميلادها؟".
" نعم , وكنت على وشك أن أسألك , ماذا يمكنني أن أهديها , في هذه المناسبة".
قال مازحا:
" أذن , قبل أي شيء , تحب أيفون , كل ما يتعلق بالعطورات !".
أبتسمت لوريل , فأضاف مديرها يقول:
" لائحتها كبيرة , تمتد من جوارب كريستيان ديور الى سيارة مكشوفة , مرورا بآلة تسجيل ( هاي فاي) تحلم بها منذ دهور".
توقف لحظة ثم أضاف يقول:
" بصراحة , أصبحت سهلة أكثر وذات مزاج ثابت , منذ رحلتكما , وشفاء زوجتي له تأثير كبير في هذا التغيّر أيضا".
قالت لوريل بلطف :
" أنا سعيدة جدا لسماع هذا الكلام".
" أنا مدين لك بالكثير , يا لوريل , وأبنتي تحبك كثيرا , آمل أن تبقي صديقتها".
دخل الى مكتبه , تاركا لوريل حالمة , مشاكل مديرها العائلية أنحلّت , آه , ماذا عن مشاكلها هي؟ ضميرها ما زال يطاردها وقلبها ينزف من جرح لا دواء له , والآن , باذا بأمكانها فعله ؟ لا شيء , الشر قد حصل , بعد عودتها , بأيام قليلة , بعثت لوريل برسالة الى رودريغو , معتذرة عن خداعها له , شاكرة له , أستقباله الحميم وضيافته الودودة , وقبل أن تضع الرسالة في البريد فكرت كثيرا , هذه الرسالة لن تغير شيئا , لم يخف رودريغة ما يفكره أتجاهها , لكن على الأقل فعلت واجبها , ولم يعد أمامها الآن سوى محاولة النسيان , وهذه أصعب المراحل
ربما كانت تتأمّل ردا على رسالتها... لكن الأسابيع تمر وأملها يضمحل , لم تعد تجد طعما في هذه الحياة , مع العلم بأنها تعرفت على وجوه جديدة وأصبح لديهاأصدقاء من جديد , بعضهم دعوها للخروج , لكن لا أحد نجح في أن يخرجها من تكتمها وتحفظها.

الشغاف
06-23-2011, 07:23 PM
وذات يوم , في أواخر تموز ( يوليو ) جاءت أيفون الى المكتب وصرخت للوريل قائلة:
" بدأ بالي ينشغل عليك! الظاهر أنك لم تستفيدي من هذا الصيف الجميل....... ماذا جرى؟".
" لا شيء , العمل كثير والوقت قليل".
" لا تبالغي , والدي ليس صارما الى هذه الدرجة ليرهقك بالعمل!".
" أنا لم أقل هذا الكلام".
" أسمعي يا لوريل..... كوني صريحة هل بسببي أنا؟ هل وجودي قربك يضجرك ؟ لقد تصوّرت بأنك فرحت عندما دعوتك الى قضاء عطلة الأسبوع في قريتنا........".
لم ترد لوريل على الفتاة, لأنها لم تفهم ما قالته , تابعت أيفون الكلام مضيفة:
" لقد.... لقد تذكرت فجأة بعض المضايقات , والكلام البذيء الذي أستعملته معك هناك , في الجزيرة.... ربما ما زلت تلومينني على ذلك؟ لم أكن أدري ما أقوله , لأنني كنت أجتاز مرحلة صعبة و........".
" لكن , يا أيفون , كيف تفكرين هكذا .. لم تزعجينني قطعا , بل فرحت كثيرا بعطلة الأسبوع التي قضيتها مع عائلتك".
" لكن , ما بك أذن ؟ هل تشاجرت مع فيليب؟".
" فيليب؟".
كادت لوريل أن تنفجر من الضحك , لم تلاحظ قبل الآن , بأنها لم تفكر به لحظة واحدة منذ عودتها , أبتسمت بسخرية , أذا كانت تستطيع أن تنسى الرجل بهذه السهولة , فالأمل ما زال واردا أذن.
" كلا , الأمر لا يتعلق بفيليب , في كل حال , كيف عرفت بوجوده؟".
" بواسطة أبي , لقد ذكره مساء أمس , وأخبرنا بأنه كان يتصل بك الى المكتب أو يأتي لأصطحابك , أبي مستغرب لأنه لم يعد يراه".
" لقد مضت ثلاثة شهور على أفتراقنا".
" حسنا , لن أفتح هذا الموضوع بعد الآن , ما دامت القصة قديمة , أوه ....... أسمعي , يا لوريل , جئت أسألك أذا كنت حرة هذا المساء , أعرف بأن الوقت قصير .... لكن هل تتذكري تشارلز؟ أعرف بأنك لا تبالين به , لكن شقيقه ريتشارد عاد منذ قليل من مصر , وفتح صالة رقص جديدة , من الطراز الحديث , هذا المساء سنذهب الى حفلة تقام في صالته وأريدك أن تأتي معنا وتتعرفي على ريتشارد ..... مارك وساندرا آتيان أيضا".
" آه , آه , لقد تغيّرت كثيرا , يا أيفون وأصبحت تفكرين بالغير".
" أذن , هل تأتين معنا؟".
" حسنا , وماذا سأرتدي : الجينز أم ثياب السهرة؟".
" آه , أنصحك بأرتداء الفستان الموسلين الذي جئت به ليلة حفلة عيد ميلادي , أنه رائع , أراهن بأن ريتشاردد سيقع في حبك بسرعة".
ذهبت أيفون الى المزين بعد أن وعدت بالمرور الى منزل لوريل في الثامنة , وكالعادة , عادت لوريل من عملها في الخامسة , فرحة لفكرة الخروج في المساء , فربما تستطيع أن تنسى العيون الحنونة والعناق الشغوف لمن تزال تحب حتى الآن.
كانت لوريل تستعد للدخول الى الجمام , عندما رن الهاتف , خفق قلبها عندما سمعت صوت أيفون , خشية تأجيل السهرة أو ألغائها.
" أتصل بك لأعلمك بأنني سأمر بك باكرا , أي في السابعة والنصف , والدي بحاجة الى السيارة , فسيوصلنا الى منزل ساندرا حيث سنلتقي ببقية المدعوين , هل ستكونين مستعدة في هذا الوقت؟".
" نعم لا تقلقي , لن أتأخر".
" حسنا , الى اللقاء القريب".
أعادت لوريل السماعة ونظرت الى ساعة يدها , ما زال أمامها متسع من الوقت لتستحم وتزيّن وجهها فتبدو جميلة وأنيقة, دخلت الحمام , وتمتعت بالماء الساخن والصابون الخاص الممزوج بالعطور الزاهية, ثم أرتدت مئزرها الحريري ووضعت ملابسها على السرير وجلست أمام طاولة الزينة لتلوّن أظافرها قبل أن تزيّن وجهها , وبعد عشر دقائق , فتحت الماء البارد فوق أصابعها بغية تجفيف الطلاء بسرعة , وفي تلك الأثناء سمعت جرس الباب , أنتفضت : مستحيل أن تكون أيفون , فالساعة ما زالت السابعة , أسرعت الى الباب قائلة:
" لكنك جئت باكرا جدا , يا أيفون! لم أستعد....... آه".
لم تكن أيفون , أصابع لوريل الباردة أبتعدت عن مقبض الباب , أسندت نفسها الى الحائط , وحدّقت مرتجفة بزائرها , هذا مسحيل , أنها تحلم!
" مساء الخير , يا لوريل".
الشبح تكلم.
همست بصوت مخنوق:
" رودريغو.........".
نظر اليها مفصلا وقال:
" الظاهر أنك فوجئت جدا لرؤيتي ! لقد جئت ردا على رسالتك , لكن أخشى أن أكون مخطئا بأختيار الوقت أعذريني , سأعود في وقت لاحق".
كاد يبتعد عندما خرجت لوريل من حالة الذعر التي أصابتها منذ وصوله ومدت له يدها قائلة:
" لا , لا ترحل... لم ..... لم أكن أتوقع أن... أن.....".
وذابت في نظرة رودريغو السمراء التي تصوّرت بأنها لن تراها بعد الآن , تسمّر الكونت لحظة على عتبة الباب , متأملا كيف تلفّ حولها لمئزر الحريري فسألها:
" هل تثقين بي؟".
تمكنت من القول بصوت متقطع:
" وكيف لا.....".
صفق الباب وراءه وقال:
" في بلادنا , لا يحق للرجل أن يرى خطيبته في وضع كهذا , وكيف بالأحرى أذا كان وحده معها.....".

الشغاف
06-23-2011, 07:24 PM
أجابت بصوت مطمئن:
" أنا لست خطيبتك ولا أسبانية , في كل حال , كنت أستعد لأرتداء ملابسي , أذا كان بأستطاعتك أنتظاري لحظة .... لن أطيل غيابي.....".
تقدم منها وقال:
" كلا , يا لوريل , أنتظري , قولي , لماذا كتبت لي؟".
" لماذا؟ ربما لأنني شعرت بالذنب".
" هذاكل ما في الأمر".
" أهذا لا يكفي؟".
" كلا".
" أسمع يا رودريغو , حاولت أفهامك في رسالتي بأنني لم أكن أنوي قطعا أن أخدعك , الظروف كان ضدي في البداية , ثم , فات الأوأن , كنا قد أصبحنا في فالديروزا و..".
" وأعتقدت بأنني كنت غير قادر على سماع الحقيقة , أليس كذلك؟".
" نعم , كأنني أملك موهبة أغضابك , ليلة العيد , هندما حاولت أن أشرح لك , لماذا رفضت الأصغاء اليّ , لحظة واحدة؟ أكتفيت بالنظر اليّ بترفع كأنني......".
أنقطع صوتها ببكاء مكبوت , ثم أنهت كلامها بنبرة شاكية:
" بعد أن دعيتنا الى القصر بهدف معيّن , طردتنا منه وكأننا غير صالحات .... هذا ما فعلته!".
" حسنا , لكن ألم تكن لدي حجة مقنعة لأفعل ذلك ؟ لقد تجاوبت معي بشكل واضح وملموس , لكن , هل كان هذا التمثيل جزءا من خطتك ؟ كنت أظنك بريئة لشدة ما كنت أحمق , ولما أوضحت لي كارلوتا الأمور , لم أكن لأصدق بأنك تستطيعين التمتع بالأزدواجية".
" لكن , يا رودريغو , هل تصورت بأنني كنت كاذبة في عواطفي؟".
ومن دون وعي , تمسكت بذراعه بوجه متوسل , ثم أخذت نفسا عميقا قبل أن تبدأ بأخباره عن مغامرات أيفون وأنتهت بالقول:
" بعد قصة الخاتم , بدأت أيفون تموت رعبا من أثارة غضب والدها مرة أخرى , فتوسّلت اليّ لئلا أخبرك شيئا , حتى لا تطرد من الجزيرة وكي لا تضطر أن تخبر والدها عن مغامراتها مع رينالدو , أما بالنسبة الى غوردن سبرل حسب رأيي , لم يكن مهتما بجزيرتكم لسبب سياحي محض , أنما بحجةأبعاد أبنته عن الجو العائلي , أعطاني عملا لتبرير هذه العطلة الطويلة التي قضيتها على حسابه , لم يظهر لي عن تأسفه لفشل المشروع ... لكن , يا رودريغو , لا تعتقد بأنني حاولت خداعك من أجل الوصول الى غايتي , أنا لست من هذا النوع".
بصمت راح يحدق فيها مطولا , ثم قال بلطف:
" لماذا لم تشرحي لي كل هذا , قبل الآن؟".
أزاحت نظرها عنه ولم ترد فسألها:
" أكنت صعب المنال الى هذه الدرجة؟".
" لم يكن سهلا شرح الأمور لك".
" حتى عندما كنت بين ذراعي؟".
هزت رأسها وران الصمت , فجأة قال رودريغو:
" لوريل , حبيبتي , في بلادنا , مثل يقول بأن الصمت والوحدة يؤذيان الأنسان الأسباني حتى الموت , وهذا صحيح بالنسبة اليّ , لا يمكنني أن أتخيّل المستقبل من دون صوتك الناعم ووجهك الصغير المثير الشرس والعنيد....".
" كيف.......؟".
نظرت الى وجهه , لكنها لم تر فيه أي علامة سخرية , أنما تعبيرا جعل قلبها ينبض بسرعة , فقال لها:
" هيا , لا تنظري اليّ وكأنك تشكين بي وبك! ألا تريدين الأفصاح عن سبب أرسالك الرسالة؟ هل يهمك رأيي بك؟".
" أظن أنك تعرف تماما بأن رأيك بي يهمني كثيرا".
" لكنني كنت أحب أن أسمع ذلك منك!".
" منذ أسابيع كتبت هذه الرسالة , لكنك لم ترد عليّ".
" تأخر وصول رسالتك بسبب الأضرابات ولما وصلت الى القصر , لم أكن هناك , كنت مسافرا من أجل التمويه والراحة .... لم أجد طعما أو لونا للحياة منذ رحيلك , وعندما تمكنت و أخيرا , من أستلام الرسالة , قررت أن أرد عليها بشخصي .... وها أنا هنا.... ألا تشعرين برغبة في الحصول على الغفران؟".
" أنا ؟ الحصول على الغفران؟ منك؟ بعد أن شتمتني ونظرت اليّ بأشمئزاز تلك الليلة ,أنت دائما غاضب , دائما مستعد للأتهام , ألا عندما.......".
" ألا عندما لا أعود أتحمل كبت شعوري وأنفعالي أتجاه ما كنت توحين به من رغبة جامحة ..... أليس هذا ما كنت تريدين قوله؟ آه , يا كنزي , متى ستتوصلين الى فهم الطباع الأسبانية ؟ نحن لا نعرف أخفاء شعورنا وعواطفنا , وغضبنا وفرحنا , كما لا نحقد على أحد , أنفجارنا مؤقت وسريع , ثم.... ما أجمل السلام بعد العراك , واللقاء بعد الفراق.....".
أمسك يديها وجذبها اليه وقال:
" والآن , هل سنتصالح , مرة الى الأبد؟".
ضمّها اليه وعانقها بحنان وشغف , رفعت لوريل رأسها وقالت:
" وكارلوتا , ألا تريد الزواج منها؟".
" يا رب , نجني منها! من الذي جعلك تفكرين بذلك؟ آه عرفت .... جدتي! أنسي هذه الأقاويل العائلية ! وأنت؟ كنت تستعدين للخروج , أليس كذلك ؟ مع من؟ مع رجل طبعا ! ستلغين الموعد وبسرعة! أنت , من الآن فصاعدا لي , وسأحاول دائما ألا أدعك تنسين ذلك , هذا هذا واضح!".
" تقريبا...... هناك أمر صغير...".
" أعرف , لم أطلب بعد يدك بصورة رسمية , أذن , يا لوريل........ هل تقبلين الزواج مني؟".
" آه , نعم".
" قولي بأنك تحبينني".
" أحبك , يا رودريغو , آه , يا حبيبي , كل هذا جميل , لكن أخشى ألا يكون حقيقة!".
" ليس هذا حلما , يا لوريل وسأبرهن لك ذلك".
ضمّها اليه بشدة وعانقها مطولا .... ثم أرخى قبضته وقال:
" لنكن واقعيين , يا حبيبتي , لا يجب أن نستبق الأمور , أدخلي الى غرفتك وأرتدي ملابسك وألا سيطير عقلي".
لكنه لم يبعدها كليا عنه , بل سألها بصوت مبحوح:
" هل تتذكرين لقاءنا الأول؟".
أحنت لوريل رأسها وأحمرّت وجنتاها فقال:
" التجربة والتقليد لا يتفقان , هيا , أفعلي ما قلته لك ".
" وألا قاصصتني ؟".
" طبعا".
" آمل ألا تسجنني طوال مدة خطبتنا وتمنعني من عناقك".
" نعم , أذا رفضت الزواج مني في الحال!".
أسرعت في الأنضمام الى ذراعيه لكن رن الجرس!
يا لها من مفاجأة كبيرة لأيفون!

تـــــــــــمــــــــــت

الشغاف
06-23-2011, 07:28 PM
حياتي احترقت - فيفيان لي -
االملخصكانكلام السيدة دونيكان واضحا: " إذا تزوجتما خلال ستة أشهر ، فهذا المنزل الفخم والثروة الكبيرة سيكونان لكما ، و إلا فلن تحصلا على شيء".
و سافرت العمة العجوز، لكن شرطها بدا مستحيلا ، فكيف يجتمع النقيضان؟هو: رجل أعمال ناجح واقعي ،يحتقر الفنانين و ... يكره النساء.
هي: رسامة موهوبة حالمة تعيش من أجل لوحاتها. أحرقتها نار حبه حتى أطراف أصابعها ، و لكنه لا يهتم بها إطلاقا. و مهلة الستة أشهرشارفت على النهاية و على أحدهما أن يرحل ، إلا إذا توصلا إلى اتفاق...

الشغاف
06-23-2011, 07:29 PM
الفصل الاول
و قضمت العجوز من الخبز قضمة كبيرة و تمتمت:
-من دونه ،أشك في قدرتي على تكديس الثروة التي أمتلكها أو في التأثير الذي لي على العديد مندوائر العمل.
و ضحكت بليندا ، و تناولت قطعة من الخبز بدورها و قالت:
-لقدقابلت اشخاصا أضخم جثة منك سيدة دونيكان.
و حثتها السيدة دونيكان قائلة:
-ضعيالمربى و الزبدة على قطعة خبزك يا عزيزتي و لا تخافي. فأنت تعرفينني جيدا و تعرفينأنني لا أمانع.
و هزت بليندا رأسها و قالت:
-إنه لطف منك ، و لكن لا يجب عليأن أفعل ، فسيجعلني هذا سمينة ، و من سمع من قبل بفنانة سمينة؟ سيفسد هذا شكلي. فالمفروض بالفنانين أن يبقوا جائعين لا أن يسمنوا بالمربى و الزبدة.
-سيستلزمالأمر كثيرا لتسمني أيتها الشابة ، فأنت نحيلة ، و جميلة و جسدك متناسق بطبيعته. وطباعك حلوة غير أنانية تتناسب مع جمال شكلك.
و نظرت بليندا إلى الأعلى نحو وجهرفيقتها:
-أتمنى أن لا تسافري سيدة دونيكان. فأنا أفضل أن أحتفظ برفقتك على أنأحتفظ بمالك أو منزلك ، أو حتى أن أشارك فيه.
-هذا إطراء زائد يصدر عن فتاة شابةلإمرأة عجوز. و لكنني قد أتخذت قراري ، و سأهاجر.
و قطبت بليندا جبينها و وضعتآخر قطعة خبز في فمها ، و نفضت يديها:
-هل أنت متأكدة من أن حفيد أخيك سيكونمتعاونا؟
-أنا واثقة. واثقة تماما... و لماذا؟ لأنني أمرته بذلك ، و لم أطلب منهو لأنني عندما آمر شخصا بشيء ، حتى و لو كان عنيدا و رأسه يابس مثل حفيد أخي فيتعامله التجاري ، فهم عادة ينفذون ما أريد ، و كما ترين فإن حفيد أخي قد ورث الكثيرمن عناد عمته العجوز!. لقد كتبت له و أعلمته بالوضع. و سيعود اليوم من الأرجنتين. ويستطيع أن يحتج قدر ما يريد ، لقد أبلغت المحامين و وقعت على الوثائق التي أعطيبموجبها هذا المنزل له و لك لتتشاركا به على الدوام. و سيكون ملككما معا ، و أرجوأن تنتبهي لكما معا و ليس لنفسك فقط.
-ولكن سيدة دونيكان ، عندما تعودين إلىإنكلترا أين ستسكنين؟
-لن أعود إلى إنكلترا. سأقضي بقية أيامي في نيوزيلندا معشقيقتي.
و أظهرت بليندا بعض الإعتراض إلا أن المرأة العجوز أمسكتبيدها:
-لنواجه الأمر. أنا عجوز و أيامي تكاد تكون معدودة. و لا أستطيع تحمل سوىرحلة واحدة بإتجاه واحد ، و عبر العالم مباشرة ، و لن أستطيع بعد خمس ، أو لنقل عشرسنوات إذا كنت محظوظة أن أتحمل رحلة العودة.
-و لكنك ستحتاجين لمالك سيدةدونيكان.
و ابتسمت في وجه بليندا:
-هل حقا تريدين التحدث معي حول كمية المالالتي تركتها لك؟ لن أحتاج إلى مالي. فشقيقتي أرملة ثرية مثلي ، يبدو أن هذا إرث فيالعائلة! و سيكون عندنا من المال أكثر ، بل أكثر بكثير ، مما نحتاجه في أواخرأيامنا.
ضغطت السيدة دونيكان على زر قرب المدفأة فأقبلت إمرأة مسنة و لكن أقلعمرا من مخدومتها ، و أنحنت مبتسمة للعجوز ثم لبليندا التي كانت تضع الأطباق فيالصينية و قالت:
-لا تزعجي نفسك يا آنسة.. هذا عملي أنا...
و سألتهابليندا:
-هل أنت تواقة للذهاب إلى نيوزيلندا يا ليديا؟
-كثيرا جدا يا آنسة ،فلم أغادر إنكلترا من قبل.
و قالت إيلين دونيكان:
-و بما أننا سنسافر بحرا ،فسنشاهد الكثير من العالم في الطريق...
و وقفت بليندا و قالت:
-إعذريني سيدةدونيكان؟
-طبعا يا عزيزتي.. فلديك عملك. و أنت مشغولة ، تماما كما حفيد أخيمشغول بعمله ، و لا وقت أمامكما لأي شيء آخر ، و لا تشغله إمرأة في حياته ، علىالأقل لا يتكلم عنهن. و لكن لا أعتقد أنه يقول لعمته الكبيرة كل شيء!
كلما دخلتبليندا الغرفة الكبيرة التي تدعوها المرسم تشعر بالنشاط. و بسبب كرم السيدة دونيكانالذي لا يصدق ، تستطيع أن تعتبر المرسم مرسمها الآن. فلم تعد تشغله إعارة أوإمتيازا ، و لكنه أصبح هبة.. نصف المنزل الآن ملكها... و لا يهمها واقع أن يشاركهافيه رجل لا تعرفه ، حسب وصف عمته له طبيعة مسيطرة و صعبة و غير مرنة. لكن لا بد أنيكون عنده بعض الصفات الإنسانية. و يجب عليهما أن يتوصلا إلى إتفاق ما بينهمابالنسبة لإدارة هذا المنزل... و قد أوحت السيدة دونيكان ، أن له مركز مرموق في عالمالصناعة ، كونه مدير قسم في شركة إليكترونيات عالمية. و قالت عنه:
-إنه قاس فيتعامله التجاري. و أي رجل عند القمة يجب أن يكون هكذا. لا لكي يصل فقط إلى القمة بلحتى يبقى فيها.
و أخذت أدوات التلوين و بدات تخلط الألوان و هي تفكر... ترى كيفيبدو في تعامله مع الناس؟ ستعرف في القريب العاجل ، إذ يتوقع وصوله في أي وقت منهذا اليوم. لا بد أنه قطع آلاف الأميال من الأرجنتين إلى لندن ، و سيمضي لي
لته هناكقبل أن يستقل سيارة أجرة إلى دير بشاير ، حيث سيمارس عمله الجديد هنا.
و سمعتصوت سيارة تدخل الممر الذي يقود إلى مدخل المنزل و أسرعت نحو النافذة التي تطل علىالممر. و كل ما أستطاعت أن تراه كان شعر رأسه الأسود ، و عرض كتفيه ، و بقية طولجسده من الزواية التي تستطيع الرؤية منها. حركات الرجل كانت سريعة و ثابتة ، أخرجمعطفه و حقيبته الصغيرة من السيارة و أغلق الباب ، و فتح الصندوق و أخرج حقيبتينمنها في لحظات. و كأنما القادم الجديد في سباق دائم مع الوقت ، و يبدو أن الوقت هوالخاسر الدائم معه.
و لم تنزل بليندا إلى الأسفل ، فقد شعرت بالخجل من لقاءالرجل الذي ستكون شريكة له في ملكية هذا المنزل القديم و الجميل ، و شعرت بالخوفأيضا. فقد تكون شخصيته من الصعب التفاهم معها. و هي في حالتها هذه دخيلة و هو عضومن العائلة ، و الأفضل أن تحتجب عن المسرح و أن تستأجر مكانا تعيش فيه أو أن تعودإلى منزل والدتها الصغير ، و تجد لنفسها عملا بالقرب من هناك ، و قرعت ليديا بابالمرسم قائلة:
-السيدة دونيكان تريدك يا آنسة. السيد غاردنر وصل و تريدك أنتقابليه!
و أخذت تنظف الدهان عن يديها ، ثم أخذت مشطا عن طاولة الزينة ، فقد كانالمرسم أيضا غرفة نومها ، زودتها مضيفتها فيه بسرير و عدة أدوات راحة أخرى ، و مشطتأطراف شعرها الطويل ، الذي طالما وعدت نفسها بأن تذهب إلى الحلاق لتقصه ، و لكن دونأن تجد الوقت الكافي.
هل تغير ثيابها؟ لقد كانت ترتدي ثياب العمل العادية ، وتبدو في كل مظهرها كفنانة حقيقية. و إذا كان يحب الفنانين ، فإنها تبدو رائعة ، ولكن ماذا إذا لم يكن؟..
إنه لا يحب الفنانين. تستطيع أن ترى هذا بوضوح في قسماتوجهه الأسمر القاسي ، الوسيم و عيناه الضيقتان. و كان طويلا أيضا ، و شعره كثيف وقاتم ، و ملابسه فاخرة ، و تصرفاته حادة. و الجو المحيط به هو لرجل ، على الرغم منتودده السطحي ، إلا أنه في الداخل يملك تحت هذه القشرة ذهن متوقد و صافي ، و تحفظمنعزل لا يمتلكه سوى النخبة المحظوظة. و بما أن بليندا لم تكن من النخبة المحظوظةهذه فقد استطاعت أن تلاحظ ذلك على الفور.
على كل الأحوال ، ابتسمت له ، و كانللإبتسامة عدة صفات مختلطة! كانت جميلة ، غير واثقة ، و مع ذلك مرحبة ، و تغطيالإرتبارك الذي ساورها عند مشاهدته. و قالت بثقة بالنفس لم تكن تشعر بها حقا:
-مرحبا سيد غاردنر.
و نظر إلى يدها الممدودة ، ثم نظر إليها ، و للحظة فظيعةاعتقدت أنه سيرفض يدها و يقابلها بالتالي بإزدراء ، و لكن بأدب جم ، حتى و لو ظاهريوضع عدائيته الظاهرة للعيان ، جانبا و مد يده للقاء يدها.
كانت قبضته ثابته ،مصافحة عمل ، ليس أكثر ، و دامت ثانيتين كما خمنت بليندا. و من الغريب كيف شعرتبأنها "عدوته" بالرغم من أنه لم يوجه لها أية كلمة. و قالت السيدةدونيكان:
-غارث.. أليست جميلة؟.. أليست بهية المنظر؟ أليست كل شيء قلتهلك؟
-عمتي.. لا يمكن لإمرأة أن تبلغ حد الكمال كما وصفت الآنسة هامر ، بالطبع.. لقد كنتي كمن "يبيعني" إياها. و يحتاج الأمر إلى بائع قوي الحجة "ليبيعني" أيةإمرأة. إنهن مفيدات كسكرتيرات ، أو طباخات ، أو ممرضات عندما يكون المرء مريضا. ولكن ما عدا ذلك ، لا أرى أية حاجة ملحة لأن يمتلك الرجل واحدة منهن فيحياته.
-غارث.. سفرك إلى الخارج لم ينفعك. لقد جردك من الصفات البشرية. لو أنرجلا يحتاج إلى إمرأة في حياته لتعيد الدم إلى عروقه فهو أنت يا إلهي يا ولد ، أنتفي الثالثة و الثلاثين من عمرك ، و مع ذلك تتكلم و كأنك أعزب جاف العاطفة سريعالغضب. و هذا ما يجعلني سعيدة لأن أكون بعيدة النظر بأن أضع الشروط التي وضعتها علىالمبلغ الهائل من الأموال التي جعلت المحامين يضعونها قيد الأمانة لصديقتي الشابةبليندا هامر.
و سألتها بليندا:
-قيد الأمانة سيد دونيكان؟
-أجل.. قيدالأمانة يا عزيزتي.
-و ما كان قصدك ياعمتي؟ أنت عجوز غريبة الأطوار لا يمكنالتنبؤ بنواياك ، و أنا لا أثق بك أبدا..!
-أشكرك يا ابن أخي العزيز... أنت تعنيبقولك التوبيخ ، و لكنني أتقبلها و كأنها إطراء لي. أعترف بأنني غريبة الأطوار ، وبثروتي أستطيع أن أكون ما أشاء. و أعترف بأنني لا يمكن التنبؤ بما أنويه ، فأنا علىالدوام كنت مسرورة بعمل كل شيء مسرف في الخيال، و هذا سبب قراري بالسفر آلافالأميال عبر العالم في عمري المتقدم ، الثامنة و السبعين هذا. و لو كنت في مكانك ،لما وثقت أبدا بنفسي أيضا!
و أشارت إلى بليندا التي كانت تقف إلى جانبها ، و دعتابن شقيقها ليقف إلى الجانب الآخر. و أخذت يديهما و جذبتهما أمامها حتى التقيا وقالت:
-دعني يا غارث أقدمك لزوجة المستقبل بليندا هامر. بليندا هذا غارث غاردنر، زوج المستقبل...
و ردت عليها بليندا:
-سيدة دونيكان لا يمكن انك تعنين ماتقولين!
و نظرت إليها إيلين ، ثم قال غارث:
-عمتي هذا أمر غير معقول!
ونظرت إليه إيلين أيضا و قالت:
-لقد حذرتك... و لكنني سأكون لطيفة معكما.. سأعطيكما ستة أشهر. إذا تزوجتما ستتسلم بليندا مبلغا محترما من المال كل شهرلمساعدتها في عملها الفني... و ستحصل على مال وفير تصرفه كيفما شاءت!
و قالتبليندا:
-و لكن... إذا لم نتزوج؟
-سيعود مالي إلى عمل خيري مفضل عندي "منزلالقطط" أنت تكره القطط ، أليس كذلك يا غارث؟ و حصتها في المنزل ستعود إليك و عندهاستضطر هي إلى مغادرة المنزل.
و قاطعتها بليندا:
-و لكن سيدةدونيكان.
-آسفة يا عزيزتي ، قد يبدو علي أني لطيفة ، و لكن في داخلي ، أنا قاسيةو عجوز مزعجة. و أحب أن أفعل ما أريد ، حتى و لو عنى ذلك الإساءة للناس. و حفيد أخيورث أخلاقي ، لذلك أحذرك عندما تتزوجان...
و صرخ غارث بالكلمات من بينأسنانه:
-لن يكون هناك زواج! إنه أمر مناف للعقل! أنت مجردة من الضميرّ!
-وأنت كذلك يا غارث... مثل الميل إلى الزواج من الرجال الأثرياء و وراثتهم بعدموتهم... مثل شقيقتي أتذكر؟... مثل هذه القسوة وراثة عائلية، و لا تستطيع أن تحتجيا غارث. فأنت تملك ما ورثته من العائلة من أخطاء. و أنا أتكلم معك بطريقتك: إما أنتتزوج هذه الفتاة ، و تأخذ المال مقابل الجمال و الذكاء و العاطفة ، و هذه أشياء لاتملكها أنت ، و تعطيها فرصة للعيش الهنيء ، إذا لم يكن الباذخ ، لما تبقى من حياتها، أو أن لا تتزوجها و ستعود إلى ما كانت عليه من الفقر و التشرد قبل أن أضمها تحتجناحي. و إذا تركت هذا البيت ، لن يعود عندها بيت تلجأ إليه.
-لن يكون هناكزواج!
و ارتجفت شفتا بليندا لعنف لهجته و قالت:

الشغاف
06-23-2011, 07:31 PM
-لا أريد أن أتزوج سيدةدونيكان ، خاصة إلى... إلى...
-لا يا عزيزتي... لا تستطيعين وصفه إنه جلف فظ ،إنه غير متمدن ، إنه.. إنه.
و ارتجف صوتها و اختنق ، و أسرع غارث ليقف أمامها ويمسك بيدها:
-أنا آسف يا عمتي... أعتذر ، أعتذر بكل إخلاص... و لكن يا عمتي... الوضع مستحيل ، و يجب أن تعرفي هذا. لم أشاهد هذه الفتاة سوى منذ دقائق.. لا أستطيعأن أضع "السرج" على ظهري...
-تضع "السرج"! مع مثل هذه الساحرة ، المحببةالجذابة..
فاستدار و نظر إلى بليندا:
-لا شك أنها كذلك. فصديقتك الشابة ، قدسوقت نفسها لك بقدرة و خبرة بائع قدير. و كيف تعرفين أنها صادقة ، و أن البضاعةالتي باعتها لك ليست زائفة.. ثانوية... و مستعملة؟و تصاعد الدم في وجه بليندا وقالت بغضب:
-أرجوك المعذرة سيدة دونيكان.. لدي أعمال أريد أن أنهيها!
-طبعايا بليندا..
و التفتت إلى غارث:
-هذه الفتاة متعصبة لعملها. إنها مشغوفةبه.
-و هذا ما يجعلنا إثنين من نوع واحد ، على الأقل أصبح لدينا شيء مشترك و هومحبة أعمالنا.
و نظرت إليه بليندا من عند الباب و قالت:
-و هذا شيء ضئيل جداسيد غاردنر.
و إبتسم بسخرية و استدار إلى عمته:
-لو أننا وافقنا على إقتراحكالسخيف بأن نكون رجلا و زوجته ، على الأقل لن نضطر لأن نقف في طريق بعضنا البعض. سأكون منشغلا حتى أعلى رأسي بالعقود و المشاريع و اللقاءات و ستكون هي في مرسمهامنشغلة تماما برسم خيبتها و صدمتها و اضطراباتها العصبية على الكانفا ، و الورق أوأي شيء يستخدمه الفنانون هذه الأيام.
و أجابته بليندا:
-شكرا لك لتخفيضكمستوى قدراتي الفنية و مهنتي إلى درجة الإضطرابات النفسية. و إعذرني لقولي هذا ، ولكن مع أنك قد تمتلك الذكاء لتحويل نفسك إلى "ملك أعمال" فأنا أشك في إمتلاككالإحساس الضروري لتعجب بعمل فني حتى و لو شرح لك بالكلمات.
أنا أرسم لأريح نفسيمن التوتر العصبي. أنا أرسم لأني أحب الرسم ، و لأنه لا يوجد شيء بداخلي ، لا قوةغير مسؤولة تدفعني و لا تتركني لأرتاح. و أنت بما أنك رجل في القمة لا بد تعرف عنالقوى الدافعة و التي تعطينا شيئا مشتركا أيضا!...
و صفقت الباب وراءها ، و سمعتمن وراءه ضحكات سيدة المنزل التي كانت تطلقها برضى و سرور...
وقف غارث غاردنر فيمنتصف غرفة المرسم ، و يداه في جيوبه يتحدث إلى بليندا:
-ماذا سنفعل بخصوصالموضوع؟ لقد دفعت عمتي إلى هذه النهاية أليس كذلك؟
-لا بد أنني في نظرك مصابةبداء عصبي سيد غاردنر ، و لكنني لم أصل إلى هذا المستوى من الجنون. لا بد أنك لمتأخذ فكرة عمتك على محمل الجد؟
-و هل تأخذينها أنت؟
-بالطبع. لا...
-هللديك أصدقاء شبان؟
-واحد أو إثنان.
-هل هناك واحد خاص؟
-ربما ، على كلماذا يعني لك هذا لو أن عندي صديق؟و إبتسم بسخرية و إتكأ على حافةالنافذة:
-أريد أن أعرف مدى المنافسة التي سوف أواجهها ، و كم من منافس يجب أنأتغلب عليه لأكسب "الجائزة".
-لا تهتم ، فالإتفاق لاغي ، بالنسبة لي لم أفكر بهأبدا. إعطني فقط ستة أشهر هنا و هذا كل ما أطلبه. و بعدها سأجد مكانا آخر أعيشفيه.
-و تتخلين عن المال؟

و عضت شفتها و لم تجب. و أخذ يتجول في الغرفة ، يحدق بالصور غير المكتملة ، والرسمات البدائية المنتشرة على الأرض ، و التي أخذ يرفسها برجله ليديرها أو ليزيحهالينظر إليها. و التقط بعض طين الخزف ثم رماه من يده و نظفها بمنديله. ثم تقدم إلىجانبها يراقب ضربات فرشاتها على اللوحة.
-هل هذا ما تفعلينه طوال اليوم؟ تستغلينعمتي كممول لك ، تقدم لك كل إحتياجاتك ، و ليذهب كل العالم إلى الجحيم؟
-أنامدرسة ، إنني أدرس الفنون في مدرسة محلية كبيرة ، لهذا ترى أن لدي بعض من التفكير ،مع صغره ، و لكنه كاف لأن أكسب معيشتي و أهتم بنفسي حتى النهاية.
-نهايةماذا؟
-نهاية أيامي حتى لا يضع السرج على ظهري رجل.
-بكلمة أخرى ليس لديكالنية أن تلتزمي برغبات عمتي؟ و في هذه الحالة لن تحصلي على مالها. كم أنت بحاجةلهذا المال؟كم هي بحاجة لهذا المال؟ بحاجة إليه كثيرا ، و بيأس. من أجل والدتهاو ليس من أجلها شخصيا. و لكن لو قالت له الحقيقة ، سيعتبر أن ذلك بمثابة وضعه أمامأمر واقع ليتزوجها ، و ليريح والدتها من متاعبها المالية الكبيرة.
عليها أنتعترف أنها بحاجة إلى المال. و لكن ثمن الوصول إليه كان أكبر من أن تتحمله ، حتى ولو كان سيريح والدتها من الحمل حتى لا تعمل بعد الآن.
و لكنها تعلم أن عليها أنلا تدفع هذا الرجل ليكون مجبرا على الزواج منها أبدا. إنه قاس و لا رحمة في قلبه ،هكذا قالت عمته ، و صلب في مبادئه ، و ما عليها إلا أن تنظر إليه لتعرف هذا. و إذااقتنع بتنفيذ أمر ما فلن يتردد في الوسائل التي توصله إليه. و إذا كان بزواجه منهاسيقوم بعمل خير لوالدتها ، فلن يتردد بالزواج منها. و لكن فكرة الزواج من هكذا رجلأرعبتها. لذا قررت أن تلعب أوراقها بمهارة. فقالت:
-إنني أريد المال برغبةكبيرة.
-لمن تريدينه؟
-و لمن غيري؟ سيكون مالي ، و سأحتفظ به! سأستخدمه لدفععملي ، و لكي أتحمل المنافسة ، سأصرفه على الثياب ، الثياب المكلفة الجميلة ، وسأشتري سيارة ، ليس سيارة صغيرة بل كبيرة ، و أتباهى بها على زملائي فيالمدرسة...
و تحرك عن النافذة ، و وقف في وسط الغرفة ينظر إليها قائلا:
-شكراآنسة هامر لأنك قلت لي هذا... و أيضا لإظهار جزء من شخصيتك لي ، و التي أبقيتهامخفية عن عمتي.. ماذا قالت؟ حلوة.. مرحة ، جميلة المظهر ، ذكية و عطوفة؟ يا إلهي ،لا تعرف عنك سوى القليل لتقوله لي! و قد أستخدم كلمات بدائية لأصفك. كلمات مثل جشعةو و محبة للمال و أنانية بكل ما في هذه الكلمات من معنى!
و التقت عيناهما ،عيناها واسعتان غير مصدقتان ، و عيناه ضيقتان فيهما إزدراء ، و خرج من الغرفة. إذا.. ها هو الآن يحتقرها لجشعها و أنانيتها و هو تماما ما قصدت إليه ، لن يتزوجهابعد الآن بالتأكيد. و هذا ما أرادته.
و اختار غارث قسما منفصلا من المنزللأستخدامه الخاص ، غرفة نوم كان يستخدمها في الماضي ، و غرفة جلوس كانت تعرف بغرفةالإحتفالات. و غرفة الطعام الكبيرة التي رفضت بليندا أن تشاركه بها.
و هناك غرفةأصغر منها ملاصقة لغرفة جلوسه اقترحت السيدة دونيكان أن تستخدمها كغرفة طعام و أصبحمفهوما أن بليندا إضافة إلى المرسم الذي تشغله ، سوف تستخدم الغرفة الملاصقة لهكغرفة نوم.
كما أن هناك مطبخ كبير في الناحية الخلفية للمنزل ، و على الرغم منأنه مزود بأحدث الأدوات إلا أنه لا زال يحتفظ بطرازه القديم. و تم الإتفاق على أنيستخدمانه مشاركة و بالتساوي. و قال غارث إنه سيحضر طعامه بنفسه ، مما أدهش بليندا، إلا أنه أجاب أنه يفعل هذا عن قصد حتى يزيل أي حاجة للمرأة في حياته. فاحتجت عمتهقائلة:
-لا لزوم لهذه الفظاظة..
و سألته بليندا و قد ظنت أنها تمكنت منه:
-و ماذا بشأن الغسيل؟
-أستخدم الغسالة ، أو الأفضل أن أرسل ملابسي إلىالمصبغة ، فتعود إلي نظيفة و مكوية و موضبة ، أفضل من عمل أية إمرأة ، و أيةزوجة...
فقالت بليندا:
-يا إلهي من ستتزوجك سيكون أمامها مهمة صعبة ، سوفتمزق نفسها لتستطيع العيش بمستواك...
و أجابها:
-لن تتزوجني أية إمرأة.
و تدخلت عمته:
-غارث! ستغير رأيك. يجب ذلك ، و إلا سيثقل هذا ضميرك لماتبقى من حياتك ، لأنك عامدا متعمدا ستحرم هذه الفتاة من إستلام الهبة التي حضرتهالها.
-و أنت يا عمتي عامدة متعمدة حضرت لي فخا لتدفعيني للزواج ، و لن تستطيعيإنكار هذا!
-لن أنكره ، و طبعا فكرتي تناسب ما في ذهنك ، فأنت بحاجة إلى ترويضأيها الفتى ، و إمرأة وحدها ، جميلة و كاملة تستطيع...
-لا تقولي هذا يا عمتي ،ليس هناك من لها هذه الصفات في هذه الأيام ، و بالتأكيد لن تكون فنانة قادرة علىادعاء مثل هذه الصفات الحميدة القديمة الطراز...
و لم تتابع العمة الموضوع ، ولكن بليندا كانت تعرفها جيدا لتعلم أنها مستاءة من تصرفات حفيد أخيها غير المحتملة، و لكن هذا أسعدها. فلم تكن تريد أن تتزوج هذا الرجل. و عزت نفسها بأنها لو لمتحصل على المال ، فإن أمها لن تستفقد الراحة المالية لأنها لا تعرفها أصلا.
وتركتهما السيدة دونيكان لوحدهما ، فقال غارث:
-آمل أن تتذكري الأوقات التيأستخدم فيها المطبخ آنسة هامر..
-لا تقلق سيد غاردنر. سأتذكر، فعقاب النسيانسيكون فظيعا!
و ضحك و تحول وجهه الوسيم القاسي القسمات إلى وجه دافئ. و كان لهذاالتحول تأثيره على سرعة نبضات قلب بليندا. و فكرت: الرجل من جنس البشر على كلالأحوال! و لكن هذه المظاهر البشرية لم تدم طويلا و عاد إلى سخريته عندما قالتله:
-ليس لدي نية الصدام معك بأية طريقة. في الواقع سأكون مسرورة لو تدبرناأمرنا بحيث لا نلتقي حتى على مسافة للكلام.
-هل وجودي ثقيل عليك؟ إذا الشعورمشترك آنسة هامر! أرجوك أن تبقي بعيدة عن طريقي ، فأنا رجل مشغول دائما ، و لاأستطيع إبقاء باب مكتبي مقفلا و أنا في مثل هذا المركز و سأمضي معظم امسياتي فيغرفة المطالعة على مكتبي. و كل ما أطلبه منك الهدوء ، و إذا كنت ستشاهدين التلفزيونأو تستمعين للراديو ، فأخفضي الصوت قدر المستطاع ، و سيكون كل شيء على ما يرام.
و إبتسمت متحدية:
-و إذا لم أفعل؟و قطب محدقا بعينيها الزرقاوينالواسعتين فأردفت:
-لن تستطيع طردي... أليس كذلك؟
-أستطيع أن أقابل الأذىبمثله آنسة هامر ، فلدي وسائلي الخاصة. و قد أكون أكره النساء ، و لكن معرفتي بهنأكبر مما تعتقدين. فلا يزال لهن مكان في حياتي ، مع أن هذا المكان صغير . و إذااحتجتهن للعمل ، أستخدمهن ، و إذا احتجتهن للمتعة ، أعرف أين أجدهن. إذاً.. إذاأزعجتيني زيادة أو دفعتيني زيادة ، فيجب أن تعرفي ماذا ستتوقعين...
و إبتسمت لهبعذوبة:
-لقد أخفتني سيد غاردنر ، لقد جعلتني أرتجف.
و تقدم نحوها خطوةبطيئة متعمدة ، فأسرعت للخروج و أغلقت الباب وراءها ، ثم فتحته ثانية و قالت:
-أحيانا أكون إجتماعية جدا ، فأقيم الحفلات الصاخبة للعديد من أصدقائي. ومعظمهم فنانون ، و عندما تستحوذ عليهم روح الحفلة ، لن تستطيع إسكاتهم.. أنا آسفة.
و أغلقت الباب ، ثم فتحته ثانية لتقول:
-سنرحب بك دوما إذا انضممت إلىحفلاتنا.
و أقفلت الباب و هربت إلى غرفتها قبل أن يتمكن من الرد.
يوم سفرالسيدة دونيكان قالت لابن أخيها إن السيدة هوغند التي تنظف المنزل ستستمر بالحضورمرتين في الأسبوع و لكنه قال:
-لا لزوم لها ، فأنا قادر على أستخدام المكنسةالكهربائية.
-هنا أكثر من دفع ماكنة كهربائية أيها الفتى فوق السجاد. و إذا لمتأتي السيدة هوغند ، فستترك الأمور لبليندا لتجد نفسها تنظف و تنفض الغبار و تلمعالأثاث. و أنا أعرف طرق الرجال.. يقصدون عملا و يبدون بشكل حسن ، و لكن بعد ذلك... و عاملا الحديقة سيستمران في عملهما ، أجرة الثلاثة مع المحامين و سيرسلون لهمأجورهم كل أسبوع.
عند البوابة ، و الخادمة ليديا تنتظر في السيارة ، التفتتإليهما غامزة:
-كل ما عليكما أن تفعلا ، هو أن تتعلما كيف تعيشان معا ، و هذاهو الزواج في الحقيقة.
و ضحك ابن اخيها عاليا و قال:
-لقد قلت لك من قبل ،أنتعجوز ماكرة. و لكن ليس كل حيلك ستنجح ، فلست مستعدا لتغيير عادات حياتي ، بأنأغير معاملتي للنساء و أحمل أعباء زوجة لمجرد أن انقاد إلى حبك للخير الذي في بعضالأحيان تقوده العاطفة فقط.
-أنت عنيد يا غارث. و لكنني أعند منك ، أنا أحبالقطط ، و أنت لا تحبها ، و مع ذلك فأنت مصمم أن تستفيد منك القطط ، أليس كذلك؟ وهل ستضع استفادة القطط من الثروة قبل مصلحة هذه الفتاة؟ لا أصدق يا غارث. أعرفك وأنت طفل ، و أنت لست شريرا كما تحاول أن تبدو. إنه ليس شريرا يا بليندا ،حقيقة!
و ضحكت بليندا:
-سيلزمني الكثير لأقتنع بهذا!
-استمع إليها ياغارث ، لقد بدأت بتمزيق صفحات كتابك. لقد قابلت أخيرا من هي ند لك. و لن تجد سهولةفي إكتسابها كما تعتقد.
و قال ببرود:
-لن أحاول حتى أن أفعل.
عند البوابةعانقته و طلبت منه أن ينحني لتقبله. و قبلت بليندا و الدموع فيعينيها:
-لقد كنتي لي كالحفيدة يا عزيزتي ، لقد كنت عجوزة مزعجة وكنت لطيفة معي ، و شعرت معك بأنني أصغر عمرا. استمري في رسمك و المال الذي ستحصلينعليه مني سيساعدك كثيرا يا عزيزتي.
و هزت بليندا ، رأسها و لم تستطع أن تتكلمفتابعت العجوز قولها:
-قد لا تريني ثانية ، و أنت أيضا يا غارث. دعوني أركمامعا. ضع ذراعك حولها. دعوني ارى كيف يبدو منظركما معا لأحمل الصورة في ذهني إلىالجهة الثانية من العالم.
و ببطء محاولا عدم إظهار ضيقه ، أطاعها ، و استجابتبليندا عندما لمسها:
-عانقها يا غارث ، لمرة واحدة ، لأجلي أنيا ولدي العزيز ، سأكون مسرورة أكثر مما أستطيع التعبير عنه..
و تمتم:
أنتعجوز ماكرة.
و استدار لبليندا و وضع ذراعاه حولها و جذبها نحوه و وضعت يداهاحوله ، وبقيا هكذا ، و بدا لبليندا أنه وقت طويل ، طويل لجعل جسدها حارا و يرتجفإلى أن احترق وجهها بالإرتباك ، ثم الغضب.
لم يكن هناك لزوم لهذةالإطالة ، فلم يكن هذا ما طلبته السيدة دونيكان. لا بد أنه يفعل هذا لمجرد إزعاجها، و قد نجح. و لكنها علمت أن عليها أن لا تظهر الإنزعاج ، ليس أمام السيدة العجوزالتي من الممكن أن لا يرياها ثانية.
و عندما تركها آخر الأمر ، استدارت بليندامبتعدة عنه بإتجاه العجوز و هي تبتسم ، لتشاهد سرور إيلين الزائد. و قالتالعجوز:
-ستة أشهر! كم كنت غبية! كان يجب أن أشترط ثلاثة فقط. هذا ما سيستغرقهالأمر بينكما. لقد أصبحتما في منتصف الطريق إلى الحب بالفعل!
و قالت بليندابسرعة:
-سيدة دونيكان.. إنه ليس...
و لكن ذراع غارث حول وسطها اشتدت عليهامحذرة ، و قال مبتسما:
-قد تكونين على حق يا عمتي إيلين... قد تكونين على حقتماما.
و لوحت العجوز بيدها مترددة ، و أطالت النظر إليهما ، قبل أن تخرج نهائيامن حياتهما...

الشغاف
06-23-2011, 07:33 PM
الفصل الثاني
عدو النساء

ما أن ابتعدت السيارة عن الأنظار ، حتى أفلت غارث ذراعه من خصر بليندا ، و ابتعدا و أخذا يحدقان ببعضهما.
و تساءلت بليندا في نفسها ، ماذا تنتظر؟ عرض صداقة.. هدنة.. غفران ، غفران عن ماذا؟ ماذا فعلت بحق السماء؟
لم يبدو شيء في عينيه السوداوين المتفحصتين يريحها ، أو يلطف من إضطرابها. بل كان هناك تفحص غير متحيز و غير شخصي لوجهها تبعه تفحص لشكلها. هل يحاول أن يقرر كيف يصنفها ، في سبيل أن يقرر كيف سيستخدمها في المستقبل؟ و بأية صفة.. للعمل.. أو للتسلية؟... هذان هما الوظيفتان التي قال إنه ينظر إلى المرأة من خلالهما في حياته. هل تتناسب مع نظرته للأشياء أم أن عليه أن يخلق لها تصنيفا جديدا يناسبها؟
و استدار نحو المنزل و أخذ يقرأ بسخرية الكلمات المنقوشة على أعلى مدخله و المطلية بالذهب:
-من قدر له أن يدخل هذا البيت عليه أن يتخلى عن عدوانيته و أن يفرد جناح الإلفة و المحبة.
و نظر إليها بسخرية قائلا:
-هذا مدعاة للسخرية ، أليس كذلك؟ رسالة كتبت منذ عقود من الزمن و لكن و كأنها وضعت هنا خصيصا لنا... حسنا آنسة هامر المنزل لنا ، لك و لي.. هل نطيع أمر السيد... لا بد أنه سيد من كتب هذا ، فلا يوجد إمرأة تستطيع التفكير بهذا الكلام.. الذي كتب هذا الكلام منذ مئة سنة أو أكثر ، رجل مسالم ، كتبها بماء الذهب كأمر موجه لكل الداخلين؟ و هل سنعيش بتوافق تحت السقف القديم "لبراين ثورب"؟
-لن أراهن على ذلك سيد غاردنر.
-بصراحة ، و لا أنا كذلك.
و نظرت بليندا إلى المنزل بعيني من يملك ، أو بالأحرى نصف مالك ، و لم تتمالك أن تخفي شعورا بالفخر. فماذا يهمها حتى و لو أن حصتها في الملكية لن تدوم أكثر من ستة أشهر؟ فلو أنها عاشت هذه الستة أشهر بكامل حيويتها ، و رسمت كما لم ترسم من قبل ، لأصبحت هذه الفترة القصيرة من حياتها تاريخا لن تنساه أبدا.
و لم تشاهد بليندا غارث لبقية ذلك اليوم. المنزل كان كبيرا ، و توزعا ، كل في جناح خاص له. و كان من السهل أن يمضي شخصان مختلفان في حياتهما أياما طويلة دون أن يلتقيا ، حتى و لو كانا يعيشان داخل نفس الجدران.
مع أن اليوم كان الأحد و بليندا عادة تبقى في الفراش إلى وقت متأخر ، إلا أنها ذلك الصباح إستيقظت باكرا ، و أرتدت ثيابا عادية ، و ركضت نحو المطبخ لتحضر طعام الإفطار. و هنأت نفسها لأنها استطاعت أن تسبق وجود غارث في المطبخ ، و حضرت بعض الكورنفليكس و الحليب مع السكر و جلست إلى طاولة المطبخ الخشبية الكبيرة لتتناولها.
و دخل غارث بعد بضعة دقائق ، و أظهر الإمتعاض لوجود رفقة معه في المطبخ. و رفع حاجبيه و قال بأدب مصطنع:
-أعتقد أنك على وشك الإنتهاء من طعامك آنسة هامر.
-آسفة ، و لكنني لم أنته بعد ، فلم أصنع قهوتي.. لقد حضرت مبكرا سيد غاردنر!
-لا.. بل أنت من تأخرتي آنسة هامر.
و نظرت إلى ساعتها ، و وجدت أنه غير مخطئ ، و دفعت كرسيها بقوة فأوقعتها على الأرض ، و أقفلت الكتاب الذي كانت تقرأه ، ثم جمعت أطباقها و وضعتها في المغسلة ، و قالت:
-سأغسلها فيما بعد.
ثم خرجت.
-و ماذا عن قهوتك؟
-لن أتناولها..
-لا تتصرفي و كأنك ضحية. تناولي قهوتك.
و أرادت أن ترفض شاكرة. و لكن لماذا لا تتناول قهوتها؟ و بينما هي منهمكة في تحضير القهوة ، وقف غارث ينظر إلى الحديقة عبر النافذة. ثم صبتها و إنتظرت و هي جالسة على الطاولة لتبرد. و أخذت تراقب غارث و هو يحضر إفطاره. محاولة التظاهر بأنه غير موجود. رائحة البيض و اللحم المقلي ، أثارت شهيتها ، و لم تستطع إبعاد نظرها عن الطبق الذي حضره. و لكنها استطاعت في النهاية أن تغرق ذهنها بالكتاب أمامها ، منتظرة القهوة لتبرد.
-هذا مضر لك..
-و ما هو؟
-القراءة و أنت تتناولين الطعام. فهذا يتعارض مع عملية الهضم.
-أنا لا أتناول الطعام ، لقد إنتهيت ، و القهوة ليست طعاما.
-إنها جزء من وجبة طعام.
و ابتلعت ما تبقى من القهوة ، و كادت تشهق للسعتها الحارة في حنجرتها ، ثم غادرت الطاولة. و بينما هي تفعل ، أخرج كتابا من جيبه و فتحه أمامه كما كانت تفعل:
-هذا مضر لك. ستقول لك هذا عملية هضمك طوال الصباح!
و انفجر ضاحكا و هي تستدير لتنصرف.
صباح الأثنين ، اصطدما مرة أخرى في المطبخ عند الإفطار. و حدق بفستانها المرتب الجميل ، و بوجهها المزين بدقة ، و بشعرها الطويل الأشقر المضموم بضفيرتين إلى الخلف ، و على الرغم من ألوان ثوبها الزاهية ، إلا أنها كانت تبدو كمعلمة تماما. و بدا أن مظهرها قد أدهشه. هل يعتقد أنها غير محترمة تماما لأنها لم ترتدي ثيابا عادية للمدرسة؟ لو أنه سألها لكانت قالت له إنها تحتفظ بمظهرها كفنانة للأمسيات و العطلات.
و تناولا الطعام بصمت ، و نظر إلى طعامها العادي ، و نظرت بدورها إلى طبقه من البيض و اللحم. و لاحظ نظرتها فإبتسم و قال:
-هل ترغبين في شيء منه؟
و هزت رأسها بالنفي ، فأردف:
-إذا توقفي عن التحديق ككلب يجلس على رجليه ينظر بتوسل..
-بإمكاني أن أحضر نفس الطعام لو شئت. و لكنني أراعي رشاقتي.
- و من لا يفعل هذا؟
هذا الرجل يبدو واثقا بنفسه ، و لا يحتاج إلى أحد ، و خاصة إلى إمرأة. و لا يجب عليها أن تنجذب إليه. يجب أن تجبر نفسها على كراهية تصرفاته المسيطرة.. لا أن تنجذب لها...
و جمع أطباقه و وضعها في المغسلة و قال:
-لا تلمسيها آنسة هامر سأغسلها عندما أعود في المساء!
-لن ألمسها أبدا. فأنا لست خادمتك ، و لا مستأجرة في هذا المنزل ، فأنا أملكه... معك.
-أوافق معك.. لذا أتنمى بما أنك شريكة لي في.. هذا... المشروع ، أن تقومي بحصتك من الواجب و تبقيه مرتبا و نظيفا بطريقة متمدنة...
-و ماذا تظنني؟ أظنك تعتقد لأنني فنانة ، فأنا أكره النظافة و النظام ، و أتمرغ بالأوساخ و الفوضى.
-أنت قلتي آنسة هامر.. و ليس أنا.
-و لكن هذا ما عنيته بقولك.
-و أفترض أن عليك المشاركة بالعناية به أيضا ، للمحافظة عليه و إصلاحه عند الضرورة.
-و هل تعني.. ماليا؟
-و ما سواه؟
-و لكنني...
-و لكنك ماذا؟ لا بد أنك تتقاضين مرتبا؟ المعلمون هذه الأيام رواتبهم ليست سيئة. أليس كذلك؟
-الصغار لا يدفع لهم جيدا.
-و لكنك تعيشين هنا دون دفع إيجار. و لا مصاريف عندك سوى الطعام و الملابس ، و الأدوات الخاصة بنشاطك الفني؟
-أنا.. أنا أساعد والدتي.
-أتعنين أنك ترسلين لها المال؟
-أجل.. نصف مرتبي.
-فهمت.. أليس عندك والد.
-والدتي أرملة. والدي توفي منذ ثمان سنوات ، بعد سنة من ولادة شقيقي.
-إذا.. أنتم ثلاثة في العائلة؟
-لا.. بل خمسة ، فلدي شقيقتان واحدة في الحادية عشر و الأخرى في الثالثة عشر ، لذا لا مكان لي في البيت لأنه صغير. و عندما حصلت على وظيفة المدرسة هنا ، لم تأسف والدتي على رحيلي ، فقد أصبح المكان أوسع لمن بقي.
-و هل تعيش والدتك على مساعدتك فقط؟
-إنها تعمل دواما كاملا في مخزن حكومي ، و مع ذلك فالمال الذي تكسبه لا يكفيهم ثمن ملابس و طعام ، ناهيك عن إيجار المنزل. و هكذا فأنا مضطرة لمساعدتها. لا حاجة بك للقلق سأدفع ما يتوجب علي هنا. و لن أكون عبئا عليك ، و كشريكة ، يجب أن أدفع نصف الفواتير.
-يا فتاتي العزيزة ، من الواضح أن العبء المالي الذي يطوق عنقك لا يتركك في وضع تستطيعين الوفاء بهذا الوعد. من الآن و صاعدا ، و طالما كان ذلك ضروريا سأدفع الفواتير بنفسي. و لنكن صريحين ، ستكونين عبئا على رقبتي.
و صرخت به و هو يخرج من المطبخ:
-لن أكون عبئا عليك ، لن أكون أبدا طالما أنا حية.
و نظر إليها و هو يبتعد:
-لن أراهن على هذا أبدا.
في المدرسة ، و في غرفة الفنون ، أخبرت بليندا صديقها المدرس براد ، عن هبة السيدة دونيكان لها ، فأخذ يصفر ، و عندما قالت إنها تتشارك المنزل مع حفيد أخ السيدة دونيكان قال براد:
-لوحدك؟ أنتما فقط؟ أعتقد أنك تعرفين ماذا سيقول الناس؟
-ليقولوا ما يريدون.. سيكونون على خطأ تماما.
-و لكن الناس سيتوصلون إلى إستنتاجات خاصة مهما أنكرتي و سيكون أمرا واقعا أنك تعيشين معه.
-لو عرفت الرجل لعرفت كم سيكون مضحكا هذا الافتراض. إنه ليس إنساني حتى. إنه يكره الزواج أكثر من أي شخص آخر.
-و هل يكره النساء؟ و مع ذلك يسكن مع إمرأة في منزل واحد؟
-إنه منزلنا معا. سيضطر إلى العيش معي ستة أشهر على الأقل... لأن...
و توقفت عن الكلام ، فلا تستطيع أن تقول حتى لبراد الشرط الذي فرضته إيلين دونيكان ، و تابعت القول:
-لأنني بعد ذلك سوف أبحث عن مكان آخر أعيش فيه.
-و لكن لماذا يا بليندا؟ لا يمكنك طلب أكثر من هذا ، منزل قديم و جميل ، و فيه كل ما هو فاخر!و هو ممتاز لفنانة مثلك!
-لا فرق عندي! سوف أتركه.
و سمعا صوت أقدام في الممر تنبئ ببدء موعد التدريس ، فقالت له:
-أنت لم تزرني بعد؟ ليس لدي عمل هذا المساء. أتحب أن تزورني؟
-الليلة؟
-أجل.. تعال حوالي السابعة.. سيكون الساكن الآخر قد تعشى و إختفى في غرفة مكتبه.
و لكن عندما وصل براد ، لم يكن غارث قد تعشى ، حتى أنه لم يكن قد عاد إلى المنزل بعد. و على الرغم منها ، أخذت تفكر به ثم بدأت تقلق. و وبخت نفسها على إهتمامها به. ليس من شأنها ما يفعله غارث غاردنر في أوقات فراغه فلا بد أنه تعشى في المطعم ليوفر على نفسه عناء تحضير العشاء بنفسه.
و بدلا أن تستقبل براد في جناحها ، أخذت تجول معه في المنزل ليشاهده. و ضحك عندما قرأ الكتابات المتعددة فوق الأبواب ، و أعجب بالأثاث الأثري ، و بالآنية الصينية الرائعة ، و بالرسومات المعلقة على الجدران ، و أخذ يتفحصها آملا ، و هو يمزح ، أن يكتشف قطعة أصلية بينها لرسام مشهور.
-هل أنت مدركة أن بعض هذه الأشياء ثمينة جدا؟
-أنا شريكة في المكان فقط ، و لا أملكها ، و بالنسبة لي فهي لا تزال ملك للسيدة دونيكان ، و لكن حتى لو أن في نيتها أن نتشارك في هذه أيضا ، فلن يهمني الأمر. سأنتقل من هنا بعد بضعة أشهر. أتذكر هذا؟
-لا بد أنك مجنونة!
و دخلا المطبخ لتحضير القهوة و أخذ ينظر من حوله ، إلى كومة الأطباق في المغسلة:
-هل استخدمتها أنت أم شريكك؟
-لم أستخدمها أنا.
-ألن تكوني فتاة لطيفة و تغسليها؟
-لن أجلب لنفسي وجع الرأس؟ لقد قال أن أتركها ، و هكذا سأفعل.
و أنهت صنع القهوة ، و طلبت من براد أن يحملها إلى فوق ، و أطفأ سيجارته في منفضة على الطاولة و حمل الصينية عنها. و وقف عند باب المرسم.
-واو...!إنه فاخر!.
و وضع الصينة على الأرض ، إذ لم يكن هناك ما يضعها عليه. الطاولات كانت مغطاة بالفراشي و أدوات الرسم و أوراق الرسومات النصف منتهية. و بينما كانت بليندا تصب القهوة و هي جاثية أخذ برد يتجول و هو يشعل سيكارة أخرى ، قائلا:
-ألا تحبين أن يشاركك هذا المرسم فنان مناضل آخر ، صديق و زميل و أسمه براد سترونغ؟ ستفسدين نفسك لو عشتي في هذا الجو المترف طويلا.
-طالما لدي والدة و شقيق و شقيقتان يعيشون في ظروف صعبة ، لا أظن أنني سأفسد نفسي..
-إذا فلن ترغبي في مشاركتي هذا الدلال.
فابتسمت له و قالت:
-لا يمكن هذا يا براد.
-ألن يوافق الأخ الأكبر؟ هل هو متزمت ، مسقيم مثلك؟
-لا أعرف شيئا عن أخلاقه. كل ما أعرفه أنه يكره النساء ، و عنده "كره" خاص لي على الأخص.
-لا بد أنه رجل من حجر. فتاة جميلة في المنزل ، تملك الجاذبية حتى قمة رأسها ، و لا يستطيع أي رجل ، أن يقاومها ، و مع ذلك يتجاهلها؟
-إنك مخطئ ، فهو يعتبرني وباء ، إزعاج يجب أن يحتمله لفترة معينة.
-و إلى متى؟
-إلى أن أجد لنفسي مكان آخر.
عندما غادر براد ، حوالي العاشرة ، لم يكن غارث قد عاد بعد. أطباق فطوره كانت لا تزال حيث هي. من السخافة أن رجلا في مثل مركزه يجب أن يغسل أطباقه بنفسه. و بينما هي تغسل فناجين القهوة. قررت أن تغسل أطباقه ، و إلا ستبقى كل الليل كما هي. و أخذت تغسلها ، و عند إنتهاء آخر طبق سمعت صوت المفتاح يتحرك في قفل الباب. و أحست بشعور لص يضبط في مسرح الجريمة فوضعت الطبق من يدها و استدارت و وقفت و ظهرها إلى المغسلة و كأنها تخفي آثار الجريمة.
و بدا تعبا و هو يدخل المطبخ ، و تحركت عيناه منها نحو المغسلة. و حملته رجلاه نحوها و عندما وصل إلى مواجهتها قال:
-ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت من الليل؟
-كنت... كنت أنظف فناجين القهوة.
-أطباق إفطاري.. لقد إعتقدت هذا... ألم أقل لك أن تتركيها؟ قلت لك سأنظفها بنفسي..
-الوقت متأخر سيد غاردنر. و فكرت أن أنظفها عنك. إعتقدت أنك ستكون تعبا...
-أنا تعب فعلا... لقد عملت إلى وقت متأخر. و لكنني أتأخر عادة في عملي و دائما أكون تعبا، و لكنني معتاد على هذا ، و معتاد أيضا على تنظيف أطباقي بنفسي حتى و لو بعد منتصف الليل.
-إعتقدت.. أنك ستكون مسرورا. فعلت هذا للمساعدة...
-في المستقبل ستساعديني في ترك أشيائي دون أن تمسيها آنسة هامر ، و بأن تسمحي لي بأن أدير حياتي كما أريد و بالبقاء بعيدا عن طريقي بالكامل. فأنا قادر على تدبير نفسي دون تدخل إمرأة أو مساعدتها و سأستمر هكذا.. هل فهمتي؟
-أجل فهمت جيدا أنك ناكر للجميل ، غير متمدن ، رجل لا يحتمل لا يعرف معنى كلمة "الأدب". و لا أعرف كيف أن عمتك كانت تفخر بك. و لا أعرف كيف أحبتك. أنت أكثر مخلوق كريه لا يطاق قابلته في حياتي. أفضل صفاتك أنك تكره المرأة ، لأن أية إمرأة قد تميل إليها ستكون حكيمة إذا استدارت عنك و هربت منك في الإتجاه المعاكس...

و وضعت يدها على خدها المحترق ، ثم على رأسها التألم ، ثم على فمها ، لأنها الطريقة الوحيدة لمنع تدفق الإهانات لهذا الرجل الذي يقف و يداه في جيوبه ، ينظر إليها بعينين تضيقان حتى كادتا أن تختفيا. و قال:
-أظن أنك يا آنسة هامر كنت تعملين. هل تدخنين و أنت ترسمين؟ و هل تدخنين و أنت تغسلين الأطباق؟
-أنا لا أدخن سيد غاردنر ، لقد كان عندي زائر.
-رجل بالطبع. شخص يدخن. مثل المدخنة كما أعتقد. لأن المنزل كله عابق برائحة الدخان.
-أجل إنه رجل. و هو يدخن ، و بما أنه ضيفي ، لا أستطيع عمل شيء بهذا الخصوص.. إنه زميل لي.
-فنان آخر؟ يدرس في نفس مدرستك؟ إذا كان جيدا مني أن أتأخر في الحضور إلى البيت؟ و كأنني كنت أعرف أنك تمتعين نفسك!
و أعطى الكلمة تركيزا ذا معنى جعلها تغضب.
-إذا كنت تفكر في إتجاه معين ، فأنت مخطئ.
-لا أعتقد إنني مخطئ في مثل هذا الوقت من الليل! أنا عادة أذهب إلى ما تأخذني أفكاري إليه. و هي تقودني إلى أماكن شقية و تعطيني أفكارا غريبة.
-على كل... ضميري مرتاح... فهذا بيتي كما هو بيتك. و إذا كنت تظن بي مثل هذه الظنون ، لماذا لا تكتب إلى عمتك الكبيرة و تخبرها كم أنا دون أخلاق ، و إنني أعطي المنزل سمعة سيئة ، و أنك ستطردني...
و وضع يداه على كتفيها:
-سأطردك.. خارج المطبخ.. أنت تعبة كثيرا ، و لا تعرفين ماذا تقولين ، و بالكاد قادرة على الوقوف على رجليك.
و حركها بالقوة نحو الباب ، و لكنها قاومته و حاولت تخليص نفسها... بينما كانت ذراعه تمسك خصرها تشتد عليه و عندما التفتت مستديرة وجدت نفسها تواجهه ، كان قريبا جدا منها حتى شعرت بأنفاسه على جبينها. و التقى الغضب في عينيها بالغضب في عينيه ، و أخذا يحدقان ببعضهما ، و بدا منصدما بقربهما من بعض بنفس قوة صدمتها.
و أجفلها الشعور بأنهما معا متلاصقين و خائفين ، و مع أنها جذبت نفسها من قبضته بيأس ، فقد أحست بشعور عميق يغمرها برغبة لأن تتلاقى معه في عناق يماثل ما جرى بينهما يوم سفر عمته.
و بينما هي تصعد السلم نحو غرفتها أطل من باب المطبخ و صاح:
-شكرا لك على تنظيف صحوني...
و لكن يبدو أن السيد غاردنر كان يفكر بطريقة مختلفة ، فهو يرفض أن يلقي بالا للإشارات المتكررة بأن بليندا لا ترغب في رفقته ، ففي مساء اليوم التالي بينما كانت مستغرقة في رسم منظر ريفي ، دخل عليها المرسم ، و لكنها لم تحييه ، بل شعرت بالتوتر و هو يقترب منها. عندما يقترب هذا الرجل تشعر بتجاوب مخيف و غير إرادي بداخلها ، و ما عليه سوى أن يدخل نفس الغرفة التي تتواجد فيها حتى يحدث لها هذا.
و وقف إلى جانبها يراقبها. و كان عليها أن تحارب التوتر الذي يسببه لها وجوده ، لأنها لا تستطيع أن تكون متوترة و أن ترسم في نفس الوقت.
و بعد برهة قال:
-أنت تغشين.
و نظرت إليه متسائلة. فأشار إلى صورة فوتوغرافية للمنظر الذي تقوم برسمه:
-أنت تقومين بنسخ هذا.
-إنه ليس غشا. لقد كان يعتبر هكذا في الماضي ، و لكن الآن يدعى التصوير الواقعي.
-كلمات جيدة.. و لكنه لا يزال غشا.
-إنه ليس غشا. و لماذا يكون غشا أن تنسخ صورة فوتوغرافية بدل أن تسافر إلى الريف و ترسم نفس المنظر؟ بطريقة ما سيظل الأمر "نسخا". في كلا الحالتين أنا أنقل المنظر كما أراه ، لا كما التقطته الصورة.
-و هل أنت فنانة تجارية؟
-بطريقة ما.. ربما.. و لكن ليس من سوء بهذا الأمر.
-إعتقدت أن الفن التجاري ينظر إليه الأصليون على أنه فن سيء.
-في الأيام القديمة ، كان على الفنان أن يكون له سيد ، شخص مستعد لدعمه ، و مثل هذا الشخص عادة ما يصر على أن يظهر في الرسم حتى و لو ضمن مجموعة من الناس. و مثل هؤلاء صعب إيجادهم في مثل هذه الأيام ، لذا فعلى الفنان أحيانا أن يرسم من أجل المال ، فعلينا أن نعيش ، و هكذا حلت الروح التجارية مكان الرعاية و الإحسان ، و أصبح الفن التجاري محترما.
-إنه تزويق جميل للكلام ، و لكنني فهمت ما تعنين.. و هل تحبين تعليم الفن للأطفال؟
-أحبه كثيرا.. تقول لطفل "ارسم". بعضهم يرسم و البعض لا يعرف كيف يبدأ ، فتقول له أرسم صديقك ، أو أمك. و هذا الأمر يدفعهم للعمل.
-حتى و لو كانت النتيجة رديئة؟
-لا يهم.. فعلى الأقل هي بداية.و لكنني أفضل تعليم الأكبر سنا. ففي الصف الخامس استطاعوا إما تحقيق مستوى فني أو الإنسحاب. و تستطيع تطوير نوع خاص من التفاهم معهم ، و التحدث إليهم على قدم المساواة ، فالمعلم و التلميذ قد يكونان على نفس المستوى من الذوق الفني.
-تجعلينني أبدو جاهلا. و يبدو عليك أنك أستاذة ماهرة.
و احمر و جهها و شكرته على تقديره غير المتوقع. فقال لها:
-لو طلبت منك ، هل بإمكانك أن تعلميني الرسم؟
و تطلعت نحوه لتلتقي بنظرته المتسائلة ، و قررت أن تتجنب ردا مباشرا:
-سيكون ذلك تحديا. معظم الناس ممكن تعليمهم. و هذا يعتمد على ما لديهم من خيال.
-ألا تعتقدين أن لدي خيال؟
-لقد بدأت أشك.
و ضحك عاليا ثم وقف خلف اللوحة التي كانت تعمل بها ، و نظر إلى وجهها ، ثم ترك عيناه تسرحان ببطء فيها ، و تحركت بإضطراب تتساءل عما سيقول:
-إذا أنا لا أملك الخيال... أستطيع أن أتخيلك دون صعوبة لا ترتدين...
-حسنا حسنا... لديك مخيلة. و هذا يعني إنني أستطيع تعليمك أن ترسم و تلون أيضا.. و لكن سعري مرتفع للدروس الخصوصية.
و تحرك ببطء ليقف إلى جانبها: -أنت تغرينني بأن ألزمك بتعليمي. و ربما بعد حصص الدرس أستطيع أن أعلمك شيئا بدوري.
و حركت رأسها حتى غطى شعرها وجهها المتورد ، و تابع:
-أتذكرين الوضع بيننا آنسة هامر؟ إنه وضع متفجر. و أنا أحذرك بأن لا تشعلي الفتيل ، فعندما يبدأ الإشتعال سيكون من الصعب ، إذا لم يكن من المستحيل ، إطفاءه. و لن يكون لديك من تلجأين إليه أو مكان تهربين إليه.
-لقد إعتقدت أنك تكره النساء سيد غاردنر...
-أكره النساء... أجل.. فالمرأة ليس لها مكان دائم في حياتي... و لكنني لا أنكر أنهن مفيدات أحيانا...
و ابتعد عنها و أخذ يتجول متفرجا على رسوماتها ، كل واحدة متطورة أكثر من غيرها ، و قال:
-نتائج أعمالك تذهلني. هل لديك نصير غني كما تسمينه.
-إنها السيدة دونيكان عندما كانت هنا ، لقد كانت دوما تدعمني. مع إنني كنت أعيد إليها ما تدفعه حتى آخر قرش. و الرد على سؤالك ، نعم ، حاليا...
-أوه و هل هو رجل أم إمرأة..
-إنه رجل.
-لا تقولي من هو.. سأصفه أنا.. إنه رجل رمادي الشعر ، يميل إلى السمنة. محفظته منتفخة ، و لديه زوجة غير متفاهمة معه. و لذا هو يدعمك...
و قالت بغضب ، و شعرها يتطاير و هي تدير رأسها بقوة:
-ماذا تظن بي بالضبط؟
-فنانة ، بأخلاق الفنانين. و لا تطلبي مني أن أصفهم ، فوصفي لهم قد يزعج إحساسك.
-أنت مخطئ بالنسبة لي سيد غاردنر.. مخطئ.. مخطئ!
-حسنا... لقد أوضحت وجهة نظرك... لقد إعتقدت للحظة أن الآنسة الحلوة بليندا هامر ، لديها نقطة ضعف مثلنا جميعا.
-و هل لديك نقطة ضعف سيد غاردنر؟... لا أعتقد أبدا!
-يوما ما آنسة هامر ، هذا الإنفجار بيننا سيحصل لا شك... و أنت من سيشعل عود الثقاب و ليس أنا... حسنا من هو هذا الثري الذي يساعدك ماليا؟
-عمتك لها صديقة زوجها يمتلك مطعما في المدينة ، و لقد شاهدت رسوماتي و أقنعت زوجها بأن أعرضها في مطعمه ، و أعتقدت أن رسوماتي ستبرز المطعم و تعطيه نكهة خاصة. و الرسومات معروضة للبيع ، و كل رسم معلق عليه سعره ، و بما أن المكان لا يرتاده سوى الأثرياء فإن البيع سائر على ما يرام.
-إنها طريقة ممتازة لدعم مدخولك.
-و لم لا؟
-و لم لا.. بالطبع.. و كيف تأخذين رسوماتك إلى المطعم.. تستأجرين تاكسي؟
-لا.. فلديهما ابن يتولى أمر المبيعات ، ضمن أشياء أخرى.
-آه.. إذا هناك رجل في المسألة.
-ليس بالطريقة التي تظنها.
-إنك تكررين القول بصورة دائمة حتى بدأت أصدق. ما أسم المطعم؟ ليس...
-إنه جيميز.
-آه.. نويل جيميز ، الأبن الذي يدير الأمور الإجتماعية ، العشاء و الإجتماعات الراقصة ، و ما إلى ذلك.
-و هو من يوفر لي النقل.
-و هل هو التالي على لائحة صداقاتك؟ أم أنه ، لماله ، هو رقم واحد و صديقك في المدرسة رقم أثنين؟
-ليس عندي أفضلية بالترتيب.
و ابتسمت و نظرت إليه ، لتجد بإندهاش أنه ينظر إليها بشيء من الغضب!
-صغيرة و شابة و بريئة ملعونة! أنت لست أفضل من بنات جنسك!
وجدت أن من غير المفيد إنكار اتهاماته ، لذا عادت إلى فرشاتها و رسمها ، و ليفكر كما يريد.
-بما أن علاقتنا علاقة غريبة ، و بما أن عمتك تظن أننا نتحرك و لو ببطء نحو حالة الزواج.. فهل لي أن أسألك كما سألتني عن وضع حياتك العاطفية؟
-أجل... يمكنك هذا... أنت تعلمين أنني عدت حديثا من الأرجنتين... كان هناك إمرأة ، جميلة و ذكية و صديقة مقربة لي. و عندما غادرت كانت مستاءة جدا، إذ كان علي أن أتركها ، و هذا ما أغضبها.
يدها التي كانت ترسم الغيوم في سماء اللوحة أرتعشت و أعطت الغيوم لونا أغمق مما كانت تنوي ، ثم توقفت و أرجعت الفرشاة بطء إلى الطاولة ، و أخذت تنظف يدها بقطعة قماش مغموسة بالمنظف.
-إذا.. أنت لست في الحقيقة من كارهي النساء الذي تتظاهر بأن تكون؟
-لقد قلت لك إن النساء ليس لهن مكان دائم في حياتي.
-إذا لقد كانت..
-هذا ليس من شأنك آنسة هامر.
-آسفة. لم يكن لدي حق لأسألك. أتمنى لو أن عمتك لم تمنحني نصف هذا المنزل ، و أتمنى لو أنها لم تضع هذا الشرط المستحيل... و أتمنى .. أن أغيب عن الوعي لستة أشهر و أستيقظ لأجد القصة كلها منتهية!
-حسنا لو قررتي أن تمضي الستة أشهر بسبات و نوم ، فسيكون لديك خيار جيد مع من تمضينه ، أليس كذلك؟ من يا ترى من بين صديقيك هو المحظوظ؟ أهو الفنان الفقير أم الثري؟ و لمعرفتي بالنساء ، أراهن على الأخير بكل مالي. فلديه الكثير ليقدمه لك.
و مر أسبوعان من أًصل الستة أشهر ، و كان أواخر آذار ، و الربيع مقبل بكل ما يحمله في الجو ، و الحياة البرية و البراعم المتفتحة ، و في عقول و قلوب بني البشر. و أمضت بليندا ساعات و هي تقف عند نافذة مرسمها ترسم الحدائق التي تحيط بالمنزل ، و رسمت العاملان في الحدائق و هما يعملان بنشاط و كأنهما يتسابقان مع الموسم ، و رسمت السيدة هوغند ، العاملة بالتنظيف. و رسمت مرة رسما جميلا لغارث ، يداه في جيوبه ، و هو يتحدث إلى أحد عمال الحديقة.
و نزل غارث في صباح أحد الأيام إلى المطبخ لتناول الإفطار و في يده حقيبة. و نظرت إليها بليندا بدهشة ، تحولت دون تفسير إلى خيبة ، ثم إلى إنزعاج. فقد كان مسافرا... و لكن إلى أين؟ إلى الخارج ثانية؟ و كم من الوقت؟.
-سأسافر لبضعة أيام.
بضعة أيام... قلبها الذي غاص بين ضلوعها عاد إلى الطواف ثانية و هو يخرج الفقاعات مثل زجاجة فارغة رميت إلى البحر ، و في هذه الزجاجة رسالة ، رسالة هامة ، و لكن لأنها كتبت بالرموز لم تستطع حل رموزها.
-مسافر إلى لندن... مؤتمر في المركز الرئيسي.
-لقد قالت لي السيدة دونيكان أنك تعمل لدى مؤسسة أميركية.
-أجل..
-و مكتبها في لندن؟
-هذا سؤال جيد... لم يكن يجب أن أقول المركز الرئيسي فقط بل المركز الرئيسي لإنكلترا. مكتب أميركا في نيويورك.
-لقد قالت السيدة دونيكان إنك ستنشئ مصنعا جديدا هنا.
-أجل.. في الواقع فرع جديد للشركة. و أنا رئيس هذا الفرع هنا. سنتخصص في صنع الترانزستورات للكوابل البحرية. يبدو عليك التأثر...
-فعلا... أنا متأثرة جدا.
-ألا تعتقدين أنني أملك الموهبة؟
-لم أقل هذا.. فأنت... بارع و ذكي.
-و ما هي المقدمات التي أوصلتك إلى هذا الإستنتاج؟
-حسنا... يبدو... عليك الذكاء.
و ضحك عالي ، و قال:
-لا أعلم هل أعتبر هذا إطراء أم إهانة.
-إنها الحقيقة... و لم أعني بها إهانة.
و أنهيا طعامهما بصمت ، و غسل أطباقه ، و عندما ذهب وقفت إلى المغسلة تغسل أطباقها. كانت تحب أن تودعه ، و لكنها لم تعرف كيف ، و لم تكن تعرف حتى إذا كان يريدها أن تفعل. و ساد صمت قصير ، و ظنت أنه ذهب ، و استدارت لتجده واقفا ينظر إليها من الردهة. و قال:
-إلى اللقاء بليندا.
فابتسمت ، و قلبها يتراقص. بكلمة واحدة حطم حاجزا ما بينهما ، و أجابته:
-إلى اللقاء يا غارث.
و إبتسم لها.
و أقفل الباب وراءه ، و تمنت لو أنها سألته متى سيعود.

الشغاف
06-23-2011, 07:34 PM
الفصل الثالث
على حافة الجحيم

عادت بليندا من مدرستها إلى بيت مهجور. شعرت بالفراغ و كأنما هو نوع من المشاعر و ليس واقعا. و علقت معطفها في الردهة ثم تطلعت نحو السلالم و الأبواب المغلقة ، تستمع إلى الصمت. لو أنها تستطيع رسم الفراغ. فكيف سيبدو؟ صفحة بيضاء؟ و لكن لا يوجد شيء إسمه فراغ...
من حولها كان هناك أشياء تذكرها بالحياة و بالحركة ، و بالسيدة دونيكان التي كانت تعيش هنا كانت تملأ المكان. تذكرها بنفسها و هي تطير إلى مرسمها عندما تطلب منها السيدة دونيكان أن ترى رسوماتها...
الفراغ...؟ و أخذت ترتعد. كيف للمكان أن يكون فارغا في وقت يتواجد غارث فيه في كل مكان من حولها. وقع أقدامه على السلم ، وجوده في المطبخ معها ، وقع صوته و هو يتكلم في المرسم؟ هل أصبحت متعودة على هذا الرجل حتى أنها "تفتقده" بالفعل؟...
لم تكن تشعر بالجوع... فصعدت إلى مرسمها لترسم... ربما بالفرشاة و الألوان تستطيع الخروج من هذه الكآبة التي أثقلت ساقيها ، و أطاحت بشهيتها.
و مرت بغرفة نوم غارث ، و نظرت عبر الباب النصف مفتوح. الغرفة تتخبط في الفوضى ، و السرير غير مرتب. كم ستبقى على هذا الوضع؟ حتى السيدة هوغند لا تستطيع التعاطي مع غرفة بهذه الفوضى. و هكذا ، و هي تشعر مثل مجرم مبتدئ ، يرتعد من توقع أن يلقى القبض عليه ، يتطلع حوله يفتش عن طريق للهرب عندما تدعوه الحاجة للنجاة بحياته ، و دخلت الغرفة!
علاقة ثياب ملقاة على الأرض ، مدت يدها لتلتقطها و كأن لها أسنان على وشك أن تعضها. و التقطت بنطلونا ملقى على السرير ، و طوته و وضعته على رف ، ثم القت فوقه سترة. و نظرت إلى الخزانة. هل ستجرؤ على فتحها؟ و بما أنها قد بدأت فيما تعمله ، لم يكن امامها بديل آخر.
و وضعت البذلة بين باقي الثياب ، و الحذاء بين الأحذية الأخرى. و علقت ربطات العنق في مكانها المخصص. الفراش... هل تمتلك الشجاعة الكافية لترتيبه؟ و هل ستتحمل النتائج مهما كانت؟ هذا السرير لا يمكن أن يبقى دون ترتيب ، إلى وقت لا تعلم مدته ، ربما أسبوع أو عشرة ايام؟ بيجامته زرقاء اللون ، و طوت بنطلون البيجاما و فتشت عن السترة ، يبدو أنه لا يرتدي السترة عند النوم...
عندما أنهت ترتيب السرير ، نظرت من حولها ، و شعرت و كأنه في الغرفة ، يراقبها عبر مرآة طاولة الزينة ، أو مرآة الخزانة ، أو من المرآة الطويلة المثبتة إلى الحائط. كان و كأنه في كل مكان من حولها ، و استدارت لتركض هاربة من الغرفة... من قوته... من الشعور به.. من سيطرة وجوده... و بينما هي تنظر إلى سريره لبضع لحظات ، لم تستطع أن تنكر بأنها تتوق إلى عودته...
و مرت ثلاثة أيام ، و لم يعد بعد ، و لم يتصل ، و لم يرسل جوابا ، و لا حتى بطاقة ، و لكن لماذا يتصل بها؟ إنها إنما تشاركه المنزل فقط بسبب نزوة من عمته الثرية...
مساء يوم الجمعة أنهى أطول أسبوع أحست به بليندا ، و جاء براد إلى المنزل لزيارتها. و جلس في المرسم يراقبها و هي تعد الرسمات التي سترسلها إلى العرض في المطعم... كان يجلس إلى طاولة و يداه تمسكان بأطرافها يرقب السماء و الغروب و الشمس تتحول من برتقالية إلى حمراء داكنة.. و قالت بليندا آمرة:
-أبقى كما أنت... لا تتحرك.. سأرسمك.
و ابتسم ، و لم يتحرك ، و قال:
-فنان يرسم فنانا.. سأرسمك يوما ما ، و أنتقم لنفسي. و لكن للأسف الطريقة التي أحب أن أرسمك بها ، لن تسمحي لي بها.
-أحضر لنفسك موديلا محترفا ، فأنا فنانة مألوفة لك ، و لن أنفعك..
و وضعت اللمسات الأخيرة على رسمتها ، و قال براد:
-إنني أرسم الموديلات طوال الوقت. و أرغب أن أرسمك. و لن أخبر أحدا أعدك بهذا. و سأضع الرسم فوق سريري و أحدق به عندما أستلقي عليه.
و سمعا صوتا عند الباب ، صوت سعال خفيف ، و أوقعت بليندا القلم من يدها. إنه غارث... و احمر وجهها لدرجة الإحتراق ، و امتد هذا إلى كل جسدها. كم من السخف أن تشعر بالذنب هكذا ، و هما جالسان فقط لا يفعلان شيئا.! و لكن كم سمع غارث مما كانا يقولانه؟
يبدو أنه الكثير.. فعيناه بدتا باردتان ، و قال براد:
-مساء الخير!
و وضعت بليندا الرسم من يدها و سارعت لتقدمهما لبعض. و تركهما و خرج.
و قال براد:
-يا إلهي قد يعتقد أي إنسان أنك زوجته و قد ضبطنا في وضع مشبوه!.. في المرة القادمة عندما يكون حارس طهارتك مسافرا لا تدعيني لزيارتك يوم رجوعه.
و التقط معطفه و خرج... و لحقت به إلى السلم:
-براد، الأمر ليس كما تصورت. أنت تتخيل الأشياء!
-قد أكون فنانا ، و لكنني أبقي مخيلتي تحت السيطرة التامة ، و ما أشاهده بعيني لا أستطيع الشك فيه. هذا الرجل يعتقد أنه يمتلكك!
لم يهمها كم سمع غارث ، فليس من حقه أن يدخل إلى مرسمها دون دعوة منها ، و لا أن ينظر إليها و إلى ضيفها و كأنهما في أحضان بعضهما. و ما شأنه بكل هذا؟
-براد إنه يكره النساء لقد قلت لك هذا...
و لكن براد دخل سيارته و ابتعد... و جاءها نداء من الطابق العلوي:
-آنسة هامر!...
-نعم سيد غاردنر؟
-لقد دخل أحدهم غرفتي؟
-أجل سيد غاردنر... لا سيد غاردنر. لقد رتبتها و رتبت الفراش و..
-أنا لا أذكر أنني اعطيتك الإذن لترتبي الفراش.
-لا... لم تفعل سيد غاردنر ، و لكنني لم أتحمل المرور أمام غرفتك و رؤية الفوضى فيها لمدة أسبوع أو أكثر...
-كان بإمكانك إدارة رأسك ، أو إقفال الباب.
-في المرة القادمة سأفعل.. في المرة القادمة لن أهتم أبدا لو رجعت تعبا أو جائعا من رحلتك لتجد الفوضى بإنتظارك.. في المرة القادمة ، لو تعلمني متى ستعود ، لن أكون حتى في المنزل!
-و أين ستكونين؟ في منزل صديقك ، و الأوضاع معكوسة؟ و هل سيكون هو من يرسمك ، كما يتوق لأن يفعل؟
-هذا أمر يخصني لوحدي ، و ليس لديك الحق لتستمع لمحادثتنا.
كان عليها أن تكون غاضبة ، و إلا لانفجرت بالبكاء. لقد تطلعت بشوق لعودته ، و مع ذلك فهاهما يتشاجران ثانية ما أن وطأت قدماه المنزل ، و صرخت به:
-ماذا ذهاك! ماذا ذهانا؟ ألا نستطيع أن نلتقي ، و لو بعد أسبوع ، و نكون مرحين مع بعض؟ حسنا.. أنت لا تحب النساء. أنسى إنني إمرأة. تخيل بأنني من الجنس المختلط. بأنني غير موجودة ، أي شيء تحبه ، و لكن لا تستمر بالصياح في وجهي ، و إتهامي ، و كأنك تصفعني...
و ركضت نازلة الدرج نحو المطبخ. و تبعها ، و لكنها وقفت عند المغسلة تنتحب ، و تقدم نحوها و وضع يداه على كتفيها:
-بليندا؟
و جففت دموعها فتابع:
-أن تطلبي من رجل أن ينسى بأنك إمرأة ، أمر مستحيل.
-إذن من الأفضل أن أرحل.. أليس كذلك؟ بما أن من الواضح أنك لا تتحمل وجودي في المنزل؟
و أخذ يتجول في المطبخ:
-إذا رحلتي.. فأين ستذهبين؟
و أجابت:
-سأجد لنفسي مكانا.. غرفة... سرير في غرفة...
-و تتخلين عن كل هذا؟... أليس من الأفضل أن أرحل أنا..؟
-و لكن.. و لكن سيكون هذا خطأ. خطأ بالكامل. إنه في الواقع منزلك ، و ليس منزلي ، أجل.. إنه منزلك. لقد أشركتني عمتك به بدافع الرعاية... لا أستطيع العيش هنا بمفردي... لقد اكتشفت ذلك هذا الأسبوع.
-هل شعرتي بالوحدة؟ أتحبين رفقتي؟
و أرادت أن تعترف ، و لكن سيكون هذا نهاية كل شيء ، لن تسطيع أن تبقى هنا لو اعترفت. و تابع كلامه و هو يغادر المطبخ:
-يجب أن نفكر بشيء نفعله حول هذا الأمر...
اليوم التالي كان يوم السبت ، و بعد الظهر أتى نويل جيميز ، ليأخذ اللوحات. و دعته بليندا للدخول ، و لم يكن قد دخل المنزل من قبل. و عندما رأى الكتابات فوق الأبواب ضحك و أخذ يقرأ إحداها:
-الكلب صديق... مخلص و صادق... و هو أفضل من إمرأة مستغلة.
و وضع ذراعه حول خصر بليندا و جذبها نحوه قائلا:
-و هذه المرأة تستغلني. فأنا أقدم لها فرصة ، دون مقابل ، لتبيع لوحاتها لزبائن أثرياء ، و ماذا تعطيني في المقابل؟ حب مصلحة؟
و بينما هما في هذا الوضع ، نزل غارث السلم. و تبادل نويل معه إنحناء التحية ، و تجاوزهما غارث و دخل غرفة جلوسه ، و سألها نويل:
-أين هو مرسمك؟ فوق أم تحت؟.. تعالي يا حلوتي و أريني أين هو.. و سأفعل ما تبقى...
كانت الرسومات موضوعة في كومة فوق بعضها ، و بينما أخذ نويل يقلبها معجبا بكل واحدة منها ، تركته بليندا لتحضر الشاي في المطبخ ، و دخل عليها غارث و توقف مستديرا ليعود أدراجه ، و لكنه غير رأيه ، و قالت له بليندا:
-يوجد فنجان شاي إضافي.. هل تحب أن تأخذه؟
-لا ، شكرا ، أفضل أن أصنع واحدا لنفسي.
-و لكن لماذا؟
و تجاهل كلامها و حضر لنفسه صينية ، قفالت بمرارة:
-أنا آسفة لأن أصدقائي لا يعجبونك ، و لكن العقد لا ينص على أن تصنف زواري و أن لا تمنحهم فرصة الدخول إلى هذا المنزل القديم الفخم.
و لم يتحرك لسخريتها ، و غرق أكثر بالصمت فقالت صارخة:
-من تظن نفسك لتعامل كل من أدعوه بمثل هذا الإزدراء؟ أنتظر حتى تأتي بشخص ما إلى هنا.. سوف أعامله أو أعاملها ، و كأنها النفاية التي تنتظر أن يلتقطها عامل التنظيفات!
و أخيرا استطاعت أن تغضبه ، و لكنها جفلت من الغضب الذي أثارته. و استدار ليواجهها:
-أنظري يا فتاة... لا أهتم أبدا كم من الرجال تدعينهم إلى المنزل. فعمتي لم تعينني حارسا لك. أنت كبيرة كفاية لتعرفي ماذا تفعلين.. و إذا كانت طريقتك بالحياة العبث مع رجل بعد الآخر ، إذا تابعي طريقتك... و من أنا لأمنعك من التمتع؟ و لكن لا تهاجميني مثل كلبة متوحشة صغيرة ، و كأنما تسببت لك بإصابة ، أخرجيني من ذهنك ، فأنا لا أهتم بك ، و لا أهتم بالتطفل عليك. اعتبريني شخص حيادي، و غير مهتم ، و غير مبال بك إطلاقا.
و أرتجفت شفتاها ، و احمرت عيناها و صاحت بصوت جاف:
-أنا لست هكذا ، أنا لا أعبث مع الرجال. و أعتقد أن عليك أن تعتذر. يجب أن تعرف أنني لست هذا النوع من الفتيات.
-كل الدلائل التي شاهدتها حتى الآن تشير دون شك إلى العكس. أما بالنسبة للإعتذار... لن أعتذر و لو على حياتي! فأنت من بدأ الصدام!
و خرج من المطبخ...
كانت اللوحات ، تباع في مطعم جيميز بأسعار أعلى مما كانت ستحصل عليه لو عرضتها عبر قنوات عادية. نويل لم يكن يسمح لها بتعليق الكثير منها في غرفة واحدة. علقا أربعة في قاعة المطعم الكبيرة. و ثلاثة عند المدخل الواسع ، و أربعة أخرى على حائط مدخل غرفة المؤتمرات.
بعد الإنتهاء قال نويل:
-لقد قمت بواجبي و وزعت عمل صديقتي و سأجلس الآن و أمتع نفسي بإنتظار أول زبون يدفع المال لإحدى قطعها الفنية...
و تأبطت بليندا ذراعه و قالت:
-و الرسامة المحظوظة تحصل على شيك ضخم.
و رد عليها:
-أما أنا ، رجل الأعمال القنوع ، فأحصل على مبلغ عمولة أقل.
-تسطيع قبض عمولتك طالما تبيع لي اللوحات.
-و لكنني أرد الأرباح إلى العمل يا حلوتي ، هكذا يصر والدي... و لكنني أفعل هذا و أنا مسرور. سأدعوك إلى العشاء ، و لكن أمامنا ساعة قبل الموعد ماذا سنفعل؟
-سنجلس في غرفة الاستقبال بالطبع.
و أحست و هي تقول هذا بعدم الإرتياح ، فلماذا يظن الجميع أن الفنانات لا أخلاق لهن؟
-و أضيع ساعة مع فتاة جميلة في غرفة الاستقبال؟ ماذا تظنين بي؟ إضافة إلى أنني أريد أن أخطبك!
-لا تكن سخيفا يا نويل... و لا تتحدث بخفة عن مسألة جدية كهذه.
-و من يتحدث بخفة؟ تعالي معي لنسير في الحديقة ، نحن في شهر نيسان و قد حل الربيع. و أنت تعرفين ما يقال عن الربيع و عن الشبان. و أنا أرجو أن يكون للربيع نفس التأثير على الشابات أيضا!
الحدائق حول المطعم كانت مليئة بالزهور ، و الأشجار بدأت تطرح البراعم ، و شمس المساء كانت دافئة ، و قال لها نويل:
-تعالي إلى الخلف ، المكان أهدأ هناك.
و وجدت تلة خضراء تمتد صعودا من المطعم ، و تسلقاها معا.
و أخذ نويل يدها و قال:
-كنت أعني ما أقول.. يا حبيبتي!
-أنت لا تحبني يا نويل!
-لا أحبك؟ أحب النظر إليك ، أحب عينيك الحالمتين. أحب ابتسامتك ، شعرك ، و... و كل ما فيك... ماذا تريدين أكثر؟ أستطيع توفير الأمان لك ، و مستقبل مؤمن ، و كل المال الذي تريدينه ، و مرسم يتغلب على كل الفنانين. هذا بالإضافة إلى معارض خاصة بك.
و ابتسمت له:
-آسفة يا نويل... أنا لا أهتم بالزواج.
الزواج! الكلمة أعادت إلى ذهنها وجهه البارد و الوسيم ، كلما نظر إليها أوصل ساقيها إلى حالة شاذة من الضعف ، و حجم ذاتها إلى حجم طابع بريد. و جذبت يدها من يد نويل... و قالت:
-على كل الأحوال.. لا تعرف شيئا عني ، عن حياتي ، عن خلفيتي... و قطب جبينه و قال:
-و ما نوع خلفيتك؟
-الفقر... والدة أرملة مكافحة لتربي شقيقي و شقيقتي...
-هل هذا كل شيء؟ تزوجيني و سأسكب المال في حضنها إلى أن تعتقد أنني مجنون!
-آسفة يا نويل.. إنه لطف منك ، و لكنني لا أستأهل... سأكون صفقة خاسرة لك.
-أعتقد أنني أنا الحكم في هذا. فلدي الخبرة الكافية.
و حاول إقناعها ثانية و هما يتناولان العشاء. و انهمك السقاة بإرضاء ابن صاحب المطعم ، و الفتاة التي يعيرها كل هذا الإهتمام المحبب. و تمتعت بليندا بوجبتها ، و هي تعلم أنها بعد رفضها عرض نويل ، سيمر عليها زمن طويل لن تتمتع به بمثل هذه الضيافة.
و لكنها قللت من أهمية إصرار نويل ، إذ قال لها:
-إنها المحاولة الأولى. و عروض الزواج مني ستتبع في اوقات متلاحقة!
و أجابته بإبتسامة عنت بها تلطيف كلماتها:
-ستضيع وقتك سدى...
و قررت بقدوم نهاية الفصل الدراسي أن تقيم حفلة في منزلها. و وعدها براد أن يحضر للحفلة عددا كبيرا من الفنانين من كلا الجنسين ، و عندما دعت نويل وعد بإحضار عدد من الضيوف أيضا. و حذرتهما قائلة:
-إنها حفلة يحضر كل ضيف فيها طعامه ، فلست طباخة ماهرة ، و ليس لدي الوقت الكافي لتحضير الطعام.
بعد المدرسة ، و قبل أن يحضر غارث إلى المنزل. أخذت بليندا ترتب المكان بسرعة و تعيد ترتيب المقاعد ، و تبعد الآنية الصينية الفاخرة. فمع أنها تنوي كبح جماح فضولهم ، إلا أن الفنان عندما يرى شيئا جميلا ، لا تستطيع ضمان أن لا يتناوله متفحصا.
و فتح الباب ، و دخل غارث ، و ذهبت بليندا لتستقبله ، مترددة بخجل فقد كانا لم يتبادلا الحديث منذ أكثر من أسبوعين.
-غارث؟ سأقيم حفلة هذه الليلة... هل... هل تحب أن تنضم إلينا؟ سأرحب بقدومك كثيرا.
-شكرا لك.. لا أستطيع.. فأنا حيوان غير إجتماعي ، و أنا لا أختلط مع أقراني بسبب متطلبات العمل.
و شعرت بخيبة الأمل ، و لكن ماذا كانت تتوقع؟ قبول مرحب ، و كأنما هو واحد من ضمن حلقة أقرانها؟ من المؤكد أنه سيختلط مع أقرانها كما يختلط الأسد مع قطيع من الغزلان!
-هذا يعني أنك ناسك؟
-لن أذهب بعيدا إلى هكذا إدعاء ، لنقل إنني متعصب حول الناس الذين أختار لأن أكون إجتماعيا معهم.
-و أصدقائي ليسوا من الصنف الجيد بالنسبة لك؟
-أصدقائك ليسوا أصدقائي. و أصدقائي ليسوا أصدقائك. لنترك الأمر هكذا.
-كيف استطاعت عمتك أن تظن أننا سنستطيع العيش ما تبقى من حياتنا معا في سلام!
-من المستحيل حدوث هذا.. أليس كذلك؟ لقد وصفتيني بأنني اكثر شخص بغيض قابلته في حياتك.
و عضت على شفتها... و ناقشته ثانية.. دائما تجادل:
-و لماذا يجب أن تكون دائما مزعجا؟
و لكنه لم يرد ، و نظر إليها لثواني ، ثم استدار و ابتعد.
في البداية حضر إثنا عشر شخصا ، و بتقدم الأمسية وصل عدد أكبر ، و أحضر الجميع طعاما ، و أحضر بعضهم أطباقا و أكوابا من الممكن التخلص منها. و فتحت بليندا ، و فتاة أخرى ، علب السندويشات ، و الحلوى ، و البسكويت و وضعتاها في الأطباق.
و امتلأت غرفة طعام بليندا بالرجال و النساء بعضهم يجلس على المقاعد القليلة و البعض الآخر على الأرض أو يتكأون على الجدران ، و أحضر أحدهم مسجلة أدارها و جذب نويل بليندا من مكانها على الأرض و بدأ الرقص معها ، و لم تمض ثوان حتى انضم الأخرون لهما ، و توقفوا عن الرقص ليتناولوا الطعام و استمرت الموسيقى تصدح بصوت مرتفع ، و أرتفعت أصوات الضحك و الحديث لتتغلب على صوت الموسيقى.
و غادر أول ضيف الحفلة عند الواحدة بعد منتصف الليل. و لم يخرج آخر ضيف قبل الثانية. و عرض نويل على بليندا أن يساعدها في تنظيف المكان ، و لكنها عرفت أن ذلك حجة ليبقى معها على انفراد ، و في الردهة أخذها بين ذراعيه و قال:
-لقد قلت هذا من قبل.. و أقوله مجددا... هل تتزوجيني؟
-لا يا نويل.. لقد قلت لك...
و لكنه أسكتها بضمها إليه بقوة ، و سمعت صوت حركة في أعلى السلم ، فجذبت نفسها مبتعدة عن ذراعي نويل. و استدارت مذعورة ، و حدقت إلى أعلى السلم ، و لم ترى سوى ظل ، إختفى فورا...
هل سمعها غارث؟ هل شاهدهما؟ و دفعت نويل إلى الباب.
-لدي مدرسة غدا.. و لن أستطيع التدريس إذا تأخرت ، أرجوك إذهب. لقد تمتعت بوقتي.. شكرا لك.
و حاول جذبها ثانية ، و لكنها لم تستجب. و عندما ذهب ، جلست على الدرج و هي تعبة.. هل تنظف المكان الآن؟ غرفة الطعام لا تهم ، و لكن المطبخ... لو أن غارث يراه كما هو الآن...
و على الرغم من الأطباق الورقية و الأكواب البلاستيكية ، فإن العديد من الصحون و الأكواب الزجاجية جرى إستخدامها. و لن تسمح لنفسها بأن تترك حتى سكينا واحدة دون تنظيف.
ظهيرة اليوم التالي شعرت بالإرهاق ، و بألم حاد في رأسها و ضعف في ساقيها. و عزت ذلك لعدم نومها كفاية في الليلة السابقة. و عرض عليها براد أن يتولى آخر صف لها ذلك اليوم. فقبلت العرض و عادت إلى المنزل. و لكن بدل أن ترتاح بدأت بتنظيف غرفة الطعام.
و قبل أن يعود غارث ، صعدت إلى مرسمها و هي تشعر بإزدياد الألم في رأسها ، و كل ما تحتاجه الآن هو الدفء. و سمعته يصل ثم يدخل غرفة نومه. و تسللت بدورها إلى غرفة نومها ، و خلعت ثيابها و دخلت الحمام لتغتسل. و أراحها الحمام قليلا ، و لكنه لم ينعشها تماما. ثم عادت إلى غرفة النوم و أرتدت ثياب نومها ، و تذكرت بأنها نسيت زجاجة الماء الساخن لتضعها في الفراش.
و هبطت نحو المطبخ لتحضر الزجاجة ، فوجدته جالسا إلى الطاولة ، و قد وضع جريدة المساء أمامه ، يتناول طعامه. و وقف عندما رآها قائلا:
-لقد إعتقدت أنك تناولت وجبتك ، و إلا لتركت المطبخ لك.
-أرجوك إبقى حيث أنت.. أنا... لست جائعة.
-و هل تعشيتي في الخارج؟ ربما في مطعم جيميز؟
-لا.. أنا ذاهبة إلى الفراش.. فأنا تعبة.
-تبدين بالفعل شاحبة ، مع إحترامي لك ، التأخر في السهر لا يناسبك... فهو يوتر النساء، ناهيك عن إفساد الجمال...
-لست أهتم.. لست جميلة زيادة لأفسد جمالي...
-أنت تعلمين أن هذا ليس صحيحا.
و ساد صمت هنيهة ، و بعد أن ملأت زجاجة الماء الساخن قالت متحدية:
-و ماذا تعرف أنت عن مشاعر النساء؟
-أكثر ما تتخيلين.. فأنا لم أعش حياة رهبانية.
-ما تعنيه أنك استخدمتهن لحاجاتك الأنانية. ثم رميتهن.
-نحن نتكلم باشياء خطرة. و بلباسك هذا تبدين عرضة للتهجم. كل فلسفة تحرر النساء في العالم ، و التي تعرضينها علي الآن ، لن تحميك لو قررت أن أرمي كل تحفظ جانبا ، و أستخدم قوتي لأحطم كل حواجزك. ثم أنفذ ما قلتيه : أستخدمك لحاجاتي الأنانية ، ثم بعد ذلك أرميك...
و أمسكت بزجاجة الماء الساخن المطاطية و لفت يديها حولها ثم ركضت خارج المطبخ. و في الفراش حاولت أن تنام ، و لكن ألم الرأس كان يضربها و كأنه المطرقة على الجدار. و على الرغم من حرارة كيس الماء فقد إرتجفت.
و بعد برهة ، تسلل صوت إلى حلمها. و تبين لها بعد أن استفاقت تماما أنه صوت موسيقى تصخب عاليا حتى كادت تهز المنزل ، منبعثة من غرفة جلوس غارث ، و لا بد أن الباب مفتوح.
كان يعلم أنها نائمة. و يعلم أنها تعبة من الليلة الماضية.. إذا لماذا يفعل هذا؟.. للإنتقام؟.. طريقة دنيئة للإنتقام من الصوت الذي صدر عن حفلة أمس؟
كان وجهها يحترق ، و هي تقف شعرت أن ساقيها ضعيفتان ، و صرخت من أمام الباب بكل عزمها:
-أرجوك يا غارث.. أخفض الصوت!
لم يكن بإمكانه أن يسمعها ، فصوت الموسيقى مرتفع. و يجب عليها أن تنزل ، إذا استطاعت قدماها أن تحملاها. و عاد الألم إلى رأسها ، و أخذت تستند إلى درابزين السلم خطوة خطوة و يدا فوق يد و قدما فوق قدم.
و لم يرد عليها أحد عندما قرعت الباب. و أدارت المقبض و خطت إلى الداخل. لم يكن هناك. لقد أدار الصوت إلى أقصى إرتفاعه و غادر الغرفة. و بينما هي تنسحب من الغرفة ، سمعت حركة عبر الردهة و كان واقفا عند باب المطبخ ينظر إليها بسخرية... و قال:
-لقد عرفت الآن مدى الإزعاج. لقد عرفت كم هو مستحيل النوم في ظل أصوات تصخب و ترتفع.
و أمسكت بليندا بالباب لتتكأ عليه ، و نبضات قلبها تصخب ، و شفتيها جافتان ، و توسلت إليه قائلة:
-أرجوك يا غارث.. أرجوك أطفئ الصوت!
و بقي واقفا.. واقفا فقط.. في مواجهتها ، و ذراعاه متشابكتان و ظهره على حافة الباب. و استمر الصوت يصخب من خلفها و جسدها يرتجف ، و رأسها يتحرك من جانب إلى جانب صارخة:
-أرجوك.. أرجوك يا غارث.. أنا آسفة عن الليلة الماضية.. لن يحدث هذا ثانية ، أعدك!
-لا أصدقك!
سخريته ، أخلاقه التي لا ترحم.. قلة شفقته جعلت رأسها يسقط على صدرها و جسدها يرتخي.. و أخذت عيناها تتوسلان إليه و كأنها تقول:
"أعطني بعضا من قواك ، احملني ، أمسك بي..." و سحبت نظرها عنه.. ماذا تحاول أن تظهر؟ حاجتها إليه؟ حاجتها لحبه؟ و احتبس نفسها في حلقها. بطريقة ما يجب عليها الابتعاد عنه ، و عن الصوت المصم داخل الغرفة هذه. ستعود إلى فراشها و ستدفن رأسها في الوسادة و تغطي أذنيها.. لا يمكن لها أن تتوسل إلى برودة هذا الرجل الذي لا يحتمل..
و أمسكت بمقبض الباب لتدعم نفسها ، و خطت إلى الأمام و لكنها ترنحنت و بقي يراقبها... هل يظن أنها تمثل عليه؟ و قال لها دون مبالاة:
-لقد قلت لك.. سهر الليالي لا يناسبك.. و ما يبدو عليك الآن هو البرهان.
-غارث أنا مريضة... لست تعبة... بل مريضة.
و بقي غير مصدق لها. بقي حيث هو ، و ذراعاه متشابكتان. السلم كان بعيدا عنها ، و هي تحتاج للعون.. العون.. ممن؟ ليس من غارث غاردنر.
و تحركت قدماها ببطء و تحركت ساقاها معهما. و وصلت إلى أول السلم.. ثم إنهارت ، و وضعت يداها على أذنيها و صرخت بضعف و يأس. صوت الموسيقى كان يدفعها للجنون، و الرجل الساخر اللامبالي يمزقها بتصرفاته ، نصفها يكرهه و نصفها الآخر يريد عونه ، قوته أن تلفها بالمساعدة...
-ألن تكملي صعودك؟
و لم تستطع الإجابة لأنها كانت تبكي...
-ماذا تحاولين أن تفعلي ، أن تجعليني أشعر بالأسى عليك؟ أنت فنانة؟ أنت ممثلة!...
كان و كأنه يتحداها أن تكمل طريقها صعودا على السلم ، على هذا الجبل... و شدت على درابزين السلم ، و جذبت نفسها لتقف على رجليها. و لكنها ترنحت و وقعت... و تحرك كالبرق. و أصبحت بين ذراعيه دون حراك... ضعيفة و ترتجف. و رفعها و تحرك بها نحو غرفة الجلوس ، و ضغطت رأسها على صدره لتمنع صوت الموسيقى الداوي. و شعرت بالأمان عندما أطفأ الصوت. و شعرت في لحظة بأنها خارج الزمن.
و حملها برفق إلى غرفتها ، و وضعها في السرير ، و وضع الأغطية فوقها.. و عندها فقط لاحظت أنها لم تكن ترتدي روب المنزل.. و إنحنى فوقها ، و وضع يده على جبينها ، و ربت على شعرها:
-هل تقبلين إعتذاري؟.. لو أنني علمت...
-لقد قلت لك...
-أنا آسف.. هل تريدين أن أتصل بالطبيب؟
-لا.. شكرا لك...
-إذا لم تتحسني في الصباح.. سأستدعيه..
و سألته بقليل من القلق:
-أين أنت ذاهب؟..
هل استطاع أن يسمع نبرة الخوف في صوتها؟
-لأحضر لك بعض الحليب ، و أقراص دواء لتخفيض حرارتك.
كان البخار يتصاعد من الحليب عندما قدمه لها ، و ساعدها على الجلوس ، و سوى الوسادة من خلفها لترتاح عليها ، ثم قال لها:
-لقد كنت أبلها.. كنت غاضبا منك ، و الغضب أعمى عيناي عن الحقيقة.
و ابتعد عنها نحو النافذة و جذب الستارة لينظر إلى الخارج.
-بليندا؟ ألا تنوين أن تضعي حدا لبؤس صديقك و تتزوجيه؟
-من؟ نويل جيميز؟ إذا لقد سمعت ما قاله؟
-و كيف لي أن لا أسمع؟ لقد منعتيني من النوم بنجاح لساعات و كنت أتجول في المنزل أتساءل ماذا سأفعل عندما نظرت و شاهدت منظركما المؤثر ، و سمعت عرضه للزواج منك.
-لا.. لا أظن أنني سأتزوجه.
-و لماذا لا؟ ماذا تأمل فتاة بمركزك أن تنال أكثر؟ أم أن السبب براد؟
-أنا مولعة بكليهما..
-مولعة؟ ما هذه الكلمة مثل الحليب و الماء. لا تولعي بي أبدا ، أتسمحين؟ لا أستطيع تحمل ولعك.
إذا هو ينذرها ، يعلمها بأدب أن عليها أن تستثنيه عندما يتعلق الأمر بالزواج ، و لكن كلماته التالية أدهشتها:
-لو تزوجتك كما ترغب عمتي.. فماذا ستفعلين بالمال الذي سيعود إليك؟
و أعادت رأسها للوراء ليغرق في الوسادة ، و أخذ منها كوب الحليب الفارغ ، ثم وقف ينظر إليها ، ماذا ستفعل بالمال؟ ستعطيه لأمها. و لكن هذا شيء يجب أن تحتفظ به في مطلق الأحوال لنفسها يجب أن لا يشعر أبدا بأنه مجبر بالتضحية لأجلها بزواج من غير حب لا معنى له.
-ألم أقل لك؟ سأصرفه على نفسي أشتري به الأشياء التي طالما رغبت فيها.
و أدارت وجهها لتنظر إليه ، و أدركت من التعبير الذي كسى وجهه أنها ببطء و تأكيد تدفعه بعيدا عنها ، و تابعت:
-كل قرش منه سأصرفه على نفسي.. على نفسي فقط.
-شكرا لإبلاغي بهذا
و توجه نحو الباب... و أغمضت عينيها و قالت:
-هل صدمتك أنانيتي؟
-لقد أصابتني بالغثيان!
-و لكن ألا أتصرف بهذه الطريقة كامرأة؟ ألا أؤكد هكذا ما تؤمن به؟ ألا أبرر كرهك للجنس الآخر؟
و فتح الباب و هو يقول:
-استدعيني ليلا لو احتجت إلي...
و لم تحتجه ليلا... بل تاقت إليه.. و لكنها لم تستدعه...


**************************

الشغاف
06-23-2011, 07:35 PM
الفصل الرابع
عطش الحب

لازمت بليندا الفراش في اليوم التالي. و عندما حضر غارث ليراها قبل أن يذهب إلى عمله قالت إنها تشعر بأنها أحسن حالا ، و مد يده ليلمس جبهتها فبادرته:
-ليس هناك حرارة... و لا لزوم للطبيب!
-و الطعام؟... هل تستطيعين تدبير أمرك؟.. لقد أحضرته لك..
-لطف منك أن تهتم بي يا غارث...
و هز كتفيه و خرج... و بدت و كأنها بعيدة عنه أكثر مما مضى. لن تستطيع لوم أحد لهذا سوى نفسها.
-سوف تمضي السيدة هوغند النهار معك إلى أن أعود ، لقد رتبت الأمر معها.
و مر اليوم ببطء ، و اتصلت السيدة هوغند بالمدرسة و إعتذرت عن بليندا. و بوجودها في المنزل ، لم تحتج بليندا إلى شيء ، فهي لا تزال شابة و عندها أطفال تربيهم ، و عاملت بليندا و كأنه من أطفالها ، حتى أمها لم تدللها هكذا من قبل:
-يجب أن أعتني بفتاة السيد غارث الجميلة.. تعليماته أن أبقى بين يديك.
-و لكن ، سيدة هوغند ، أنا لست...
و توقفت عن الكلام فلم تكن ترغب في أن تزعزع ثقتها. لقد دعاها "بفتاته الجميلة". و كيف له أن يصف الفتاة التي تشاركه المنزل؟ أكان يضع في ذهنه هذا عندما سألها عما ستفعل بمالها إذا تزوجته؟ و في الواقع ، كم من الوقت يستطيعان الإستمرار في العيش معا هكذا دون إثارة الأقاويل؟ و تابعت ردها على السيدة هوغند:
-أنا لست مريضة كثيرا... إنه إلتهاب خفيف ، و سوف يمر...
-علي أن أستدعي الطبيب إذا ساءت حالتك... هكذا قال السيد غاردنر!
عندما وصل غارث إلى المنزل ، أبكر من المعتاد ، صعد فورا إلى غرفتها. و كانت السيدة هوغند هناك ، تأخذ صينية الشاي. و جلس غارث على طرف السرير ، و أخذ يدها الساخنة و قبلها. فابتسمت السيدة هوغند و تركتهما و خرجت.. و سألته بليندا:
-و لماذا فعلت هذا؟
-إنه نوع من التغطية يا حبيبتي! فأنت فتاتي ، و الأكثر من هذا أنت خطيبتي ، و التقاليد تفرض هذا ، فنحن نعيش معا.. أليس كذلك؟
-لا تكن سخيفا يا غارث ، لنفترض أن عمتك سمعت بهذا ، فماذا ستقول.
-سترسل لي طالبة صور حفلة الزفاف.
-لن يكون هناك زفاف... لا يمكن. لا تستطيع الزواج مني.. فأنت لا تحبني!
-و هل يجب أن يكون الحب دائما من شروط الزواج؟
-بالطبع.. و كيف تفكر بطريقة أخرى؟
-كم عمرك؟ أثنان و عشرون؟ أم ثلاثة و عشرون؟ و لا تزالين في هذا العمر تحلمين بالحب الرومانسي مثل المراهقين؟
-منذ متى يعتبر الزواج عن حب حلم المراهقين فقط. الزواج دون حب لا يمكن أن ينجح... أتذكر الكلمات المنقوشة فوق الباب في الردهة: "غبي هو الرجل الذي يتخذ زوجة في حياته ، فيوم زفافه هو يوم مماته".
و ضحك ، ثم دخلت السيدة هوغند ، فانحنى غارث و قبل خد بليندا ، و دفعته بغضب عنها ، و لكن بإبتسامة عذبة على وجهها ، لأن السيدة هوغند كانت تراقبهما. و اضطرت لأن تقول:
-ستلتقط العدوى.
و ابتسم بكسل:
-قد أحب ذلك.
و قالت السيدة هوغند:
-هل هناك شيء آخر سيد غاردنر؟
و اجابها بالنفي ، و شكرها على عنايتها "بفتاته" فتنهدت:
-عمتك ستكون مسرورة جدا... هذا ما كانت تريده تماما.. أن تتزوجا.
و رن جرس الهاتف في الردهة و خرج معها ليرد.. و عندما عاد كان وجهه مكفهرا ، و كأن ما جرى بينهما لم يكن ، و قال بجفاء:
-صديقك رقم واحد.. أم هو رقم أثنين ، براد سترونغ ، يريد أن يعرف إذا كان يستطيع زيارتك؟
-الأفضل لا.. قد يلتقط العدوى.
و عندما عاد ، قال:
-أبلغت الرسالة ، و استقبلها بإستياء و عدم تصديق. أنت تعاملين أصدقاءك الرجال بقساوة أليس كذلك؟ أنا سعيد أنني لست واحد منهم!
-و لكنك قلت للسيدة هوغند إنك صديقي...
-هذا يسعدها ، فأخلاقها من الطراز القديم.. هل تريدين بعض الطعام؟ لا لزوم للامتعاض.. فأنا طباخ ماهر ، لو كنت رئيس طباخي جيميز ، لتضاعف عدد زبائنهم.
فابتسمت و قالت ساخرة:
-حسنا... أرني أسوأ ما عندك.
و نظر إليها متوعدا:
-أسوأ ما عندي أفضل من أحسن ما عندك ، أيتها الفتاة.
و لم تستطع إنكار هذه الحقيقة ، و أكلت كل ما قدمه لها بشهية.
و عندما أخذ الصينية علق قائلا:
-الطبق الفارغ أفضل إطراء للطباخ.
و قالت ضاحكة:
-هذا شيء لن أعرفه أنا أبدا...
و أخذ يضحكان ، و رن جرس الهاتف ، و وقف ممتعضا ، و خرج ، ثم عاد فورا:
-صديقك رقم أثنين: نويل جيميز ، يأسف لسماعه بمرضك و يسأل إذا كان يستطيع زيارتك.. نفس الرسالة السابقة؟
-أجل.. أرجوك..
فتنهد و قال:
-لم أكن أعتقد بأنني مدير الفرع الرئيسي ، و الذي ينحني لي كل الموظفين و يرتجفون و ينادونني يا سيدي ، سألعب يوما دور الحاجب لمدرسة فنون شابة غير معروفة.
و عندما عاد قال:
-لقد بلغت الرسالة.. و لكنه لم يوافق.. توقعي حضوره بعد عشر دقائق.
و نظر إليها ساخرا:
-بقليل من المكياج و تسريح شعرك قد تقنعينه بالإنضمام إليك ، و لكن يجب أن تفسحي له مكان في السرير لأن الأسرة الإفرادية ليست مريحة لشخصين.
-و كيف تعرف؟.
-أعرف بالممارسة...
و خرج ، فصاحت به:
-غارث... غارث... الأمر ليس كما تعتقد!
و حضر نويل ، و انحنى ليقبل رأسها ، و جلس قربها على السرير ، فابتسمت له و قالت:
-نويل أنا أريد ن أستفيد منك.
-أطلبي كل ما تريدينه يا حبيبتي! أنا في خدمتك! متى تريديني...؟
-توقف عن المزاح يا نويل و استمع : يوم السبت ، سأكون قد تحسنت ، و كنت وعدت أولاد صفي بأن أخذهم إلى الريف في نزهة ، و تمرين للرسم أيضا...
-و كيف أستطيع المساعدة؟
-هل تأخذنا بسيارتك ، إنها كبيرة...
-و ماذا أفعل أنا و أنتم ترسمون؟
-تجلس و ترتاح... و ستبدو جميلا حتى أنني قد أرسمك...
-شكرا للمديح.. حسنا سآخذكم.. و لكن العدل عدل.. يجب أن تقدمي لي معروفا بالمقابل
و أخرج علبة كبيرة من جيبه و فتحها ، و بدا فيها خاتم ماسي ضخم يلمع بشكل لا يصدق في العلبة المخملية، و قال:
-البسي هذا.
-و لكننا لسنا مخطوبين يا نويل.
-لقد قلت لك إنني لجوج.. هيا إلبسيه يا حلوتي!
-آسفة يا نويل...
-هل أستعجلك؟ حسنا.. سأنتظر!
-و لكنك ستأخذنا إلى الريف يا نويل ؟ أرجوك؟
-عندما تنظرين بهاتين العنين الواسعتين ، كيف لرجل أن يرفض؟
-شكرا..
-ألا أستحق أكثر؟
-إنني مريضة و هذا يجعلني ضعيفة.
فضحك و وقف:
-سأراك يوم السبت. في أي وقت؟ الساعة الثانية؟
و بعد أن خرج دخل غارث... و لا حظ وجهها المتورد فسألها:
-هل حددتما الموعد؟
-بالطبع لا.. و لكنه قدم لي خاتم الخطوبة.
و رفع يدها لينظر إليها فقالت:
-لقد أعدته إليه.
-إنك فتاة طيبة ، كم تحبين أن تبقي رجلك معلقا. أشكر الله إنني لست واحد منهم.
في الصباح التالي كانت لا تزال في السرير عندما دخل غارث ، بعد أن قرع الباب أولا.
-هل أنت أفضل الآن؟
-أجل شكرا لك. سأخرج من الفراش اليوم. و غدا أعود إلى عملي.
-و هل هذا أمر حكيم؟ و هل هو ضروري؟ على كل غدا آخر يوم في الدراسة ، أليس كذلك؟
-أجل إنه ضروري ، فمعلمين آخرين يتولون حصصي ، و هذا ليس عدلا لهم. على كل ، يوم السبت وعدت أن آخذ مجموعة من الأولاد إلى الريف ليرسموا ، و يجب أن أرتب أمر اللقاء بهم و ما إلى ذلك.
-و من سيوصلكم إلى هناك؟
-سيوصلنا نويل...
-سيمثل دور الأب؟ يتمرن منذ الآن على رعاية الأطفال.
-هذا لطف منه...
-لطف كبير أن يساعد فتاة يحبها.
و قطبت جبينها و أخذت ترتب الشراشف و هي تقول:
-مع السلامة.
-أنت تعرفين كيف تجعلين الرجل يشعر بأنه غير مرغوب فيه.. أليس كذلك؟
أحضر رجل البريد رسالة من السيدة دونيكان تقول فيها :
-أخبريني عن أحوالك يا بليندا. لقد كتبت لغارث و لكنه لم يرد ، كيف حالكما معا؟ هل خطبتما؟ لقد مضى شهران ، و بقي أربعة فقط لتستفيدا أو تستفيد القطط! أنا واثقة أن بإمكانك تحطيم حواجزه ، مع أنني أعترف أنها صلبة".
"أنتي جميلة جدا يا عزيزتي. و لك طبع جميل.. كيف يستطيع أن يعيش في نفس المنزل معك و لا يقع في حبك؟ أنت جزء من خطتي ، و أعلم أنني عجوز مزعجة ، لا بد أن طباعه أصعب مما تصورت ، بما أنه قادر على أن يقاوم سحرك حتى الآن! اكتبي لي ، و أتمنى أن تكون أخبارك جيدة... عمتك المحبة.. إيلين دونيكان"...
و بعينين دامعتين طوت الرسالة ، ثم استغرقت بالرسم ، لونت قليلا ، ثم رسمت قليلا ، و تجولت في البيت على غير هدى...
كان باب غرفة جلوس غارث مفتوحا ، فأدخلت رأسها عبر الباب بحذر و كأنه داخل الغرفة.
جلست في مقعده المفضل ، و أمالت رأسها على وسادة المقعد ثم دفنت رأسها فيها و كأنها تعانقه. و تركتها منزعجة من أفكارها و مشاعرها ، و سارت نحو الغرفة. على حافة المدفأة ، كانت هناك صورة ملونة لإمرأة في أوائل الثلاثينات من عمرها ، طويلة نحيلة ، و جذابة ، و كانت تبتسم ، عند الزاوية هناك كتابة جميلة الخط و منمقة:
-"إلى غارث من لوسيا.. سأفتقدك".
إذا هذه هي الفتاة التي تركها هناك ، إنها لا تشبهني ، و مررت يدها على شعرها الأشقر الطويل ، و نظرت إلى شعر المرأة القصير البني المتجعد ، و تفرست بملابسها ، أنيقة و مكلفة ، مع لمسة من عالم الأزياء ، ثم قطبت جبينها و قد تذكرت طريقة لبسها.
بعد دوام المدرسة ، اتصل بها براد و سألها إذا كان بمقدوره زيارتها ، و كانت تشعر بالسأم ، فلماذا لا يزورها؟ و قال:
-سأحضر بعد عشر دقائق.
و استقبلته في غرفة طعامها ، فجلس و أشعل سيجارة و نفخ دخانها و فتح حقيبته و أخرج بعض الرسومات و قال:
-هذه بعض الأعمال التي قام بها الأولاد في صفك. متى ستعودين إلى المدرسة؟ غدا؟ هذا جد. لقد قلق الأولاد الذين ستأخذينهم في الرحلة.
-آمل أن لا تمطر ، أنت تعرف الريف ، لا يمكن الحصول على طقس جيد هناك في مثل هذا الوقت من السنة.
-إذا أمطرت دعيهم يرسمون المطر... المطر الحقيقي ، إنه تمرين جيد.
الساعة بلغت الخامسة و النصف ، و في أي دقيقة قد يحضر غارث و براد لا يزال هنا. و لكن لماذا عليها أن تهتم إذا وجد غارث براد هنا؟ إنها ليست تابعة له!
لا بد أن غارث قد لاحظ رائحة دخان براد ، و بدلا من أن يصعد مباشرة إلى غرفته كما يفعل دوما ، دفع باب غرفة جلوسها. و أحنى رأسه لبراد بالتحية ، و نظر إلى بليندا بغضب ، ثم نظر إلى الرسومات المنتشرة على الطاولة و خرج ، تاركا الباب مفتوحا.
و عندما غادر سألها براد:
-لماذا فعل هذا؟ ماذا كان يظن أننا نفعل؟ نقوم بخيانته؟
-براد.. إنني لست متزوجة منه.
-قد يظن أي شخص آخر أنك متزوجة منه. لا أستغرب أن يقوم بتقييدك إلى الباب ، و بدلا من أن يكتب أمامك "إحذروا هذا الكلب" يكتب "إحذروا هذه الإمرأة" إنها لي...
و ضحكت بليندا:
-لك أفكار غريبة يا براد. لقد قلت لك إنه يعترف بنفسه بأنه يكره النساء.
-ليس هناك رجل طبيعي يكره النساء يا عزيزتي ، و خذي كلامي على محمل الجد ، هذا الرجل طبيعي تماما...
-إنه لا يطيق رؤيتي!
-ما بالك؟ لست واقعة في حبه؟
و احمرت وجنتاها ، فبراد يلاحظ بدقة كبيرة.
-أحبه؟ أستطيع أن أحب قطعة من الصخر بسهولة أكثر. إنه مصنوع من الصخر...
و جمع الرسمات و هو يقول:
-سأذهب عند أهلي لقضاء الأعياد.
ثم سار نحو الردهة و عاد ليقول:
-ألن أحصل على قبلة وداع؟
فأجابته:
-آه منكم أيها الرجال و من العناق.
و تقدمت نحوه و عانقته قليلا ، فقال:
-أيجب عليكي أن تكوني جذابة هكذا؟ لولا ذلك لما غازلك الجنس الآخر.
بعد أن حضرا وجبة عشائهما ، أخذ غارث طعامه و ذهب إلى غرفة الطعام. و أرادت أن تسأله لم هو غاضب منها؟ و ماذا فعلت له هذه المرة؟ و لكن الجو المتوتر بينهما منعها من السؤال.
بعدما أنهت غسيل أطباقها ، مرت من أمام غرفة الطعام بصمت ، فتقدم نحو الباب و قال:
-من سمح لك بدخول جناحي الخاص أثناء غيابي!
و احمر وجهها... كيف عرف؟ هل ملأ الغرفة بأجهزة تجسس؟
-و لكنني... لم...
-بل دخلتي.. لدي دليل أنك دخلتي...
و لحقت به إلى الداخل.. و مد يده إلى وسادة صغيرة موضوعة ، على الطاولة و قال: -الدليل رقم واحد.
و أشار إلى شعرتين شقراوين طويلتين متعلقتين بالمخمل الأزرق. و نظر إلى شعرها و نظر إلى الشعرتين:
-إنها لك.
-أنا آسفة.. و لكني لم أفعل شيئا خاطئا.. إنني فقط ...
فقط ماذا؟
هل عانقت الوسادة ظانة أنها أنت؟.. لقد جلست هنا فقط!
-و لكن لماذا؟ لديك جناحك الخاص.
-لقد كنت ضجرة... لا يوجد أحد أتكلم معه ، و لا شيء لأعمله. و أنا لن أمانع لو دخلت إلى غرفتي. فليس لدي شيء أخفيه ، فأنا أثق بك و عليك أن تثق بي.
-أوافق... و لكنني لا أحب أن تنتهك أملاكي على يد...
-تابع كلامك.. قلها.. قل على يد إمرأة ، و خاصة إمرأة تكرهها.
-يا فتاتي العزيزة.. أنا لا أكرهك... إنني فقط...
-إنك لا تهتم بي... و كأنني لا أعرف هذا!
و استدارت لتبتعد ، و لكنه أمسك بيدها و جذبها إليه.
-هل يهمك أن لا أهتم بك؟
-الأمر فقط.. أن لا أحد يحب أن يتجاهله الأخرون ، و أن يعامل و كأن الأمر لا يهم إذا كان موجودا أم لا...
-و لكن... لديك أصدقاء شبان كثيرون "يهتمون" بك. فلماذا تهتمين إذا لم أفعل أنا؟
و سحبت يدها منه و قالت بغضب:
-لقد قلت إنني آسفة ، لن يحدث هذا مرة ثانية.
و رد عليها:
-لقد سمعت هذا القول من قبل.
-لقد أغلقت باب غرفة نومك ، حسنا ، أقفل أبواب كل الغرف، فأنا لا أهتم!
و استدارت لتركض صاعدة السلم ، و رمت نفسها على الأريكة في مرسمها ، و حدقت في السقف ، كم ستسطيع تحمل الصدام معه؟ لقد قالت عمته "حطمي حواجزه" و لكن كيف لأية إمرأة أن تجد طريقة لأختراق دفاعاته الصلبة؟
صباح يوم السبت ، بعدما تناول غارث إفطاره ، حضرت لنفسها بضع سندويشات و بعض الكعك ، و زادتها قليا إحتسابا للطوارئ. كانت ستلتقي الأولاد عند باب المدرسة ، فقد وعد نويل أن يلتقي بهم هناك. و رن جرس الهاتف ، و كان نويل المتكلم ، و كان صوته ملئ بالإعتذار و الأسف:
-آسف حبيبتي... هذا المؤتمر يجبرني على البقاء. والدي غائب ، لذا يجب أن أبقى... ثم هناك عشاء سيتبع المؤتمر ، و من واجبي أن أكون موجودا ، أكره أن أخذلك. ربما تستطيعين إستئجار باص؟ و إلا عليك بإلغاء الرحلة.. آسف يجب أن انهي المكالمة...
و جلست بليندا على السلم و وضعت رأسها بين يديها. ماذا ستفعل؟ هل تخيب أمل الأولاد؟ و سمعت وقع خطوات وراءها ، و تنحت لتسمح لغارث أن يمر. فقال لها:
-آسف ، لقد سمعت حديثك هل خذلك نويل جيميز.
-ليس الذنب ذنبه.
-أنا لا أقول أن الذنب ذنبه... كنت فقط أنوي عرض المساعدة ، و لكن...
و استدار ليعود أدراجه ، و لكنها ركضت وراءه و هي تصيح:
-غارث!
و وقفت أمامه:
-أرجوك.
و وضعت يدها على ذراعه
-هل ستساعدني؟ سيكون رائعا لو أنك أخذتنا.
-الأطفال سيخيب أملهم إذا لم يذهبوا.. سآخذك من أجلهم فقط...
و سقطت يدها عن ذراعيه.. من أجلهم فقط... و ليس من أجلها. حسنا! ماذا كانت تتوقع منه؟ و ابتسمت:
-إذا تغذيت الآن.. أجل.. ما رأيك بتناول الشاي؟
و ركضت نازلة السلم نحو المطبخ و هي تصيح:
-سأصنع بعض السندويشات لك...
-سأصنعها بنفسي...
-كما تحب... لقد صنعت إبريقا من القهوة..
-سأصنع واحدا لي...
و عضت شفتها ، أليس هناك شيء يرغب في مشاركته معها؟
و جلس المراهقون الخمسة ، ثلاث بنات في الثالثة عشرة ، و صبيين في نفس العمر ، في السيارة على أحضان بعضهما. و ساد الهرج و الضحك في المقعد الخلفي لسيارة غارث. و كانت المرة الأولى التي تركب فيها بليندا في سيارة غارث. و قالت هذا ، فرماها بنظرة غريبة ، مقطبا:
-من النادر أن أسمح لإمرأة أن تجلس بقربي ، المقعد الأمامي لم يستخدم بعد.. و يجب أن يستخدم...
-أتفكر بأن تتخذ لنفسك صديقة ، و لكن لديك واحدة ، أليس كذلك؟
-و ماذا تعنين؟
تلك الصورة في غرفة الجلوس.. لوسيا.. التي تشتاق إليك.
و إبتسم قائلا:
-ظننت أنك لم تسترقي النظر في ذلك اليوم عندما دخلتي الغرفة.
-لو علمت عمتك بأمرها ، لما وضعتك في هذا الموقف السخيف المتعلق بي! لماذا لم تكن صادقا معها؟ لماذا لم تخبرها عن صديقتك التي تركتها تنتظر؟
-هذا ليس من شأنك! على كل أنا مصنوع من حجر ، أليس هذا رأيك! لذا فما نفعي لأية إمرأة؟
-لقد سمعت ما قلته لبراد!
-ألم تقصدي أن أسمع؟ كم من المؤسف أنني لست قطعة من الصخر المنحوت. لكنت وقعت في حبي بسهولة أكثر... أليس هذا ما قلتيه؟
-و ما نفع وقوعي في حبك؟ مكان قلبك يضيع فيه نهر جوفي!
و إبتسم غارث إبتسامة ساحرة..
و وصلوا إلى الوادي حيث يقصدون. كتل من الصخر المستطيل تقبع بروعة على ضفتي النهر. و ركضت البنات نحوها ليستكشفنها ، و أخذ الصبيان يضحكان و يلاحقانهن ، مهددان بدفعهن إذا لم يسرعن في سيرهن ، و وصلوا إلى الجانب الآخر من النهر.
و أمسك غارث بيد بليندا.
-تعالي... سأتأكد من وصولك إلى الضفة الثانية دون أن تقعي في الماء الجاري.
و خاضا إلى أول صخرة ، ثم إلى الأخرى ، تاركا لها الوقت لتدوس على الصخر المنزلق من الماء ، و صاح أحد الصبية:
-ادفعها في الماء يا سيدي.
-إذا لم تحسن تصرفها سأفعل!
و مضيا في طريقهما ، صخرة خلف صخرة ، و كانت بليندا مسرورة لأن غارث يمسك بيدها عندما كانت قدمها تنزلق مرة بعد مرة.
و عندما وصلا إلى الضفة الأخرى ، رفعها غارث و طوق خصرها بذراعه و أمسك بها قريبة منه للحظات قطعت أنفاسها. و تمتم قائلا:
-لا أريدك أن تقعي إلى الخلف...
و بينما ساروا جميعا ، انزلقت يده نحو يدها و أمسكها و كأنه لا ينوي أن يدعها تهرب من قبضته. و لأنها لم تكن ترغب في أن تترك يده ، كان من المستغرب أنه يرغب في أن يمسكها ، و سارت إلى جانبه ، و وجهها يعبق بالسعادة ، و ألوان عينيها تماثل ألوان النبات و الشجيرات و الأزهار من حولها.
كان يوما ممتازا للرسم و التلوين. و تجمع الفريق حول بليندا التي أخذت تشير إلى تباين الظلال و الشمس ، و كان فوقهم الصخور العالية ، و العشب الأخضر اللامع يحاذي المياه ، و شرحت لهم ، ما يفعله الماء و الريح عبر العصور في أماكن محددة من الصخور ليشكلها بأشكال غريبة ، مثل تلك الصخرة التي تماثل الأسد الجاثم ، لمن لهم الخيال ، و إبتسمت بسعادة لغارث الذي وقف يراقبها و يستمع. و قالت لهم:
-تستطيعون رسم و تلوين أي شيء تحبونه. نفذوا ما ترسمونه بطريقتكم الخاصة ، و حاولوا أن تتذكروا كل ما علمتكم في المدرسة حول "النظرة الخاصة" عوضا عن التطلع فقط. إذا كنتم تتطلعون إلى شجرة ، لا تنظروا فقط إلى أوراقها و أغصانها ، بل إلى المسافات بين هذه الأوراق و الغصون ، تستطيعون في الواقع أن ترسموا هذا الفراغ بدل الشجرة نفسها. و ستكون النتيجة مهمة...
و تفرقت المجموعة ، غير بعيد ، و أخرجت أدوات الرسم الخاصة بها و تجول غارث قليلا ، ثم قرر أن يستكشف الوادي بعمق أكثر. و خاب أمل بليندا ، فقد تمنت لو أنه بقي معها ، و لكن روحه الاستقلالية لا تتركه يستقر في مكان واحد ، و هذا ما سيعذب أية إمرأة قد يتزوجها في يوما ما.
و بدأت الغيوم تتجمع في السماء ، ثم تتكثف ، و لكنها لم تلاحظها. كما لم تلاحظ أن غارث قد رجع ، و جلس على مسافة قريبة منها يحدق بها.
كانت تسمع ضحك البنات و الصبيان و هم يتجولون بعض الأحيان مفتشين عن منظر أجمل. و استلقى غارث ليرتاح على كوعه ، و هكذا استرعى انتباهها. و حضرت بسرعة ورقة رسم جديدة و بدأت ترسمه ، و هو ثابت في مكانه مثل الصخور التي تحيط به ، مستغرق في أفكاره. و حاولت أكثر من أي شيء آخر أن تلتقط في رسمها الذكاء الذي يشع من عينيه ، بينما كانتا تجولان في المكان ثم تستقران ثانية عليها. و عندما أنهت الرسم خبأته بين الأوراق الباقية. و تنهدت دون قصد فنظر إليها، ثم وقف و انضم إليها و أخذ قلبها يتجاوب خافقا.
-يبدو أنك تحبين عملك.
-إنه حياتي...
-التدريس أم الرسم؟
-الأثنان معا. أحب أن أفتح عيون الأولاد على الأشياء من حولهم. ليس الجمال فقط ، بل الحزن أيضا ، الظلال كما ضوء الشمس أعلمهم الفن ، أعتقد أن هذا يعلمهم الحياة نفسها.
-إذا أنت لست فنانة عصرية ، أعني تلك التصميمات الغامضة و الألوان التي لا معنى لها؟
-بالطبع أنا فنانة عصرية. و لكنني لم أترك الفن التقليدي. كل منهما لديه شيء يعطيه للآخر.
-مثل الرجل و الإمرأة؟
-طبعا.. و لكنك لن تستطيع تصديق هذا لكرهك الأعمى للمرأة!
-أعترف أن لدي قناعات معينة.
-أنت صعب المراس!
-حسنا.. لقد عشتي معي لفترة شهرين الآن ، و يجب أن تكوني تعرفينني الآن جيدا..
-أنا لم "أعش معك" و أنت تعرف هذا.
-و لكن زملاءك لا يعرفون هذا. ماذا تعتقدين أنهم يظنون؟
-لا أهتم بماذا يفكرون! كل العالم يتوقع أن يكون تصرف الفنان شاذا ، و ماذا عن زملاءك؟
-إنهم لا يعرفون شيئا عن حياتي الخاصة. و هم يعتقدون أنني أعيش وحيدا.. لقد.. وصلتني رسالة من عمتي..
-و أنا كذلك.
-أعتقد أنها قالت نفس الشيء لك... متى الزفاف؟
-تقريبا... ماذا ستقول لها؟
-لا شيء... لن أرد على رسائلها.
-هكذا قالت. أظن أن هذا أمر ردئ منك. إنها عجوز رائعة...
-اكتبي لها عن كلينا ، و أخبريها أننا نتقدم بنجاح. قولي لها إننا نمسك بخناق بعضنا أكثر من الأول. لو كتبت أنا فماذا سأقول؟ هل أقول إن لديك اثنان على الأقل يحبانك و يتوسلان إليك للزواج منك؟
-هذا كلام خاطئ... فهما لا يحباني بالمعنى الذي تقصده.
-لا؟..
-لا.. إنهما مجرد أصدقاء.
و ضحك... و عاد الأولاد بسرعة بعد أن بدأت قطرات المطر تتساقط ، و ساعدها غارث بتجميع أدواتها و نظر من حوله:
-لنجد مكانا نلجأ إليه.
و قال صبي يدعى كنيث:
-هناك مغارة هناك.
و تبعه الجميع و وصلوا إلى المغارة. و كانت المغارة مظلمة و لا يوجد معهم ما يشعلونه. فتجمعوا معا قرب فتحتها ، و كان هناك بعض الحجارة التي جلسوا عليها و تناولوا الطعام و الشاي و هم ينظرون إلى المكان و قد غرق بالمطر. و إلى النهر الذي تسارع تدفقه كثيرا ، و الأغصان التي أنحنت بفعل ثقل المطر. و شعرت بليندا بإرتجاف من البرد مفاجئ... فتقدم نحوها و جذبها إلى قربه واضعا ذراعه حول خصرها. فحاولت أن تبتعد عنه ، و لكنه قال لها بصوت خفيض:
-إذا لم يكن هناك شيء أستطيع إعطاؤه لك ، فعلى الأقل سأعطيك بعض الدفء من جسمي. دعيني أقول لك سرا. أنا لست من حجر. لدي مشاعر و حرارة ، و عاطفة.. أنا من دم و لحم.
و إرتجفت ثانية ، ليس من البرد ، بل من شعورها بقربه منها ، و من ضغط جسده عليها. و للود المثير في صوته. و لكنها قالت محاولة أن تسخر:
-لن تستطيع خداعي.
-هل هذا تحدي.
-لا...
و شدها إليه أكثر و حاولت أن تبتعد ، و لكن متأخرة ، فقد وجدت نفسها بين ذراعيه ، و لفترة قليلة ، ثم جذبت نفسها مبتعدة عنه. و بجهد تمالكت نفسها ، و قالت للآخرين محاولة إيجاد جو تستطيع التوازن فيه:
-المطر بدأيخف لذا لنحاول أن نركض ، لا تتركوا شيئا خلفكم.
و أوصل غارث الأولاد واحدا واحدا إلى منازلهم ، و تلقى شكرهم و لوح بيده مودعا لكل منهم. و تمتم كنيث لهما و هو يضحك:
-حظا سعيدا سيدي ، آنستي.
و شكرته بليندا بإبتسامة ، و لكن عندما ذهب التفتت إلى غارث:
-سيعتقدون الأولاد أن هناك شيئا بيننا و سيقولون لأباءهم ، و...
-ظننت أنك قلتي إن الأمر لا يهمك؟ على كل هناك شيء بيننا... كمية ضخمة من المال.
و نظرت بليندا من نافذة السيارة ، و لاحظت أن الطريق الذي يسيران عليه لا يقود إلى منزلهما.
-أين أنت ذاهب؟
-لنتعشى...
-و لكن... بهذه الثياب؟
-و ما بها هذه الثياب؟
-وجهي... و شعري...
-هيا.. مشطي شعرك ، و ضعي بعض المكياج... و لكن ليس من أجلي ، أنا واثق أن نويل جيميز سيحبك كما أنت.
-أتأخذني إلى جيميز؟ لا أستطيع الذهاب إلى هناك...!
-و لماذا لا؟ إنه أفضل مطعم في المدينة. و أفضل مكان هو ما يناسب المرأة التي إختارتها عمتي لي لأتزوجها.
-لا تكن غبيا هكذا يا غارث ، فنحن لن نتزوج...
-ها قد وصلنا...
و أوقف السيارة ، ثم رافق بليندا إلى المطعم ، و بينما هما يدخلان وضع ذراعه حولها و جذبها نحوه. و كان نويل يقف في الردهة. و اتسعت عيناه بالدهشة ، ثم انقلبت إلى عدائية عندما شاهد غارث ، و لكن لتعلمه ضبط أعصابه في عمله ، إبتسم لهما إبتسامة زائفة... و أحنى غارث رأسه و قال لها هامسا:
-خلصي نفسك من هذا الموقف.
و زجرته بنظرة من عينيها ، فابتسم لها إبتسامة ساخرة. و رفع نويل يده مرحبا:
-أهلا بليندا... كيف كانت الرحلة؟ من أخذك ، أحد الأباء؟
-لا.. لقد أخذنا غارث.
-أوه.. هذا جيد.. عذرا يجب أن أذهب.. تمتعا بوجبتكما. سأعطي تعليماتي لرئيس السقاة ليخدمكما.. هذا أقل شيء أقدمه لفتاتي الجميلة!
و تناولا طعامهما ، و كانت الخدمة ممتازة و الطعام شهي. أفضل ما يمكن أن يقدم هذا المطعم الفاخر. و كان غارث يحاول جهده أن يرضي الفتاة التي ترافقه.
و علمت بليندا سبب ما يقوم به.. لمجرد إزعاج نويل... الذي كان يتجول في المطعم ، و في إحدى المرات و هو يمر ، وضع غارث يده على يد بليندا ، و سألهما نويل ، كمدير للمطعم ، إذا كانا يتمتعان بطعامهما. و أجابه غارث بكل كبرياء رجل الأعمال الناجح:
-بشكل ممتاز سيد جيميز! سنعود أنا و بليندا إلى هنا مرة أخرى!
و تركهما و ذهب. و التفت إليها غارث :
-هل نذهب إلى المنزل يا بليندا؟
و بينما هما يغادران توقف غارث لينظر إلى لوحات بليندا. و حدق بكل واحدة منها عن كثب متفحصا. و ظهر نويل و وقف عند طاولة الاستعلامات. فتقدم غارث نحوه و أومأ برأسه محييا ثم دفع فاتورة العشاء. و قال:
-أحب أن أشتري واحدة من هذه اللوحات.
-و لكن يا غارث... أستطيع أن أعطيك واحدة.. لا حاجة لأن...
-أعطني لوحة المنظر الطبيعي ، أرجوك.
و التفت إلى بليندا:
-و هل أقبل هدية من الفتاة التي أسكن معها؟ حبيبتي.. يجب أن يكون الأمر معكوسا. يجب أن أعطيك أنا الهدايا، لكل ما تقدمينه لي... من لطف..
و أعاد النظر إلى وجه نويل.
-كم ثمنها سيد جيميز؟
و ذكر له نويل الثمن و تحرك نحو الجدار ليحضر اللوحة ، و أخرج غارث دفتر شيكاته و قال:
-سأضاعف المبلغ.
و تمتمت بليندا و هي تجذب أكمامه:
-غارث.. لا حاجة لذلك.. اللوحة لا تستأهل كل هذا.
فابتسم لها ، ثم أخذ اللوحة التي غلفها له نويل.
-أنت متواضعة كثيرا يا حبيبتي! لا يجب عليك أن تقللي من قدرك هكذا.
هل أستطاع نويل أن يلاحظ السخرية في صوته و الزيف في قوله؟
و لاحظت على وجهه الاضطراب و البؤس... و كان غارث قد خرج...


* * *

الشغاف
06-23-2011, 07:35 PM
الفصل الخامس

هل تتزوجيني؟

و ثارت بليندا في وجه غارث طوال طريق العودة. لماذا فعل هذا؟ و ما هي اللعبة التي يلعبها؟ من يحاول أن يخدع؟
-أتعاملني و كأنني أهمك ، و كأنني ملكك ، فتاتك! لا أعلم ماذا سيقول نويل الآن عني؟
-لا تقلقي. قيمتك ستزاد عنده ، سيرغب بك أكثر. فالغيرة تفعل في الرجل العجب... ألم يكن علي أن أحرر الشيك لك؟
-لا.. نويل سيعطيني واحدا آخر ، بعد حسم عمولته على البيع.
-أتعنين أنه يأخذ منك حصة؟
و ضحك عاليا:
-يا إلهي ! جيميز يأخذ عمولة على عمل فتاة مكافحة! صديقك هذا ولد و هو رجل أعمال. و لا عجب أن لدى أبيه هذه الثروة.
و بينما كان غارث يضع سيارته في الكراج ، ركضت نحو المرسم و هي تنوي أن تغلق على نفسها ، و لكنه لحق بها. كان مصدر عذاب لها أن يدخل إلى هناك ، يحدق بثمار تفكيرها ، بلوحاتها ، التي رسمتها من الجزء اللاواعي في فكرها ، التي تكشف للعين الناقدة أفكارها السرية ، عمق شخصيتها. و قال لها ساخرا:
-أين سأضع اللوحة التي أشتريتها بهذا المبلغ الكبير؟ في غرفة الجلوس كما أعتقد. يجب أن توقعيها لي و عندها سأظهر لزواري بأنني أعرف هذا الفنان.
-لم يكن عليك أن تدفع هذا المبلغ للوحة.. و لكن شكرا لك إنه كرم زائد منك.
و أخذ ينظر إليها و هي جالسة على الأرض قرب الأريكة.
-كنت كريما اليس كذلك.. حمدا لله! لقد أصبح لدي فضيلة جيدة ، أنا كريه ، لا أحتمل ، مصنوع من حجر ، و لكني كريم.
و أنحنى ليصبح عند مستواها:
-يبدو أنك تمضين وقتا طويلا هنا على الأرض ، لماذا؟
-لا أعلم. يبدو أنني أفكر بشكل أفضل و أنا على الأرض. هناك دائما مكان لم يستخدم على الأرض. الطاولات مليئة ، و الكراسي مغطاة ، و لكن الأرض.. إنها تصرخ لمن يستخدمها.
-الأرض للسير عليها ، و ليس لرمي النفايات عليها.
-من الجيد إذا أنك لن تتزوجني أليس كذلك؟ سوف تسأم من نفاياتي في وقت قصير ، و أنت تتعثر بها يمنة و يسارا.
-إلا إذا تعلمت أن أعيش على الأرض بدوري.
-ليس أنت ، ستبدو في غير مكانك هنا.. أنت جليل القدر ، متفوق ، مدير عالي الشأن.
-إذا أنا لست حتى من البشر الآن؟ إذا قلتي المزيد سأثبت لك العكس!
و وقف مهددا ، و خفق قلبها ، و لكنه ابتعد ، و أخذ ينظر إلى اللوحات ، و توقف لينظر في مجموعة موضوعة على الجدار. و أخذ يتفحص واحدة منها ، و ظهر تعبير غريب على وجهه و سألها:
-هل هذه صورة صديق لك؟
و نهضت بليندا لتنظر من فوق كتفه ، و ضحكت:
-بالطبع لا.. إنه موديل.. نحصل على دروس حية في المعهد. ندرس علم التشريح و ما إلى ذلك. نتعلم أن نرسم البشر في صيغتهم الأساسية.
-حسنا.. أجل.. لقد جعلتني للحظة أتساءل.
-تتساءل عن ماذا ؟
و عادت إلى رسمها ، و وقف قربها.. فقالت متسائلة:
-غارث.. أنت تعرف نوع عملي.. أخبرني عن عملك ، لقد ذكرت شيئا عن صنع أجهزة ترانزستور للكابلات تحت المياه.
-أوه... يا عزيزتي ، هذا أمر مختلف... كيف أستطيع ترجمة مثل هذا الموضوع العالي التقنية إلى لغة عادية؟
-و خاصة إلى فنانة غبية!
-أنت قلتي ، و ليس أنا.. في الوقت الحاضر نعمل في القسم الذي تصنع فيه الأجهزة. إنه يدعى غرفة العزل. لا غبار أبدا ، و يبدو و كأنه غرفة عمليات في مستشفى. الناس يتوجب عليهم إرتداء أقنعة على وجوههم ، محكمة ضد الهواء. و هناك ضغط مستمر على مستوى معين و رطوبة معينة. و من يعمل هناك يحصل على عصير الليمون المجاني للتغلب على جفاف الجو.
و وضع يده على رأسها و أداره لتنظر إليه ، فضحكت و أزاحت يده و قالت:
-يبدو الأمر مرعبا. و لكن ماذا تفعل هذه الأجهزة بالضبط؟
-إنها تدعى "المرددات" إنها تضخم الصوت ، و تجعل الرسائل أوضح ، و إلا لن تسمعي الرسالة أبدا.
-يبدو أن العمل دقيق جدا في هذه الأجهزة.
-لمن يعمل بها... أجل. و لكننا دوما نحسب حساب الأخطاء البشرية ، لذا نعيد فحص كل قطعة على حدة قبل استخدامها. و الآن و قد علمتي.. هل أصبحت حكيمة أكثر؟
-قليلا... و هل أنت مسؤول عن القسم كله؟
-أجل...
-و هل تدير القسم بنفس القساوة و الفعالية التي تدير بها حياتك؟
فاستدار إليها مبتسما:
-أجل... و إلا لما وصلت إلى هذا المركز.
-لا عجب إذا أنك تكره فكرة مشاركتي السكن. يجب عليك أن تعيش في شقة فخمة كاملة الخدمات كل شيء فيها جاهز و أي شيء تطلبه يصل إليك بكبسة زر ، و بدلا من ذلك تضطر إلى تحمل طريقة عيشي غير المحتملة ، و قلة نظافتي ، و الفوضى التي أدير بها منزلي ، حتى أنني لا أستطيع مساعدتك في الطبخ.
و انتظرت أن يقول لها كلمات رقيقة ، مطمئنة ، و أن يؤكد لها أن قلة براعتها في الأعمال المنزلية لا تهمه ، و لكنه لم يقل شيئا ، فتابعت كلامها:
-و هكذا ترى كم سأكون زوجة سيئة لرجل في مثل مركزك. و السيدة دونيكان تعرفنا كلانا ، فكان عليها أن تعرف كم هي سخيفة فكرة زواجنا. مع المال أو بدونه ، لا ألومك لعدم رغبتك في ربط نفسك بي. فأنا لست بمستواك الإجتماعي و لا العملي. و الزواج بيننا بكل بساطة لن ينجح.
و صفق على يده بمسطرة كان قد التقطها و كأنه توصل إلى قرار ما ، و أعاد المسطرة إلى مكانها ، و حدق عبر النافذة إلى الخارج:
-إذا كان الطقس جيدا في الغد ، سأذهب لقضاء عطلة. لدي عدة أيام عطل متراكمة من الأعياد الماضية. لذا سأوضب بعض الثياب و أذهب في سيارتي و أتخلى عن كل شيء.
-لوحدك؟
-أجل لوحدي. لماذا؟ أتحاولين أن تتصيدي دعوة؟ هل تنوين أن تتطفلي على عزلتي؟
و احمر وجهها ، و قد خاب أملها لقراره بالسفر ، و للسهولة التي يستطيع فيها إنتزاع نفسه ، من أصدقائه و معارفه... و منها. مما جعلها غاضبة دون سبب ، فقالت:
-هل تظن أنني أذهب في عطلة معك؟ لا.. شكرا. ستكون هذه العطلة بمثابة أيام راحة ، أستطيع فيها الخلاص من رفقتك للستة أشهر التي سأقضيها هنا.
و نظرت إليه و هو يغادر الغرفة ، و كانت عيناه باردتان:
-غارث؟ أين ستذهب؟
-لا أعرف ، و حتى لو عرفت لن أقول لك. فقد تقررين اللحاق بي و لن أتحمل هذا.
و أغلق الباب وراءه. حسنا لقد طلبت بنفسها هذه الإهانة ، أليس كذلك؟ و قد إنتقم منها ، و لن تستطيع لومه.
و أخذت الرسمات التي رسمتها له بعد ظهر ذلك اليوم ، لن تدعه يعرف عنها. ستكون ذكرى عنه تأخذها معها عندما ترحل إلى الأبد بعد أربعة أشهر. و بدأت أولى ضربات الفرشاة في تلك اللوحة بعناية و حب.
و في الصباح التالي ، سافر غارث باكرا دون أن يودعها. و اختبأت خلف ستارة غرفة النوم و أخذت تراقبه و هو يبتعد. كيف ستواجه عددا غير محدد من الأيام من دونه؟ أن تشعر به في كل مكان ، و صوته في أذنيها و لكن في غياب شخصه الحقيقي؟
ستسافر إلى أمها.. هذا هو الحل.
و استقبلتها أمها بالقبلات و الابتسام القلق ، و استقبلها شقيقها و شقيقتيها بعدم إكتراث معتاد. أمها بدت شاحبة و نحيلة. و بقيت هناك لأسبوع ، و لم ترتح في نومها على الأريكة في غرفة الجلوس ، و لكن لم يكن عندها مكان آخر تذهب إليه. و كانت تستيقظ كل صباح لترى ورق الجدران الممزق الباهت ، و السقف المشقق ، و الأثاث المهترئ.
لو أنها تحصل على ذلك المال ، لأعطته كله لأمها لتسعدها و تريح حياتها. و لو كان هناك الكثير ، لاشترت لها منزلا آخر ، في منطقة أفضل و أكبر من هذا. هذا المال محجوز ، و لن يكون لها ، إلا... و لكنها لن تستطيع أن تتزوج غارث. لن تستطيع أن تتزوج رجلا يكرهها بقدر ما تكرهه. إنهما يتحملان بعضهما إلى أن تنتهي الستة أشهر.. ثم.. وداعا... و سيخرج من حياتها إلى الأبد. سيسلخ نفسه من حياتها بالسهولة التي سافر بها هذه المرة ، ما عدا أنها هذه المرة هي التي ستخرج من الباب ، و لن يراقبها حتى من النافذة كما فعلت.
و شعرت بالراحة لإنتهاء الأسبوع عند أمها... يبدو أنه لم يعد لها مكان ضمن العائلة. و شعرت و كأنها خرجت من حياتهم كما ستخرج من حياة غارث.
و عادت إلى منزلها ، و لكن الكآبة لم تغادرها. فقد كان بإنتظارها ، الجدال ، و النزاع ، و سوء التفاهم ، مختبئة في زوايا غير متوقعة ، مستعدة للقفز في وجهها. و دخلت غرفتها ناوية العزلة حتى لا تقابله.
و وقفت عند باب المرسم مذهولة... كان هناك ، يحدق خارج النافذة و يداه في جيوبه. و استدار ، و لكنه لم يكن محرجا كما قد تكون هي في ظروف مماثلة. و قال دون تعبير:
-أنا أفعل مثلك.. تسللت إلى غرفتك دون إذن ، و لن أعتذر.
-لا تهتم.. ليس لدي شيء أخبئه.. لا شيء أبدا.
-لا شيء؟ إذا من ربح معركة تفضيلك... الولد الثري اللعوب أم زميلك الفنان؟ أراهن بكل مالي على الأول. لديه مال جاهز ، دون ذكر الخاتم الذي في جيبه ينتظر أن يحل في يدك حالما توافقين.
كانت تعبة كئيبة ، و العطلة التي قضتها جعلت حياتها أسوأ.
-لقد ذهبت عند أمي..
-حقا؟
-أجل.. عند أمي.. و إذا لم تصدقني إذهب و اسألها. ليس على هاتفها بل على هاتف الجيران. هاك الرقم.. هيا.. إذهب و اتصل بها.
و استدار دون أن يقول شيئا فقالت:
-و لماذا علي أن أقول لك عن كل تحركاتي؟ أنا لا أسألك عن أي تفاصيل.
-حياتي كتاب مفتوح.
-و كذلك حياتي.. ها قد عدنا من جديد... إلى الشجار و إلى بغض بعضنا.
و تدفقت الدموع التي كانت تنتظر الإنفلات ، و شقت طريقها على المسرح و كأنها ممثل ثانوي مصمم على أن يترك تأثيره. و هبطت بليندا نحو الأرض و استدارت لتريح وجهها بين يديها على الأريكة.
و رفعتها ذراعاه إلى الأريكة و أجلستها هناك و جذبتاها إليه. و كان صدره الصلب و تنفسه الثقيل تحت خدها و يده تمسح شعرها. و لم تستطع أن تجذب نفسها عنه لأن قدرتها على المقاومة تلاشت. كانت بحاجة إلى العطف ، حتى أنها كادت تطلبه ، و ها قد حصلت عليه. و أدار وجهها إليه بأصابع ناعمة ، و نظرت إلى عينيه المليئتان بالحنان و العطف. و تمتم:
-أخبريني ما بك.
و تدفق الكلام من فمها دون وعي. و أنهت كلامها عن وضع أهلها بقولها:
-والدتي قد تكون سعيدة بي لأنني أساعدها. و لكن أشقائي... أظن أنهم يغارون مني.. و لكن بحق السماء لماذا؟
و أغرقت وجهها في صدره... ثم وقف يحدق بها مفكرا. و قال:
-سأحضر بعض الطعام ، هل ترغبين بمشاركتي؟
-لا شكرا... لن أكون رفيقة جيدة لك.
-لعن الله الرفقة... لقد اعتدت عليك حتى الآن لأعتبرك مجرد...
و توقف عن الكلام. و علمت أنه قرر أن لا يخبرها كيف ينظر إليها.. ربما جزء من أثاث المنزل.. و لكنه قال:
-سأضع طعاما لأثنين.
و نظرت إليه ، و وجهها مشتعل ، و عيناها ثقيلتان من البكاء.
-لماذا تظهر كل هذا اللطف؟
-لماذا؟ الأمر واضح ، لأنك بحاجة إلى صديق ، إلى شيء صلب تستندين إليه.. أعتبريني ذلك الشيء.. فأنا قوي ، و صلب. و وقفت في وجه العديد من العواصف ، و أنا هنا عندما تحتاجين إلي ، تذكري هذا دائما.
و نظرت إلى القوة في وجهه ، إلى الجاذبية في جسده ، إلى أخلاقه التي يعتمد عليها. إنه يملك الإستقامة و المبادئ الواقعية. لو أن هناك إمرأة محظوظة بما فيه الكفاية كي تكون زوجته ، ستجده عنده كل ما تحلم به المرأة في رجل.
-حسنا.. هل مقاييسي متناسبة مع الولد الثري اللعوب الذي ما زال يطلب منك الزواج؟
و أرادت أن ترد عليه... مقاييس... أنت ترتفع عنه كثيرا... و لكنها ابتسمت و قالت:
-هذا سؤال من الأفضل أن لا أجيب عليه.
و وضع أصابعه تحت ذقنها:
-كل هذا و ديبلوماسية أيضا ، هناك شيئا في عينيك يجب أن أرضيه.
و رفع رأسها عن الأريكة و وضع وسادة خلف رأسها:
-قد أكون أكره النساء. و لكنني أعرف كيف أعامل المرأة ، و أستطيع أيضا أن أكون زير نساء عندما أشاء. ابقي هنا و انتظري ، و ألحقي بي عندما أدعوك.. هل تفعلين هذا؟
و احمرت و هي تنظر إلى عينيه.. لن ألحق بك بل سأرمي نفسي بين ذراعيك ، دون النظر إلى العواقب. و هزت رأسها موافقة:
-هذا جيد... سأذكرك بالأمر يوما ما.
و تناولا الطعام في غرفة طعامه. و كانت الوجبة لذيذة. كان يلفهما جو احتفال... و لكن بماذا يحتفلان بالضبط ، لم تستطع بليندا أن تتصور.
الأيام التي تلت كانت أقرب إلى الجنة ، و الاتفاق بينهما استمر. لقد وضعا بالفعل حال العداء بينهما على الرف... و لكن إلى متى.. لا أحد يعرف.
و أقبل شهر أيار و أقبل معه دفء الشمس. و عندما يكون غارث في الخارج... كانت بليندا تعمل في اللوحة التي ترسمها له. كانت اللوحة تبرز إلى الوجود تحت يديها ، بعد كل ضربة فرشاة.
مرت ثلاثة شهور ، و بقي ثلاثة قبل أن تضطر إلى مغادرة المنزل. و كان غارث في هذه الأثناء مرحا ، و على الرغم من الوفاق و الهدنة بينهما كانت بليندا تشعر في أعماقها أنهما عندما يودعان بعضهما ، لن يشعر أبدا أنها قد ذهبت.
في إحدى الأمسيات حضر نويل لزيارتها ، و قد بدد قدومه الهدنة بينهما و قلب علاقتهما إلى حالة الحرب القديمة. فقد عانقها نويل في الردهة و كان غارث ينزل السلم ، و عندما لاحظت بليندا النظرة النارية التي رمقها بها غارث شعرت و كأنها تلقت ضربة عنيفة ، فقد عاد في لحظة إلى الرجل البارد القاسي الذي كانت تعرفه من قبل.
-تعال فوق يا نويل... هناك لن يقاطعنا أحد.
هذه الدعوة لم تكن مصادفة. فلو أن غارث عاد إلى حالة الحرب فلديها أيضا أسلحة تجابهه بها.
-حول ذلك المعرض يا نويل... هل يناسب شهر تموز؟ أظن أنني قادرة على إنهاء كل اللوحات بهذا الوقت ، ما يكفي للغرفتين في "الغاليري" الذي قلت عنه.
-فليكن المعرض في تموز يا حلوتي. و ماذا ستعطيني بالمقابل.
-أنت تعلم جيدا ما ستحصل عليه بالمقابل.. العمولة.. و عند الإنتهاء كل مالك الذي دفعته عني.
-سأستغني عن المال إذا دفعت بطريقة أخرى ، أو قبلتي خاتمي.
-لن يكون هذا.. إنها صفقة عمل.
-و لكن رجل الأعمال عادة يمزج العمل بالمتعة. اكبري يا عزيزتي فالزمن يمر...
-إما أن تاخذ هذه الصفقة بجدية يا نويل ، أو انسى الأمر و ألغي المعرض.
-لقد ربحتي ، العمل أولا... ثم المتعة في أي وقت تقولين فيه تلك الكلمة الصغيرة "نعم".
و بعد أن بحثا تفاصيل الصفقة ، حضرت بليندا القهوة و بعد تناولها حاول نويل ثانية أن يغازلها و صدته ثانية ، و قالت له إنه يجب عليه أن يذهب ، لأنه مهما حاول جاهدا لن تقبل معه. فقال لها:
-أستطيع استخدام القوة يا حبيبتي!
-لا تستطيع و غارث موجود في البيت.
-إذا هو حارسك الآن.. أليس كذلك؟ ماذا بينكما؟ إذا كان هناك شيء ، فلماذا لم يصعد إلى هنا و يرميني إلى الخارج؟
-الأمر ليس كما تظن. على كل أنا تعبة يا نويل... و أنا أشكرك على دعمك لي و الاتصال بأصدقائك و تدبير كل شيء.. أنا فعلا شاكرة..
-الآن انت من تغلبت علي.. لقد أدرت سحرك ، هكذا أنتم النساء ، حسنا لقد فزتي ، و لكن فقط لأن حارسك هنا. و لكن عندما لا يكون...
و حالما غادر نويل المنزل ، أغلقت الباب الأمامي الثقيل بقوة لأن الزمن قد أثقل مزلاجه. و جلب الصوت غارث إلى الردهة ، و إتكأت بليندا على الباب. تنتظر هجومه.
و لم تكن مخطئة ، فقد عادت الأمور بينهما إلى سابق عهدها.
و ولت أيام اللطف و المجاملة ، و عادت أيام السخرية و الهزء.
-منذ متى و أنت عشيقة نويل جيميز؟
و طعنها السؤال كالخنجر و توقف الدم في جسدها.
-ما هو دليلك الذي أوصلك إلى مثل هذا الاستنتاج؟
-لقد إتهمتني مرة أنني دون خيال.. يا إلهي كم كنت مخطئة! لم يلزمني الكثير لأعرف ماذا يجري بينكما فوق رأسي.
السخرية كانت كاملة.. إذا لديه مخيلة ، و لكنه استخدمها بشكل خاطئ!
-أنت مخطئ... و لكن كل ما أقوله لن يقنعك.
-أنت محقة تماما... تعالي إلى هنا.
و لحقت به إلى غرفة الجلوس ، و كانت النار مشتعلة في المدفأة ، و لكن النار كانت الحرارة الوحيدة الموجودة هناك. و دعاها إلى الجلوس. و لكنها رفضت قائلة:
-سأخبرك بما كان يجري "فوق رأسك"! لقد كنا نتكلم... و بإمكانك أن تظهر عدم التصديق كيفما تشاء يا غارث ، إنها الحقيقة. ففي تموز سأقيم معرضا لأعمالي.. و نويل لديه صديق يملك في لندن "غاليري" و سيسمح لي باستخدام جزء منه لمساعدتي على الإنطلاق...
-و لكن ألن يكلف هذا الكثير من المال؟
-أنت على حق سيكون الأمر مكلفا.
-إذا من أين سيأتي المال؟ لا تقولي أن نويل جيميز سيقدمه مقابل استرجاع بعض خدماته منك...
و احمرت وجنتاها و لكنها لم ترد... فتابع:
-إذا تمثيلة "الابنة المسكينة" غير المرغوب فيها ، و التي جعلتني أفكر بك بشكل مختلف ، كانت زائفة.. نويل جيميز يرغب بك ، و سيدفع بسخاء كي يحصل عليك.. لا بد أنك تقدرين المال كثيرا ، ربما يجب أن أجرب يوما ما.
-كم في استطاعتك أن تصبح مهينا؟
-هذا لا شيء ، مع الوقت قد أضاعف ما أقول...
-هل أستطيع الذهاب الآن؟
-لا... هناك الكثير بعد لأقوله..
و أشار إلى كرسي لتجلس عليه ، ثم سار في الغرفة وعاد و وقف أمامها:
-ذلك المال الذي ربطتنا به عمتي. لو وقعت يدك عليه ماذا ستفعلين به؟
-لقد قلت لك... سأصرفه.
-على ماذا؟ على نفسك؟ على حاجاتك الشخصية؟
و حدقت فيه غاضبة. ستجعله يزدريها لدرجة أن يطردها من حياته فابتسمت له و قالت:
-طبعا.. كل قرش سأصرفه على ما أشتهيه ، على البذخ الذي أحلم به و لا أملك المال لتحقيقه: الثياب ، أدوات التجميل ، السهرات في أفخم الفنادق ، العشاء في المطاعم ، الرقص...
-أنت تريدين المال بقوة ، حتى أنك تفعلين أي شيء للحصول عليه... حتى لو تزوجت رجلا تكرهينه ، من دعيتيه مرة بالمكروه ، غير المتمدن ، و من لا يحتمل ، رجل لا يعرف معنى الأدب... أرأيت ، أنا لم أنس... ومع ذلك ستتزوجيني؟
-أتزوجك؟ أتزوج رجلا يكره النساء ، و يكرهني بشكل خاص؟
و لكنها تمنت لو أنها تضيف إلى كلامها: رجل أحبه كما لم أحب أحدا في حياتي... و قال لها:
-حسنا... فكري جيدا... أنا أعرض عليكي الزواج من أجل تحرير المال و جعله متوفرا بين يديك لحاجاتك الأنانية الخاصة... فهل تقبلي عرضي؟

الشغاف
06-23-2011, 07:36 PM
الفصل السادس
زواج أبيض

أول فكرة تبعت صدمة كلماته كانت: "أمي! سأتمكن من مساعدة أمي!" و كان ينظر إليها و هي تفكر فسألها:
-أنت مترددة... لماذا؟ أخبريني هل لديك النية لقبول عرض نويل جيميز للزواج؟
-لا...
-و هل هناك نوع من الانجذاب ، إذا صح التعبير ، بينك و بين صديقك الفنان؟
-براد؟... لا.
-إذا بالتأكيد الميدان خال لي؟
و لم تستطع أن تجد ردا ، و سار نحو المدفأة و حدق بالنار قائلا:
-في الحقيقة لم أكن أتصور أنني من النوع الذي قد يتزوج. و لم يكن في نيتي أبدا أن أضع خاتما في اصبع إمرأة. و لكن بسبب مناورة ماكرة و واعدة من عمتي ، اندفعت نحو وضع لا مهرب منه. فإذا لم أتزوجك ستخسرين ذلك المال ، و معرفة أنني سبب حرمانك منه سوف تطاردني لما تبقى من حياتي... و لكن إذا تزوجتك...
و صمت طويلا ، ثم استدار من مواجهة اللهب ، و أعطى ظهره للنار ، و تابع:
-لقد اعترفتي بأنك تريدين المال الذي ستعطيك إياه عمتي.. هل تقومين... و أكرر.. هل تقومين بعمل أي شيء للحصول على هذا المال حتى أن تتزوجيني؟
-حسنا... أنا..
-أجيبي على سؤالي فقط!
-أجل يا غارث!
و أمسك بيديها المتشابكتين ، و أبعدهما عن بعضهما ، و سحبها لتقف على قدميها.
-حسنا.. سأسألك رسميا... هل تتزوجيني؟
و تنفست نفسا عميقا:
-سأتزوجك يا غارث!
-شكرا...
و ترك يديها و تحرك نحو النار ثانية ثم التفت إليها:
-سيكون زواجا بالاسم فقط. لن يكون هناك شروط. لن يكون عليك واجبات زوجية.. لن ألمسك ، إلا إذا طلبتي مني بالطبع! سيكون القرار لك بالكامل. و بالنسبة لي ستأخذين اسمي و لا شيء آخر. و سنستمر بالعيش مفترقين و بعيدين كما نحن الآن. و ستحصلين على المال ، و سيرتاح ضميري. هل يرضيكي؟
و أرادت أن تقول لا يا غارث.. أرادت أن تبكي ، أرادت أن تصرخ.. أنا أحبك. كيف سأتمكن من البقاء بعيدة عنك؟ و لكن إذا كان هذا ما يريده.. فهل تستطيع الرفض؟ إنه يصنع معها معروفا... يضحي بحريته... و السماء تعرف بماذا أيضا ، فعليها أن تطيع قوانينه! و قالت بهدوء:
-هذا يرضيني يا غارث.
و فكر للحظات و وقف قائلا:
-هناك شرط واحد ، سأطلب أن تلتزمي به... سوف تلغين كل علاقتك بنويل جيميز...
-و لكن يا غارث ، معرضي ، الذي يساعدني فيه..
و لكن النظرة في عينيه أوقفتها عن الكلام فهمست قائلة:
-حاضر يا غارث... و لكن... و لكنني عملت جاهدة لأحقق هذا المعرض.
-إذا كنت لن تتحملي فراق المال الذي ستحصلين عليه بعد الزواج ، فبصفتي زوجك سأصرف على المعرض.
بعد صمت مشحون.. تابع كلامه:
-غدا سأشتري خاتمين: واحد لخطوبتنا و الآخر لزواجنا ، الذي سيتم الأسبوع القادم ، و سأحصل على ترخيص خاص ، و تبعا للظرف الراهن سيكون زواجا هادئا ، هل لديك اعتراض؟
و هزت رأسها بالنفي.. فتابع:
-هل تريدين حضور عائلتك.
-أجل... أرجوك يا غارث.
-والداي غائبان في جولة حول العالم ، سأبرق لهم بالخبر... و تستطيعين دعوة من تشائين من أصدقائك. سيكون اثنان من زملائي شاهدان. أعلم أن على أهل العروس إجراء الترتيبات و لكن بالنسبة لنا أمك لا يمكنها ذلك.
-أنا آسفة يا غارث... و لكن...
-لا لزوم للشرح... أفهم الوضع تماما ، و أتحمل كامل المسؤولية...
-شكرا لك لتفهمك!
-سأحجز طاولة عشاء في أحد أفخم الفنادق ، و بعدها نعود إلى هنا لن يكون هناك شهر عسل بالطبع..
-أوافق على كل شيء تقوله..
-يا إلهي! ما هذه الطاعة! كم أنت راغبة بهذا المال! الأفضل أن تشتري لك ثيابا جديدة للحفلة و للمناسبات القادمة. إنك على وشك أن تصبحي زوجة مدير عالي المقام في مؤسسة عالمية و الزوجات تعتبر مساعدات للرجال في مثل هذا المركز...
-لا حاجة لأن تشعر بالخجل مني.. صحيح أنني من عائلة غير مرتاحة ماديا... و لكنني لست جاهلة للواجبات الإجتماعية... أعدك أن لا أخذلك ، و سأجعلك فخورا بي...
و حدق بها للحظات ثم تركها و انصرف.
كان غارث قد وعدها أن يأخذها من المنزل بعد إنتهاء موعد المدرسة لشراء الخاتمين... و بعدها سيحصل على الرخصة الخاصة بالزواج. و كانت بليندا قد اتصلت بأمها و أخبرتها عن الزواج. و بدت أمها مسرورة ، بعد دهشة المفاجأة ، ثم تقبلت الوضع دون سؤال. و أبلغتها بليندا أن غارث سيدفع لها مصاريف الانتقال.
و بينما كانت بليندا ترتدي ثيابها للخروج مع غارث ، دق جرس الباب. و خفق قلبها لدى سماعها الصوت. إنه زائر بالتأكيد. هل نسي غارث مفاتيحه؟ و لكن غارث لا ينسى شيئا.
و وقفت إمرأة شابة عند الباب تبتسم ، مدت يدها قائلة:
-آنسة هامر... لقد قال غارث إنك ستكونين موجودة.
و حدقت بها بليندا... المرأة طويلة ، أنيقة الثياب ، وجميلة... و قالت المرأة:
-أنا لوسيا اغنيس ، صديقة غارث.. أنا أعرفه من الأرجنتين. لقد أتيت إلى هنا لقضاء بعض الأعمال.
و مدت بليندا يدها مصافحة اليد الممدودة:
-أنا آسفة آنسة أغنيس ، أرجوك أن تعذريني... لقد كانت مفاجأة لي..
و ضحكت المرأة:
-آسفة لأنك لم تعرفي بقدومي.. بالمناسبة أنا السيدة أغنيس. لقد وصلت يوم أمس إلى لندن ، و أتيت إلى هنا صباحا.. و كنت أعرف أين يعمل غارث ، فاتصلت به و أعطاني عنوان المنزل و قال إنني سأجدك هنا.. لقد علمت أنك مدرسة.
و أخذت بليندا تفكر ، الخواتم التي سنخرج لنشتريها ، تراخيص الزواج... ماذا سيحصل الآن؟ هل أخبر صديقته بالخطبة و الزواج القادم؟
و قادت بليندا ضيفتها إلى غرفة الجلوس.. و قالت لوسيا:
-لن يتأخر غارث عن الوصول قال لي على الهاتف إنه سيأتي حالما يستطيع... هل تعيشين هنا؟
و أخبرتها بليندا كيف أن عمة غارث كانت تدعمها في أعمالها ، كي تشتهر لوحاتها ، و كيف أنها سافرت تاركة المنزل "براين ثورب" لبليندا و غارث مشاركة ، و تابعت:
-لدي مرسم فوق.
-و هل هو مليء بلوحاتك؟ كم أحب أن أراها!
في المرسم ، أعجبت لوسيا بأعمال بليندا ، و قالت لها بتقدير إن المرء ليس بحاجة لأن يكون خبيرا بالفن ليدرك قيمة لوحاتها.
-أحب أن أشتري لوحة... و لكن أعتقد أنها غالية الثمن؟
-سأعطيك لوحة لو شئتي.
و سرت لوسيا بالفكرة... و لكن يجب عليها الانتظار لتعرف أين ستبقى في المستقبل: في لندن أم تعود إلى الأرجنتين؟ و جلستا على الأريكة ، ثم قالت لوسيا:
-لقد كان زوجي صديقا لغارث. و كان كثير السفر ، و في إحدى المرات تحطمت طائرته.. و تركني مع طفلين. و كان غارث رائعا معي بعد وفاة زوجي. إنه من دعمني ماليا إلى أن وجدت عملا.. أنا أعمل الآن سكرتيرة. و أنا بارعة في اللغات.. و هذا يساعدني في عملي.
هكذا إذا.. عندما ترى بليندا غارث على إنفراد.. ستحله من وعده. إذ لا تستطيع أن تبقي رجلا على ارتباط معها و هو كاره ، رجل لا يحبها ، عرض عليها الزواج فقط بسبب وصية عمته الحمقاء.
عندما دخل من الباب قال صائحا:
-هل حضرت لوسيا؟
-إنها هنا يا غارث في المرسم.
و صعد السلم قفزا ، و للحظة حدق بزائرته و حدقت به ، ثم تقدمت منه و وضعت يديها على ذراعيه ، و وضع يديه حول خصرها ، و قبلها على خدها ثم أبعدها عنه قليلا و تمتم:
-أنت جميلة أكثر من الماضي... تعالي معي إلى غرفة الجلوس.. أرى أنك تواقة للحديث. سآخذك لتناول الطعام.. بليندا... إذهبي إلى غرفة الجلوس و سألحق بك.
و هزت لوسيا رأسها و خرجت ، و ردد غارث:
-بليندا.. يجب أن نؤخر ذهابنا لشراء الخواتم إلى الغد.. أعتقد أنك لن تعارضي؟
-غارث.. إذا كنت تريد...
و لكن غارث كان قد خرج ليلحق بلوسيا.
عندما حان وقت النوم ، لم يكن غارث قد عاد.. و في الصباح كان المنزل خاليا منه كما كان في الليلة السابقة ، لقد بقي طوال الليل في الخارج ، لقد بقي مع لوسيا..
و نهضت من سريرها و أرتدت ثيابها.. و بينما كانت تتحضر للذهاب إلى عملها رن جرس الهاتف:
-بليندا؟ أنا غارث. أنا في لندن ، لقد أوصلت لوسيا إلى الفندق. لقد تأخرنا كثيرا ، فلم أعد إلى المنزل... لقد بقيت هنا.
-فهمت...
-أرجو أن لا تكوني قلقة ، في الواقع أعتقد أنك لم تستفقدي لي ، أليس كذلك؟
أستفقد لك!.. لقد طاردني طيفك طوال الليل!
-ليس بالضبط... غارث إذا كنت تريد أن أحلك من وعدك الآن و قد عادت لوسيا.. فلا مانع عندي.. انسى أمر الخطبة. تظاهر أنها لم...
-سأعود وقت الغداء. و بعد المدرسة سآخذك لأشتري لك الخواتم ، و هذه المرة لن أخيب أملك.
خاتم الزواج كان عريضا من الذهب ، و خاتم الخطوبة كان مستديرا مرصع بالألماس. و وضع خاتم الزفاف في علبة ، و وضع خاتم الخطوبة في إصبعها ، دون قبلة ، حتى و لا إبتسامة.. و في الشارع خارج المحل شكرت بليندا غارث و لكنه لم يجب. و في الطريق حاولت أن تخبره بأنها لن تمانع إذا غير رأيه ، و سحب عرضه.. و لكنه لم يرد. و أغضبها تصرفه البارد فقالت له متحدية:
-ماذا تنوي أن تفعل؟ أن يكون لك زوجة بالأسم في المنزل ترعى شؤونك المادية و عشيقة في لندن تهرع إليها عندما تحتاج لحنان إمرأة و حبها؟
-إذا استمريت بهذا الكلام ، سأعتبر أنك تغارين.. و هذه ستكون مسألة غير مريحة في علاقتنا ، و هي تعني أنك ستورطيني بحالة عاطفية قد لا استطيع تحملها. و هذا ليس ضمن اتفاقنا...
-و لكنك ستتزوجني... فكيف تستطيع التكلم هكذا؟ ألا يعني الزواج لك شيئا؟
-أنت تعرفين لماذا سأتزوجك ، لذا لا تتظاهري بهذه البراءة. أنت تجرين وراء المال ، و لا أنوي أن يبقى وزرك في ضميري طوال حياتي.. و تستطيعين أن ترفضي الزواج مني.. و لكنك ستكونين و كأنك ترفضين المال أيضا...
و بقيت صامتة... فقال لها بلطف:
-لا.. في الواقع لا أعتقد أنك ستتراجعين و تلك الثروة في متناول يدك.
ثوب الزفاف الذي اختارته بليندا كان باللونين الزهري و الأبيض. و أطرى الناس بعد المراسم على مظهرها الجميل... أثناء المراسم بكت والدتها قليلا. و استمر براد بالابتسام و قد اقتنع بخسارة "فتاته" و زملاء غارث ، الكثير ، كانوا مقتنعين أن زواجهما هو عن حب. و جرت تعليقات عن مهارته في إخفاء سيدة أحلامه ، فكيف أنه خدعهم بتظاهره بكره النساء.
و أخذت "فلاشات" الآت التصوير تعمل ، طلب منهما أن يقبلا بعضهما ، و صاح أحدهم "أنظر في عينيها" و نظر غارث في عينيها و لكن كان ذلك و كأنه ينظر إلى مرآة في ضوء رديء.
و أقام غارث حفل استقبال في أفخم فندق ، و بعد تناول العشاء تدفقت التهاني و الأمنيات من الأقارب و الأصدقاء. و وصلت برقية من والدي غارث "غبطتنا بسماع النبأ كبيرة.. لقد تغلبت على كرهك للنساء. غبطتنا مماثلة للترحيب ببليندا في العائلة... الحب لكما معا". و جرى التصفيق و شرب الأنخاب للوالدين الغائبين. و همست والدة بليندا:
-لم أجلب الصغار معي.. ليس لدي مال لأشتري لهم ثياب جديدة.
-تبدين رائعة يا أمي.. هل هذا ثوب جديد؟
-أجل الثوب و المعطف ، و لكنني استعرت القبعة و القفاز. لقد أحببت غارث يا عزيزتي. يبدو لطيفا و يعتمد عليه. أتمنى لك السعادة. لا تتأخري بإنجاب الأطفال...
-أمي.. سأستمر بالعمل. لقد قررنا أن هذا أفضل... على كل أنا لا زلت في الثالثة و العشرين.
و أمتدت يد غارث و جذبتها إليه.
-ألا توافقين على اختياري لزوجتي يا حماتي؟
و عانقها بشدة ، و ومض "فلاش" آلة تصوير و صاح أحدهم:
-إذا كان هذا ما تدعوه "كراهية المرأة" فكيف سيكون شكلك و أنت "محب المرأة" يا غارث؟
و تمسك بفتاته أكثر و قال مبتسما لها:
-أسألوا زوجتي بعد أشهر من الآن.
زوجتي! يا لها من كلمة.. غارث ماض بتمثيليته إلى النهاية بإتقان. و كأنه فخور بها.. و يحبها... و قال لحماته:
-يجب أن تأتي لزيارتنا... لا تتأخري علينا ، و أحضري الأولاد معك. أريد أن التقي بأخي الصغير الجديد و بأخواتي الجديدات. ربما عندما أراهم سأعرف كيف كانت تبدو زوجتي عندما كانت بعمرهم.
زوجته ثانية! إنه يبالغ في التمثيل. و ضغطت بليندا على يده محذرة فاستدار و ابتسم لها. كان يعلم بالضبط ماذا يفعل ، و لا شيء في الدنيا سيوقفه ، بالطبع ليس ضغطة يد.
و إنتهى الإحتفال ، و أوصلتهما سيارة العريس إلى المنزل بعيدا عن المرح ، و الوجوه المبتسمة ، و تمنيات الحظ. و في ردهة المنزل وقفا و نظرا إلى بعضهما.
و أمسك بيدها و نظر إلى خاتم الزفاف الذهبي ، ثم نظر إلى الكلام المنقوش فوق باب غرفة الجلوس و قرأه بصوت مرتفع:
-غبي الرجل الذي يتخذ زوجة في حياته ، فيوم زفافه هو يوم مماته.
و جذبت يدها من ذراعه.
-و لكنك لا زلت حيا.. قد نكون متزوجين. و لكن لا تعتبر نفسك مقيدا بي. كان الزواج فكرتك.
-تصحيح... إنه فكرة عمتي!
-و لكنك كنت حرا... و لم يكن عليك أن تستسلم لهواها.
-لسوء الحظ ، لدي ضمير شديد التأثر. و لدي أكثر من شك في أنها كانت تعرف هذا. و هذا يعني أنها أيضا كانت تدرك أنني إذا استمريت في الوقوف بينك و بين المال فإن ضميري اللعين لن يتركني أرتاح لما تبقى من حياتي.
و تركها في الردهة لوحدها و ذهب. و بدل مسك الأيدي و الضم و الحديث العذب ، كان هناك الفراغ ، و التنهد ، و صدى يرن في داخلها و ظلال مجهولة للمستقبل. إذا كان هذا في أول يوم زواج لها.. فماذا يخبئ لها المستقبل؟
و خرجت نحو الحديقة ، و وقفت تتنشق عطر الأزهار و الورود ، رائحة المساء التي تعبق في الجو ، و لكنها سرعان ما عادت إلى المنزل ، و أقفلت الأبواب ، غير قادرة على التمتع بالهدوء و الصمت بينما هي في داخل نفسها تتعذب.
و صعدت إلى غرفتها ، و خلعت ثوب زفافها و علقته في الخزانة. و أرتدت ملابس عادية و خرجت حافية القدمين إلى المرسم و لكن بدل أن تأخذ الفرشاة لترسم ، و قفت تحدق خارجا عبر النافذة. و لم يكن هناك شيء مألوف في المشاعر التي في داخلها. و فتح باب المرسم ، فاستدارت. كان غارث يرتدي ثياب الخروج و سألته بصوت حاد:
-أين أنت ذاهب؟
-سأخرج.. لماذ؟ هل تريدين أن أبقى؟ لقد وعدتك أن لا ألمسك إلا بناء على دعوة منك! هل ستأتي الدعوة بسرعة؟
-إنه اتفاق عمل.. ليس أكثر بيننا. أنت قلت هذا. لقد وعدتني.
و أخرج ورقة من جيبه و قال:
-هذه وثيقة الزواج.
و رماها على الأريكة ، و شكرته ثم نظرا إلى بعضهما.
-هل كان عليك أن تدعو أمي لزيارتنا؟ كيف تستطيع أن تأتي؟ و ذلك الكلام عن لقائك بأشقائي ، هل كان عليك أن تنافق إلى هذا الحد؟ كل ما أظهرته لي من حب ، كان زائف و لا معنى له.
-لقد كان يوم زفافنا. كان علي أن أفعل شيئا نتذكره بشء من السعادة. حتى لو كان سببه لؤم سيدة عجوز. و كيف توقعتي أن أتصرف ، و كأنني في جنازة؟ و لديك الجرأة لدعوتي بالمنافق ، يا إلهي.. كم أنت ناكرة للجميل! بعد كل ما فعلته لأجلك لا أجد سوى الإنتقاد و الإهانة. لقد حصلت على خاتمي في يدك ، فلا تطلبي أكثر. تمتعي قدر ما استطعت بثروتك.. و لكن لا تعتبريني هدية على البيعة.
بعد لحظات سمعت الباب الخارجي يقفل ، و حدقت في الأرض لتجد بأنها تميل بها ، و رمت نفسها على الأريكة ، و خبأت وجهها بين ذراعيها و بكت إلى أن أقبل الظلام.
و أمضت أطول ، و أوحش ليلة عرفتهافي حياتها. و لم يعد غارث تلك الليلة. اليوم التالي كان يوم الأحد ، و شعرت بأنه لن ينتهي.. و عاد غارث قرابة المساء. و لم تذهب لرؤيته و لا هو سعى لرؤيتها.
و أخذت ترسم.. العمل وحده كفيل بإبعاد تفكيرها عن مشاكلها.. و تساءلت أين كان يا ترى. هل ذهب إلى لندن ثانية ليرى لوسيا؟ هل يحاول تعذيبها بقضاء ليلة زفافه مع لوسيا بدل قضاءها مع زوجته الشرعية؟
و خرجت إلى المدرسة باكرا صباح الأثنين. و اتصلت بالمحامي من هناك و أخذت منه موعدا وقت الغذاء.. و استقبلها بدعوتها السيدة غاردنر ، و صافحها بحرارة. و تفحص وثيقة الزواج و قال لبليندا إن المبلغ الشهري قد أصبح الآن لها. و سيرسله لها كل أول شهر ، و لكنها طلبت أن يذهب مباشرة إلى أمها.
و لكن المحامي أعترض قائلا:
-لا أظن السيدة دونيكان تحب أن يحدث هذا.. فالمبلغ لاستخدامك الشخصي سيدة غاردنر..
-إذا كان المبلغ لي ، فبالتأكيد من حقي أن قرر ماذا أفعل به.. أليس كذلك؟
و هز المحامي رأسه بالإيجاب..
-إذا أنا أريد أن أعطيه لأمي! أهناك مانع؟ على كل لدي زوجي الآن ليصرف علي. و هذا الأمر يجب أن يبقى سرا. لا أريد أحدا أبدا ، حتى زوجي أن يعرف بالأمر.
-سيبقى هذا سرا...
ذلك المساء.. كتبت رسالتين ، واحدة لأمها ، تعلمها بوصول المال إليها بإنتظام من الآن و صاعدا ، و الرسالة الأخرى للسيدة إيلين دونيكان تخبرها فيها بزواجها من حفيد شقيقها ، غارث غاردنر.
بعد بضعة أيام على الزفاف أتصل بها نويل جيميز و بادرها قائلا:
-حبيبتي أرجوك أن تقبلي إعتذاري ، لقد تخليت عنك لفترة طويلة ، و لكنني كنت مشغولا جدا.
و بهتت بليندا عندما سمعت صوته. لقد قال لها غارث أن تفسخ الصداقة بينهما.. إنه احد شروط الزواج. و لكن ماذا ستقول له؟ لست صديقتك بعد الآن.. و دائما؟
-أهلا يا نويل.. جميل أن أسمع صوتك.
-أنستطيع أن نلتقي؟ سأدعوك إلى العشاء ، غدا الساعة الثامنة مساء.
-نويل.. أنا.. سفة.. لأنني... تزوجت!
-أنت ماذا؟
-لقد تزوجت يا نويل.. تزوجت... غارث غاردنر.
-و هل لي أن أسأل متى؟
-السبت الماضي.
-أليس هذا أمر مفاجئ!... ليس الأمر حالة...
-لا.. ليس كذلك.. أخرج الفكرة من رأسك!
-آسف ، كنت أفكر بصوت مرتفع... و لكن لا يمكنك لومي.
و سمعت شخصا يتحرك خلفها ، و همس لها:
-أنت تعرفين ماذا قلت.. انهي علاقتك بنويل جيميز.
-نويل حول معرض اللوحات.. زوجي.. هو من يدعمني الآن و لكن.. و لكن أشكرك جدا يا نويل.. لكل...
-إذا كنت لن أشارك فيه يا حبيبتي ، فهو ملغى ، فصاحب "الغاليري" صديقي. و نحن نعمل معا. بدوني ليس هناك غاليري ، و ليس هناك معرض. تستطيعين القول لحارسك الذي أصبح الآن زوجك ، إنه يستطيع توفير دعمه المالي.
و أقفل الخط. لم يكن عليها أن تفسخ الصداقة. لقد فعل نويل هذا عنها. و كان غارث يقف متكئا على باب غرفة الجلوس و قال لها:
-هذه نهاية علاقة رائعة. لقد تحطم قلبي. ألن تنتحبي على حبك الضائع؟
-أنا لن أحصل على المعرض. لقد قال إذا لم يشارك به فلن يكون هناك تسهيلات لاستخدام "الغاليري". و بسببك خسرت أكبر فرصة لي. هل أنت مسرور الآن؟ لماذا لا تتبجح بانتصارك؟ لقد خربت مستقبلي العملي. و لن أحظى بفرصة أخرى أبدا.
-أبدا...
و بدأت بالبكاء. فقال لها:
-يا زوجتي العزيزة.. هناك أمكنة أخرى للعرض.
-أنت لا تفهم. إن الأمر صعب جدا على فنان غير معروف أن يحظى بمعرض يقبل حتى النظر إلى لوحاته. عليك أن تدور في كل لندن حاملا الرسومات. و عليك أن تدع مدراء المعارض يتفحصونها ، و ينتقدونها ، و يشيرون إلى أخطائك. و قد يقول البعض إنها جميلة ، و لكن لا تناسبهم ، و هذه طريقة مهذبة لقول "أخرج من هنا"
-استخدمي كمية المال الضخمة التي في حوزتك الآن. ستساعدك بالتأكيد لدفعك إلى عالم الفن.
-بهذا انت مخطئ لا تستطيع شراء عالم الفن.
-و ماذا يدفعك للظن أن عملك ليس بمستوى أن يكتسب عطف أصحاب المعارض عن جدارة؟
-لن أخدع نفسي.. أنا فنانة جيدة ، و لكنني لست لامعة. و عليك أيضا أن تضع الإطارات للوحاتك بنفسك ، و هذا يكلف المال ، و سيكون هناك إيجار الغرف في المعرض ، و مصاريف الدعاية في مجلات الفنون. و الصحف ، و الدعوات دون تدبير مقابلة مع الصحافة ، و النقاد و ما شابه.
لن أستطيع تدبير أمري بمفردي.. كان نويل سيساعدني.
-نويل.. دائما نويل.. إذا كان هناك نويل في حياتك طوال الوقت؟
-لا لم يكن الأمر هكذا! لم يكن!
و رمت نفسها على الدرج و بكت "كل هذا العمل" و انتحبت "لقد ذهب سدى" و وقف يراقبها.
ثم رفعتها يداه عن الدرج ، و قادها نحو غرفة الجلوس ، و نزع قطعة القماش الملطخة بالدهان التي كانت تمسح بها دموعها و أعطاها منديلا كبيرا قائلا:
-أظن أن هذا أنظف ، أقل تلوينا و لكن أكثر فعالية.
فشكرته و جففت دموعها. و جلس قبالتها و ابتسم:
-أنت تبدين و كأنك إحدى لوحاتك.
-صحيح؟
-أليس هناك غاليري في البلد؟ ألن يكون معرض محلي أفضل من لا شيء. و أقل كلفة بكثير؟
-ربما ، و لكن لن يكون له نصف الأهمية التي لمعارض لندن.
-أنا أعرف بعض أعضاء المجلس البلدي.. سأقوم بالتحري..
-شكرا لك..
و وقفت:
-سأغسل لك المنديل.
و لم يحثها على البقاء. بل هز رأسه ، و عندما وصلت إلى الباب قال:
-أنا آسف بشأن المعرض.
وهزت كتفيها و تابعت طريقها.
كان يلتقيان عند الإفطار كل صباح ، و لكن نادرا ما تبادلا الحديث. و مرة ، بينما كان غارث يدخل الحمام ، خرجت هي منه ، شعرها مبلل و مسترسل ، تعبق منها رائحة الصابون الذي استخدمته. روبها كان مفتوحا ، فلم تكن تعرف أنها ستلتقي بزوجها ، و ثوبها الداخلي كان قصيرا و يكشف الكثير ، و قد ارتفع عند الخصر ، متعلقا بالمنشفة التي كانت تجفف بها شعرها.
و نظرا إلى بعضهما لثواني.. و أحست بليندا أن أنفاسها قد علقت في رئتيها، تكافح لتخرج. شعرت بتأثيره عليها، بالجاذب الرجولي الذي يجذبها كطوق حول رقبتها. و كان عليها أن تكبح جماح نفسها لتبقى بعيدة عنه.
و تجولت عيناه فيها. و تحرك نحوها ، و لكنه كبح نفسه فورا و أدار ظهره لها و دخل إلى الحمام ، و أقفل الباب وراءه. و ركضت نحو غرفة نومها ، و أغلقت الباب و إتكأت عليه. تصرفها هكذا ، جاء من عمق مشاعرها. إنه زوجها و الرجل الذي تحب ، و أدركت الآن كم تتوق إليه بعمق ، أن يحملها و يجعلها زوجته ، لا بالاسم بل بالفعل.

الشغاف
06-23-2011, 07:37 PM
الفصل السابع
قلبي الخائن

سرت والدة بليندا سرورا عظيما بهدية ابنتها من المبالغ الشهرية المنتظمة. و اتصلت بها في المدرسة وقت الغذاء. إنها تستطيع الآن أن تتحمل مصاريف إجراء مثل هذه المكالمة المكلفة. و سألتها إذا كان الأمر مناسبا.. و هل تستطيع أن تتدبر أمرها دون هذا المبلغ.
و شعرت بليندا أن الأمر يستحق كل هذا العناء ، لتسمع سعادة أمها تكاد تقفز من الهاتف ، إنها تستطيع الآن إعادة فرش منزلها ، و أن تشتري للأولاد بعض الملابس الجيدة ، و شراء سجادة و ستائر جديدة... و كتبت إيلين دونيكان رسالة مليئة بالسرور لبليندا. و عنونت رسالتها "أعزائي المتزوجان حديثا" و أضافت في النهاية "أرجو أن لا يطول الوقت قبل أن تنجبا لي ابن ابن ابن أخ أو بنت".
عندما قرأ غارث الرسالة ، ابتسم و رفع حاجبيه ، محاولا التعليق و لكن نظرة التحدي التي رمقته بها بليندا أجبرته على السكوت.. و طوى الرسالة و أعادها إلى المغلف قائلا:
-لا تصدميها.. دعيها تحلم أحلام الحب... فستتعود بالتدريج أن تتقبل عدم ظهور طفل. فلن يكون في هذا البيت "وقع أقدام صغيرة...".
في إحدى الأمسيات دعاها إلى غرفة مكتبه. كان جالسا إلى طاولته ، و لكنه وقف بطريقة رسمية و عندما دخلت طلب منها الجلوس. و فكرت ببؤس أنه يتصرف و كأنها غريبة عنه أتت لزيارته بخصوص عمل ما. و لكنها اكتشفت بعد بضع دقائق أن هذا فعلا ما أراد أن يراها بخصوصه.
جلس.. ثم حرك كومة من الأوراق أمامه و أخذ يقلبها:
-هذه فواتير أشياء عادية مثل الكهرباء و الوقود و ما شابه ، كذلك لتصليح و صيانة المنزل. عندما عشنا معا هنا في البداية. قلت كرجل محترم تماما إنني سأتقبل مسؤولية هذه الأمور دون أن آخذ أي مال منك. و لكن منذ زواجنا ، تغيرت الظروف ، و إضافة إلى راتبك كمدرسة ، تتلقين الآن مبلغا محترما. و أظن أن الوقت حان لأن تدفعي حصتك من هذه الفواتير.. ألا تظنين هذا؟
-و لكن.. و لكننا متزوجان الآن...
-بالضبط.. و هذا جعل مزيدا من المال يصل إلى يدك. و هذا كان هدف المسألة كلها.. أتذكرين؟
و أخذت تفكر.. بما أنها تعطي أمها الآن المبلغ الآخر ، فهذا يعني أن راتبها لا يمس.. و هذا بالتأكيد يكفيها لتغطية حصتها من الفواتير التي يتحدث عنها.
-أجل.. أجل يا غارث.. سأدفع.. حصتي..
-علي أن أضيف أن هناك فواتير أكبر ستأتي. ربما لم تلاحظي أن أجزاء من المنزل بحاجة إلى إصلاح. يجب مثلا أن ننتبه للاهتراء الذي قد يصيب الخشب ، و المنزل بحاجة إلى ديكور جديد من الداخل و الخارج. و نحن بحاجة إلى سجاد جديد في غرفة الاستقبال و الجلوس... هل توافقين على كل هذا؟
بينما كان يتحدث شعرت بذعرها يتصاعد ، و أمسكت برقبتها:
-حسنا.. حتى أكون صادقة لم أكن أفكر بكل هذا...
فتنهد ، و أرجع جسمه إلى الوراء و قال:
-أعتقد أن هذا هو الجزء الذي علي أن أدفعه لزواجي من فنانة حالمة. إنها تعيش في عالم خيالي لا يمسه أبدا عالم الواقع...
و أطبقت يديها.. أمامها مشكلة الآن.. من أين ستجد كل هذا المال؟ من مدخراتها.. لا بد أن تسحب من مدخراتها ، و أن تبيع بعضا من لوحاتها...
بعد ظهر أحد الأيام اتصل بها غارث ، عندما كانت قد وصلت لتوها من المدرسة:
-لوسيا هنا.. و سآخذها لتناول العشاء.. أعتقد أنك لا تعارضين؟
أعارض؟ بالطبع أعارض؟.. كيف تأخذ صديقتك إلى العشاء و لا تأخذني؟ أنا زوجتك؟ و لكنها قالت بكبرياء:
-تستطيع أن تخرج مع كل النساء اللواتي ترغب بهن.. أنا لا أهتم...
-ألا تهتمين؟
-لا.. فلن أكون لوحدي.
-و ماذا تعنين بكلامك؟
-لدي لوحاتي... أليس كذلك؟
و أقفلت الخط ، ثم فورا طلبت رقم براد:
-براد.. أنا وحيدة. سيكون غارث في الخارج هذه الأمسية. أتحب أن تأتي لتؤنسني؟
و علمت أنها إنما تطلب المشاكل ، هكذا شعرت عندما تردد براد قبل أن يرد. و لكنها لم تهتم ، فغارث زوجها سيخرج مع إمرأة أخرى. فلماذا لا تستطيع هي أن تكون مع رجل آخر؟ براد مجرد زميل لها.. و هذا كل شيء ، لا يعني لها سوى أنه صديق...
-طبعا يا عزيزتي ، ما الأمر ، هل تشاجرت مع زوجك؟
-بالطبع لا... الأمر فقط...
-لقد فهمت.. سآتي عندك بعد العشاء.
عندما فتحت له الباب كانت في حالة بائسة ، فدعته للدخول.
-تعال لتشاهد لوحاتي.
فضحك و قال:
-هذه دعوة تقليدية.
-أنا أقصد هذه الدعوة.. و لكن ليس بالطريقة التي تفكر بها.
-لقد أرحتني.. فلا أظن أنني أناسب أن أكون ثالث زوايا المثلث. و أعتقد أنني لا أهتم أبدا بمواجهة غضب زوجك إذا شك في أنني.. حسنا.. ما يقال له عادة ، نوايا شريرة تجاهك.
-غارث؟ لم يهتم أبدا.. هل أقول لك الحقيقة؟ إنه سيخرج برفقة إمرأة أخرى هذه الليلة.
-آه.. لقد عرفت الآن دوري في اللعبة...
-قل لي.. ما رأيك بعملي.. هذه هي اللوحات التي كنت سأعرضها. و لكنني الآن لن أفعل بفضل نويل جيميز. و لكن غارث اقترح أن أقيم معرضا محليا.
-هذا ممكن.. أنا أعرف صاحب المكتبة العامة في البلد ، و هو أيضا المسؤول عن معرض الفنون سأتحدث معه.. إذا رغبتي.
-أوه.. هل تفعل هذا لأجلي يا براد؟
-أمر غريب كيف أن أصدقائك من الرجال يحضرون لإنقاذك دوما.
-ليس لدي اصدقاء يا براد.. و لا واحد.
و أدارت عينيها الواسعتين الحزينتين إليه ، فأشار إلى كتفه و قال:
-أتحبين أن تبكي على كتفي؟
فضحكت ، و هزت رأسها بالنفي. و تحدثا عن الفن لفترة طويلة. ثم سألته بليندا:
-أتحب أن تشرب شيئا؟
فأجابها بالإيجاب..
-إذا تعال إلى المطبخ لنحضر القهوة.
بعد أن حضرتها قدمت له فنجانا و أستغرقا في الحديث حتى أنهما لم يسمعا الحركة من خلفهما ، و نادى غارث:
-بليندا...
و جفل براد ، و لكنها وضعت يدها على ذراعه و أجابت:
-أهلا غارث لم أسمعك تدخل المنزل.
-لقد وصلت لتوي.. أنا آسف.
و استدار و خرج.. ثم عادت بليندا و براد إلى المرسم. وتابعا حديثهما و كأن شيئا لم يكن. و ضحكت بليندا للفكاهات التي كان يقولها براد ، بصوت عال ، أكثر مما تستحق ، و أدار غارث الراديو عاليا حتى أضطرا إلى رفع صوتهما ليسمعا بعضهما، كان هناك لمعان زائف في عينيها و نوع من الهستيريا في ضحكاتها ، إلى أن سمعت صوت الباب الخارجي يصفق. و علمت أن غارث لم يعد يسمعها. لا بد أنه الآن سيعيد لوسيا إلى الفندق.
-سأذهب الآن ، قبل أن يعود محبوبك.. فلا أحب أن أشاهد منظر شجاركما عندما يعود.
-لن يعود.. على الأرجح سيمضي الليل كله خارجا يا براد.. كل الليل..
-لا تقلقي يا عزيزتي.. لا شيء من الممكن أن يكون بالسوء الذي تظنينه.
و خرج تاركا بليندا تحدق بالجدار. و لم يعد غارث سوى بعد وقت طويل ، و كانت لا تزال جالسة تحدق بالجدار. حتى عندما سمعت صوت أقدامه تصعد السلم ، بقيت حيث هي.
و وقف بالباب ينظر إليها.
-لقد أخرجت نويل جيميز من حياتك ، و ها أنت الآن قدمت مكانه بزميلك الفنان لقد استغليت غيابي القصير.. أليس كذلك؟ هل تمتعت بوقتك؟ هل كان عند حسن ظنك؟
-و لم لا... هل يجب أن تحصل على المرح لوحدك؟ لماذا أحرم نفسي لمجرد أنني زوجتك؟ و لكنني لست زوجتك أليس كذلك؟ أنا لست زوجتك؟
و حذرها شيء في داخلها بأنها تثيره ، و لكنها لم تهتم. و أمسكها و جذبها عن الأرض.
-و هل هذا ما ينقصك؟ إذا كان هذا ، فأنا أستطيع أن أعطيك إياه بالكامل.
و جذبها إليه.. و حاولت التخلص ، و لكن لم تجد القوة لمقاومته.
و قالت شاهقة:
-لقد وعدتني.. قلت إنك لن تلمسني إلا...
-ماذا كنت تفعلين إذا ، ألم تطلبي مني؟
-لا.. لا لم أكن أطلب منك! أنا أكرهك.. أكرهك!...
و تركها فسقطت على الأريكة ، و وضعت وجهها بين يديها و أخذت تنتحب... و تركها و خرج.. و عرفت في أعماق قلبها أنها قد أفسدت شيئا بينهما.. شيء كان ينمو و يتطور في داخلها حتى دون إدراك منها.
بعد هذه الحادثة ، انطوى غارث على نفسه. كانا يلتقيان دوما و لكن دون تبادل كلمة واحدة. و للسخرية ، أصبحت بليندا شاعرة بوجوده أكثر من الوقت الذي كانت فيه علاقتهما حميمة. كلما اقترب منها في المطبخ أو في الردهة. شعرت ببشرتها تقشعر ، و مشاعرها تتوتر. و لكنه بدا و كأنه لا يهتم بها أكثر من ظل على الجدار.
في صباح أحد الأيام عند تناول الإفطار قال لها فجأة:
-بعد بضعة أيام ، أتوقع وصول زائر ، أحد كبار المسؤولين في المكتب الرئيسي في نيويورك سينزل في الفندق ، و لكن بصفتي مسؤول الفرع هنا يتوقع أن استقبله في بيتي في إحدى الأمسيات.
و استجابت له بشوق ، لأنه تحدث معها ، و قلبها يخفق:
-أجل.. أجل بالطبع يا غارث!
-أتوقع منك أن تحضري وجبة طعام.
-وجبة طعام؟ و لكن.. غارث أنت تعلم أنني لا أجيد الطبخ...
-على الأقل حاولي.
-طبعا سأحاول ، و لكن..
-ثقي بنفسك قليلا..
و حدق بها ، ثم تركها و ذهب إلى عمله.
كانت تريد كثيرا ان ترضي غارث ، فذهبت إلى السوق يوم زيارة الرجل و أشترت بعض اللحم. و في المساء ، و قبل أن يحضر غارث ضيفه ، وضعت كتاب الطبخ أمامها و أخذت تتبع التعليمات ، و أخيرا أصبحت الوجبة في الفرن ، و الخضار مقطعة ، و الحلوى جاهزة و موضوعة في البراد.
في غرفة الطعام ، أعدت المائدة ، و وجدت شمعتين ملونتين ادخلت طرفهما في عنق زجاجتين قديمتين. و فتشت عن الملاعق و السكاكين الفضية فوجدتها ، و لكنها كانت غير لامعة كفاية ، و لا يمكن ان تنظفها جيدا قبل وصول الرجل. و وضعت كؤوس الكرستال على المائدة.
و حان وقت لبسها.. و فتشت ضمن ثيابها ، و تمنت لو أنها سألت غارث ما إّذا كان يرغب أن تظهر بثياب رسمية أو عادية ، و لكنها اختارت البساطة ، فانتقت ثوبا أبيضا بسيطا له ربطة عنق جميلة ، و حزام أسود ، و أرتدت حذاء أسود.
و شعرت بالتوتر و هي تنزل السلم ، و تمنت لو تهرب إلى مرسمها و تغلق على نفسها الباب حتى تنتهي السهرة. لم تكن قد لعبت دور المضيفة من قبل ، وهذه الزيارة مهمة جدا لغارث.. لو أنها فقط تستطيع أن تتصرف كزوجة حقيقية أن تشعر كزوجة حقيقية!
و سمعت صوت المفتاح في قفل الباب ، ثم فتح و كان الرجل يقرأ الجملة المكتوبة فوق باب المدخل ، ثم قال:
-هذا كلام رائع يا غارث.
و شاهد بليندا واقفة في الردهة بخجل ، فمد يده ليسلم عليها سلاما حارا:
-سيدة غاردنر؟ سعيد بلقائك ، أنا فعلا سعيد بلقائك.
ثم استرعى انتباهه الجمل الأخرى المكتوبة في الداخل فوق الأبواب ، فتحرك ليقرأها ، ضاحكا بصوت مرتفع:
-لا بد أن من كتبها يكره النساء هل هو أحد أسلافك يا غارث؟ و لكنك لم ترث مشاعره و هذا واضح. مع زوجة مثل زوجتك؟ لا أستطيع التصديق!
-بليندا.. هذا السيد سترونغ.. رودريك سترونغ.. سيد سترونغ هذه زوجتي بليندا.
-لأجل السماء يا رجل ، نحن لسنا في العمل. إدعوني رود.. بليندا.. و أنت أيضا.
فابتسمت بليندا و رفع رود يديه!
-لديك زوجة جميلة يا غارث إبتسامتها كالشمس المشرقة!
-إنها ليست جميلة فقط ، إنها فنانة أيضا...
-أتعني أنها رسامة؟ أترسم لوحات؟
و أحنت بليندا رأسها و قالت:
-في الواقع أنا معلمة فنون ، و لكنني أمضي وقت فراغي بالرسم.
و نظرت بخجل إلى زوجها:
-هذا يبقيني بعيدة عن طريق غارث.
و ضحك رودريك سترونغ ، و قدم له غارث شرابا ، ثم إلى بليندا و رفع كأٍسه قائلا:
-لنشرب نخب زوجتي الجميلة الكاملة.
و ركز نظره على بليندا ، فشاهدت لمحة من السخرية في عينيه. و جلس على ذراع كرسيها. و أخذ يدها بين يديه و بدأ يعبث بأصابعها قائلا:
-سأقول لك سر... إنها فنانة عظيمة ، و لكنها لا تعرف كم هي عظيمة.
و احمرت وجنتاها من الخجل لتقديره هذا ، و لكنها قالت لنفسها إن هذا كلام زائف ، و إنه يقول هذا لإسعاد ضيفه.
-ماذا ترسمين يا بليندا؟ هل ترسمين الأشياء القديمة القبيحة مثلي؟
-أنت لست قبيحا سيد.. يا رود. في الواقع وجهك يثير الإهتمام!
-صحيح؟ هل تعنين هذا؟ ارسمني إذا.
و فتش في جيوبه عن ورقة:
-هيا ارسمني.
و أخذت ترسمه بينما استمر الحديث ، و قال غارث و هو يمثل دور الزوج النبيل الفخور بزوجته:
-في الواقع إنها تريد عرض لوحاتها. و آمل أن أٌقنع بعض المسؤولين المحليين ليسمحوا لها بإستخدام معرض الفنون هنا لعرض أعمالها.
و تمتمت بليندا دون قصد:
-لقد قال براد..
ثم توقفت مذعورة.
-و ماذا قال براد؟
-لا شيء.. لا يهم.
و سألها رودريك:
-أين هي لوحاتك.. لا بد أن لديك مرسم في مكان ما؟
-إنه موجود فوق.
-هل نستطيع أن نصعد و نرى لوحاتك.
-أرجوك رود.. بضع دقائق أخرى فقط...
-آسف يا بليندا لا أستطيع إلا أن أتحرك ، إسألي غارث ، أعتقد أنني لا أستطيع الجلوس لترسمي لي لوحة ، من سيرسمني يجب أن يركض ورائي و الفرشاة بيده محاولا اللحاق بي!
-ها قد إنتهيت...
و رفعت الرسم ليراه غارث.
-هل هو جيد؟
-جيد؟ يا حبيبتي إنه رائع! أريه لرود!
و تنهد رود قائلا:
-يا إلهي! كم أنا سعيد برؤية عصفوري حب مثلكما! تعالي أيتها الشابة دعيني أرى وجهي.
و أخذ الرسم منها و صاح:
-إنه جيد.. جيد.. وقعي لي عليه هنا ، لديك شيء رائع في يديك و رأسك.. أين هذه اللوحات يا غارث؟ خذني لأراها.
في المرسم أخذ رود يتجول ، يلتقط الفراشي ، العلب الفارغة ، أنابيب الدهان. و أرته بليندا لوحاتها ، فتفحصها واحدة واحدة ، معجبا بها ، مقدرا لها ، دارسا لكل تفاصيلها. و طوال الوقت سار غارث و يداه في جيوبه ، ينظر إلى الرسمات المتناثرة ، و الرسمات التي لونتها.. و قال رود و هو يرفع إحدى اللوحات:
-أستطيع فهم رسومات الأشخاص ، و أواني الفاكهة ، مزهريات الزهور.. و لكن هذه.. و هذه.. إنها أبعد من تفهمي الفتي... هيا قولي لهذا الشخص غير المثقف.. ما هذا؟
-إنها فن تجريدي ، في الواقع بسيطة جدا. أنظر إليها و كانها رموز ، و كأنها تمثل شيئا.. أترى.. في الفن ، يتم التعبير عن الشعور الإنساني بالرموز.. الفنان يستخدم الأشكال و الألوان ليعطي المعاني..
-اتعنين أن كل هذه الأشكال و لطخات الألوان تقول شيئا؟
-في أعماقي هناك مشاعر أستطيع أن أعبر عنها بطريقة يومية عادية ، و ها هي ، على الورق لا بالكلمات ، و لكن بخطوط و أشكال و ألوان.. لغة الفن.. و أنا أحب أن ألعب بالأشكال. هل لاحظت أن هناك نماذج محددة ، نماذج عادية رمزية في الطبيعة؟ ليس فقط أشكال ندف الثلج التي نعرفها كلنا ، بل أشياء مثل ذرات الغبار و قفير النحل و الدبور و حتى قطع من المرجان و الكرستال؟
-تابعي كلامك.. لقد سحرتيني...
-هناك نموذج عادي تكونه الريح عندما تضرب رمال الصحراء. و نفس النموذج موجود عند الشواطئ من صنع المد و الجزر ، تستطيع أن تجد نماذج جميلة بين الأصداف و أجنحة الفراشات و هناك نماذج و رموز في كل الطبيعة ، و كل منها له خاصيته و هدفه.
-هل هذا صحيح؟ و يقال إن الفنانون حالمون!
-هناك الكثير من علوم الطبيعة و الهندسة في الرسم ، دون ذكر ضرورة معرفة علم التشريح و ما شابه.
-و هل تعلمين كل هذا للأولاد؟
-للكبار غالبا. أما الصغار فلهم أسلوب آخر.
و وقف رود قائلا:
-أهنئك يا غارث على حسن اختيارك لزوجتك إنها إمرأة عظيمة.. فعلا عظيمة!
-هل عرفت الآن لماذا أردتك أن تلتقي بها؟
-يا رجل.. لديك شيء تفتخر به. هل هذه اللوحات للبيع؟ سأشتري العديد منها. قولي السعر الذي يناسبك؟
فضخكت بليندا:
-آسفة يا رود ، فأنا أتأمل أن أعرضها. بعد ذلك قد يكون هناك ما أستطيع بيعه.
-سأكون قد رحلت.
-حسنا.. ممكن أن استغني عن بعضها.
-جيد.. هذه الفتاة الشابة؟
-إنها فتاة ادرسها ، تستطيع أخذها.
-و هذا الشيء الملون؟ إنها عظيمة ، سأعلقها في منزلي ، و سأكون مسرورا و أنا أراقب الناس تحاول فهمها! أتعرفين ماذا سأقول لهم؟ سأقول إن الفنانة نفسها لا تعلم ما هي! و الآن كم ثمنها؟
و عندما ذكرت الثمن صاح:
-هذا فقط؟ أنت مجنونة؟ غارث عليك أن تضع رأسا تجاريا فوق أكتاف هذه الفتاة.
-رود صدقني إنها بارعة ، و هي تمتلك الحس التجاري. و ليست بحاجة إلى التعليم...
و نظرت بليندا غلى ساعتها بذعر ، "الطعام!" و أسرعت نحو المطبخ و قلبها يخفق. كان الجو عابقا بالدخان ، من الطعام المحترق! اللحم في الفرن ، و الخضار فوق النار كل شيء قد تلف! لقد نسيته كله.. كيف أستطاعت أن تنسى ، و هناك ضيف مهم عندها؟ و لحق بها غارث ، ثم رود ، و أخذت بليندا تصرخ:
-غارث.. لم يبق شيء لنأكله ، كل شيء احترق.. أوه يا غارث أن آسفة.. آسفة..
و أخذت تبكي.. و أحاطها بذراعيه و ضمها إليه ، و خبأت رأسها في كتفه و تعلقت به و هي تنتحب:
-لا أمل بي.. لست نافعة.
و ربت رود على ذراعها:
-هيا يا عزيزتي.. لا تبكي.. إنها غلطتي.. لقد شغلتك بالكلام ما رأيك يا غارث لنذهب للعشاء في الفندق.
و أبعدها غارث عنه قليلا و قال:
-ما رأيك يا حبيبتي؟ لا نستطيع فعل شيء آخر ، أليس كذلك؟ هيا غيري ملابسك... سأترك لك عشر دقائق.
و هزت رأسها ، ثم ركضت نحو غرفتها.. عشر دقائق.. ليس الوقت كافيا لتغير ملابسها.. و ترتب شعرها و تعيد تزيين وجهها.
و وضعت نصب عينيها مركز غارث ، و المكان الفخم الذي سيتناولون الطعام فيه ، فأخرجت من الخزانة ، ثوبا من المخمل الأزرق الغامق ، بطول الكاحلين عالي الياقة ، دون أكمم و يكشف عن الكتفين.
و قبل ان ترتديه ، شاهدت غارث يقف بالباب.
-قلت لك عشر دقائق...
و أخذ يتفحصها من قمة رأسه إلى أخمص قدميها ، و في حركة دفاع عن النفس ، مدت يديها بسرعة و التقطت الفستان.. و لكنه قال:
-إنتظري!
و تقدم نحوها ببطء ليقف أمامها ، و جذبها نحوه و تمتم:
-ألم يحن الوقت بعد لأن تتخلي عن موقف "لا تلمسني" الذي تبنيتيه ضدي؟ ألم يحن الوقت بعد لتدركي كم أنت سهلة المنال بالنسبة إلي؟ و نحن نعيش لوحدنا في هذا المنزل إذا كنت تظنين أنني سأنتظر إلى ما لا نهاية لأحصل على ما هو حقي بالقانون..
و تحركت يداه لتجذبها أكثر.. تجاوبها معه أذهلها... لو أنها سمحت له بالمضي اكثر.. سيكتشف الحقيقة ، حقيقة أنها تريده ، ليس "كشريك عمل" بل كإمرأة تريد زوجها الذي تحبه.
و تصلبت بين يديه ، و كأنها لا تطيق لمسته ، فتركها فورا ، و ابتعد:
-إذا فأنا أثير فيك النفور؟ يا للأسف. كان يجب أن تفكري بهذا قبل أن تقرري أن تنالي حبي و احترامي و العناية بي. أحببت هذا أم لا ، أحببتني أم كرهتني ، فقبل أن تمر أيام سأقتلك يا فتاتي ، سأقتلك جسدا و روحا.
-لقد وعدتني.. وعدتني أن لا تلمسني إلا...
و لكنه تركها و خرج.
في المطعم جلسوا يتحدثون إنتظارا لطعامهم. و تحدث الرجلان عن العمل أكثر الوقت ، و أخذت بليندا تسلي نفسها بمراقبة الناس ، و اعتذر رود لأنهما تجاهلاها لفترة.. و بعد إنتهاء وجبة العشاء قال رود:
-هل هناك مكان للرقص هنا؟
فرد عليه غارث:
-إنه في القاعة التي خلف قاعة الطعام.
-لقد ظننت هذا ، فقد سمعت الموسيقى ، هيا إذهبا و أرقصا. أعلم تماما كيف يشعر الشبان المحبون.
و أخذ غارث يدها و قادها إلى قاعة الرقص ، كانت الموسيقى ناعمة ، فأخذها بين ذراعيه ، و أمسك بها و كأنها من ضروريات جسده ، كتنفسه... و دخل رود بعد قليل و نظر حوله ، و رفع يده لهما ، ثم دخل المقهى... و جلس يتحدث إلى أحدهم و هو يشرب ، و يحدق بهما طوال الوقت. هل مظهرهما يذكره بأيام شبابه الضائعة؟ لم يكن هناك شك لدى بليندا ، أن غارث يمثل دور العاشق بشكل مقنع و كأنه كذلك فعلا.
عندما عادا للانضمام إلى رودريك سترونغ في مدخل الفندق قال لها:
-عندما تأتيان لزيارتنا في أميركا.. سأجعلك ترسمين لوحة لزوجتي قرب المدفأ’ في بيتنا الريفي.. ستحب ذلك كثيرا.. لدينا شقة أيضا في المدينة.. خذها معك يا غارث عندما تسافر إلى أمريكا.. أتعرف ، أنت أيضا ولد محظوظ.أنتما ولدان سعيدان ، افعلا المستحيل لتبقيا هكذا.
و قبل بليندا على خديها. و التفت لغارث:
-سأراك غدا صباحا قبل أن أذهب إلى لندن...
و رفع يده بالتحية و ذهب.
رحلة العودة إلى المنزل كانت ثقيلة و صامتة. و عندما أغلقا الباب وراءهما قالت بليندا:
-أنا آسفة يا غارث بخصوص وجبة الطعام. فأنا طباخة سيئة ، و لا أنفع كزوجة أيضا. و لا أعلم لماذا تزوجتني؟
-أنت تعرفين جيدا لماذا تزوجتك! لقد كنت مجنونا.
-أنا آسفة لأنني لست عند حسن ظنك ، حتى أنني لا أنفع أن أكون مضيفة منزل لك.
و رن جرس الهاتف ، فرد غارث ثم أعطاها السماعة:
-بيلندا هامر.. أعني غاردنر.
-أنا براد.. من رد علي.. شبح؟
-إنه.. زوجي.
-آه فهمت ، هل يغار؟ لا؟.. لا تصدقيه.. كنت أحاول الاتصال بك طوال السهرة.
-كنا في الخارج نتعشى و نرقص..
-آه.. كل شيء على ما يرام بينكما إذا. حسنا يا حلوتي لدي أنباء سارة لقد اتصلت بالمشرف على "الغاليري" في المدينة ، و قال إن هناك فرصة لاستخدام "الغاليري" كمعرض لمدة أسبوعين ، بعد ثلاثة أسابيع و أخبرته عنك و قال إنه سيكون سعيدا لرعايتك.
-هذا عظيم يا براد! لدي خمس و عشرين لوحة. هل تكفي؟
-إذا بقي فراغ نضع بعض رسوماتي. و بالنسبة للإطارات هناك صديق على استعداد لمساعدتي..
-براد.. هذا جيد جدا! لا أعلم كيف سأبدأ.
-سنبدأ فورا.. هل أنت مشغولة مساء الغد؟ سنتحدث حول الأمر.. عندي أو عندك؟
-عندك يا براد ، أظن هذا أفضل.
-حسنا... سآخذك مع اللوحات ، و سنبدأ فورا. سيكون أمامنا الدعاية في الصحف ، و الاتصال بأهم شخصيات المدينة و ما إلى ذلك.. ألست مسرورة يا حلوتي؟
-رائع يا براد ، و كأنني في حلم.
-قولي الخبر لشريك حياتك.. كم أود رؤية رد فعله.. أراك غدا...
كان غارث يقف عند باب غرفة الجلوس:
-لماذا كانت المكالمة؟
-معرضي بعد ثلاثة أسابيع أي بنهاية حزيران.. أليس هذا رائع يا غارث؟
و لكنه هز رأسه ببرود و دخل غرفة الجلوس. و حدقت بالباب نصف المفتوح... هل عليها أن تدخل عليه عاصفة ، مطيحة بالحواجز التي يحيط نفسه بها ، لتجبره على الكلام ، على أن يستمع لها؟ و إذا فعلت ، فإلى ماذا سيقود هذا؟ ألن يفسر العمل و كأنه "الدعوة" التي قال إنه ينتظرها منها؟ و تنهدت ثم صعدت السلم إلى غرفتها.
على الإفطار ، في الصباح التالي قال لها:
-عندما كان السيد سترونغ هنا الليلة الماضية شعرت بالإحراج لحالة أثاث المنزل.. ألا تعتقدين أن الوقت قد حان لأن نفعل شيئا حول الأمر؟
-أتعني السجاد و ما شابه؟ أعتقد معك حق.. متى...
-الأسرع هو الأفضل.. ألا تستطيعين أن تذهبي للتسوق بعد المدرسة؟
-أنا.. أتسوق؟ و لكن.. و لكن ألن تأتي معي؟
-ليس من طبعي.. آسف. سأترك الخيار لك.. أنت فنانة و لدي كل الثقة بذوقك. أنت تعرفين إنسجام الألوان و ما شابه.
-و ماذا بخصوص الدفع؟
-الدفع؟ ظننت أننا اتفقنا على أن تشاركي بدفع حصتك؟
-أتعني أنني يجب أن أدفع ثمن السجاد؟
-و لماذا لا؟
-و لكن يا غارث.. ستكلف ثمنا باهظا.
-طبعا.. سأتوقع أن تختاري الأفضل.
و وضعت يداها على خديها.. بحق السماء.. ماذا ستفعل؟ هل تستخدم مدخراتها؟ و لكن ماذا ستفعل غير هذا؟
-أنا آسفة.. و لكن للثلاثة أشهر القادمة يجب أن لا تعتمد على مالي.
-و لكن عليك أن تشتري السجاد اليوم. إشتري شيئا جيدا ، يبقى لفترة طويلة.. على الأقل مدة زواجنا.
و نظر إليها نظرة ساخرة و تركها و غادر المنزل.
في المدرسة ، تناقشت مع براد حول المعرض:
-هل تريدين أن أتولى أمر الدعاية للمعرض؟
-هل تفعل هذا لأجلي يا براد.. أوه كم أود معانقتك.
-لا يوجد هنا سوى دزينة أشخاص فقط.. هيا عانقيني...
و جالت بليندا بعد الظهر في المدينة من متجر إلى متجر إلى أن أصبحت ضائعة تماما بالألوان و النماذج و النوعية و الأسعار. و في النهاية أختارت سجادتين ، إحداهما لو اشترتها. ستبتلع نصف مدخراتها. و الأخرى ، و هي الأفضل نوعية ، ستبتلع كل المدخرات. و لم يكن أمامها أي بديل.. فقد قال غارث "إشتري الأفضل". و هكذا اشترت السجادة الغالية الثمن.
و عندما أخبرت غارث بالأمر قال:
-أعتقد أنك دبرت موعد قدومهم لتركيبها في المنزل؟
-تركيبها؟ لا.. لم أفعل.. نسيت.. أنا آسفة.
-إذا من تعتقدين سوف يدبر أمرها؟
-أنت.
-و لكن هذا عمل محترفين.. و أنا لا أعرف من أين أبدأ.
-و لكن يا غارث هذا سيكلف كثيرا...
-أخبريني.. على ماذا بالضبط تصرفين مدخولك الشهري؟ هل تأخذينه و توزعينه على الفقراء و المحتاجين؟ فأنا لا أرى دليل على صرفك المبلغ على لبسك أو حياتك.
-أنا.. أنا أصرف المبلغ على نفسي... معداتي و أدواتي و ما شابه.
-هل تستثمرين المبلغ؟
-أجل.. أجل.. هذا صحيح.. أنا أستثمره.
-و من يقوم بتقديم النصح لك.. هل لي أن أسأل.
-إنه.. إنه المحامي.
-مهما يكن.. عليك أن تتصلي بالمتجر و تطلبي إرسال أحد ليركب السجادة.
أمضت بليندا معظم أمسيات الأسابيع الثلاثة التي سبقت المعرض في شقة براد ، و قابلت غوردي الصديق الذي يساعده بالإطارات ، و انتقت نوعا مناسبا من الإطارات ، و راقبت الرجلين و هما يعملان ، و صنعت لهما القهوة و نظفت المكان.
و تمتعت بليندا بهذه الأمسيات. و كانت تذهب إلى المنزل مليئة بالسرور و الحيوية ، و الترقب. في البداية سألها غارث بغضب "أين كنت؟" ثم بعد يوم أو يومين قال:
-هل من الضروري أن تمضي كل هذا الوقت في شقة زميلك؟
-طبعا ضروري. مجرد سؤالك يظهر قلة خبرتك بالموضوع.
-حسنا أخبريني عنه.
-إنه.. حسنا إنه.. لا فائدة.. لن تفهم عن ماذا سأتكلم..
-أنا لا أفهم بالفنون.. أليس هذا ما تعنيه؟ بمعنى آخر أنا لست مثقفا.
و أخذت تفكر.. أتمنى لو تضع ذراعيك من حولي ، تحبني ، و تبني الجسور فوق الهوة التي بيننا.. عندها لن يعود أي شيء مهم ، و لن يهم أن ننظر إلى العالم من زوايا مختلفة.. و استوى في جلسته و سأل:
-ماذا تتمنين؟.. ماذا تتمنين؟
-أن أتحدث معك حول الفن ، أن ألتقي معك حول قواسم مشتركة.. أتمنى لو أنك تفهمني..
-أفهمك كزميل فنان أم كزوج؟ أم كحبيب؟
و بما أنها توصلت لما تريد.. فقد أصبحت خائفة ، و بينما احاطت بها ذراعاه ، كانت رغبتها فيه تغرقها ، تسحبها إلى الأسفل ، و التيارات تحملها بعيدا...
طالما لا تزال تملك أنفاسها ، قوتها ، يجب عليها أن تقاوم. إنه لا يحبها. كل ما يريده هو أن يثبت حقوقه عليها كزوج ، و على هذا الأساس لا تستطيع ، أن تسمح له أن يحقق ما يريد. و قاومته بضعف حتى تركها.
وقفت أمامه مصدومة ترتعش.
-هذا ليس إنصافا منك.. لقد قلت إن ما بيننا ترتيبات عملية. زواج بالإسم. و إنك لن تلمسني حتى..
-يا إلهي يا إمرأة..أنا من البشر. كم تتوقعين مني أن أصبر..؟ تقولين إنك تتمنين أن أفهمك و أن نلتقي حول قواسم مشتركة... و عندما أحاول أن أقدم هذه القواسم...
-و ما الفائدة؟ إذا كان ما تجده من قواسم هو جسدي؟ و روحا نحن عالمان منفصلان ، و ما فائدة ممارسة الحب لأشخاص مثلنا. و ماذا يبقى لنا بعد أن ننتهي؟
-بحق الله يا بليندا.. سنبقى لبعضنا.. ألن نكون؟ و ماذا تعرفين عن الحب..و ما يتبعه..؟
و مررت يدها على جبينها.. أهذا ما يقصده؟
-إذا كنتي بهذه الخبرة التي تبدو عليك.. فبحق السماء سآخذ ما هو من حقي أردتي هذا أم لا. و لو كنت أثير نفورك ، أو ستكرهينني بعد أن أنتهي.
و تحرك نحوها ثانية ، فتجنبته و هربت صارخة:
-أنت لا تفهم.. لن تفهم أبدا..
و أغلقت باب غرفة نومها بالمفتاح و وقفت و ظهرها إلى الباب تشهق و تبكي.. و هي خائفة...

الشغاف
06-23-2011, 07:38 PM
الفصل الثامن
رحل في المساء


وصلت السجادة و ركبت ، و جرى دفع الفاتورة ، و هكذا تبخرت مدخرات بليندا ، و نظرت إلى الردهة و السلم بإعجاب للتغيير الذي بدا فيهما. و لو أن غارث قد أعجب بذوقها إلا أنه لم يقل لها شيئا.. فقد عادا إلى صمتهما ثانية.
و تمنت بمرارة لو أنها فنانة جيدة بما فيه الكفاية لترى ما تحت سطح مظهر زوجها الخارجي، و لكن دفاعاته ، بالنسبة لها ، كانت غير قابلة للاختراق. و لم تستطع أن ترى سوى ، البرودة الظاهرة ، الحقد ، بينهما.
يوم أفتتاح المعرض.. سألته:
-هل ستأتي لحضور المعرض هذا المساء؟
-لم أتلق دعوة.
-أوه يا غارث أنت زوجي.. و لهذا لم يبعث لك براد دعوة.
-و هل أنا زوجك؟ ما كنت لأعرف لو لم تقولي لي...
-أرجوك يا غارث... أريدك أن تحضر.
أريدك أن ترى اللوحة التي رسمتها لك.. إنها القطعة الأساسية في المعرض.. الجميع يقول إنها رائعة... و لكن كل هذا بقي في ذهنها و لم تقل له شيئا... و استمر الصمت لحظات طويلة ثم قال:
-لدي مؤتمر هام اليوم و غدا. و إجتماع قد يستمر إلى ساعة متأخرة...
-إذا لن تأتي؟
-سأحاول.. و لكنني لا أستطيع أن أعدك.
لو أنه أراد معاقبتها لما أستطاع أن يختار طريقة فعالة أكثر. و لكنها لن تدعه يتشفى برؤية خيبة أملها. و رفعت رأسها كي تقابل الإساءة بالإساءة..
-حسنا.. على كل ، براد سيكون هناك.
-إذا لن تفتقديني.. أليس كذلك؟
و أخذت نفسا ، و هي تكاد أن تبدأ بالإنكار، و لكنها رأت البرودة في عينيه فتوقفت ، ثم استدارت و صعدت إلى غرفتها...
و سمعته يقول من خلفها:
-أتمنى لك حظا سعيدا...
و أجابته بحدة:
-شكرا لك.
و وقفت تراقبه و هو يخرج إلى عمله.
طوال أمسية الإفتتاح ، و ما بين أصوات الضحك ، و الشراب ، و الإستماع للتقديرات حول عملها ، أخذت بليندا تنتظر قدوم غارث. لوحته سيطرت على كل المعرض ، و وقف الناس أمامها معجبين و معلقين.. و سألها مراسل صحفي محلي:
-أهي لزوجك؟ لقد فهمت ، و أعتقد أنها ليست للبيع.. و لكن لا بد أنك تلقيت عروضا لها؟
-العديد من العروض ، و لكن...
و تدخل براد قائلا:
-إنها تريدها لعرضها في معارض قادمة ستقيمها قريبا..
و قال المراسل:
-دعوني أعلم متى و أين سيقام المعرض القادم.. سأقوم بتغطيته!
و قال براد:
-لقد بعت خمس لوحات يا عزيزتي ، و تلقيت طلبات لثلاث أخرى... الأمر على ما يرام هذه الليلة.. ألم يظهر الرجل الكبير بعد؟
-لن يستطيع المجيء. لقد أخبرني بهذا.
-لن يستطيع أم لا يريد أن يقوم بمجهود ليرى أول معرض لزوجته؟
-ليس الأمر هكذا يا براد. لديه مؤتمر.. حسنا.. لقد تشاجرنا و لم يسامحني على ما قلته له.. ها قد علمت الآن.
-آسف لم أقصد أن أزعجك.. و لكن بطريقة ما يجب على أحد أن يفعل شيئا بخصوص زواجك هذا.. إنه يحطمك.
قبل إنتهاء موعد المعرض لتلك الليلة ، وصل غارث ، و إلى جانبه إمرأة عرفتها بليندا ، إنها لوسيا ، وقف غارث إلى جانبها ينظر من حوله.
-براد. و أمسكت بيده لتشعر بالطمأنينة .. وصل غارث.
-أنظري من أتى معه. من أين ألتقطها؟
-إنها أرملة صديق له عندما كان في الأرجنتين.
-ليس في الأرجنتين فقط يا عزيزتي... لديك الآن منافسة لك.
-براد.. لا تذهب.. تعال معي..
و رأهما غارث أخيرا ، و بينما هما يقتربان لاحظ أيديهما المتشابكة و قالت بليندا و عيناها تلمعان بسعادة مصطنعة:
-حبيبي... رائع أنك استطعت الحضور! و أتيت معك بالسيدة أغنيس أيضا. هذا جميل هيا أدخلا و أنظرا بنفسيكما إلى اللوحات.
و حدق غارث بوجهها الساخر بإرتياب ، و ترك لوسيا ، و تقدم من بليندا و قبل خدها. ثم رفع رأسها و نظر إلى عينيها الغاضبتين متأملا.. و مدت يدها مرحبة برفيقته.
-جميل أن أراك ثانية سيدة أغنيس.. هل كنت تحضرين المؤتمر أيضا؟
-أرجوك ناديني باسم لوسيا ، أجل.. كنت في المؤتمر.. ضمن السكرتاريا. لم أكن أعرف أحدا هناك ، فأشفق علي غارث. أموت شوقا لرؤية أعمالك الفنية. لقد أخبرني غارث عنها و نحن نتعشى سوية ، ثم طلب مني أن أحضر معه.
و ضحك الجميع ، ثم قدمت بليندا براد لها ، و وضع براد يده في ذراعها قائلا:
-إسمحي لي سيدة أغنيس ، بصفتي من منظمي المعرض أن أتجول بك لرؤية معرض زميلتي. و بصفتي فنان ، أستطيع أن أشرح لك كل شيء عن لوحات بليندا. مع أنه يجب أن أعترف أن بعضا منها أعلى من مستواي الفني!
و قادها بلطف ، و لكن بحزم.. و وقفت بليندا مع غارث!
-شكرا لحضورك.
-لقد أظهرت لوسيا الإهتمام ، لذا أحضرتها.
-غارث ، أريد أن أريك شيئا.
و أخذت يده ، و قادته إلى الناحية الثانية من الغرفة ، و أشارت إلى اللوحة ، المعلقة لوحدها ، ثم نظرت إليه. و بدا و كأنه يلتقط أنفاسه و هو يرى رسمه و قال و هو يتنفس بصعوبة:
-يا إلهي.. متى؟ كيف؟ و أين؟
و ضحكت ، و قد أسعدتها دهشته و سروره.
-يوم ذهبنا إلى الريف ، رسمت لك عدة رسمات من زوايا مختلفة!
-هل فعلتي هذا؟ ذكريني أن أضعك على ركبتي لأضرب قفاك!
-هل أعجبتك يا غارث؟
-و ماذا أستطيع القول؟ هناك جواب واحد.. أعجبتني كثيرا... كثيرا جدا.
-هل أنت صادق؟
-و كيف لي أن لا أكون صادقا معك؟
و سمعا صوتا يدعوها "سيدة غاردنر" و التفتا معا ، و لمع فلاش آلة التصوير مرة ، أثنان ، "شكرا" و ابتعد المصور. و أقبل براد لينضم إليهما قائلا:
-ستظهرين الآن في الصحف.
و ضحكت لوسيا لغارث:
-لأكون صادقا.. لم يكن لدي الوقت لأبتسم.. لقد حدقت فقط. ربما ستعكس الصورة ما كنت أشعر به.. مذهول تماما.. يجب علي أن أعتاد على زوجة لامعة في عالم الفن.
و وضعت لوسيا يدها على ذراع غارث ، و نظر براد xxxxxا لما يراه.. و قالت لوسيا:
-تعال لأريك باقي المعرض.. لديك زوجة تقرب من النبوغ.. و بما أن براد شرح لي اللوحات ، ربما أستطيع أن أشرحها لك. لن تمانعي يا بليندا أن أستعير زوجك ، أتمانعين؟
و ابتسمت بليندا ابتسامة مشرقة و هي تهز رأسها:
-خذيه يا لوسيا.. إنه لك تماما.
و بينما هي تستدير مبتعدة عنهما ، استطاعت أن تلاحظ بداية ابتسامة ساخرة على وجه غارث ، و مسح براد جبينه و قال:
-يا لها من ارملة.. من إمرأة. إنها الفتنة من قمة رأسها إلى أخمص قدميها. دعي عمك براد يقدم لك نصيحة.. إنها بحاجة لمراقبة.
و حان موعد الإقفال.. و قال غارث:
-سأوصل لوسيا إلى الفندق يا حبيبتي.
و لوحت له بليندا بروح طيبة:
-لا بأس يا حبيبي.. أراك فيما بعد.
و بعد أن ذهبا ، وضعت ذراعاها حول خصرها و أخذت تتجول في الغرفة.. كان عليها أن تتغلب على الألم لرؤيتها زوجها يتركها ليأخذ إمرأة أخرى معه. و نادت عبر الغرفة الفارغة تقريبا:
-براد.. أتود الذهاب معي؟
-حتى لا تكوني لوحدك؟ حسنا ، حبي. سألعب لعبتك.. إفعلي ما شئت و سألعب كما تريدين.
في السيارة قالت له بليندا:
-شكرا يا براد.
-لا تفكري بالأمر. لم أكن لأتركك تذهبين لوحدك لتحزني بعد نصرك هذه الليلة.
و عندما وصلا إلى المنزل ، كانت سيارة غارث هناك ، و فتحت الباب لتسمع صوت الضحك ينبعث من غرفة الجلوس.. إذا لم يأخذها إلى الفندق. لقد أتى بها إلى المنزل. و نظرت إلى براد قائلة:
-براد.. ماذا أفعل؟ هل أدخل إليهما.. أم..
و دفعها بلطف:
-إلى فوق يا عزيزتي.. و لنصدر صوتا بقدر ما نستطيع.
و صفقت باب المدخل بقوة ، و سعل براد و هما يذهبان إلى المرسم فوق. و لم يحاول غارث أن يخرج ليدعوهما ، و ساد صمت في كلا الطابقين ، ثم عاد الحديث و الضحك.
و شعرت بليندا بالنعاس عند منتصف الليل و قال براد:
-بالكاد تستطيعين إبقاء عينيك مفتوحتان. سأذهب الآن. إذهبي للنوم ، و إنسي كل شيء يا بليندا ، سوى أن تأملي.. يا إلهي.. لا بد أن الرجل أعمى لعدم قدرته على رؤية كل ما يريده من زوجة فيك. اعطيني نصف فرصته و... و ربت على رأسها.. ثم تركها و انصرف مسرعا.
كان براد داعمها و صديقها الوحيد في المعرض ، و استمر تدفق الزوار ، و العديد منهم يسأل عن الأسعار و عن اللوحات. بعد الإنتهاء أوصلها براد إلى المنزل و تركها عند الباب. كان المنزل يعطي صدى الفراغ ، بعد صخب المعرض. إذا.. لم يعد غارث بعد. لقد قال لها براد إن أمامها منافسة لها ، و يبدو أنه على حق ، و غارث يفضل رفقة إمرأة أخرى.
و تساءلت إذا كان يحب لوسيا ، فلماذا تزوجها؟ ربما في الأرجنتين ، كان قد سألها أن تتزوجه ، و بما أنها كانت لا تزال تحب ذكرى زوجها الراحل.. رفضت. و ربما تكون هذه الذكرى قد توقفت عن إيلامها. و هي الآن مستعدة للقبول بغارث ، و لأن تسمح له بأخذ مكان الرجل الذي خسرت حبه.
هل تكون هذه نهاية زواجهما؟ لوسيا أقرب بالسن من غارث ، و أكثر نضجا منها ، و مناسبة أكثر لتكون زوجة رجل في مثل مركزه. و إذا كان يحبها و يريد أن يتزوجها ، فكيف تستطيع أن تقف في طريقه؟ و دخلت إلى غرفته و استلقت على السرير و وجهها على يدها فوق الوسادة. و أغمضت عينيها.. و حلمت بأنها بين ذراعيه ، و سمعته يهمس لها ، يخبرها عن حبه لها ، و كم يرغب بها ، و كم هو بحاجة لها...
و استفاقت على ضوء.. كان في الجهة الأخرى من السرير.. لا بد أن شخصا قد غير مكانه.. و اتسعت عيناها.. هذه ليست غرفة نومها.. و حدقت بما حولها... لا... لا يمكن أن يكون غارث... و لكنه ظهر أمامها و هو يحل ربطة عنقه و يفك أزرار القميص... عيناه فيهما بريق الانتصار و شفتاه تبتسمان.
-حسنا.. هذا جيد.. لقد استفاقت أخيرا.. هذه هي الدعوة... و ليس لدي النية أن أرفضها!
-إنها ليست دعوة يا غارث.. إنها غلطة..
و عرفت حالما تلفظت بالكلمات كم أنها غبية. و ضحك:
-غلطة؟ غلطة أن تستلقي على فراش زوجك بإنتظار عودته؟ يا زوجتي الساذجة و الجميلة.. هذه علامات الزواج الجيد..
و حاولت الجلوس و لكنه أجبرها على الاستلقاء.
-ستبقين حيث أنت ، لا مجال للتراجع يا بليندا.. لقد وصلنا إلى درجة اللاعودة في علاقتنا.. نامي ثانية ، لن أتأخر سأوقظك عندما أصبح جاهزا..
و صرخت بجنون:
-سأعود إلى غرفتي.
فابتسم و أقفل الباب بالمفتاح من الخارج و حبسها حيث هي. في غيابه أخذت تذرع الغرفة ، و قد لفت روب المنزل حولها بقوة ، محاولة تهدئة الطبول التي تقرع في قلبها. كيف سمحت لنفسها أن تسير نحو الفخ؟ هل هي مشاعرها و قد انقلبت إلى خيانتها.. و أنها في عقلها الباطن أرادت لهذا أن يحدث؟ ألأنها تحبه و تريده ، أم ربما هذا سلاح ضد لوسيا؟ و لكنه سلاح خائب.. ماذا لو أنه استخدم حقه؟ لن يمنعه هذا من معاشرة لوسيا أيضا في أي وقت يختار.
و سمعته يعود ، و أدار المفتاح و زاد رعبها ، و ظهر هذا في عينيها ، و أختنق تنفسها في رئتيها. و دخل ، فرآها واقفة عند النافذة ، فقال:
-اخلعي روبك يا بليندا ، أم تحبين أن أفعل أنا هذا.
و أطاعته بهدوء و رمت الروب إلى الأرض ، و تقدم نحوها و عيناه تلمعان ، و لم تكن غلالة نومها تخفي عن نظره الشيء الكثير. و أمسك بها.. و لكنها جذبت نفسها مبتعدة. و سألها بلطف:
-لماذا أنت قلقة؟ لست وحشا. سأكون ألطف مما تتصورين...
و تحرك بسرعة و أصبحت بين ذراعيه ، و أخذ يسحقها. و سرحت بأفكارها و هي تقول لنفسها "لو أنه يحبني.. لو أنه فقط يحبني!".
و ماذا بعدما حدث؟ هل أصبحنا فعلا رجل و زوجته ، أم أن ما حدث كان عابرا. و دخل الغرفة من الحمام و قد لف المنشفة حوله. و نظر إليها مبتسما:
-تبدين رائعة بالنسبة لإمرأة تقسم بأنها تكره زوجها و تقول بأنه لا يحتمل.
و جلس بقربها و همس:
-لو بقيتي أكثر هنا فسأضطر للتغيب عن عملي ، يا حلوتي.
و أسرعت بمغادرة السرير و ركضت نحو الجهة الأخرى من الغرفة و ضحك لمنظرها المرتعب ، و التقطت الروب و ارتدته ، و أخرجت شعرها تحت الياقة ، و لحقت بها عيناه و هي تخرج من الغرفة.
و لم يمض وقت طويل لتستحم و ترتدي ثيابها ، ثم نزلت إلى المطبخ لتتناول فطورها. و كان غارث جالسا هناك يقرأ الصحيفة المحلية:
-إنها صورة جميلة.
و تقدمت إلى جانبه و حدقت من فوق كتفه.
-لا تبدو مندهشا في الصورة بل تبدو مسرورا بنفسك.
-و انت أيضا سيدة غاردنر. لقد كتب المراسل يقول: قالت الفنانة و هي تشير إلى صورة زوجها "زوجي ليس للبيع.. أريد أن أحتفظ به". هل تنوين حقا الإحتفاظ بي؟ هذه أخبار جيدة.
-لقد عنيت بكلامي الصورة. ما عنيته أن الصورة ليست للبيع. فقد أراد كثير من الناس شراءها.
-أتمنى أن يكونوا من النساء.. لا عجب في ذلك ، سيدفعن أزواجهن للغيرة.
-في الحقيقة أنت وسيم... لا بد أن لديك شيئا ما...
و حاول أن يمسكها و لكنها هربت منه ، و توقفت في منتصف السلم و نظر إليها من الردهة و قال:
-أنت ذاهبة في الإتجاه الخاطئ يا حلوتي... إذا أردت أن لا ألاحقك فلا تثيريني.. هناك زمان و مكان لهذا.. فانزلي إلى هنا!
و عادت للانضمام إليه في الردهة ، فقال و هو يفرك ذقنه:
-من سوء الحظ أنني مضطر للسفر مع الأخرين إلى لندن بعد إنتهاء المؤتمر.
و حاولت أن تخفي خيبة أملها ، فتابع:
-و لكن قد أتدبر الأمر و أتركهم في وقت مبكر...
و كان عليها الآن محاولة إخفاء سرورها. و أجبرت نفسها على أن يبدو قولها عاديا.
-سيكون علي حضور المعرض.. لذا الأمر ليس مهما على كلتا الحالتين.
-أنت باردة و ناكرة للجميل.. أليس كذلك؟ بعدما حدث الليلة الماضية بيننا؟.
-لا.. لا.. لم أقصد هذا.. أريدك أن تبقى معي هذه الليلة.. صدقا.
و قطب جبينه ، و بدا ظاهرا أنه لم يقتنع بصدقها.. فوضعت يداها على صدره و رفعت رأسها نحوه ببطء:
-إنني أعني ما أقول يا غارث.
فضحك و عانقها ثم أفلتها على مضض:
-سأرى ما أستطيع فعله.
و للمرة الأولى منذ زواجهما ، لوحت له مودعة و هو يخرج إلى عمله و مر النهار ، هرعت بليندا بعد المدرسة إلى المنزل و حضرت طاولة الطعام في غرفة طعامها لأثنين ، و حضر غارث ، و تناولا عشاءهما باكرا مشاركة للمرة الأولى.
و غسلا الصحون معا ، للمرة الأولى أيضا ، و خفق قلبها عندما قال غارث:
-هل من الضروري أن تذهبي إلى المعرض هذا المساء؟ ألا يستطيعون تدبير الأمر من دونك؟ لقد عدت خصيصا إلى المنزل بدل السفر إلى لندن.
و تنهدت.. ربما كلمة "حب" ليست موجودة في قاموسه. فكيف ستخبره عن حبها له؟ ربما سيشعر بالإحراج.. و يشعر بأنه وقع في فخ... و سمع تنهيدتها و فسرها بشكل خاطئ ، فقال:
-حسنا.. إذهبي ، إذا كنت مضطرة.. لقد أتيت معي ببعض العمل على كل الأحوال...
و شعرت أن الوضع ينزلق خارج سيطرتها ، و ارتفع ذعرها فقالت:
-لن أذهب يا غارث.. لقد تنهدت فقط لأن.. لأن.. سأتصل ببراد ، سوف يمثلني...
و أتصلت ببراد لتقول له أن ألم رأسها لن يسمح لها بحضور المعرض فقال:
-آسف لألم رأسك.. و لكن لا بأس سأراك غدا لأبلغك كيف كانت الليلة.
-شكرا يا براد.. لقد قلت لك هذا من قبل: أنت لطيف و خاصة معي.
كان غارث يقف إلى جانبها ، وجهه كان جادا و عيناه باردتان.. ما الأمر الآن؟ أسمع ما قاله براد؟ و تمنت لو لم تكن حساسة هكذا لتغير مزاجه. و قال لها:
-سأعمل قليلا في المكتبة.. لن أتأخر.. أين ستذهبين؟
-إلى المرسم... و ماذا غير ذلك؟
-إذهبي إلى غرفة الجلوس ، إقرأي ، شاهدي التلفزيون ، و سأنضم إليك حالما أستطيع...
كان هناك توتر غريب بينهما يجذبهما بعيدا عن بعض. كان هناك شيء ناقص في هذه الأمسية. لقد بدت الحياة لها رائعة في مطلع هذا اليوم ، كبريق الذهب ، و قد ذهب هذا البريق الآن ، و هنا و هناك لمسة من فقدان اللمعان ، مما يثبت ، ربما أن الأمر لم يكن من الذهب الحقيقي.
-سأفعل إذا كان هذا ما تريده يا غارث...
-و لكنك لا تريديني.. أليس كذلك؟ حسنا إذهبي إلى لوحاتك...
-و لكن غارث لما لا تفهمني؟ أنا أحب لوحاتي...
-حسنا.. أنت تحبينها.. إذهبي إلى المرسم إذا شئتي..
و تركها و دخل إلى مكتبه ، و وقفت في الردهة متسائلة عند أية نقطة بدأت الأمور تسوء ثانية. عند المكالمة الهاتفية؟ لا... بالتأكيد قبلها؟ لو أنها فقط لا تشعر بأنها غير قادرة.. ماذا كانت ستفعل لوسيا؟ لا بد أنها بخبرتها في الزواج.. تستطيع أن تدبر أمر زوج تعب و متوتر الأعصاب و خاصة إذا كان غارث غاردنر.
و دخلت إلى غرفة الجلوس ، وأغلقت الباب ، ووضعت جانبا كل تفكير بعملها .. ستثبت لنفسها قبل أن تثبت له أنها زوجة مخلصة تضع مصلحتها خلف ظهرها في سبيل إرضاءه.
عندما دخل غارث عليها الغرفة كانت متكورة على الأريكة تقرأ. و نظرت إليه مبتسمة ، ثم أطرقت. سرور غارث لرؤيتها هناك كان أفضل مكافأة لها على تضحيتها برغباتها الخاصة. و خفق قلبها بالسعادة لوجوده معها.. و لأنهما لأول مرة يتصرفان كما يتصرف الزوج الحقيقي مع زوجته.
-بليندا.. تعالي إلى هنا..
و نهضت من مكانها و أقبلت نحوه ، فأخذها بين ذراعيه و عانقها ، و بينما هما منسجمان هكذا ، رن جرس الهاتف فصرخ
-اللعنة!
و على كره منه ، سحب نفسه و ذهب إلى الردهة ليرد. و شاهدت النعومة و قد غادرت عيناه لسماع الصوت من الجهة الأخرى.
-ما الأمر؟
و لكنه لم يجب ، بل أعطاها السماعة.
-بليندا تتكلم.. براد.. هل حصل شيء في الغاليري؟
-لا.. و لكن معي صديق قديم.. آسف للأصوات المرتفعة هنا و لكن حضر مشاهدون كثر هذه الليلة و كلهم يتكلمون بصوت مرتفع و رفع صوته لتستطيع سماع ما يقول:
-نويل جيميز هنا. لقد قرأ عن معرضك ، و حضر ليراه ، و خاب أمله عندما لم يجدك.. تحدثي معه...
-حبيبتي... كيف حال أجمل فتاة عندي؟ لقد علمت من براد أن حياتك الزوجية لا تطاق مع كاره النساء ، قطعة الأدوات الإلكترونية الذي تسمينه زوجا لك.. يبدو أن زواجك منه يؤثر عليك سلبا.
هل كان يجب أن يكون هناك كل هذه الضجة ، و هل كان عليه أن يرفع صوته هكذا ليقول هذه الأشياء الرهبية بأعلى صوته؟ لا بد أن غارث ، الواقف قربها تمكن من سماع كل كلمة قالها.. فقالت له بضعف:
-لقد فهمت خطأ يا نويل..
-لا بأس ، إذا قررت أن تتخلصي منه و تهربي تذكري أنني أنتظر بذراعين مفتوحين.
-نويل.. لماذا أردت الحديث معي؟
-آه.. فهمت.. لا بد أن حارسك يستمع.. اسمعي هذا المعرض رائع..
و تحرك غارث مبتعدا.. و لا حقته بليندا بعينيها...
-شكرا يا نويل..
-في الواقع أنه جيد لدرجة أنني أسامحك و أعرض عليك معرضا آخر في لندن. دومنيك، صاحب الغاليري ، لن يعارض عندما أخبره عن نجاح معرضك هنا.. سأتصل به و أسأل متى يكون الغاليري عنده مؤمنا للعرض.. أيرضيك هذا؟
-هذا رائع يا نويل.. و ماذا عن المصاريف و ما إلى ذلك؟
-سأكون كبيرا و انسى خلافتنا.. سأدعمك ماليا كما وعدتك المرة الماضية. ستحتاجين لبضع لوحات أخرى ، لا تكفي هذه لمعرض ضخم في لندن.. هل تستطيعين تدبير الأمر؟
-إذا عملت بجهد كاف.
-جيد.. سألقاك و نتحدث بالأمر...
و ركضت عبر الردهة نحو غرفة الجلوس. و السعادة بادية في عينيها. و وقفت أمامه ، فلم يرفع نظره من المجلة التي كان يقرأها.
-نويل سيدير لي معرضا في لندن يا غارث. أتذكر المرة الماضية عندما سحب عرضه؟... لقد عرض أن يدعمني ثانية!
و لم يتحرك ، و لم يستجب ، و لم يرد ، بل بقيت عيناه تلمعان.. ثم جاء رده عنيفا ، و رمى المجلة من يده و وقف:
-يدعمك ، بماله؟ و تقبلين؟ و تعامليني مع عرضي لك بالدعم و أنا زوجك ، بالإزدراء؟ أتدركين بأنك بهذا إنما تقبلين مالا من رجل غريب؟
-لا أرى الأمر بهذه الطريقة!.. و لا أستطيع أن أفهم الخطأ بالأمر.
و دس يداه في جيوبه ، و كأنما ليمنعهما من الإمتداد إليها:
-لا تستطيعين!.. لا تستطيعين! و ماذا بخصوص الهبة الشهرية التي تصلك؟ لماذا لا تدعمين نفسك؟ لم تصرفي سوى القليل حتى الآن و لا بد أن معك مبلغا محترما.
و عضت على شفتها لتمنع نفسها من قول الحقيقة ، سيعلم يوما ما و لكن ليس الآن ، و تابع قوله:
-و شيء آخر ، هناك شرط وضعته ، و وافقت أنت عليه قبل زواجنا. بأنك سوف تنهين صداقتك مع نويل جيميز. لقد وفيت بوعودي لك فلماذا لا تفين بوعودك؟
-هل وفيت بوعودك؟ و ماذا حدث الليلة الماضية ، لقد وعدتني أن لا تلمسني إلا إذا...
-و ماذا عن تمثيلية نومك في فراشي.. ألم تكن دعوة؟
و أخذت تفكر يا إلهي ماذا نفعل ببعضنا؟ بعد هذه السعادة التي خبرناها أمس ، يحصل هذا الآن ، إننا نحطم بعضنا.. و تابع كلامه:
-لقد استعدتي صديقك نويل جيميز ليركض وراءك.. يا إلهي كيف تستطيعين الحفاظ على إهتمامهم بك؟ واقع أنك متزوجة يعطيهم دفعا لملاحقتك ، و هذا دون شك عائد إلى أنك تخبرينهم عن حياتك البائسة معي.. ألا يكفيك واحد... بل أثنان! ألست قانعة بفنان طليق الشعر يعيش على الطبيعة يركض خلفك مثل الكلب..
و انفجرت به قائلة:
-إنه ليس كذلك! ليس كذلك. براد جيد و لطيف و متعاطف معي. عندما أفكر بكل ما فعله معي ، و كم شجعني...
-لقد كنت وراء أثر خاطئ إذا؟ براد الفنان ، و مع أنك زوجتي ، فأنت تحبينه.. أليس كذلك؟ طوال المدة التي تزوجتك بها ، كان علي أنا أن أتخلص و أهرب ، فأنت واقعة بحب رجل آخر.
و توجه نحو الباب ، و التفت قائلا:
-سأذهب إلى لندن ، و سأخذ معي لوسيا ، خذيه و اشبعي منه فأنا سأترك و لا يهمني ماذا سيحصل لهذا الزواج اللعين.
و صعد إلى غرفته ، ثم عاد يحمل حقيبة ملابس ، و خرج من باب المنزل.. و ركضت وراءه و هي تصيح:
-غارث.. أرجوك أن تبقى!
و صعد في سيارته.
-غارث!
و أدار المحرك ، و ركضت نحو النافذة:
-كم ستغيب؟
و لكنه لم يرد ، و لم ينظر إليها ، لذا لم يرى الدموع المتدفقة على خديها و ضربت على الباب بيديها:
-غارث!
و انتحبت قائلة:
-قل لي! أرجوك قل لي؟
و قاد السيارة مبتعدا نحو ظلام الشارع.

الشغاف
06-23-2011, 07:39 PM
الفصل التاسع

هل يعود؟


بكت بليندا معظم ليلتها تلك. و تسلقت إلى سرير غارث مؤملة نفسها ، مع إقتناعها التام في قرارة قلبها بالعكس ، أن يعود غارث و يجدها هناك. و لكن في الصباح كانت ما تزال لوحدها..
و في المدرسة سألت براد ما إذا كان قد قال شيئا لنويل جيميز حول زواجها من غارث ، فقال:
-لا شيء البتة... عندما سألني هززت كتفي ، و أخذ هذا منطلقا لإستنتاج ما يريد..
و إرتاحت بليندا لقوله ، فقد كانت تثق به و كان جديرا بهذه الثقة.
-على كل الأحوال تبدين بصورة رهبية ، ما الأمر؟
-لقد رحل غارث الليلة الماضية يا براد ، بعد أن اتصلت بي و تكلمت مع نويل جيميز تشاجرت مع غارث و غادر المنزل.
-و لماذا بحق السماء؟ هل ساورته الظنون بك؟
-لست أدري متى سيعود ، أو إذا كان سيعود...
-يا فتاتي العزيزة.. هل تظنين أن هذه نهاية الطريق؟ كيف لأي رجل أن يهجرك إلى الأبد.. اخبريني فقط؟
-براد هناك لوسيا في حياته ، لدي منافسة ، لقد قلتها بنفسك. لقد أخذها معه إلى لندن. هكذا قال.
و وضع يداه على كتفيها ملاحظا:
-لدي حدس بأن كل شيء سيكون على ما يرام يا حلوتي.. و حدس عمك براد..
و لكن بليندا هزت رأسها بيأس.
مرت ثلاثة أيام دون كلمة من غارث ، و لم تعد تستطيع عد الأيام ، لأنها لم تكن تدري متى ستتوقف عن العد ، كل ساعة مرت كيوم ، و كل يوم كشهر ، لقد أتخذ الزمن لها معنى جديدا.
في مساء اليوم الثالث أخذت تتجول في المنزل على غير هدى ، محاولة التركيز على موضوع لرسم لوحة. و لكنها كلما فكرت بموضوع ، حل مكانه وجه غارث الغاضب. و سمعت قرعا على الباب ، لا دقة جرس ، و لا دقة ناعمة لغريب.
أول فكرة قفزت إلى رأسها إنه غارث. و لكن غارث ليس بحاجة لأن يقرع الباب بالطبع ، فلديه مفتاح. ربما براد؟ أو نويل؟ و تمنت أن لا يكون نويل...
و وقفت السيدة العجوز عند المدخل ، و وجهها المستدير يبتسم مظهرها المريح يبعث الراحة في النفس ، ثيابها شديدة الأناقة و مؤثرة كما كانت دائما.
-يا طفلتي الحبيبة.. ألست سعيدة برؤيتي؟
-سيدة دونيكان!..
و خطت الزائرة إلى الداخل ، و تعانقتا ، و قبلتا بعضهما البعض.
-ما هذه السخافة..؟ ناديني بعمتي إيلين ، أرجوك. أنت ابنة اخي الآن ، عن طريق الزواج!
و تحرك رأسها من جانب إلى جانب ، و جالت عيناها تستكشفان محتويات الردهة. كل شيء كما هو منذ أن غادرت.
-هل أنت مندهشة لرؤيتي؟
-آه.. يا عمتي إيلين ، لا أعرف ماذا أقول.. لقد ظننت...
-أنك لن تريني مجددا. و كذلك أنا.
و توقفت عند غرفة جلوس غارث:
-هل أدخل هنا؟
و هزت بليندا رأسها.
-أتعلمين.. لقد تملكني شعور غريب يقول لي "عودي إلى إنكلترا" و أنا لا أتجاهل أبدا مثل هذه المشاعر ، فتحركت على الفور ، لن أمكث طويلا ، فقط ما يكفي من وقت لـ... حسنا ، ما يكفي من وقت.
و جلست على المقعد و أشارت لها بالجلوس على ذراعه.. و لكن بليندا اتخذت الوضع المفضل لديها على الأرض إلى جانبها.
-كما في الأيام الماضية يا بليندا. كيف حال ابن أخي؟ أرجو أن يكون يتصرف كزوج كامل؟ تبدين شاحبة يا عزيزتي.. ألست في طريق لإنجاب طفل لي...
-لا يا عمتي إيلين..
و ساد صمت قصير...
-المكان هادئ بشكل غريب.. هناك شيء ما.. أستطيع أن أحس به في الجو... أعرف هذا البيت كما أعرف مكنونات قلبي... و أعرف عندما تكون السعادة فيه، و أعلم متى يكون حزينا. بليندا ، هناك شيء رهيب يحدث ، و هذا ما دعاني للعودة.. لقد دعاني هذا المنزل القديم... هيا يا طفلتي.. أخبريني كل شيء. أين ابن أخي... أين زوجك؟
-لا أعلم ، يا عمتي إيلين.
و استوت إيلين دونيكان في جلستها متوترة...
-لا تعرفين...؟ ماذا تعنين؟ هل هجرك؟
-آه يا عمتي.. لا أعلم.. لا أعلم.
و أراحت رأسها على حجر إيلين و بكت ، و أخذ النحيب يهز جسدها ، و بللت الدموع منديلها. و تركتها العجوز تبكي ، و قد أحست أنها المرة الأولى التي سمحت بليندا لبؤسها أن يظهر. و أخذت ترتب شعرها الأشقر ، منتظرة لتهدأ و تتكلم لتصغي لها.
و أخيرا رفعت بليندا رأسها و أعتذرت ، و وجهها مليء بالدموع و عيناها حمراوان و منتفختان.
-قولي لي كل شيء يا طفلتي العزيزة. خذي وقتك ، لدي ما يكفي من وقت لأستمع.
و هكذا و ببطء ، و تردد ، روت لها كل القصة. فصاحت إيلين:
-اتفاقية عمل... يا إلهي.. لقد ورث الكثير عني.. حتى أنا العنيدة القاسية ، و لم أزل حتى الآن ، تزوجت عن حب. و ظننت ، كم أنا غبية ، أنني قد دبرت خطة ثابتة لأجمعكما. لقد جمعتكما ، و لكنني لم آخذ بالحسبان ما قد تحدث بكما خطتي.
-و ما الذي يجعلك تظنين إنه لن يعود؟
-إنه لا يحبني يا عمتي.
-و لكن هذه سخافة.
-لم يقل لي أبدا إنه يحبني.
-إعذريني لسؤالي.. ألم تتعاشرا كزوج و زوجته؟
-مرة واحدة.. منذ أربعة أيام.
-مرة واحدة؟ يا للسماء.. مم هو مصنوع هذا الرجل؟
-لقد قال لي أنه سيكون زواج بالإسم فقط يا عمتي. و قال إنه تزوجني فقط لأحصل على المال و ليريح ضميره..
-أتمنى أن أعرف أين هو الآن. سأعطيه "اتفاق عمل" حقيقي... سأعطيه "الضمير".
-كل ما أعرفه أنه في لندن.. لقد أخذ معه لوسيا...
-لوسيا! و من هي لوسيا؟
-ألا تعرفين..؟ أعتقد أنني أستطيع القول أنها عشيقته.
-عشيقته؟ و لكنه رجل متزوج من زوجة شابة و جميلة. و ماذا يريد من عشيقة؟
-لقد كان يعرفها من الأرجنتين.. لقد فقدت زوجها و ترك لها ولدين.. و كان غارث كريما معها ، و أعتقد أنها عادت إلى هنا لترى إذا كانت تستطيع العيش هنا. إنها تعمل كسكرتيرة لمؤسسته ، لقد أتى بها إلى معرضي ، حتى أنه خرج معها للعشاء.
-كم سيبقى بعيدا؟
-لا أعرف.. لم يقل لي.
-يا إلهي لم أكن أعلم أنه قد يكون قاسي الفؤاد و عنيد إلى هذه الدرجة. أعتقدت أن الزواج قد يلينه ، لم أكن أتصور أن بإمكانه العيش مع فتاة جذابة مثلك في بيت واحد ، و يتزوجها ثم يغلق باب غرفة النوم في وجهها.
-ما عدا مرة..
-ما عدا مرة.. تقولين إنه لا يحبك؟ هناك طريقة لمعرفة الأمر. أنت معلمة مدرسة.. أتستطيعين أن تأخذي إجازة دون مرتب؟
-أجل.. أعتقد هذا.
-جيد.. أفعلي ما أقوله لك.. غدا يا عزيزتي.. قدمي طلبا لإجازة لمدة إسبوعين. و بعد غد سافري.. قرري بنفسك إلى أين ، و لا تخبري أحدا.. سافري فقط.. سأتصل بالسيدة هوغند ، و ستستمر بالمجيء إلى هنا لتنظيف المنزل ، و سأعطيها عنواني لتتصل بي في الفندق ، إنه "الأمباسدور" هل تعرفينه؟
-أجل إنه الفندق الذي أقام فيه حفلة زفافنا.
-أوه.. هل فعل هذا.. على الأقل كان من الإنسانية أن يفعل هذا لأجلك. حسنا.. عندما يحضر غارث إلى المنزل ستتصل السيدة هوغند بي. و عندما تستقرين زوديني برقم هاتفك. و سأبلغك بعودته. ستبقين بعيدة لأسبوع على الأقل بعد عودته.. هل هذا واضح؟
-أجل يا عمتي.. و لكن..
-من دون و لكن..
-و لكن كيف سيساعدنا هذا؟
-الأمر بسيط.. تستطيعين أن تعرفي بالطريقة التي سيتقبلك بها عند عودتك ، ما إذا كان يحبك أو لا.. فإذا مد ذراعاه لك ليحضنك هذا هو جوابك..
-و إذا لم يفعل؟...
-حسنا يا عزيزتي.. سيكون الجواب الآخر ، و لكنه جواب غير سعيد. و أظن أن هذا غير معقول. و لكن هكذا هو الأمر. لا يستطيع المرء أن يعرف كل شيء عن البشر حتى و لو كان ابن ابن أخيه ، حتى و لو حضنته بين ذراعي يوم مولده.
و صنعت بليندا بعض الشاي ، و أحضرت البسكويت الجاهز.
-ليس لدي توست أو مربى و زبدة.. إنني طاهية سيئة ، و هذا أمر آخر يحمله غارث ضدي. إنه بارع أكثر مني بالطبخ.. إنني فنانة حالمة فقط...
-أنت لست حالمة.. إنك فتاة موهوبة.. و حان الوقت ليقول لك أحدهم هذه الحقيقة.
-لست موهوبة كفاية لأحتفظ بزوجي..

في الصباح التالي لحصول بليندا على الإجازة و ضبت ملابسها و ركبت الباص بإتجاه الريف. كانت تأمل أن تكون إقامتها قصيرة.. لو أن غارث أخبرها فقط كم سيغيب. لو أنه أخبرها لماذا تركها؟ هل سيطالب بأن يتحرر من الزواج حتى يكون بإستطاعته أن يكون الزوج الثاني للوسيا؟ هل يعيشان الآن معا؟ كانت تحدق من نافذة الباص و هي قلقة.
و وصلت إلى البلدة التي ذهبت مع الأولاد و غارث إليها في السابق و توجهت إلى الفندق. و استقبلها الموظف ، و أعطاها غرفة و تبعته إلى فوق إلى غرفة ذات سقف مائل ، و نوافذ واسعة تطل على منظر جميل للريف.
و قال لها الموظف و هو يخرج:
-العشاء عند الثامنة مساء..
و غرقت بليندا في سريرها ، جالسة و يداها متشابكتان حول ركبتيها. ماذا ستفعل في أيامها هنا..؟ لديها في الحقيبة ، أقلام ، و ألوان و فراشي.. و إذا كان الطقس لطيفا تستطيع الخروج لترسم و تلون.. و إذا لم يكن؟ و سارت نحو النافذة.. يجب عليها إذا أن تبقى في الغرفة و تقرأ. فقد جلبت معها بعض الكتب و المجلات..
في اليوم التالي ذهبت إلى النهر ، حيث ساعدها غارث على عبوره فوق الصخور.. و تردد في رأسها صوت الولد و هو يصيح "إدفعها إلى النهر"... لقد دفعها الآن ، و لكن خارج حياته ، و خارج أفكاره ، و ذهب بعيدا دون أن يبقى حتى ليراقبها و هي تغرق.
ذلك المساء أتصلت بالعمة إيلين ، و أعطتها رقم هاتف الفندق ، و سألتها عن أخبار غارث.
-لا شيء يا عزيزتي... لا تقلقي يا بليندا سأخبرك عندما يتغير الموقف. و في هذه الأثناء ، إرتاحي جيدا... و إنسيه يا عزيزتي. إنسيه.
-لا أستطيع يا عمتي... لا أستطيع ، كلما ابتعدت عنه أكثر ، كلما...
-أنت تريدينه ، أعرف كيف تشعرين ، أوه يا عزيزتي ، ابن أخي هذا الغبي ، الأعمى العنيد..!
بعد ثلاثة أيام أبلغتها العمة إيلين بأنه عاد.
-لقد عاد يا عزيزتي ليلة أمس ، و سأل السيدة هوغند إذا كانت تعرف أين أنت ، فادعت أنها لا تعرف. دعيه ينتظر.. دعيه ينتظر و يتعذب.. و إياك و العودة إلى المنزل يا بليندا بعد.. و إلا فكل ما رتبناه سيفسد. إصبري.. عديني بذلك يا عزيزتي..
-شكرا لكل ما تفعلينه لأجلي يا عمتي..
-لا تشكريني يا طفلتي.. فقد ينتهي بك الأمر أن تلعنيني لتدخلي في حياتك. و إذا لم تلعنيني أنت سيلعنني هو. فلديه الكثير من أخلاقي ، و أنا لا أتحمل أن يتدخل أحد في حياتي!
و مر يومان آخران ، يومان مرا بالتساؤل و القلق... ماذا يفعل غارث لوحده في المنزل؟ هل هو سعيد لأن يكون المنزل له وحده؟ هل تخلى عن إنتظار قدومها و عاد إلى لندن.. إلى لوسيا؟

الشغاف
06-23-2011, 07:40 PM
و تغير الطقس و بدأ المطر ينهمر ، و لكنها استمرت كل صباح بالذهاب إلى النهر تحمل ألوانها و أقلامها و فراشيها. كانت تلجأ إلى تحت شجرة على ضفة النهر ، أو تجلس في المغارة التي أكتشفوها مع الأطفال يوم أتوا إلى هناك. و أخذت ترسم سطح التلة المليء بالأشجار و مياه المطر تسيل منه ، و القطرات و هي تتساقط فوق ماء النهر. و حركات الماء المضطربة بفعل الرياح ، و الغيوم الرمادية الثقيلة تشرف على الوادي الضيق الذي يسير خلاله النهر.
ثالث يوم ، بعد ظهر مليء بالمطر ، عادت إلى الفندق و قد بللها المطر ، شعرها مبلل على الرغم من القبعة ، و قدماها غارقتان بالمياه ، و الماء يثقل معطفها.
في مدخل الفندق ، خلعت القبعة ، و أفلتت شعرها و نفضته ، ثم علقت المعطف ، و خلعت حذاءها المبلل ، و هرعت نحو دفء النار.
و أملت أن لا يكون هناك الكثير من ضيوف الفندق ليروا قدميها الحافيتين.
من الأفضل لها أن لا تنظر من حولها. و الأفضل أيضا أن تتوجه فورا إلى الدرج صاعدة إلى غرفتها. شيء ما جعلها تقف.. صوت ينادي بإسمها... لن تستدير.. إنها تخيلات.. لا أحد هنا يعرف إسمها الأول ، لا بد أنها لحلمها الطويل بهذا الصوت قد بدأت تسمع رنته في أذنيها. يتردد صداه حتى إعتقدت أنه حقيقي.
و لكنه ها هو من جديد.
-بليندا...
و أمسكت بياقة كنزتها العالية و استدارت.. كان يقف هناك.. في منتصف القاعة. يداه في جيوبه ، وجه قاس و جدي.. بعكس لهيب النار المتأججة ، و عيناه القاتمتان لا يمكن سبر غورهما.
حاولت أن تلتقط كلمة "غارث" و لكن الكلمة لم تخرج. في منتصف الغرفة ، واجها بعضهما البعض.. ماذا هناك ليتكلما حوله؟ بعد كل أيام الإنتظار هذه ، من الشوق إليه ، لرؤيته ، لسماع صوته ، للمسته ، كان هناك صمت فقط ، صمت فارغ ثقيل ، مشحون... و كسر الصمت:
-أنت مبتلة.. الأفضل أن تغيري ملابسك!
-نعم...
و استدارت و تابعت صعودها فأوقفها الصوت ثانية:
-بليندا.. هل أصعد معك إلى الغرفة؟
إنه زوجها.. و له كل الحق.. "و لم لا؟" صوتها كان فيه عدم الاكتراث ليغطي العاصفة التي كانت ترعد داخلها ، ترجف أطرافها ، و كأن صاعقة ضربتها. و عندما دخلت و إياه و أغلقت الباب وجدت أنها ترتجف.
عزلة الأيام الفارغة الماضية كانت قد كبرت من حولها ، غطتها و كأنها جلد آخر فوق جلدها. لم يعد غريبا عليها أن تبقى وحيدة. كان الأمر و كأنها تكافح لتشق طريقها عبر ضباب ضاعت فيه لعدة أيام ، و فجأة حصل اتصال بشري ما ، لم تكن مستعدة له ، أصبحت منطوية على نفسها ، في أعماق كهف في عقلها. و ها هي الآن و قد أعماها ضوء النهار الباهر.
لقد أتى زوجها يبحث عنها.. و لكن.. لماذا؟ هل ليشرح لها ما يشعر به إتجاه لوسيا؟ كي يطلب الطلاق؟
و بينما كانت تجفف نفسها و تغير ثيابها ، وقف غارث يحدق من النافذة. لا يمكن أن يكون المنظر هو الذي يجذبه. لقد كان الطقس بعد الظهر هذا معتم ، و عاصف ، و كأنه نذير لمستقبل زواجهما.
لقد قالت عمته "ستعرفين.. كيف يشعر تجاهك ، إذا كان يحبك سيفتح لك ذراعاه. و إذا لم يكن.. حسنا...".
أنه لم يبق يداه في جيوبه فقط ، بل أدار لها ظهره. لقد حصلت على الجواب.. و سألها دون أن يكون لصوته معنى:
-في أي وقت يقدم العشاء هنا؟
و أخبرته الموعد و هي تمشط شعرها ، ثم وضعت بعض المكياج.
-غارث.
فاستدار:
-هل حجزت؟
و أجاب:
-نعم.
و فكرت بجنون ، و لكن دون أن تكون متأكدة.. معي؟ و لكنه سؤال لم تجرؤ على طرحه. و جلست على السرير و يداها متشابكتان ترتجف و عيناها خائفتان ، مثل طفل ينتظر أن يقابل مدير مدرسته. و استدار ، و لكنه لم يتحرك عن النافذة.
-بليندا.. لماذا ابتعدت عني؟
ماذا تستطيع أن تقول له؟ لأختبرك إذا كنت تحبني؟ كم سيبدو الأمر غبيا.. و أخذ يسألها بطريقة بدا فيها غير قادر على طرح السؤال الصحيح:
-هل أنت.. هل.. هل هربت مع أحد؟
كل التعاسة التي عاشتها و أختزنتها في فكرها ، فجرت حواجزها ، و طغت عليها و لرعبها تحولت إلى نار تحرق جسدها بالغضب.
-أهذا ما تظنه بي.. أنني هربت مع رجل آخر؟ هل هذه هي الطريقة التي تفكر بها بأخلاقي؟ بكرامتي؟ حسنا.. سأقول لك.. لقد هربت مع شخص ما... و هو رجل.
و هرب اللون من وجهه ، وجفت شفتاه ، وثقلت عيناه.
-مع من؟
-مع من؟ سأقول لك مع من...
و توقفت برهة طويلة و هي تقاوم لإخراج الكلمات من القيود التي حبستها بها ، من الكبح الذي كبحت فيه نفسها .
-طوال الوقت الذي أمضيته هنا.. كل الأيام التي أمضيتها أتجول عند النهر ، أرسم ، أقرأ ، أو حتى أحدق ، كان معي رجل..
و رفعت عينيها إليه فتصلب ، تصلب كل جسمه ، و عقله ، و عينيه و فمه... و خفضت عينيها و همست:
-ذلك الرجل كان أنت...
و انهمرت الدموع على وجنتيها.
-لقد سرت معك.. تحدثت معك.. رسمت و أنت إلى جانبي... أنا.. أنا...
و توقفت عن الكلام ، لتتنفس:
-أنا حتى نمت معك.. كلما حاولت الهروب منك أكثر كلما تعلق بي طيفك أكثر... و ها أنت الآن قد عرفت ، و لكن لا تدع الأمر يقلقك ، إذا كنت أتيت تطلب الطلاق ، اطلبه... ربما أوافق...
و جفت عيناها الآن ، فتجرأت على النظر إليه ، كان و كأنه رجل تسلق إلى أعلى الجبل ، و لاقى كل ما هو صعب ، و وصل إلى القمة. و من تحته ، و حواليه هناك غرائب من الجمال لم يكن قد رآها من قبل...
و راقبت بسمته البطيئة السعيدة ، و الضوء يشع بهدوء من عينيه. فهمست:
-غارث؟
و رفع ذراعاه نحوها عبر الغرفة:
-بليندا... يا حبيبتي.. يا حبي...
و ركضت نحو هاتين الذراعين المنتظرتين ، و التفتا حولها و سحقتاها على جسده. و مر بهما الوقت ، دون نهاية ، دون قياس ، و بعدما هدأ شوقهما لبعض ، و قفا بهدوء ، و قناعة.. ينظران إلى بعضهما.. و قالت بليندا لنفسها و هي بين ذراعيه "لقد عدت أخيرا إلى بيتي". و جلسا في مقعد مريح معا. و قال غارث:
-كنت على وشك الجنون. عندما مرت الليلة الأولى عند عودتي و لم تعودي إلى البيت. تجولت كالتائه في المنزل ، دخلت المرسم ، غرفة نومك.. كنت في كل مكان ، ما عدا حيث أردتك بين ذراعي.. لقد اتصلت بصديقك ذو الشعر الطويل.. براد سترونغ.
-و ماذا قال لك؟
-قال إنه كان مدرك بأنك ستهربين مني ، و لكنه لا يعرف إلى أين. على الأقل عرفت أنك لست معه. و لكنني لم أتصل بنويل جيميز ، لذا فالقلق لم يغادر عقلي.. في الصباح التالي سافرت عند أمك.
-كل هذه المسافة؟
-لقد أقنعت نفسي بأنك هناك. و بقيت لتناول الطعام ، أمك قلقت عليك أيضا.. يجب أن نتصل بها لنعلمها أنك بخير..
و قطبت جبينها مفكرة ، و لكنه مسح على جبهتها باصابعه و تابع:
-أجل عليك أن تبدي القلق سيدة غاردنر.. لقد أخبرتني أمك كل شيء.. و أين يذهب المبلغ الشهري الذي تقبضينه.. ليس إلى جيبك و لا لحسابك في المصرف. بل لأمك. لا عجب أنك ذعرت يوم طلبت منك شراء السجاد. كيف دفعتي ثمنه يا مجنونة...
-من مدخراتي..
-أمك كانت تظن أنني أعرف؟ لقد قلت لها إنني عندما سأجدك سأضربك على قفاك لأنك أبقيت الأمر سرا. لماذا لم تخبريني يا حبيبتي؟ لماذا كنت تدعين أشياء؟ كنت تفهمت الوضع...
-اعتقدت أنك ستغضب لأن سبب زواجك مني قد ذهب.
و أمسك بذقنها و رفع رأسها نحوه:
-هل أقول لك الآن لماذا تزوجتك؟ لأنني من اللحظة التي شاهدت فيها الشابة النحيلة الجميلة التي دخلت غرفة عمتي ، عندما شاهدت عينيها الذكيتين ، الطائشتين ، المثيرتين ، وقعت فورا في حبها..
-من أول مرة التقينا؟ و لكنني يا غارث ، لقد بذلت جهدي لأجعلك تكرهني حتى لا تتزوجني.. لقد ادعيت أنني أرغب في المال لأنفقه على إحتياجاتي الشخصية الأنانية.. ليس لنني لم أحبك ، بل لأنني لم أكن أريدك أن تشعر بأنك تحت وطأة الالتزام بالزواج مني..
-الالتزام؟ لعن الله الالتزام! مع أنك دعوتني بعدة اسماء شنيعة و على الرغم من أنني طلبتك و وافقتي.. فقد كان علي أن أقنع نفسي بأنك ستتزوجيني من أجل المال فقط. و كان علي أن أضع الخاتم في اصبعك بأي طريقة لقد أقنعت نفسي بانك حتى و لو لم تحبيني ، فمع الوقت قد تحبيني و ترغبين بي.. و لهذا تركتك لوحدك ، على أمل أن تكتشفي بأنك تريدين فعلا أن تكوني زوجة حقيقية لي.
-غارث.. لماذا تركتني تلك الليلة حقا.. لماذا لم تتصل؟ أو حتى تكتب؟
-كنت غاضبا ، غاضبا بمرارة منك. لأن لديك أصدقاء رجال. منذ أن التقيتك لأشهر خلت كنت في قبضة مشاعر غريبة عني. على الرغم من عدم حبي للنساء ، كانت الغيرة مؤلمة. و هذا بالضبط سبب مشاجرتي معك.
-لا أتحمل التفكير بهذا الأمر.. لماذا ذهبت إلى لندن؟ لتكون مع لوسيا؟
-ماذا تقصدين بهذا الكلام؟ إنني على علاقة معها؟ يا إلهي.. سأضربك لأجل هذا.
-كنت غيورة.. و هذا ما حرف حكمي عليك.
-إنتهى الأمر. سأسامحك. كان علي أن أذهب إلى لندن لحضور سلسلة من الإجتماعات. لقد عادت لوسيا إلى عملها ، لذا سآخذك معي. لقد قررت العودة إلى الأرجنتين و سافرت يوم أمس لتنضم إلى طفليها. هل إرتاح بالك الآن؟
-و كيف عرفت أين تجدني؟
-بفضل السيدة إيلين دونيكان.. من الواضح أن السيدة هوغند قلقت لمظهري الضطرب. و أخبرت عمتي التي لم أكن أعلم أنها هنا ، و أتت عمتي لرؤيتي ، و أخبرتني عن الدور الذي لعبته في عملية إختفائك.. فثرت و غضبت و نعتها بأسماء مختلفة ، قلت إنك زوجتي ، و إنك من شؤوني الخاصة و ليس لأحد أن يتدخل. ثرت عليها و كانت تعلم أنني أنفس عن غضبي. فجلست تبتسم و تركتني أقول ما أريد. ثم قالت ثلاث كلمات ، أسم الفندق ، أسم البلدة ، و أسمك. و خرجت من المنزل قبل أن تنهي حديثها. و ها أنا هنا.
-و هل تريدني أن أترك عملي؟
-ليس قبل أن يكون هناك سبب واضح ، أو غير واضح.. و لكن دون توقفك عن الرسم تستطيعين الرسم حتى بوجود أقدام صغيرة تخطو على أرض المنزل ، أليس كذلك؟ في الواقع تستطيعين رسمهم.
-الأقدام الصغيرة؟
-لا أيتها المرأة الغبية... أطفالنا.
-نستطيع إقامة معرض للوحات العائلية.. أنت ، و أنا في الوسط يحيط بنا كل أطفالنا..
-يا إلهي.. و كم تنوين أن تنجبي؟
-لا تقلق يا حبيبي ، إثنان كفاية...
-هل قلت لك يوما كم أنا فخور بقدراتك الفنية؟ و لم أشكرك أبدا على اللوحة التي رسمتيها لي.
-لقد وضعت كل حبي في كل ضربة فرشاة بها. ألم تستطع رؤية ذلك؟
-قلت لك يا حبيتي.. أنا لا أفهم في الفن. لا في التقدير و لا في التصنيف. هل تعلميني...
فوعدته بذلك ، و تابع:
-أمامنا دعوة من رودريك سترونغ لزيارته في الخريف. علي أن أسافر إلى نيويورك بعد ثلاثة أشهر ، و لدي تعليمات صارمة بأن أصطحبك. أظن أن لديه لائحة من الناس ، أصدقاء عائلته ، يريد منك رسمهم!
-غارث.. أما زلت تكره النساء؟
-أجل.. و لكن باستثناء.. المرأة التي أحب.
في الصباح التالي أجريا اتصالين هاتفيين: الأول لوالدتها لتطمينها على سلامة ابنتها ، و الآخر للسيدة إيلين دونيكان في الفندق. و تحدثت بليندا معها.
-عمتي إيلين.. أنا سعيدة جدا.. شكرا لكل ما فعلتيه.
-هل نجح الأمر؟
-لقد نجح.. بشكل صاعق.
-هذا عظيم.. سأسافر الآن. و بعد تسعة أشهر سأعود ، لأحتفل بولادة ابن ابن ابن أخي أو بنت ابن ابن أخي.. أخبري زوجك بهذا.. إلى اللقاء يا عزيزتي!
و أقفلت الخط..
و استدارت بليندا و الدموع في عينيها إلى غارث:
-هل سمعت ما قالت؟
و هز رأسه:
-إنها عجوز تحب التدخل في شؤون الآخرين!
و انحنى عليها و همس:
-شكرا لله.
معا و ذراعيهما تلتفان حول بعضهما البعض دخلا غرفة الطعام لتناول الإفطار...


****************************

تـــــــــــمــــــــت

seba queen
07-17-2011, 01:51 AM
روايات راااااااااااااااااااااااااااااااائعة جدا غاليتي
شكرا كتيييييييييييييييييييييييييير إلك حبيبة قلب التيتة lamst-a42
يسلمو عالمجهود الراااااااااااااائع
lamst-a76

seba queen
07-17-2011, 02:13 AM
لمن يسهر القمر


آن هامبسون


الملخص
في ليلة خطوبتها إلى روجر, تقدم إليها الغريب الأسمر بعرض زواج في ضوء القمر. ولورين التي تجاهلت نداء قلبها اعتبرت عرضه مجرد نزوة عابرة و تناسته . لكن حادثة اختطاف شقيقتها التوأم أجبرها على إعادة حساباتها, فاذا كان دون رمون يعتبرها جارية في قصره الواسع, و إذا كانت لورين تعتبر أنه حطم حياتها. فلماذا إذن تبقى لياليها مسهدة ومن يسهر القمر؟

seba queen
07-17-2011, 02:14 AM
الفصل الأول :

1-في ضوء القمر
كانت الحفلة في اوج نشاطها, و الناس من علية المجتمع يرقصون. و كانت لورين واربي و روجر بوردن يحتفلان بخطوبتهما في عشاء راقص قدمته لهما والدة روجر و زوجها في منزلهما الفاخر. لورين كانت تلبس ثياب سهرة من الطراز الإدواردي من الشيفون و الدانتيلا, و في إصبعها خاتم خطبة ماسي لم تتخيل نفسها أن تلبس مثله مثلما لم تتخيل أن تصبح يوما زوجة لرجل ثري و مشهور ومن ذوي الألقاب.
والد لورين كان يقول أكثر من مرة:
-لو أن فيليس تستطيع تدبر نفسها. لا أستطيع أن أفهم لماذا اختارك روجر في تلك الحفلة الساهرة, مع أن فيليس كانت هناك أيضا!
فيليس هي شقيقة لورين التوأم, و أكبر منها باثنتي عشر دقيقة وكانت المفضلة لدى أبيها . وترد عليه لورين بجدية:
-عندما أتزوج, ستلتقي فيليس بالعديد من الرجال أمثال روجر, و تسارع فيليس بالقول:
-لا تلقي بالا لما يقوله والدي, فأنا سعيدة مع ادوين.
فيليس و ادوين كانا في الحفلة طبعا, و على طاولة العشاء جلس الأربعة مع بعضهم و تبادلوا الحديث بسعادة. و كان ادوين يرسل نظراته الحميمة إلى فيليس, وروجر و لورين يبادلان نفس النظرات من وقت لآخر.
وسألها روجر بنعومة:
-هل تشعرين بالسعادة مثلي يا عزيزتي ؟
واجتذب السؤال عقل لورين من التفكير بشقيقتها و بخيبة أمل والدها لأن فيليس ليست من تحتفل بخطوبتها الليلة. كان والدها يعمل في مكان بعيد, وعلى الرغم من أن لورين كانت تشك بأنه قادر على الحضور إلى المنزل لهذه المناسبة الخاصة إلا أنه أبلغها أن حضوره مستحيل.
وردت على السؤال وهي تلتصق أكثر بروجر:
-طبعا يا أعز الناس...
-بماذا تفكرين إذا... وما أبعدك عني؟
-كنت افكر بوالدي, وأتمنى لو أنه هنا!
-من سوء الحظ طبعا.
وتوقف لحظة, وبلمحة قصيرة رأت لورين تقطيبه خفيفة وقد استقرت على وجهه الجميل, ثم تابع:
-بعض الأحيان يا عزيزتي يساورني بعض الشك عن رضاه. على زواجك مني.
ولم تقل لورين شيئا, و أصغت إلى الالحان الناعمة الحلوة لموسيقى الدانوب الأزرق التي كانت تعزفها الأوركسترا في آخر القاعة الذهبية و العاجية الواسعة. كانت تفكر مليا بما قاله روجر. وتتساءل عما إذا كانت في الحقيقة قد لاحظت لمحة من الغطرسة والكبرياء في صوته, أم أن الأمر محض خيال منها. ودارت الأفكار, و أصبحت تفكر بالعلاقة بين روجر ووالدها, فالاثنان ليس بينهما شيء مشترك و النتيجة كانت ان روجر كان نادرا ما يزور المنزل الشبه منعزل الذي تعيش فيه لورين لأنه لم يلاق الترحيب اللائق من الرجل الذي سيصبح عمه.
-اشعر بالحرارة يا روجر, هل نخرج لنتنشق بعض الهواء النقي؟
وتحول صوتها إلى صمت مفاجئ عندما ادارت رأسها لتجد نفسها تحدق في وجه أسمر داكن لرجل من الواضح أنه من أصل اسباني. وقد دخل لتوه الصالة وكان من الواضح انه يبحث عن شخص ما.
ووجدت نفسها تحدق في الوجه ذو السحر الذي لا يمكن سبر غوره. وكأنما فجأة شد اهتمامها به انتباهه. فأدار رأسه في اتجاهها وبدت عيناه, السوداء الحالكة, عبر تلك المسافة, وكأنها شقت طريقها إلى داخل روحها. مع أنها حاولت سحب نظرها عنه, إلا أن عيناها كانتا مسمرتين عليه, و كأنهما بفعل قطب مغناطيسي. ولاحظت تماما أن الوجه الأسمر الطويل, والتجويف العميق تحت عظام الخدين, والخط البارز للذقن والأنف المدبب الطويل بفتحته البارزة, كانت كلها قسمات مميزة كرسومات آل غريكو وتنفست قائلة:
-و...من هذا؟
وكانت مذهولة بالرعشة غير المريحة بداخلها و الرنين المنطلق في مشاعرها, و أحست بالشعر الذهبي في مقدمة رأسها يقف و كأنه ينذر بالخطر.. وأجابها روجر وهو ما يزال يمسك بيدها:
-إنه صديق اخي. لقد نسيت ان أقول لك أنني اتوقع وصوله إلى العشاء. سآخذك للتعرف عليه.
وبدأ يشق طريقه بين الراقصين.
-ولكن...
وتوقفت, وبدا الامر لا يصدق, فقد كانت على وشك أن تعترض, لعدم رغبتها في لقاء هذا الأسمر الغريب الذي لاتزال عيناه الجالية للإرباك تحتجزان عيناها بنظرة هادئة مغناطيسية, و ألقى عليها روجر نظرة سريعة متسائلة:
-هل هناك شيء؟
-لا شيء أبدا.
ومع ذلك فلم تكن قادرة على سحب نظرها عن الرجل وترك روجر يدها قائلا:
-تعالي إذا.
وأمسك بذراعها بينما كان يقترب من صديق أخيه وقال:
-لورين أقدم لك دون رامون ادوارد كابريرا مولينا.
وقال الرجل :
-خطيبتك؟
وسكت لحظة قبل أن يضيف:
-أنا سعيد بلقائك, سنيوريتا!
وكان صوته الذي يحمل شيئا من اللكنة مهذبا قليل التعجرف بوجهه مثير للاهتمام. وأضاف:
-أهنئكما بالخطوبة.
ولكن, وبطريقة ما, شعرت لورين بنقص في الصدق في كلماته, وخاصة لدلالتها على التوتر, و للقسمات غير المبتسمة لهذا الرجل الطويل الذي يرتفع أطول من روجر بإنشين أو ثلاثة, وبدا أطول من روجر بإنشين أو ثلاثة, و بدا أطول منها بطريقة ملفتة للنظر. و أشار روجر بيده قائلا:
-أخي موجود هناك. يرقص مع الآنسة الشابة ذات الثوب الأخضر. التي هي في الواقع الشقيقة التوأم لخطيبتي.
-شقيقتها التوأم؟ إذا هناك اثنتان منكما. كم هذا مثير للاهتمام , يجب ان أقابل شقيقتك سنيوريتا.
وقطبت لورين ورمقت روجر, الذي بدا غير ملاحظ لأي شيء غير طبيعي عن الرجل. وقال:
-سوف أحضر بول و فيليس.
وابتسم مستأذنا وترك لورين مع دون رامون ووجدت نفسها تبتلع ريقها بصعوبة, محاولة إزالة شيء غير محدد يمنعها من الكلام. و تكلم دون رامون على الفور و سألها عن المدة التي عرفت بها خطيبها, فأجابت وهي تتساءل عما إذا كان هذا صوتها حقيقة:
-منذ ستة أشهر.
-ستة أشهر؟
قالها مكررا, بعد برهة فاصلة من التفكير. و علمت دون شك أنه كان يحسب شيئا, و كأنما يحاول تذكر ما كان يفعله في الوقت الذي تقابلت فيه مع روجر, و تعجبت من هذا الانطباع الغريب الذي تملكها! والأغرب, كانت تلك الرعشة غير المريحة التي مرت مرة أخرى خلال جسدها عندما رأت تلك الومضة غير المريحة في عينيه عندما سألها:
-ومتى سيتم الزفاف؟
وكانت عيناه تجولان على وجهها تتفحصان قسماته الكلاسيكية وجمال شعرها الذهبي الداكن و عيناها الرماديتين. وارتعش فمها الدقيق قليلا بسبب العصبية التي أثرت بها وكان ثوبها الذي يتناسب مع ثنايا جسدها الممتع تماما, يكشف عن العنق, و بحركة مفاجئة من عينيه! ارتفع الدم بالحمرة إلى خديها. وارتفع حاجباه بابتسامة مربكة وهو يقول:
-هل انت خجلة سنيوريتا؟ كم هذا مبهج فاتن.
ونظرت نحو الماكن الذي رأت فيه آخر مرة شقيقتها ترقص مع بول نظرة مضطربة. وكان روجر معهما, كما لاحظت بارتياح, وستقابل فيليس هذا الرجل الإسباني بعد قليل. وراقبت شقيقتها, وكان عليها أن تبتسم عندما لاحظت أن الرجل قد اجتذب فيليس كما حصل معها تماما.

seba queen
07-17-2011, 02:27 AM
وأخذ يد فيليس بين يديه مسلما, ولكنه لم يحتفظ بها كما فعل مع لورين, ووصل ادوين, وهذا ما جعل بول حرا. فذهب هو وصديقه الاسباني نحو غرفة الكوكتيل. وابتسم روجر وهو يأخذ لورين للرقص.
-حسنا... ما رأيك يضيفنا الإسباني؟
وأجابت بصراحة:
-لقد أثار اهتمامي, بول لم يذكره من قبل, على الأقل لا أذكر ذلك.
-إنهما شركاء عمل أكثر من أصدقاء. فدون رامون صناعي مليونير و منحدر من أسرة نبيلة ذات لقب. جده الكبير لأمه كان دوقا. على كل لنعد إلى علاقته ببول! فهو يمتلك عدة مصانع ومزارع كرمة واسعة تمتد على طول واد واسع. ويقول بول أنه على الرغم من كونه رجل محافظ ومتغطرس, إلا أنه معجب به كثيرا و يتعامل معه في أعمال كثيرة. وكان بول ضيفا عليه عدة مرات في قصره دركايرين و يتحدث بول عن الأراضي الواسعة التي يطل عليها القصر في السييرا. والحدائق الغناء والبرك المنتشرة على كل المستويات, والنوافير و التماثيل الرخامية والطرق الطويلة المطلة بالسرو المخصصة للمشي, ربما في يوم ما سنقوم بزيارة له.
ونظر إليها ليعرف مدى تأثير قوله عليها. و أدرك أنها قد ضجرت قليلا وان عيناها لم تكونا تبرقان كالمعتاد. ولم يلاحظ روجر أي خفة في تصرفها بالمرة. وظهر تقطيبه خفيفة بين عينيه وسألها بغتة:
-ألا يعجبك الدون رامون؟
وفاجأتها طريقة السؤال, ورمقته بنظرة مجفلة:
-ماذا يدفعك لهذا القول... روجر؟
-لا أعلم...
وفكر برهة وأضاف:
-لقد توقعت منك أن تظهري حماسا غير عادي لهذا الاقتراح.
وسألته لاكتساب الوقت:
-هل من الممكن أن نزور الدون فعلا؟
-من الممكن بالطبع. فقد زاره بول من قبل, وما عليه سوى أن يذكر أمامه أنك تحبين مشاهدة قصره, وانا متأكد أننا سنتلقى الدعوة للزيارة.
وهزت كتفيها في إشارة قصدت بها أن توحي لخطيبها أنها تفضل ان لا تتابع هذا الحديث. ومع ذلك, وقبل أن تدرك ماذا تفعل, سألتها عما إذا كان الدون متزوجا, وقطبت للحظة بينما كانت تفكر بما دفعها لهذا السؤال.
-لا في الواقع, بول من رأيه أنه غير مهتم بعلاقة دائمة مع امرأة.
-مع انه وسيم.
ومرة ثانيه لم يكن لديها فكرة عما دفعها لهذا القول. ووافق معها روجر قائلا:
-دون شك, هذه البشرة البرونزية وهذه القسمات اللاتينية.
-إنه يعيش في جو ارستقراطي, ولكن ربما كان ذلك بسبب نسبه العريق.
-إنه رجل من النبلاء, وهو يسير برشاقة من ولد رياضيا.
وقالت لورين و كأنما تكلم نفسها:
-في الواقع إنه مثال للكمال.
عند هذا, أبعدها روجر عنه وضحك في عينيها وقال مداعبا:
-أنت أكثر من مهتمة عادية بضيفنا الإسباني. تعليق آخر مثل هذا و سأجد نفسي أعاني آلام الغيرة.
وضحكت... ولكن أفكارها كانت تتحرك في دائرة, مبتعدة عن روجر و متركزة على رجل آخر, رجل بقسمات لاتينية و عينان يجبران عينيها دون جهد على اللقاء.
بعد ساعة, وبعد أن رقصت مع بول و ادوين, قررت لورين ان تخرج إلى الشرفة حيث كانت الطاولات منتشرة و المقاعد من حولها. ولسبب ما تمنت لورين بعض الوقت وحدها, و عندما فكرت بهذه الرغبة افترضت أنها أمر طبيعي لأن تأثير هذه الامسية كان يدفع إلى الملل . التهاني من كل الضيوف الوافدين, ونظرات الحسد التي لا ريب فيها من الفتيات اللواتي كن تحلمن بأن يصبحن زوجة لواحد من أكثر العزاب صلاحا في البلد ونظرات الاعجاب من الرجال و تعليقاتهم المطرية لجمالها. كل هذا, مع أنه مثير للسرور, كان لزاما أن يؤثر عليها, وقررت أن الجو المنعزل في الحديقة سيكون أفضل من جو الشرفة, الذي تعرف أنه سيجرها إلى التحدث مع شخص ما.
ابتعدت عن المنزل, ووجدت مقعدا في مكان ظليل لطيف مليء بعطر الزهور. وجلست وهي تأخذ نفسا عميقا. مستلقية إلى الخلف على الأغصان الصلبة التي صنع منها المقعد البسيط. كان الهواء ناعما حلوا يفوق الوصف. وقبة السماء الواسعة ينتشر فيها مزيج من ضوء القمر ووميض النجوم و المخمل الأرجواني. و كانت الحديقة و أكنها اغتسلت بطوفان من الفضة, وقد تلفحت بالصمت. و غلبها النعاس وقد هدهدها صوت النغمات الحالمة التي تنبعث من النوافذ المفتوحة في المنزل.
وتمتمت وهي تتنشق انفاسها برضى:
-آه.. كم أنا سعيدة, لا أعرف كيف لفت نظر روجر من بين كل الفتيات في تلك الجفلة الراقصة...
وفجأة تيبست في مكانها, وقد سمعت وقع أقدام ثابتة على الرغم من هدوئها على الممر المرصوف بالحصى على بعد خطوات حيث كانت تجلس. وذهلت من خروج الكلمات من بين شفتيها دون رامون حتى قبل أن تراه.
-سنيوريتا.. هل أستطيع الجلوس قربك؟
جاءها الصوت ناعما لطيفا كالعناق, وقطبت جبينها بقوة لهذه الفكرة. والتقطت أنفاسها مترددة, مع إدراكها التام للبراعة اللافتة في هذا الرجل الذي يقف قريبا وقد انحنى فوقها.
-أنا ...أنا ....
و تلعثمت وهي تفتش عن عذر تقدمه لعدم موافقها على مشاركته لها المقعد:
-كنت أرغب ببعض الهدوء.
قالتها كحجة ضعيفة, على أمل ألا تبدو فظة. و لكنها شعرت بالتأكيد أنها لم تكن لبقة بالمرة. ولكن دون رامون لم يأخذ كلماتها على محمل الهجوم ولا ظهر عليه أنه صدم بردها. وقال بنفس اللهجة الرقيقة:
-لن أزعج هدوءك, سنيوريتا, فأنا نفسي أرغب في الجلوس صامتا.
ولمست تقطيبه جبينها. فدون رامون هو آخر شخص ممكن ان تختاره لتمضي معه استراحة صامتة. وستشعر معه بالتيقظ والاضطراب لأنه يمتلك ذلك الجو من الثقة بالنفس والتفوق. وجالت بأفكارها لتجد عذرا لإبعاده, ولكنها سرعان ما أدركت أن الأمر يوجب عليها أن تكون مسرورة وودية مع شريك شقيق زوجها.
-حسنا سنيور.
ولكنها على الفور تقريبا أضافت قبل ان يتمكن من الجلوس قربها:
-ولكنني أفضل أن أتمشى, إذا لم يكن لديك مانع؟
وصمت وزم شفتيه بسخرية وقال:
-إذا كان هذا ما تفضلين سنيوريتا.
ونهضت وهي تشعر برجولة دون رامون و بالجو الرومانسي الذي يلف المكان كله: العريشة المنعزلة, الانعكاس المثير للقمر
على صفحة البركة الرائعة عن بعد, والظلال البسيطة المتناسقة للضوء والظل في تلك الناحية من الحديقة حيث تتحرك أوراق الشجر في النسمات الصامتة.
-أوه.. هل نسير هناك قرب البركة؟
هل ارتعشت شفتاه, أم أنها تخيلت ذلك؟ و كان رده بلهجة دون تعبير:
-سيكون ذلك من دواعي سروري.
و خرجت لورين من تحت العريشة و تبع خطواتها, وبعد فترة من الصمت قال:
-لقد التقيت شقيقتك. إنها ليست مثلك.

seba queen
07-17-2011, 02:28 AM
-ليست مثلي؟ أنا وهي متشابهتان, ومن لا يعرفها جيدا لا يتمكن من التفريق بيننا.
فقال بلطف:
-أنا لا أشير إلى المظهر الجسدي. إنها الشخصية التي أعني.
-أخشى أنني لم أفهمك.
قالتها بلهجة باردة متحدية, فمن الواضح انه كان يقارن بشكل غير مناسب بينها و بين شقيقتها. وسارع إلى القول:
-أرجوك لا تأخذي الأمر بعدائية, سنيوريتا, فأنا لم أتحدث عن شقيقتك بطريقة تحط من قدرها.
-إذا ماذا تعني بالضبط؟
-لقد لاحظت شخصيتين مختلفتين تماما.
وهزت رأسها لهذا القول و أجابت:
-عن شخصيتينا متشابهتان.
وتوقف دون رامون عن السير, و كان على لورين ان تتوقف أيضا. كانا يسيران على شاطئ البركة و ولكنهما كانا قد وصلا إلى عريشة صغيرة ترتفع وسطها شجرة كبيرة وحول الشجرة مقعد. وكانت لورين وخطيبها يأتيان غالبا غلى هناك لتمضية بعض الأوقات بعيدا عن العائلة.
وقال دون رامون مفكرا:
-شخصيتان متشابهتان! أخبريني عن شخصيتك سنيوريتا!
والتفت نحو المقعد و دعاها للجلوس:
-هل نجلس؟
وتوقفت مترددة:
-أظن انني يجب ان أعود..
-لا, ليس بعد.
وكانت لهجته آمرة رغم رقتها, ووجدت لورين نفسها تسعل بعصبية لتنظيف حنجرتها قبل الكلام:
-لا أظن...
و تهدج صوتها تحت سيطرة سواد عينيه المحدقتين بعينيها بنظرة ثاقبة . ما هي هذه القوة التي يملكها؟ هذه القوة التي بدأت فعلا تؤثر على قرارها بالعودة إلى المنزل؟ مع ذلك, لا يجب عليها أن تبقى مع هذا الرجل هنا! لا. . لا يجب!
-سوف يستفقدوني, سنيور, يجب ان تفهم أنهى ليس من اللائق أن أبقى بعيدا عن الضيوف لهذه المدة.
وأجاب بهدوء:
-لم يمض عليك سوى دقائق في الخارج. سنيوريتا, لقد شاهدتك تغادرين القاعة, لذلك أعرف الوقت تماما.
-هل كنت تراقبني؟
-منذ اللحظة التي التقت فيها عيوننا عبر الغرفة.
وهزت رأسها بذهول, بالكاد تعرف كيف تتصرف إزاء هذا الوضع الذي هبط عليها. لقد شعرت, عميقا في نفسها إن هذا الإسباني الأسمر الخطر لن تكون معرفته مجرد عابرة دون أن تلتقيه بعد الآن, بل سيكون له تأثير على حياتها له مفعول طويل المدى. فكرت بإسهاب بهذه الخواطر, ومال تفكيرها فورا لصرف النظر عنها. فالرجل لا يمكن ان يؤثر على حياتها؟ فمن الواضح أنه يقصد العبث ومن دواعي سروره أن يعود إلى منزله وقد غازل فتاة مخطوبة لرجل آخر وفي نفس حفلة خطوبتها! ووجدت الأمر لا يطاق, حتى الرجل نفسه لا يطاق, وقررت أنه من الأفضل أن توقفه عند هذا الحد.
-أجد اهتمامك مسليا سنيور.
-مسليا؟
ولاح في أعماق عينيه بريق فيه خطورة, وأضاف:
-هل لي ان أستفسر, سنيوريتا, عما إذا كنت تسخرين مني؟
-ربما أكون كذلك.
-أنت تأخذين موقفا خطيرا.
وشعرت بالإحباط, عندما وقعت عيناها تحت التأثير المباشر لنظرته المحدقة. واستطرد:
-أنا لست بالرجل الذي يقبل بالسخرية منه من أي كان... وليس من امرأة بالتأكيد.
وقالت له بتعبير جامد:
-لقد نسيت يا سنيور أنك أنت قد تسببت بهذا.
و برقت عيناه, وهو ينظر إلى أبعد من وجهها. وسألها أخيرا:
-بأية طريقة؟
ولأنها لم تستطع أن تقول بصراحة أنها تعتبره يتودد إليها, هزت كتفيها بنفاذ صبر و قالت مضيفة عن قصد نبرة من الضجر إلى صوتها:
-ألا نستطيع إيجاد موضوع غير شخصي للنقاش, بينما نسير عائدين إلى البيت؟
-إننا لن نعود إلى البيت الآن, اجلسي سنيوريتا و لنتحدث لبضع دقائق.
وبدأت تهز رأسها, ثم توقفت. واختلطت أفكارها وارتبكت وهي تنظر إليه في حيرة. ووقف بطوله واستقامته و ضوء القمر على وجهه. ومن حوله النسيم المعطر و منظر الحديقة الهادئة, و الأشجار تموج بهدوء و أوراقها متلونة بفضة مسروقة من القمر. وكان كمن ينتظر, وتكلم اخيرا طالبا منها الجلوس مرة أخرى وصوته يحمل كل درجات الجدية. فلماذا هو واثق هكذا؟ ولماذا يجب عليها أن تكون مسلوبة الإرادة؟ لتقول دون تردد أنها ستعود إلى المنزل؟ و كأنما هي بالفعل تريد أن تبقى هنا مع هذا الغريب الأسمر... أم أن الأمر هكذا حقا؟
الشكوك صدمتها. و جلبت لها شعورا أكيدا بالخوف المفاجئ, و أدركت أنه يجب أن تهرب منه, ولكنها بدلا من ذلك وجدت نفسها تتفوه بكلمات بدت و كأنها تخرج دون إرادتها:
-لا بأس... إذا كنت تريد الجلوس و التحدث برهة.
وجلس إلى جوارها مديرا رأسه الأسمر حتى يستطيع مراقبة جانب وجهها, و قالت بصوت مرتعش:
-لا أستطيع البقاء طويلا. فقط خمس دقائق.
وأحست بتوتر غريب, وتقلص حول قلبها. لقد كانت تلعب بالنار ولكن على الرغم من أن الأمر أزعجها كثيرا فقد كانت غير قادرة على أن تقوم بأية مقاومة أمام جاذبية الرجل الجالس صامتا بقربها. وكررت قولها متظاهرة بالشجاعة:
-خمس دقائق فقط, وبعدها يجب أن نذهب.
-يبدو أنك لا تتمتعين برفقتي.
-لم أرافقك لمدة طويلة لأعرف ما إذا كنت أتمتع أم لا.
و أجاب بهدوء:
-في هذه الحالة, سنبقى هنا حتى تتأكدي.
وتوترت أعصابها, فتيقظت, وبكل أعصابها المرتعدة حاولت الوقوف, ولكن يدا على معصمها منعتها من ذلك, وجلست دون مقاومة, ولكن لمجرد لحظة, و بجهد مفاجئ, وقوي سحبت يدها من قبضته ووقفت على قدميها. وقالت ببرود:
-سنيور, هل تسمح؟ اعذرني يجب أن أعود إلى خطيبي.
ووقف دون رامون, وقفة من يضبط أعصابه. و كان هناك شيء ما حوله يحيرها و يوتر أعصابها. فقد بدا و كأنه يعتزم القيام بعمل ما, وهو منتصب فوقها, ينظر إلى وجهها بتعبير غامض, ولم يقل سوى:
-إذا كانت هذه رغبتك, سنيوريتا.
وقطبت جبينها وتذكرت ان هذا الرجل هو شريك لشقيق زوجها, ولن يسامحها بول لفظاظتها معه. وبدأت تقول وقد شاب صوتها خضوع لم تلحظه:
-أنا آسفة إن كنت أزعجتك, ستفهم بالتأكيد أنني لا أستطيع البقاء معك, في...في...
و توقفت فجأة عن الكلام, و احمرت وجنتاها و أملت أن لا يخمن ما كانت تنوي قوله. ولكن وأسفاه على آمالها! فقد سمعته يقول و نبرة السخرية في صوته:
-في ضوء القمر... سنيوريتا؟
-أنت تسيء فهمي عن قصد.
و أجابها بهدوء:
-لا اظن هذا... إنه فعلا وضع رومانسي, أليس كذاك؟
وارتدى طابع صوته نوعا من التسلية, فقالت له بلهجة تعمدت أن تكون مركزة:
-دون رامون, يبدو أنك نسيت أنني سوف اتزوج روجر بعد فترة قصيرة, و بأنك ضيف في منزله, و بأنك مدعو إلى حفلة خطوبتنا.
ورد عليها بصوت مليء بالمشاعر:
-أنسى أنك مخطوبة؟ لا يا سنيوريتا. من غير المعقول أن أنسى. على كل أستطيع أن آخذ ما اشتهيته من لحظة أن وقعت عيناي عليك!
وقبل أن تدرك حتى ما ينوي أن يفعله, وجدت نفسها بين ذراعيه ولم يكن بمقدورها التخلص, و قاومته بشجاعة, و لفها الخجل و الشعور بالذنب لعلمها بضعفها, وتورد وجهها, فأطلق ضحكة انتصار مزقت هدوء الجو, ونظر إلى عينيها الحزينتين بقوة. وجدت متنفسا لغضبها بأن تضرب صدره بقبضتها وصرخت:

seba queen
07-17-2011, 02:29 AM
-اتركني أيها المخلوق المقرف! سيرميك روجر إلى الخارج لفعلتك هذه.
-وهل ستخبريه؟
-بالطبع سأخبره!
وحاولت تحرير نفسها, لتهرب منه. ولكن قبضته على رسغها كانت كفكي الكماشة وبدأ يهز رأسه قائلا:
-لن تخبري خطيبك بهذا أبدا!
و أصبحت لهجته قاسية فجأة, ومليئة بالانفعال. وحدقت في وجهه الأسمر و ارتعدت, فقد كان التعبير عليه مليئا بالشر.
-لا يا سنيوريتا ستبقين صامته حول هذا الفاصل الرومانسي.
والتقت عيناها بعينيه واستحوذتا عليهما بحيث أصبحت دون إرادة.
-إنه سر بيننا سنيوريتا, إنه سر بيني و بينك!
-أظن أنك مجنون!
وبرقت عيناه.
-مجنون.. سنيوريتا؟
-اتركني!
وحاولت مرة أخرى تحرير يديها منه. ولكنه شد قبضته حتى صرخت من الألم. وتمتم:
-لنعد الكرة مرة أخرى.
و عاد تعبير الانتصار إلى عينيه واقترب وجهه من وجهها, ولكنها نفرت منه, فأمسك بها بقساوة فأصبحت مرة أخرى غير قادرة على الهرب, و علمت علم اليقين مدى قدرته على السيطرة عليها.
وهمست عندما أمسك بها على بعد ذراعيه:
-اتركني.
و أطلق ضحكة منخفضة وقال بتهكم و إصرار:
-أنت راضية بالبقاء معي...
و بالرغم من إنكار سريع اندفع إلى شفتيها إلا أنه لم يتم, لأنها لم تستطع أن تقول له انه كاذب. و كان الدم يندفع في كل شرايين وجهها لمجرد التفكير أنها قد تكون راضية فعلا بالبقاء معه. و أدارت وجهها نحو الظلام و سألت نفسها عن هذا الجاذب الذي يدفعها إليه؟ فهي تستطيع أن تصرخ, أو تدافع عن نفسها بضراوة بحيث يضطر إلى تركها! ولكنها لم تفعل شيئا ولم يكن لديها الرغبة لتفعل. وهمست:
-يجب أن أعود إلى المنزل... إلى الضيوف؟
-و إلى خطيبك؟
وبدا صوته مرة أخرى قاسيا, ولكنه تغير بعد ذلك عندما سألها بعد توقف قصير:
-هل تستطيعين أن تقولي أنك تريدين فعلا العودة إلى المنزل؟
وهزت رأسها بالإيجاب, و لكن بضعف وقالت:
-يجب ان أذهب.
فقال ساخرا:
-وهل ستخبرين روجر المسكين بالأمر؟ هل تعتقدين أنك قادرة؟
-روجر المسكين؟ ماذا تعني بذلك؟
-أنت لا تحبينه!
وصرخت بارتياع:
-بالتأكيد أحبه! بأية وقاحة متغطرسة تستطيع قول شيء كهذا؟
ورد عليها بهدوء:
-من تجاوبك معي سنيوريتا!
-أنت... لقد فرضت علي ذلك بالقوة...
وتهدج صوتها وهي تشعر بالعار. فلماذا تحتج وهي تعلم أن عذرها هذا بحاجة للدعم؟ وضحك بنعومة ومرر يده على شعرها الحريري وقال:
-لقد استمتعت. بنفس القدر الذي استمتعت به أنا. لذلك كوني صادقة مع نفسك سنيوريتا. و اعترفي أنك لا تحبين ذلك الرجل الذي الرجل الذي وافقت على الزواج منه.
-بل أحبه! انا أعرف أنني أحبه!
و اكتست شفتاه بابتسامة ساخرة و سألها:
-من تحاولي ان تقنعي؟
و أخذ خصلة من شعرها وجذبها إلى الخلف و أجبرها أن تنظر إلى وجهه. ماذا يفعل هذا الرجل بها؟ إن قدرته على السيطرة لا يملكها إنسان, بل شيطان؟ واستمر يقول:
-أتحاولين إقناع نفسك أم إقناعي سنيوريتا؟
-أنا أعرف أنني أحبه! أنا متأكدة من ذلك!
-لقد كنت متأكدة, حتى التقيت بي.
ولم تقل شيئا ولكنه أضاف بعد فترة من الصمت:
-لم تعودي متأكدة أبدا. فهناك شكوك رهيبة تملأ رأسك هذه اللحظات. وانت محتارة و مرتبكة. أنت ترغبين بي سنيوريتا!
-كيف تجرؤ على قول مثل هذا الافتراض؟
وزم شفتيه مجددا:
-مسكينة يا لورين!
-لا تتجرأ مرة أخرى على دعوتي باسمي الأول.
-مسكينة يا لورين! أنت خائفة مني, و لكنك خائفة من نفسك أكثر. فأنت راغبة في البقاء معي هنا, ولكن الحذر يحثك على وضع مسافة بيني و بينك قدر المستطاع.
و توقف للحظات ولكنها لم تتكلم.
-ابقي معي يا حبيبتي...
-أنا لست حبيبتك!
و دون أن تخطئ مضامين ما تفعل, وقد اجتاحها الغضب, رفعت يدها لتصفعه, ولكنه أمسك يدها بقوة مسيطرة, ووضعها خلف ظهرها و أجبرها على إبقائها هناك على الرغم من معرفته إنه يؤذيها. وقال محذرا:
-لقد كان هذا عمل غير حكيم سنيوريتا! لو كنت نجحت بفعلتك هذه لاضطررت عندها أن أعاقبك.

seba queen
07-17-2011, 02:30 AM
الفصل الثاني:

2-عرض في ليلة الخطوبة

واحمر لونها. و استدارت, متمنية لو أن القمر كان أقل إشعاعا. لأنه كان من الواضح من التعليقات التي اطلقها أنه كان يلاحظ أي تعبير يظهر عليها. وقالت بصوت فقد قوته:
-هل ستتركني أذهب؟
وتمتم مجيبا بحرارة على رجائها:
-نعم... ربما من الأفضل أن نعود.. أنت وأنا كان مقدرا علينا أن نلتقي. ومقدر علينا أن نكون أكثر من معارف.
مرت لحظة صمت, ولم تحاول أن تتكلم, وهي ترغب فقط أن تتركه يكمل كلامه حتى تستطيع العودة بأسرع وقت ممكن.
-هناك قول قديم عند شعب المور الذين انحدرت اسرتي منهم. ((الأقدار تجمع, والأقدار تفرق, فلا يتدخل أحد)).
-وماذا يعني هذا؟
-إنه يعني أن من يحارب الأقدار إنما يجازف بالفشل.
وأخبرته لورين أن قدرها هو الزواج من الرجل المخطوبة له وأضافت:
-إني احبه ولا يهم ما تقول, فأنا أحبه فعلا.
-لا يا لورين, أنت لا تحبينه, ولأبرهن لك هذا سأحتضنك مرة أخرى و سترين أنك تتجاوبين معي.
-ألن أفعل؟
و قابل كلامها بضحكة خفيفة و خلال ثوان وجدت نفسها تعانقه, و حاولت التغلب عليه قليلا, و أن تسحب لعض القوة لتستطيع أن تقاوم الرجل. و لم تظهر المعجزة, ووجدت نفسها مرة أخرى تستجيب له. ولم تعرف أنها استجابت هكذا من قبل. تجاوبها مع روجر لا طعم له مثل التجاوب مع هذا الاسباني. وبعد برهة قصيرة ابعدها عنه و نظر إليها بانتصار, و عيناه الضاحكتان تنظران إلى وجهها المحمر. وسقطت همسة من فمها, ناعمة و لطيفة مثل ضوء القمر المشع على التلال النائمة.
-رامون...
-نعم...؟
كان يطلب منها أن تقول انها تحبه. لقد كان الاقتناع يفعل بها كما يفعل بها الماء البارد, و جذبت نفسها من بين يديه و هزت رأسها و كأنما تزيح عنه ذكرى, ذكرى تصرفها المشين. وصدمها الواقع. فمنذ وقت قصير جدا كانت ترقص مع خطيبها, و مستقبلها الوردي مؤمن... و لكن... الآن... و نظرت إليه, ثم أبعدت نظرها مجاهدة إيقاف الاضطراب الذي اعتراها, وشعرت بالألم و الجفاف في حلقها:
-أنا ... أنا....
و توقفت, لأنها لم تدر ماذا تقول له. كانت ترى خطورة جانبية تشتد و عرفت أنه كان يكتم الضحك.
-مرة أخرى تخلت عنك القدرة على التعبير, لورين.
-أنت كريه!
-احتجاجات .... و كم هي ضعيفة و دون معنى. من المؤكد أنك لن تستمري في اتمام هذا الزواج؟ فلن يمكن له أن ينجح و ....
-لا تتكلم بهذا الهراء! طبعا سأستمر في إتمامه!
-كان يجب أن نلتقي من قبل. لماذا يجب أن يحدث هذا الآن, في وقت تحتفلين بخطوبتك لرجل آخر؟
-أنا عائدة..
و بدأت السير مبتعدة, و لحق بها بخطوات إلى جانبها حتى وصلا إلى الشرفة, فتركها وعاد إلى الحديقة الهادئة.
وسمعت صوت حماتها العتيدة تقول:
-لورين أين كنت؟ هل هناك شيء يا عزيزتي؟
-لا, لا شيء, لقد احسست بالحرارة و بعض الإرهاق, فذهبت لأتمشى قليلا.
-لقد كانت أمسية متعبة لك يا عزيزتي, تعالي يا لورين إلى غرفتي وسنتمتع بدقيقتين من الهدوء لنشرب قهوتي الشهية المذاق.
فابتسمت لورين و قد عادت لها ثقتها, و أخذت يد حماتها وسمحت لها أن تقودها إلى جناحها الرائع. حيث تناولت معها القهوة بالحليب و قالت لورين وهي تسترخي على المقعد:
-هل لاحظ روجر غيبتي؟
-لقد تساءلنا جميعا أين كنت. ولكن لا تقلقي فقد شاهدنا روجر و نحن ندخل إلى هنا. لقد أشرت له و عرف بأنني سأتركك تستريحين بعض الوقت معي.
وعضت لورين شفتيها لهذا اللطف, وقد شعرت بالملامة على نفسها...
-شكرا لك, لقد تمتعت بهذه الحفلة, و لكنني أتمنى أن تنتهي.
-أعرف تماما ما تشعرين به. لقد مررت بهذا, تذكري.
-نعم, أنا أبدو قليلة الامتنان.
-أبدا, سنحبك, عزيزتي لورين, و أعرف أن روجر لن يندم أبدا على طلبك للزواج.
و عضت لورين شفتها مرة أخرى, وتمنت لو أن قلبها و فكرها لم يكونا بهذا الاضطراب. وأكثر من أي شيء, تمنت لو أنها تعود ساعة إلى الوراء, حتى لا تخرج إلى الحديقة أبدا. وما نفع أفكار كهذه؟ فما حدث قد حدث ولا شيء في الدنيا قادر على تغييره. ونظرت إلى حماتها العتيدة, و شاهدت الابتسامة على شفتيها, و عيناها اللطيفتين المتفهمتين, ولم تتمالك أن تخفض عينيها, و تتساءل ما قد تكون ردة فعل المرأة لو أنها اعترفت اعترافا كاملا, بإخبارها ما حدث في الحديقة المضاءة بنور القمر, و روجر... ماذا ستكون ردة فعله؟ و شعرت لورين أنها خانته, ولا تستأهل المركز الذي ستحصل عليه في هذه العائلة الارستقراطية. هذه العائلة التي تعرف ماضيها المتواضع نسبيا, ومع ذلك لم تظهر أية إشارة للاحتجاج عندما أتى بها روجر إلى المنزل ليقول لهم أنه ينوي أن يجعلها زوجته.
وجاءها سؤال بعد عشر دقائق.
-أتشعرين الآن بتحسن؟
وهزت لورين رأسها الإيجاب, ولكنها كانت لا تزال تفكر بدون رامون, و تتساءل عما إذا كان سيضايقها مرة أخرى, و أقبل خطيبها إليها حالما دخلت غرفة الرقص, وكان على وجهه مسحة قلق:
-هل أنت بخير يا حبيبتي؟
وفجأة أحست لورين أنها لا تريد شيئا أكثر من أن تكون بين ذراعيه و أن تشعر بالراحة بإلقاء رأسها على صدره.
-نعم... ولكن هل تمانع في أن نجلس في مكان هادئ؟
-أي شيء تريدينه يا حبي.
و ذهبا إلى أحد الزوايا و جلسا ممسكين بأيدي بعضهما بصمت ومع ذلك كان في داخل لورين نوع من الخوف, و عكست عيناه الجميلتين قلقها.
وهمست:
-أحبك يا روجر.
وامم العنف في لهجتها التفت إليها فجأة لينظر إلى وجهها متسائلا:
-ولكنني أعرف هذا يا أعز الناس.
-ومع ذلك ألا تريد سماعها تكرارا؟
وكان في صوتها رجاء و تعلق. و أجابها روجر:
-طبعا حبيبتي.. إنها كالموسيقى في أذني.
و تنهدت وكافحت بعنف لتطرد صورة الإسباني من ذهنها. وقال روجر أخيرا:
-أظن يا حبيبتي, إنه يجب علينا أن نعود إلى ضيوفنا.
وهزت رأسها الإيجاب, وبعد قليل كانا يرقصان. روجر مع احدى صديقاته السابقات ولورين مع أدوين. وقال لها أدوين:
-تبدين شاحبة و تعبة.
-أنت تعرف بالتأكيد أنه لا يجب أن تقول لامرأة أنها تعبة؟
فضحك و قال:
-أنا كتلة من الصدق, لورين.
-أنا أعزك لهذا. ألم تكن حفلة رائعة؟
-بل في منتهى الروعة, أنا وفيليس لن نحصل على حفلة مثلها أبدا.
-وهل هذا يهم حقيقة؟
-لا , من المفترض أن لا يكون.
وأجبرتها قوة ما أن تتبع اتجاه عينيه, فوجدت نفسها تنظر إلى دون رامون, كان يقف في نهاية القاعة يتحدث إلى فيليس فقالت:
-إنه صديق بول, او بالأحرى شريك عمل. إنه من الأندلس.
-أرض عبدة الأصنام, هذا ما كانوا يدعونها. تلك المنطقة الواسعة المتوحشة من إسبانيا. لقد كانت قديما معقلا للمسلمين. هل تعلمين أي قسم منها يسكن؟

seba queen
07-17-2011, 02:33 AM
-أيبيريا. . . لديه هناك كروم عنب, و لكنه يعمل بالنجارة أيضا.
-أستطيع أن أقول أنه ثري للطريقة التي يحمل بها نفسه. فتخمة المال وحدها تعطي المرء تلك الثقة بالنفس و الجو من التفوق.
-إنه صناعي مليونير.
وتعمدت أن تنظر بعيدا عندما رأت دون رامون يدير رأسه باتجاهها. واجتذبها أدوين ليتجنب راقصين كانا سيصطدمان بهما وهو يقول:
-الشيطان المحظوظ!
وتطلعت إليه بدهشة, ولم يكن لديها شك هذه المرة حول الاستياء الذي غمر صوته. فهل كان أدوين يحسد من لديه الممتلكات الدنيوية الأكثر منه؟ وشعرت لورين بالقلق الغامض وخيبة الأمل هذه الفكرة.
وتوقفت الموسيقى, وقاد أدوين رفيقته إلى حافة حلبة الرقص واعتذر منها منصرفا لتبقى وحدها, ولكن لا لمدة طويلة.
-إذا... ها نحن معا مرة أخرى.
قال الإسباني هذا بلطف و اخذها بين ذراعيه في اللحظة التي فتحت فمها لترقص دعوته إلى الرقص.
-لورين... يا جميلتي...
-أنا لست جميلتك!
وقررت أن تتبنى تصرفا باردا معه منذ البداية.
-أنت تتحدث بأسخف طريقة, سنيور.
ونظر إليها, وتساءلت عما إذا كان يقرأ ما كان يجول في خاطرها.
-في هذه الحالة لنغير الموضوع, سنتحدث عن شقيقتك!
-شقيقتي ؟ لماذا؟
-لأنني أظن انك يجب ان تعرفي أنها تشعر بالحسد منك.
واتسعت عينا لورين واتقدتا بالنار:
-كيف تجرؤ على قول شيء كهذا؟ إنه ليس فقط أمر مناف للعقل بل افتراء أيضا!
-إنها الحقيقة, سنيوريتا.
واتجه بها الدون إلى منتصف الحلبة, وكان رقصه رائعا. وعلى الرغم من انشغال لورين بما قاله, لم تستطع أن تتجاهل تحديقات العديد من الضيوف بينما كانت هي ودون رامون, و خطواتهما في توافق تام, يبرزان بطريقة رائعة عن كل الراقصين, ولكن الدون لم يكن يلاحظ الاهتمام الذي أثاره.
-إنها ليست الحقيقة.
-من الطبيعي إن إخلاصك يمنعك من تقبل الحقيقة.
كان يقول هذا وهو يقودها بحركات مقصودة نحو الخارج.
-لن أذهب إلى الخارج, إذا كنت ستراقصني فأفعل, ولكن عندما تتوقف الموسيقى يجب أن أعود لخطيبي.
وضحك ضحكة خفيفة, ولكن دون مرح:
-يجب ان أتحدث معك سنيوريتا. سنجلس هناك على الشرفة, وبما أن هناك انس حولنا فأنت آمنة.
وادركت انها لا تستطيع الرفض دون إثارة ضجة, لأن الدون كان قد أمسك بذراعها بشدة و قادها فعلا إلى الخارج. وجلست بغضب, متمنية مرة أخرى أن تنتهي هذه الامسية. ولكن هل ستشعر كما شعرت اول مرة مرة أخرى؟ لقد فعل بها هذا الرجل شيئا سيترك تأثيرا على أفكارها للأبد. وشعرت بالثقة, بأنها سترى وجهه بطريقة منتظمة عبر السنين عندما تتزوج و حتى عندما يصبح عندها عائلتها الصغيرة تنمو من حولها. وقالت له وهي تدفع بالهدوء إلى صوتها مع أنها كانت بعيدة عن الشعور بالهدوء:
-ماذا هناك سنيور؟
-إنها شقيقتك...
-دعنا لا نتحدث عن فيليس.
-تصرفك معي لا يليق بسيدة. أجد طباعك مؤسفة ولمعلوماتك أقول إن هذه الطباع لا يمكن التسامح بها لدى سيدة في بلادي.
وتغير لونها قليلا, ونظرت باتجاه مارلين, إحدى شقيقات روجر, التي كانت تتحدث مع زوج أمها. واستلفت انتباهها بسعلة صغيرة.
-لا أظن أنك تستطيع مقارنة نساء بلادي بنساء بلادك, سنيور. لقد سمعت أنهن خاضعات لما يدعى تفوق الرجال.
-ما يدعى؟
-أنت واقع دون شك تحت تأثير رأي يقول انك متفوق.
لقد وجدت نفسها في وضع متردد, فهي تريد من ناحية اختصار الحوار فورا, و لكن من ناحية أخرى كانت تميل إلى توبيخ الإسباني.
-هل نعود غلى مسألة شقيقتك؟ أنا أحذرك سنيوريتا, لأنني اشعر أنه من المهم أن تعلمي. فشقيقتك تكن لك كل الأفكار الغيورة السيئة, لأنك ستصبحين زوجة رجل ثري, وهي لا تأمل أبدا أن تكون متساوية معك في المركز, وهي تطيل التفكر بأنك وهي ستتحركان في اتجاهين مختلفين تماما من أجواء المجتمع, لذلك....
وقاطعته لورين:
-دون رامون, لا أستطيع السماح لك بمتابعة الحديث. لقد قلت ما رغبت به فهل نستطيع الآن العودة إلى قاعة الرقص؟
-يجب أن تحذري.
-لقد كنا دوما أفضل صديقتين. لا أستطيع التفكير بما اوحى لك بهذه الفكرة, و لكنها فكرة خاطئة حتما, فهي ليست بهذه الطباع. لا أحب أبدا أن يكون لديك هذا الانطباع حول شقيقتي, لقد كنا مقربتين جدا على الدوام ولم تحسد إحدانا الأخرى أبدا. كنا نساعد بعضنا, و نتمشى مع بعضنا... لا يجب أبدا أن تفكر بمثل هذه الأشياء حول فيليس.
ونظر إليها مباشرة و عيناه لا تزالان قاسيتان.
-لدي موهبة بقراءة الشخصيات. قد تكون أختك كل ما ذكرتي, حتى مؤخرا, ولكن الآن....
وصمت بينما ظهرت فيليس تسير تحت الشرفة تماما مع أدوين ثم تابع بعد أن ابتعدا.
-نعم حتى مؤخرا, ولكن فكرة أن تصبحي ثرية ولك لقب, فهذا ما تغار شقيقتك منه. احذري لورين! هل تسمعين؟
كان كمن يتحدث لأخته, أو حتى لزوجته, ولكن بالتأكيد ليس لغريبة تماما عنه. فقالت له ببرود:
-أجد أن تصرفاتك صحيحة جدا, وليس لدي النية بأن آخذ منك الأوامر, سنيور, و خاصة هذا النوع من الأوامر!
-أنا لا أعطيك أوامر, نصائح فقط, و نصائح جيدة.
-لا تلزمني.
-ستشعرين بالندم على عدم الاصغاء لي سنيوريتا.
-أنا أعرف شقيقتي وأنت لا تعرفها.
-لقد قابلتها و تحدثت إليها هذا المساء.
-وهل هذه مدة كافية لتكون رأيا عنها؟
-بل هو وقت كاف...
وهزت كتفيها و نهضت من مقعدها. وقالت:
-لنرجع إلى الداخل.
-لا يا لورين... دعينا نسير في الحديقة مرة أخرى, يجب أن أتحدث إليك...
-لقد تحدثت معك للتو... حول شيء امتعضت منه.
-هذا شيء مختلف.. لقد وجدت حبي.. ويجب أن أكلمك حول ما في أفكاري.
وشعرت بقلبها يميل بين ضلوعها, ورغبة بأن تستدير و تهرب... ولكن كل ما فعلته أن وقفت هناك. منتظرة أن تسمع ما لا تعرفه. كانت تلاحظ عيون الناس على الطاولات القريبة. عيون كانت تنتقل بريبة من وجهها إلى وجه ذلك الرجل الواقف أمامها.
-سنيور.
-نعم.
-أنا... نحن...
-تعالي لنذهب من هنا.
و تكلم بنعومة, و علمت أنه يرغب في أن يمد يده لياخذ يدها, ولكنه امتنع, وبعد لحظة من التردد هزت رأسها بالقبول واستدارا و تركا الشرفة. كان هذا جنونا, ونظرت إلى الخلف و كأنما تريد أن تهرب منه. وقالت له عندما أصبحا بعيدين عن المنزل:
-دون رامون, هذا كله خطأ.
-إنه مخيف لك قليلا, ولكن لا تقلقي, عندما تسمعين ما أقوله لك ستشعرين بالراحة.
ولم تقل شيئا, ومع ذلك ذهبت معه دون اعتراض عندما أخذها إلى أعتم مكان في الحديقة. ولم يكن يصل إلى اسماعهما هناك صوت, لأن المسافة تبعد عن المنزل كثيرا بحيث أصوات الأوركسترا لم تعد تسمع وقالت لنفسها مرة أخرى إن هذا جنون, و إنها خلال ساعة ستندم على ضعفها, ولكنها لم تقم بأية حركة عندما جذبها بلطف إليه و احتضنها.
-هذا... غلط! إنه أكثر من غلط, إنه تصرف شرير!

seba queen
07-17-2011, 02:34 AM
-إنه القدر, و ليس مقدرا لك أن تتزوجي روجر...
-سأتزوجه! آه.. لماذا أتيت هنا الليلة, وبما أنك أتيت لماذا كان عليك اختياري أنا من بين كل النساء الموجودات؟ شقيقتي...
-هل تظنين أنني قد أختار شقيقتك, لو لم أختارك؟
ولم تجب, لم يكن لديها الرغبة للتكلم بالمرة, لأنها شعرت فجأة بأنها قد استنزفت, وتمنت لو أنها في البيت ترقد بسلام على الفراش. وهذا الرجل؟ تمنت لو أنه يرجع إلى بلاده بحيث لا يعود قادرا على فرض سلطته عليها, و حيث ينساها. وكمن قرأ افكارها لأنه قال دون إنذار:
-ستبقين في افكاري إلى الأبد يا لورين, لم أقابل امرأة من قبل رغبت فيها بهذه الطريقة التي أرغب بك. و أنا عادة أحصل على ما أريد. نعم أحصل على ما أريد.
-لن تحصل علي. . فأنا أنوي أن أتزوج روجر..
-بعد كل الذي حصل؟ لن تتزوجيه أبدا, لورين, أبدا!
ونظرت إليه بسرعة و صدمت بشيء غير عادي في طباعه.
-لقد قلت منذ لحظات أنني عندما أسمع ما ستقول سيرتاح بالي؟
وهز دون رامون رأسه بالإيجاب.
-لقد قلت, عندما تكلمنا سابقا, إن من دواعي أسفي أننا لم نلتق من قبل. ومن سوء الحظ أن يكون اللقاء الآن, عندما تحتفلين بخطوبتك لرجل آخر, على كل, لم يفت الوقت بعد لحسن الحظ. تستطيعين أن تقولي لهذا الرجل الذي ارتبطت به أنك قابلت رجلا آخر وبهذا تنفسخ الخطوبة.
وتطلعت إلى قسماته اللاتينية و قررت أنه من الأسهل عليها أن تتركه يقول ما يريد, على الرغم من أنها مصممة على عدم الإصغاء ولكنها كانت غير مستعدة أبدا لعرض آخر بالزواج, لم تكن حتى تتوقعه, خاصة في ضوء ما قيل عنه أنه غير مهتم بالدخول في شراكة دائمة مع امرأة. وعاد إلى الحديث:
-حاليا أستطيع أن أمنحك أكثر بكثير من روجر, إضافة إلى أنني أعرض عليك ما لم أعرضه على امرأة من قبل ...الزواج...
-الزواج...الزواج...!
-لقد سمعت جيدا سنيوريتا, أستطيع فهم دهشتك, خاصة في ضوء هذا العرض الذي قدمته. ولكن, خلال الساعتين الماضيتين, كنت أراقبك طوال الوقت وتملكني شعور بأنني لا أستطيع العيش دونك, أريدك زوجة لي, لورين.
وتطلعت إليه دون أن تنبس بكلمة, محاولة استيعاب الواقع الذي لا يصدق بأنه يريدها زوجة له.
زوجته... و بينما كان مجرى تفكيرها يصبح أكثر وضوحا وجدت نفسها تتجاوب معه, ومع قوة ذراعيه من حولها, فأعلنت الاستسلام. استسلام جعلها في مملكة الخيال التي لم تعرفها أبدا مع روجر.
زوجته.. إنها لحظة حاسمة, مليئة بمشاعر الخيال! دون رامون ادوارد دوكابريرا أي مولينا يطلب منها أن تصبح زوجته! هل من الممكن هذا؟
و بقيت لفترة طويلة صامتة, و أفكارها مضطربة, بينما كانت تفكر اولا بروجر بدون رامون. ماذا عليها أن تفعل؟ يجب أن تقاوم, و أن تفعل ما هو صواب. فهذا الرجل هو غريب عنها, ولا تعلم شيئا عنه بالمرة...
و قاطع أفكارها عندما بدأ يتحدث ثانية, ليقول مرة ثانية إنه يعرض عليها ما لم يعرضه على امرأة من قبل. (( يجب أن تشعري بالشرف الكبير لأنني أعرض عليك الزواج, و تعجبت من التغيير في لهجته, ومن غرور الرجل فيه! كما عجبت تماما من التصريح الجاف و الرسمي بأن عليها أن تشعر بالشرف لعرضه هذا كم هو مخلوق متغطرس! حسنا, لقد نجح في إزالة ترددها, ولهذا الأمر شعرت بالامتنان له. وقبل أن يكون لها فرصة للكلام تحدث قائلا بنفس اللهجة الهادئة الدمثة (( كان مقدرا لنا أن نلتقي, وأن نتزوج, لورين. لذا هل ستستمرين في مقاومة رغباتك الطبيعية, و هل ستنكرين بعناد ما دبره القدر لك. ستندمين ما تبقى من حياتك إذا فعلتي. فذكرى ما ستتخلين عنه ستبقى, كبقايا الحريق في فمك)).
وتطلعت لورين إلى عينيه السوداوين, ومرت رعشة في كل جسدها. هل نبوءاته صحيحة؟ وهل سياتي عليها يوم تندم فيه على القرار الذي ستأخذه الآن وقالت لنفسها إنه على خطأ, و أنها يجب أن تعيش حياتها كما خططت قبل أن يدخل حياتها ليمزقها. ولكن كيف ستقول له هذا؟ و قررت أن تخفف الصدمة عليه, على الرغم من أنها تعرف أن لا سبب يدفعها إلى ذلك. فمن المؤكد أنه لا يستحق أي مراعاة لشعوره, بل على العكس, فقد يفيده أن يعاني بعض الإذلال. فقد يخفف هذا من عليائه, ومع ذلك فقد مالت إلى تخفيف الصدمة عليه.
-تبدو جادا, سنيور, و لكن بالطبع من المستحيل أن تكون. إذا لم يكن هناك شيء آخر لتقوله, ألا تظن أننا يجب أن نعود إلى المنزل؟
-سنيوريتا, أنا جاد.
-لا, لا يمكن أن تكون . دعنا نعود, و أعدك أن لا أقول شيئا عن هذا لخطيبي, هذا إذا وعدتني أن لا تعاكسني مرة أخرى أبدا.
وأملت أن يبدو صوتها هادئا ولطيفا. لقد كانت تريد أن تؤثر عليه فذكرت أنها لم تعتبر عرضه أكثر من مزحة. على كل لم يكن رده سوى ضحكة ناعمة... ضحكة واثقة! وقفت لورين دون ثبات , وهي مدركة تماما قربه منه, و أنها إذا حاولت أن تتحرك سوف يظهر تفوقه ويجبرها على أن تبقى حيث هي. و لكن دون رامون تحرك, و ظنت أنه استجاب لطلبها و بدأت تتمشى إلى جانبه عندما استدار ليغادر المكان. ثم توقفت, و استطاعت عندها أن تشاهد وجهه في ضوء القمر, و شعرت أن مشاعره قد اختلطت, إذ بينما هو واثق من أنها في النهاية ستقبل عرضه, كان من ناحية أخرى غير واثق منها. وقال لها أخيرا:
-انت لم تردي علي, سنيوريتا, لقد أكدت لك إخلاصي, و أريدك زوجة لي. سنتزوج خلال الأسبوع...
-أرجوك ... أنت تتكلم بالهراء سنيور.
-غير صحيح.
-أنا مخطوبة لروجر, و أنوي الزواج منه. لماذا, أنا حتى لا أعرفك! ما نوع الرجال أنت, حتى تعتبر أن الأمر مفروغ منه لأن أفسخ خطوبتي مع رجل أحبه, وأهرب مع غريب, أجنبي التقيته لتوي؟ تقول إنك تفرض علي الزواج. ولكنني لا اصدقك. وحتى لو صدقتك, فلن أتزوج رجلا مثلك أبدا!
-هذه إهانة, سنيوريتا!
-لقد تسببت بها, سنيور.
-هل هذه كلمتك النهائية؟ ستتحدين الوقائع و تتزوجين ذلك الرجل الذي لا تحبينه؟
-أنا أحبه. لا يبدو عليك أنك قادر على تقبل هذا الواقع.
-لا أتقبله, و أنت تعرفين بنفسك أنك لا تحبينه!
-أنوي الزواج منه.
-هب هذه كلمتك الأخيرة؟
وعندها هزت رأسها بالإيجاب, لم يتردد لحظة وتقدم نحوها و جذبها نحو صدرها في عناق وحشي. و قاومته لورين بقوة, وقبضتاها الصغيرتان تضربان صدره. و صرخت عندما أفلتها أـخيرا:
-أتركني! أوه.. أيها المخلوق المقرف! سأخبر روجر بهذا قطعا..
-أشك في هذا, فأنا عادة آخذ ما أريد, سنيوريتا!

seba queen
07-17-2011, 02:35 AM
و عندما أفلتها, وقف يراقبها تخرج منديلا لتفرك فمها بقوة. كان يبدو و كأنه طيف من الماضي, هذا الرجل من الأندلس تلك البلاد التي احتضن سكانها شيئا ما من كل أمة ناجحة غزتهم. وتذكرت لورين أن تلك البلاد غزاها الوثنيون ثم المسيحيون و الآخرون, و العديد من اللغات تداخلت في الأندلس و أن هناك العديد من الفروقات ما بين هؤلاء الناس في الجنوب و الإسبانيين العاديين في الأجزاء الأخرى من البلاد. وقال لها:
-تقولين إنك لا تعرفيني. و لكن الوقت لا معنى له عندما يتدخل القدر في حياتنا. وها قد التقينا, و إذا تجاهلت ما خططه القدر لك, فيجب أن تكوني مستعدة لتقبل النتائج, فهل أنت مستعدة؟
وشعرت بأن اللون قد غادر وجهها, و لكنها تماسكت بالقوة التي ساعدتها على اتخاذ قرارها.
-أنا مستعدة, سنيور.
-إذا فلتكن النتائج على رأسك.
و ألقى عليها تحية المساء بجفاء و غادرها إلى داخل الحديقة. استندت إلى شجرة, تراقب طيفه الطويل إلى أن توارى عن الأنظار.
-شكرا لله لقد ذهب!
وشقت طريقها عائدة إلى المنزل, و إلى خطيبها الذي كان ينتظرها على الشرفة.

seba queen
07-17-2011, 02:36 AM
الفصل الثالث: الاختطاف


وصلت لورين كالعادة من عملها عند الخامسة و النصف بعد الظهر, و كان والدها يصل قبلها بربع ساعة, و شقيقتها بعدها بربع ساعة, و لخمس سنوات من الآن كان الثلاثة لوحدهم, فقد توفيت الوالدة بعد أيام قليلة من عيدها الخمسين. وبادرها والدها بالقول:
-لقد وضعت اللحم على المشواة, ولكن تبقى هناك الخضار.
-نعم, سأحضر الخضار.
كانت لورين منزعجة من تغير تصرف والدها نحوها, لأنهم كانوا حتى مؤخرا سعداء معا, عائلة متماسكة على الرغم من تفضيله لشقيقتها فيليس. و بعد ثلاثة أرباع الساعة قال الوالد:
-لقد تأخرت فيليس, ماذا حدث لها؟
-إنها الباصات, عندما كنت عائدة إلى البيت كانت مزدحمة و لكن عندما تغادر فيليس عملها تكون الحال أسوأ.
-ستغادرينا قريبا, لورين, مسكينة فيليس ستضطر إلى المضي في العمل حتى بعد أن تتزوج.
واستدارت لورين لتذهب إلى المطبخ لتلقي نظرة على الخضار التي كانت تغلي على الطباخ الكهربائي. و تمنت لو أن فيليس تحصل في يوم ما على حياة أسهل بطريقة ما كما هي الحال لها. و تمتمت لنفسها وهي تضع وعاء الطبخ على الصينية لتحملها إلى غرفة الطعام.
-أشعر بعقدة الذنب, ليس من سبب لأشعر هكذا, و لكنني أشعر به.
ستصبح ذات لقب, و ستختلط بأشخاص مثل زوجها و عائلته واصدقائه. فيليس و ادوين, من الناحية الثانية, سيكونان محظوظان إذا استطاعا دفع عربون منزل يماثل الذي تعيشان به الآن, لقد اشترى روجر منزلا جميلا يقع ضمن حديقة مساحتها سبعة عشر فدانا من الحقول و الأشجار, وتجري ساقية على طول حدود أرضه, ويمكن رؤية تلال ولش الجميلة من الجانبين. و دخل والدها إلى المطبخ, وقد بدا القلق على وجهه وقال:
-أين يمكن أن تكون فيليس ذهبت؟ لم تعتد التأخر هكذا!
و نظرت لورين إلى ساعتها ووافقت معه, وقالت إنها ستتصل بصديقة فيليس مريام أولدهام التي تسكن على بعد بضع دقائق سيرا منهما.
-ربما تكون قد ذهبت لزيارتها أثناء عودتها إلى المنزل.
-لا تزور أحدا أثناء عودتها, عادة. سيحضر أدوين إلى هنا بعد نصف ساعة وهي تعرف أنه لا يحب أن ينتظرها لتحضر نفسها, فهما ذاهبان إلى السينما.
-أعلم ذلك, ولكنني سأتصل بها على كل حال يا والدي, حتى أتأكد.
ولم تكن مريام قد شاهدت فيليس منذ الليلة الماضية وقالت:
-أراهن أنها عالقة في عجقة السير. فازدحام الباصات مريع في هذا الوقت من النهار.
وقال والدها وهو يذرع الغرفة, وعيناه تتطلعان إلى الساعة على الحائط تكرارا:
-كنت أعرف أنها ليست عند مريام, ربما حصل لها شيء!
-لم يمض ساعة على تأخرها...
ساعة. لقد تأخرت فعلا, ولم تعد لورين تتقبل فكرة أن ازدحام السير هو الذي يؤخرها. وحدق بها قائلا:
-ساعة! لقد حصل لها حادث ما , لورين! ألا ترين أنه قد حصل لها حادث!
و كأنما تأخير فيليس كان مسؤوليتها, و أصبح مشغول البال. و أصابها الرعب عندما رأته يضع يده على قلبه.
-هل بك شيء يا أبي؟
وعاودتها الذكرى, عن كيفية حدوث نوبة قلبية لأمها و كيف توفيت بعد ساعة من إدخالها إلى المستشفى.
-صحتي ليست على ما يرام. لم أكن كما يجب. منذ أسابيع.
-ولماذا لم تقل لنا؟ حبيبي, يجب أن ترى طبيبا. لن أذهب إلى عملي غدا و ...
-لا تهتمي بي الآن لورين. ماذا سنفعل بخصوص فيليس؟
-لا أعرف ما أقول. هل اتصل بالمستشفى؟
-أجل لورين افعلي هذا.
و بعد خمس دقائق قالت:
-لا شيء, لم تدخل أية شابة إلى المستشفى اليوم.
وعندما انتهت من الحديث, رن جرس الهاتف, وركضت من المطبخ إلى الردهة وهي تقول:
-سأرد عليه أنا, إنها بالتأكيد فيليس.
وكان المتصل روجر.
-لورين, أهذه أنت حبيبتي؟
-روجر, لم أكن أتوقع اتصالا منك. كم رائع أن أسمع صوتك....
-و أنا أشعر بالراحة لسماع صوتك, لقد اتصل مجنون بي للتو ليقول أنك مخطوفة و يجب أن أدفع عشرين ألف جنيه لإطلاقك.
وساد الصمت, فقد خفق قلب لورين بعدم الارتياح قبل أن ينهي خطيبها حديثه, و شعرت باللون وقد غادر وجهها وهي تقول:
-فيليس لم تعد إلى البيت.
ولم تعد قادرة على قول المزيد, لأنها شعرت بشيء رهيب يسد حنجرتها.
-لم تعد إلى البيت؟ هل تأخرت كثيرا؟
-كان يجب أن تكون هنا السادسة إلا ربع و الساعة الآن السابعة و الربع.
وبدا صوته مضطربا, و لكن دون إفراط وهو يقول:
-لا أعرف ما أقول, يا حبيبتي, كان يجب أن تحضر إلى البيت رأسا. لا تقلقي لورين...
-ولكن نظرا لما قلته للتو, روجر, يبدو أن هناك بعض الحقيقة فيما قاله ذلك الرجل لك. فأنا و فيليس نتشابه, ومن الممكن أن تكون قد اختطفت بدلا مني.
-لقد نشرت صورنا في الصحف كثيرا مؤخرا. و ربما اعتقد شخص ما أنه قادر على الحصول على عشرين ألف جنيه بسهولة.
ومنعها صوت أبيها وهو يصيح من إجابة خطيبها:
-لورين ماذا هناك؟
والتفتت إليه, وهي تبحث يائسة عن كلمات لا تسبب له الانفعال:
-إنه روجر.
-إنه لا يتصل في مثل هذا الوقت عادة.
وعاد روجر إلى الكلام و أعطته لورين انتباهها الكامل.
-يجب أن تتصلي بالبوليس فورا, لورين.
-نعم... نعم... سأفعل.
ودون أن تودعه أقفلت السماعة. هذا ليس صحيحا, قالت لنفسها تكرارا, و كانت تلاحظ دقات قلبها السريعة, وإن كل أعصابها تنهار. لا, لا يمكن أن يكون هذا صحيحا! هذاما يحدث للآخرين, و ليس لنا, وصرخ بها والدها:
-لورين لقد أصبحت بيضاء كالأموات, تكلمي يا فتاة, ماذا عرفت لتوك؟
والتفتت إليه, ولكن قبل أن تتكلم دق جرس الباب. فقالت (( أدوين)) وركضت تفتح الباب. واندفعت الكلمات منها, دون انتظام, مما جعل اللون يهرب من وجه أبيها الواقف قربها وهي تتكلم مع أدوين:
-لقد خطفوا فيليس...
ونظر إليها و أصبحت عيناه فجأة قاسيتان.
-بدلا منك... لقد اختطفوا فتاة أخرى خطأ!
و ابتلعت ريقها وهزت رأسها بالإيجاب.
-ولكن هل أنت متأكدة؟
ولكن لاستغرابها, لم يكن تعبير أدوين مضطربا كما توقعت أن يكون. وأضاف:
-على كل, لم تتأخر سوى لساعة و نصف, ربما تكون قد تأخرت في المكتب..
وقاطعه السيد واربي و عيناه لا تزالان مركزتان على وجه لورين الأبيض:
-المكتب يغلق عند الساعة الخامسة. ولو لم تظهري إلى العلن فجأة , لما حدث هذا!
وقطب أدوين جبينه واحتج على كلامه:
-هذه ليست طريقة مناسبة تتحدثها مع لورين, فهذه ليست غلطتها.
-بشكل غير مباشر نعم...
وقاطعتهما لورين.
-سأتصل بالبوليس, هذا أهم شيء الآن.
وقطب أدوين بشدة.
-البوليس... هل هذا من الحكمة, لورين؟ أنا خائف.... خائف جدا على سلامة فيليس. لا أظن أنه يجب الاتصال بالبوليس.
وحدق السيد واربي به وقال غاضبا:
-إذا ماذا نفعل؟ لورين اتصلي بالبوليس!
-أجل...

الشغاف
07-17-2011, 02:52 AM
ياخطيييييييييييييره
احلى رواااية
ياتيته
انا انطرج

seba queen
07-17-2011, 07:05 PM
وصمتت وهي تحدق بذهول بقطعة من الورق مرمية على السجادة خلف أدوين الواقف وظهره إلى الباب بحيث أنه لم يرها.
-ر... رسالة.
والتفت أدوين و التقط الورقة. واختطفها السيد واربي من يده, الذي تغير وجهه إلى رمادي مريض بينما كان يقرأ عاليا ما كتب فيها.
(( إذا كان لحياة ابنتك أهمية لديك فابتعد عن البوليس. هي تصر أنها ليست لورين. و لكننا لا نصدقها. إنها خدعة لن تنجح. المطلوب دفع عشرين ألف جنيه لعودتها سالمة. وسوف يدفع خطيبها المبلغ)).
وتوقف السيد واربي وقال إن التعليمات لتسليم المبلغ مكتوبة في أسفل الرسالة. و أخذتها لورين منه ويداها ترتجفان, و أعادت قراءتها لنفسها, و هي تنظر إلى وجهه أبيها المرهق, ثم قالت لتهدئته و باقتناع تام.
-لا تقلق يا حبيبي, روجر سيدفع.
-هل أنت متأكدة؟
-طبعا, كان سيفعل هذا من أجلي, و أنا متأكدة أنه سيدفع من أجل فيليس, سأتصل بع فورا.
-واتصلت به, ولكن لدهشتها, نصحها روجر مرة أخرى أن تتصل بالبوليس.
-ولكن... روجر..
-لا تتأخري أكثر, سأتصل بك بعد نصف ساعة, لأعرف ما حدث.
-أنا...
وتوقفت, وتحدث روجر ثانية, و لكنها فشلت في سماع ما قاله, لقد كانت مستغرقة في أفكارها, وقد أصابتها خيبة أمل عميقة من رد فعله لما حدث. وسألها:
-هل لا تزالين معي؟
-نعم روجر, لا زلت معك.
وقطبت جبينها. لماذا ؟ وهي في هذه اللحظة الحرجة بالذات, قفز وجه الإسباني لذهنها فجأة؟ و عندما لم تسمع صوت روجر رددت:
-نعم ... لا زلت معك. أبي في حالة سيئة جدا روجر, و أنا ..أنا لا أعرف ماذا أفعل.
و أدرك روجر بوضوح ما تشعر بالضبط, لأنه أخفض لهجته برقة عندما عاد إلى التحدث.
-حبيبتي... اتصلي بالبوليس.. فورا. أم تفضلين أن أتصل أنا؟
-أدوين ينصح بأن لا نتصل بهم, و أبلغتك الآن عما تقوله رسالتهم أوه.. روجر أنت تعرف ماذا يحدث عندما يتصل الناس في مثل موقفنا بالبوليس. الضحية ...تقـ.. تقتل..
وتوقفت, و لأن أعصابها بلغت حد التوتر. لم تستطع أن تسيطر عليهم أكثر فانفجرت بالبكاء. وتابعت:
-أنا في حيرة من أمري روجر! أرجوك حبيبي تعال إلى هنا, سأشعر أنني أفضل لو كنت هنا, لأنني أعرف أنك ستفهمنا ماذا نفعل!
-يجب أن تتصلي بالبوليس, و دون تأخير يا لورين, مهما قالت الرسالة.
و التفتت ورأت وجه أبيها الرمادي, و الطريقة التي بدت فيها عيناه غائرتان. وفكرت بروجر و الحديث الذي تبادلاه. و فكرت بفيليس المصدومة المرعوبة, و الموجودة الآن في مكان ما. فجأة بدا عالمها الوردي و قد انهار, وفي أعماق نفسها اقتنعت أن حياتها لن تعود كما كانت, و أن لا شفاء حقيقي من الكارثة التي حلت عليها.
و قطع صوت أبيها حبل أفكارها, و أعطته اهتمامها فورا, وقد لاحظت أن ادوين واقف هناك ولا يبدو أنه يفعل شيئا بالمرة, و لا حتى يفكر بالطريقة الصحيحة التي يجب أن يتصرف بها.
-لورين, روجر لم يعرض دفع المبلغ, أليس كذلك؟
-لا يا أبي لم يفعل.
و تكلم ادوين وقد أصبح وجهه فجأة مشدودا:
-لم يفعل, إذا كيف سنسترد فيليس؟
شيء ما في لهجته جعل لورين تحدق به, وبينما هي تحدق مرت رعدة غريبة غير متوقعة في جسدها. فقد أدركت أن ما لفت نظرها في لهجته لم يكن شيئا (( تحتويه)) بل شيئا ((ناقصا)) فيها.
وبطريقة ما كان لدى لورين انطباع أنه لم يكن مضطرب تماما كما يجب أن يكون في مثل هذه الظروف.
وردد السيد واربي.
-أجل... كيف سنسترد فيليس؟
وهزت لورين رأسها دون أن تقول كلمة. فقد افترضت لو أن روجر كان سيدفع فدية لها, فقد يدفع أيضا فدية لاسترجاع فيليس من أجل راحة بالها. وعلمت الآن أن العرض الفوري للمال لم يكن متوقعا من خطيبها. فهو يطلب بعص الوقت, و يطلب أيضا أن يقتنع أن فيليس قد خطفت فعلا.
-قد تعود في اية لحظة.
قالت هذا كمن يفكر بصوت عال. ولكن ادوين ووالدها كانا يتحدثان معا, ويقولان أن هذا مجرد تفكير مليء بالتمني. وقال والدها:
-يجب أن نتقبل واقع أن فيليس قد خطفت بدلا عنك.
-لقد قالت لهم أو لا... ولكن في أية حال. لن يتركوها دون حصولهم على المال. وهذا واضح.
واستدار والدها بعيدا عنها. و رأته يضع يده مجددا على قلبه. ثم ترنح واستند إلى الحائط في الوقت الذي وصل إليه لورين و ادوين. و احضراه إلى المقعد و أسرعت لورين لتحضر الشراب المنعش له.
-يجب أن أحضر له طبيبا!
صرخت بهذا, بعد أن لاحظت لون عينيه و قد تغير.
-أوه... ادوين. هذا أفظع شيء ممكن أن يحدث.
وانسابت دموعها على وجهها بينما كانت تسرع إلى الردهة, لتتصل بالطبيب. وأتى الطبيب فورا, و أعلمها أن السيد واربي قد أصيب بنوبة قلبية.
-ولكنه لم يكن يشكو من قلبه.
وقاطعها الطبيب ليعلمها أن والدها كان يزوره طوال السنة الماضية و بأنه كان يتناول دواء بانتظام منذ زيارته الأولى.
-هكذا إذا...
و نظرت إلى ادوين تسترشد به. وقطب جبينه وهز رأسه. و قطبت هي أيضا, ولم تقرر حتى في هذه اللحظة الحرجة أن تثق بالطيب. و تركته يذهب, و لكن بعد أن أقفل الباب خلفه فورا استدارت إلى ادوين لتسأله عن السبب لعدم رغبته بإخبار الطبيب عن السر.
-كلما كان الأشخاص العارفون بالسر قلائل, كان ذلك أفضل. ولا يجب أن نثير غضب مثل هؤلاء الأشخاص, فهم عادة قساة.
-لا حاجة لإخباري. أوه.. ادوين ماذا يجب أن نفعل الآن؟
وتوجهت نحو غرفة الجلوس حيث يرقد والدها. كان لونه رمادي أكثر من قبل, وهو يجاهد ليتنفس. ولكن الطبيب أكد لها أنه سيكون على ما يرام بعد فترة قصيرة, ومع ذلك يجب أن تحضر نفسها لنوبة أخرى. فقد قال لها وهو يغادر المنزل:
-لو تلقى أي نوع من الصدمة ستكون القاضية.
وقالت بعد أن رأت والدها يسترد أنفاسه.
-سأذهب لرؤية... روجر... يجب أن يدفع .. سوف يدفع, أعرف أنني أستطيع اقناعه.
وخرجت لورين, واستقلت باصين بالتتابع قبل أن تصل إلى منزل خطيبها. ولم تتصل به لتبلغه بقدومها. ودقت جرس الباب, و فتح لها الخادم, و انحنى لها مشيرا بالدخول.
-أظن أن السيد روجر لا يتوقع قدومك؟
-لا, أخبره أنني هنا.
ودخلت إلى غرفة الاستقبال, غير مدركة أنها قد ارتكبت خرقا لقواعد التشريفات.
-الأمر ملح... ولكنه يعرف ذلك.
-سأخبره, فورا آنسة واربي.
ودخل روجر بعد أقل من ثلاث دقائق.
-لورين.. عزيزتي...
-روجر حبيبي.. سوف تدفع؟ أرجوك قل أنك ستدفع الفدية!
-حبيبتي.. لا يدفع الإنسان عشرين ألف جنيه هكذا. على كل فيليس ليست خطيبتي.. أنت....
-هل كنت ستدفع من أجلي؟
أرادت أن تعرف, و قال لها فورا (( نعم)) فلن يتردد لحظة ليدفع من أجلها.

seba queen
07-17-2011, 07:08 PM
-في هذه الحالة.. ليس هناك فرق حقيقي, هل هناك؟ لقد خطفوها و كانوا يقصدوني أنا.. لقد ارتكبوا غلطة...
-لورين, يا عزيزتي. إنه ليس نفس الشيء.
-انه نفس الشيء. لقد قصدوني أنا. أوه, روجر يجب أن تتظاهر بأنني أنا المخطوفة! قلت أنك ستدفع دون تردد, وأنا متأكدة دون تأخير...
-بالتأكيد دون تأخير, فلن أتركك تعيشين في رعب...
-فيليس تعيش في رعب!
-أوافق معك, و لكنها ليست خطيبتي.
ونظرت لورين إليه, غير قادرة على فهم المنطق فيما يقوله. فإذا كان راغبا في دفع عشرين ألف جنيه من أجلها, فلماذا لا يدفعه من أجل فيليس, شقيقتها التي لو ماتت في مثل هذه الظروف لوضع موتها اللعنه على حياتها إلى الأبد؟
ونظرت إلى وجهه متوسلة:
-لقد أصيب أبي بنوبة قلبية, أعلم أنكما غير متوافقان, ولهذا لم تحضر الليلة عندنا, ولكن يا روجر انه والدي و أنا أحبه, و لا اريده أن يموت.
وقطب روجر بشدة, وقبل أن يكون له وقت ليتكلم فتح الباب ووقفت والدة روجر هناك, وكان على وجهها نظرة متحيرة. وابتعد روجر و لورين عن بعضهما وسألها روجر إذا كان يستطيع إخبار والدته بما حصل. وقبل أن تجيبه قالت والدته:
-هناك شيء حصل, هذا واضح... ماذا حدث؟
وخطت إلى الداخل و أغلقت الباب وراءها.
-هل حدث شيء ما في البيت؟
وهزت لورين رأسها بالإيجاب و نظرت إلى روجر, وكأنها تطلب الإذن بالكلام. وحدث والدته بما حصل تماما. و كانت تعبيراتها تتغير لعدة مرات و لكنها لم تقاطعه. و تكلمت عندما أنهى كلامه:
-هل تتوقعين من روجر أن يدفع عشرين ألف جنيه؟ يا عزيزتي هل هذا معقول؟
ووقفت لورين تنظر إليهما, و هزت رأسها بذهول وهي غير قادرة على تركيز ذهنها, غير قادرة على القول بأنها كانت تطلب الكثير, أنهما لسبب معقول دهشا لأنها كانت تتوقع مثل هذا التنازل. أكثر ما استطاعت قوله ترديد ما قالته لروجر إلى حماتها العتيدة:
-لو كنت أنا, لدفع روجر, لقد قال أنه كان سيدفع.
ووافقت والدته على هذا.
-دون شك كان سيدفع. ولكن الواقع مختلف, فيليس ليست خطيبته!
-أنا لا أفهم, أن أعرف أن فيليس هي المخطوفة, و لكن من ناحية أخرى, كان من الممكن أن أكون أنا.
-مما استطعت فهمه, ليس لديك فكرة عما حدث؟
-لقد اختطفت عندما تركت عملها, كما أعتقد.
يجب ان تتصلي برب عملها, لتعرفي إذا كانت قد وصلت إلى عملها هذا الصباح.
-أجل أعتقد أنه يجب علي أن أتصل به. ولكن, لأن والدي أصيب بالنوبة القلبية, كل شيء ذهب من تفكيري. وعندما بدأ يشعر بتحسن قررت أن آتي إلى هنا... أردتك.. أن.. أن تواسيني.
-وأدوين .. أين هو؟
-في المنزل, منزلي, إنه مع أبي.
-ألم يفعل شيئا بخصوص فيليس؟
-لا يستطيع فعل شيء. ولا واحد منا يستطيع... إلا إذا كنا نملك المال.
وتطلعت إلى وجه روجر, و علمت دون شك أنه لن يدفع. فصرخت يائسة.
-ادفع... أتوسل إليك أن تدفع! يوما ما... بطريقة ما سأحاول أن أعيد لك المال..
وقاطعتها حماتها قائلة:
-لا تكوني سخيفة. كيف تستطيعين إعادة المال؟
و أحست لورين بكامل جسدها ينهار.
-أنت على حق... ما أستطيع أن أفعل؟ لا أستطيع أن أترك شقيقتي لـ ... لتقتل.
وحاولت إمساك دموعها و لكنها فشلت, وجذبها روجر إلى قربه و مسح رأسها, و أخرج منديلا ليمسح دموعها و تمتم:
-أعرف تماما بماذا تشعرين, يا حبيبتي, و لكن يجب أن تدركي أنني لا أستطيع التخلي عن عشرين ألف جنيه هكذا. فهو مبلغ كبير.
-ولكن لو كنت أنا, كنت دفعت, بإرادتك.
و تدخلت أمه قائلة:
-ليس بإرادته كاملة, فالإنسان لا يرمي هذا المبلغ بإرادته, يا عزيزتي.
ونظرت إليها لورين من مكانها بين ذراعي روجر. و للمرة الأولى أخذت تتفحصها بموضوعية, كامرأة و ليست كحماتها العتيدة. و رأت أمامها امرأة ارستقراطية, طويلة, جليلة النسب, سيدة في صفاتها, وقسماتها جميلة و نبيلة, وقد صففت شعرها بشكل جذاب, وثيابها ذات كمال. ورأت البذة الغالية الثمن التي ترتديها, والماسات التي تلمع في يديها و أذنيها, ونظرت في عينيها, العينان اللتان طالما ضحكتا للورين, ولكنهما الآن ترتديان قساوة لم تعرفها فيهما لورين من قبل, و ابتلعت ريقها وقد أحست للمرة الأولى أنها لا تتناسب معهم هنا, مع الناس الذين ولدوا و في فمهم ملاعق من فضة. وقالت:
-من الأفضل أن أعود إلى المنزل. ولا أعرف ماذا سنفعل.
-الرسالة.. هل احضرتها معك؟
-لا, لم أفعل, لقد أتيت هنا على عجل.
-هل قالوا كيف و أين سيدفع المال؟
-نعم.. ولكن الآن, يجب أن أقول لهم أن المال لن يدفع.
-عندها سيرسلون لك شقيقتك.
وتدخل روجر ليقول بلهجة مضطربة.
-ولكن يجب أن علينا أن نكون حذرين حتى لا يقوموا بمحاولة أخرى, و خطف لورين هذه المرة.
-أتمنى لو أنهم كانوا خطفوني من أول مرة!
ولم يصدر أي رد.. وفي هذا الصمت العميق شعرت لورين مرة أخرى أنها لا تنتمي إلى هنا. وتحركت لتحرر نفسها من ذراعي روجر, وحاولت أن تذهب, وقالت له:
-سأراك عندما أستطيع روجر, ومن الطبيعي أنني لن أخرج معك غدا للعشاء كما أتفقنا.
-لا تقلقي, حبيبتي, سأعتذر عنك للسير جون و زوجته. و سأتصل بك هذه الليلة لأعرف ماذا جد, من الممكن أن تكون عادت. فعندما يعرفون أنهم خطفوا فتاة بالغلط فقد يقرروا إنه من الأسلم لهم أن يطلقوا سراحها.
-إنه أمل..
وتحركت نحو الباب, بعد أن رمقت حماتها المستقبلية بنظرة متفحصة, وقالت على أمل أن يعرض عليها روجر توصيلها:
-أنا ذاهبة...
و هكذا فعل. و بعد نصف ساعة كان ينزلها على باب منزلها.
-ألن تدخل؟
وهز رأسه بالنفي.
-والدك لم يرحب بي عندما كان على ما يرام, إذا فلن يرحب بي الآن. سأتصل بك لاحقا.
وحياها تحية المساء, و استدارت فورا وركضت صاعدة السلالم و لم يكن باب المدخل مقفلا فدخلت بسرعة و ذهبت نحو غرفة الجلوس, حيث كان والدها ممددا على الأريكة.

seba queen
07-17-2011, 07:09 PM
الفصل الرابع

4-خيبة أمل

قال لها والدها على الفور:
-حسنا؟ لا.. لقد رفض أن يدفع أليس كذلك؟
وابتلعت ريقها وهزت رأسها بالإيجاب.
-هذا ما كنت خائفة منه يا أبي.
-حتى ولو كنت أنت, فلن يدفع.. بسرعة على ما أعتقد!
مثل هذه المرارة لم تتوقعها أبدا من والدها. حتى هي نفسها شعرت في تلك اللحظة بطعم المرارة, لأنها لم تقدر على إيجاد عذر لتصرف خطيبها لعدم مبالاته بالمأساة التي حلت بزوجة المستقبل ووالدها. صحيح أنه لم يحب أبدا والدها, فعليها أن تعترف صادقة أن عدم الود بينهما لم يكن بسبب روجر, ولكن هذا ليس عذرا ولا بطريقة ما لرفض روجر المساعدة في هذه الحالة الرهيبة. وتكلم أبوها ثانية, وقفزت عند سماع أول كلمة.
-لقد دفعوا برسالة أخرى من تحت الباب. لقد اعترفوا أنهم خطفوا الفتاة بالغلط, ولكنهم يصرون على الدفع. الدفع يا لورين أو....
وتوقف, للحظة مرعبة ظنت أن النوبة ستعاوده, وانهار صوته و لم تعد لورين بحاجة لتعرف الباقي,, كان وجهها قد تحول إلى البياض حتى شفتيها, عندما استدارت لتنظر إلى وجه ادوين. كان يقف قرب النافذة و يتطلع بالظلام, واستدار إليها وفي عينيه نظرة توقع, ولكنها ماتت فورا بعد ان لاحظ التعبيرات التي على وجهها. و حدقت به. فقال:
-ماذا نستطيع أن نفعل؟
واستدارت لورين لوالدها.
-هذه الرسالة ... أين هي؟
-مع ادوين.
واستدارت نحو ادوين مرة أخرى.
-أحب أن أراها.
-إنها هناك على الطاولة.
والتقطتها, ورأت أنها تحتوي على كل ما قاله والدها, لقد كانت مكتوبة بأحرف كبيرة مطبوعة على ورق رخيص. ولسبب ما رفعتها إلى أنفها ولكن لم يكن عالقا بها أية رائحة. وكان ادوين يراقبها عن كثب. ولاحظت ذلك و شعرت بشيء ما يمر خلال عمودها الفقري.
-هل القيت عبر صندوق الرسائل؟
-بالطبع, هل هناك مكان آخر؟
-آسفة. إنهم جريئون أليس كذلك؟
قالت هذا وهي تدرك أن هناك شيء محير حول القصة كلها؟
-من المخاطرة أن يأتوا إلى المنزل بهذا الشكل, و خاصة في هذا الوقت بالذات و كلنا متيقظون.
ولم يتكلم أي من الرجلين. فأضافت:
-ألم تسمعا شيئا...؟.
-من الواضح أننا لم نسمع شيئا, هل كنت تتوقعين أن يقرعوا الجرس؟
-أظن بأننا ليس أمامنا بديل سوى الاتصال بالبوليس.
وصرخ ادوين بقوة:
-لا! لقد قالوا إنهم سيقتلونها؟...
فقالت وقد لاحظت أن تعبيرات والدها قد تغيرت فجأة.
-اصمت... فأنا سأتولى المسألة يا ادوين, و أنا أنوي أن أجلب البوليس فورا.
قاطعها والدها.
-لن تفعلي هذا!
وكان العرق ينضح من جبهته. والتقطت لورين أنفاسها, وقد أرعبتها إمكانية أن يؤذي نفسه بارتفاع تأثره و غضبه.
-أنا المسؤول هنا! ولن أتركك تستدعين البوليس, هل تفهمين؟
-ولكن يا أبي, لا نستطيع أن نجلس هكذا ولا نفعل شيئا.
وكانت الساعة جاوزت الحادية عشر ولم تكن قادرة على إبعاد تفكيرها عن تصور شقيقتها جالسة في مكان ما في سجن صغير, وكل دقيقة تمر كالعمر. و همست لنفسها (( لا أستطيع تحمل هذا. يجب أن أفعل شيئا)).
-قلت إن روجر سيدفع!
-لقد نصحنا بالاتصال بالبوليس!
ولم تتابع كلامها. فذكر البوليس كان مؤذيا لحالة والدها بوضوح. وحدقت بادوين.
-حسنا؟ هل لديك اقتراحات؟
-فقط أن نجد المال يا لورين. يجب إيجاده!
و بدا عليه الضيق, و لكن لورين شعرت بأن عدم الراحة بدت لا علاقة لها أبدا بالوضع.
-أين يمكن إيجاد المال؟
وهز رأسه.
-إذا لم يتحرك روجر.. أعني إذا لم يرغب روجر أن يساعد...
و هز كتفيه بيأس و استدار نحو النافذة, يحدق إلى الظلام في الخارج, ويداه غارقتان في جيب سترته. و قالت لورين بعد صمت طويل:
-أبي , أتظن أنك قادر على الصعود إلى فراشك؟
-الفراش؟ هل تعنين أنك تنوين الذهاب إلى الفراش, و كأن شيئا لم يحدث؟
-لا يا حبيبي... و لكن يجب أن ترتاح.. لا.. لا تقاطعني أرجوك حتى أنهي ما أقوله. أعرف أنك لن تستطيع النوم, أكثر مني, و لكن ستكون مرتاحا أكثر في الفراش. سنساعدك أنا و ادوين على الصعود.
و اقتنع أخيرا, و ساعداه على الصعود, وبعد أن أعطته حليبا ساخنا, نزلت مع أدوين ليجلسا في غرفة الجلوس لما بعد منتصف الليل.
-أتمنى لو أنك لم تقابلي هذا الرجل ! لقد كنا سعداء حتى أصبحت مخطوبة له.
و قطبت و قالت:
-أودين.. هل هناك شيء لا أعرفه؟
-تعرفين كل شيء يا لورين.
-لا ازال أظن أننا يجب أن نتصل بالبوليس. فلو كان أمامنا فرصة للحصول على المال لاختلف الأمر, ولكن كما هو الأمر الآن.. لا إن الأمر فيه مخاطرة. أليس كذلك؟ والدي محق بقراره لعدم الإتصال بالبوليس.
-كنت أتمنى أن يدفع روجر, مع أنني شعرت منذ البداية أنه لن يدفع... منذ البداية... لن يدفع...
و عضت على شفتيها بإنزعاج, محاولة صرف فكرة بأن هناك بعض الغموض هنا. لأن إعادة النظر بالوضع يشير إلى ذلك. شخص ما بكل بساطة يحاول الحصول على بعض المال دون تعب, فخطف الفتاة التي ظن أنها لورين. و لكنه حصل على توامها. ولكنه لا يزال يطالب بالفدية معتقدا أن شقيقتها ستؤثر على خطيبها ليدفع. كل شيء تم ببساطة و لكن فجأة و دون سب بالمرة, تصاعد أمام عيناها صورة الوجه اللاتيني لذلك الإسباني. و سألت نفسها, لماذا يتطفل هكذا عليها في وقت كهذا؟
بعد ليلة من عدم النوم وصلت أعصاب لورين إلى حافة الانهيار. لقد لازمت أبيها في غرفته, حتى الثانية و النصف صباحا. و كل ما فعله هو ترديد قوله بأن فيليس هي في هذا الوضع الآن لأن لورين خطبت لرجل ثري. و بعد الثانية و النصف كان يغط بالنوم, و تركت الغرفة بصمت, و نزلت لتصنع لنفسها فنجان شاي. و تمددت على الأريكة دون أن تستطيع النوم.
رن جرس الهاتف عند السابعة و النصف صباحا؛ و هرعت نحو الردهة لترد و سمعت صوتا متكتما يقول:
-لا تنسي.. المال عند الساعة العاشرة هذا الصباح, في غابة (( فيدلر)) عند شجرة السنديان قرب البحيرة الجافة.
-انتظر .. أنا.. نحن لم نستطع الحصول على المال ...
و اوشكت على البكاء, فقد انقطع الخط. و أنى صوت والدها من غرفته وهو يصرخ:
-لورين!..
ووضعت السماعة وصعدت إلى غرفته.
-تركتيهم يقطعون الخط؟ لماذا لم تحاولي استبقاءهم...
-لقد أقفلوا الخط يا أبي, لم يكن لدي فرصة لأقول شيئا.
-وهل ستذهبين إلى المكان المحدد؟
-سأذهب يا عزيزي لقد قلت هذا عدة مرات, سأذهب و أترك لهم رسالة.
-سيغضبون كثيرا. و سوف يلحقون الأذى فورا يابنتي الحبيبة!
-لا تنظر إلى الناحية المظلمة, إلى أن نرى ما نتيجة الرسالة, فقد يفرجون عنها.
-لن يفعلوا!
و صعدت يده إلى قلبه, وبدا أن تنفسه قد انقطع فجأة وهزها الذعر و انحنت فوقه.
-هل تأخذ حبة دواء يا حبي؟

seba queen
07-17-2011, 07:10 PM
-لم يحن وقت الدواء بعد ولكنني مشرف على النهاية يا لورين. لا أهتم إذا مت, فلو ماتت فيليس لن يكون عندي أحد أعيش من أجله. فلن ترغبين بي عندما تتزوجين و تصبحين سيدة ثرية ذات قلب.
-هذا هراء و أنت تعلم هذا.
-روجر لم يأت إلى هنا حتى في هذه الظروف. إذا فمن غير المحتمل أن يأتي فيما بعد, عندما تتزوجان, و إذا لم يأت فلن تأتي أنت أيضا.
-بل سيأتي يا أبي, و تستطيع زيارتي متى شئت.
-لست مرحبا بي في ذلك المنزل.
و أسرعت لورين لإحضار الدواء و كأس ماء وقال بعد أن ابتلع الدواء:
-لم أستطع حضور حفلة خطوبتك.
-كان بمقدورك أن تأتي. فقد كنت مذعورا يا أبي.
و أغمض عيناه, وارتعدت لمنظر دمعتين انحدرتا من تحت رموشه وانحنت لتقلبه وقالت بنعومة:
-لو كنت أعلم ماذا سيحدث, لما أصبحت خطيبة لورجر.
و أثر به هذا الكلام بطريقة أدهشتها. و قال وهو ينظر إلى وجهها:
-أمامك حياتك لتعيشيها لورين, ولا يجب على أحد أن ينقم عليك لسعادتك.
و بدا عليه مرة أخرى شعور بالذب, و انحنت لتقبله.
-حاول أن تستريح يا عزيزي, لا تستطيع فعل شيء حتى أوصل تلك الرسالة. و نرى عندها ما سيحدث.
-ستكتبينها بحذر أليس كذلك؟
-سأكون متذللة جدا, سأتوسل إليهم أن يرسلوا لنا فيليس سالمة.
وصلت إلى المكان المحدد عند العاشرة إلا ربع, ووقفت هناك دقائق طويلة من الصمت تتطلع من حولها. كانت الغابة موحشة. كانت تلعب هناك مع فيليس عندما كانتا طفلتين و كانت السنديانة قرب البحيرة الجافة شجرتهما المفضلة ليتسلقاها, ومن سخرية الأقدار أن المكان هذا هو المختار لوضع المال, في ثقب عادة يكون عشا للعصافير في الربيع. ولم تسمع لورين صوتا سوى حفيف الأوراق, وصوت عصفورين على غصن في شجرة السنديان. ووضعت الرسالة في الثقب, و ابتعدت متسائلة عما إذا كانت هناك عيون تراقبها.
و انتظرت باقي ذلك اليوم وهي قلقة لتسمع رنين الهاتف. واتصل روجر مرتين, ولكنها في المرة الثانية طلبت منه أن لا يتصل وستتصل هي به. قد يضعون رسالة أخرى في صندوق البريد, و لكنهم على ألارجح سيخافون الإقتراب من المنزل. و ذكرته أثناء حديثهما أن يعتذر لأصدقائه لعدم حضورها إلى الحفلة, فقال لها:
-سأجد عذرا مناسبا.. اتذكرين ذلك الوسيم دون رامون الذي كان في حفلة خطوبتنا؟
ودون أن يترك لها فرصة للجواب تابع ليقول أنه مدعو أيضا لحفلة العشاء الليلة مع بول.
-دون رامون ذاهب إلى الحفلة...؟ لقد توقعت أن يكون قد عاد إلى إسبانيا.
-أوه لا, من أعطاك هذه الفكرة؟ إنه سيمكث هنا شهرا, إنه يمضي جزءا من وقته مع بول و زوجته و الجزء الثاني في فندق سافوي في لندن. إنه هنا ليعقد صفقة عمل كبيرة.
كان من المفترض أن تراه أيضا لولا هذه المأساة.
-إذا ستراه هذه الليلة.
-هذا صحيح, و سأبلغه تحياتك.
-لن تقول شيئا عما حدث يا روجر؟
-تعلمين أنني لن أفعل يا عزيزتي. على كل الأحوال فيما لو لم أستطع الاتصال أقول لك, تصبحين على خير.
و تنهدت لورين. . أفكارها كانت مع الإسباني, في وقت يجب أن تكون مع روجر. و علقت السماعة و فكرها مرتبك من تصرفاته, فقد بدا أنه أصبح بعيدا عنها, ولكن من الأفضل أن تعزو ذلك إلى شعوره بالذنب, فهو قادر على تقديم مال الفدية, وهو يعلم تماما أن لورين تعرف ذلك.
وقالت لنفسها:
-لست أدري, فربما كنت غير منطقية إذ توقعت منه دفع المال لإطلاق سراح فيليس. كم أتمنى لو أنني أستطيع أن انظر إلى الموقف من وجهة نظره.
ودق جرس الهاتف بعد الساعة التاسعة مساء, و سمعت نفس الصوت المتكتم, وكان صوت رجل, و قال:
-رسالتك وصلت. و لكن المال يجب أن يدفع. لقد أعطيناك مهلة أربعة و عشرين ساعة أخرى. فيليس لا تزال سليمة في الوقت الحاضر, و لكن إنقاذ حياتها هو بين يديك...
وتوقف الصوت, و ضغطت لورين السماعة على أذنها و ركزت سمعها كما لو تفعل من قبل في حياتها. و بدأ شخص ما بالهمس حتى قبل أن يتوقف الصوت المتكتم و سمعته لورين يقول خمسة عشر وقال الصوت:
-سنقبل خمسة عشر ألفا. و لكن هذا أقل مبلغ نقبل به.
فقالت له لورين وهي تتكلم بسرعة مضيفة بعض اليأس إلى لهجتها:
-ولكن هذا مستحيل, أرجوك لا تقفل الخط...
وتوقفت وقد لاحظت الصوت الهامس مرة أخرى. هل هو صوت امرأة؟ و بطريقة ما لم تتصور أن امرأة قد تكون متورطة في جريمة كهذه.
-خمسة عشر ألفا, آخر كلمة لدينا. شقيقتك في خطر مميت!
وانقطع الخط, ووقفت لورين وهي تحمل السماعة, وقد ضاقت عيناها, وحاجباها مقطبان وقالت لنفسها:
-ذلك الصوت... متستر... متنكر ذلك واضح.. أتخيل أن امرأة لها يد في هذا الأمر.
ووصل ادوين بعد برهة, و سأل عما استجد. و لدهشة لورين لاحظت أنه غير قادر على ملاقاة نظرتها إليه, و قال غاضبا:
-أين سنجد خمسة عشر ألفا بحق السماء. يا إلهي كم أتمنى لو أنني استطيع فعل شيء. ما هذه الورطة الملعونة!
و توصلت لورين إلى حل.
-سأذهب إلى أحد الممولين, لست أهتم في أن أرهن حياتي لأحصل على المال!
-إلى مقرض مال؟
قال والدها هذا ثم هز رأسه بالموافقة, على الرغم من الاحتقار الذي برز في عينيه, و تابع:
-أجل اذهبي, اول شيء تفعلينه في الصباح.
وصرخ ادوين باضطراب:
-لا... لا تستطيعين فعل هذا يا لورين! لا تستطيعين رهن حياتك هكذا, على كل الأحوال ماذا سيقول روجر حول هذا الأمر؟
-لن أقول له.
وأصبح وجهها مبيضا ومرهقا, ولكن في عينيها الجميلتين تمثل العزم و التصميم.
-سأحصل على حصة من المال عندما أتزوج, سأدفعها كلها من أصل الدين.
و خرج ادوين من الغرفة, و لاحقته نظرات لورين فقال لها:
-سأصنع كوبا من الشاي, أم تفضلين القهوة؟
-الشاي أفضل.
و في الصباح التالي, اتصلت برئيسها لتقول له إنها لا تزال مريضة, ثم خرجت لزيارة الممول شاهدت دعاية له في صحيفة محلية. وكانت النتيجة سلبية, وما عرفته أن أي ممول سيطلب نوعا من الضمانة. سندات المنزل ولكنها أخبرته أن المنزل ليس ملكا لهم. مجوهرات؟ ولم تهتم حتى بالرد عليه. ولم تشعر أبدا في كل حياتها يمثل هذا الإذلال.
عند عودتها كان والدها نائما, وبينما ارتاحت لعدم اضطرارها لأن تقول له أن ليس هناك إمكانية لاقتراض المال, فمن ناحية أخرى كانت تفضل أن تبلغه و ينتهي الأمر.
و دق جرس الهاتف عند الظهر, والتقطت لورين السماعة, ثم أعطت رقم الهاتف و اسمها. و جاءتها اللكنة الناعمة الصوت و كأنما يأتي من بعيد.
-سنيوريتا.....
هل هي تحلم؟ و شعرت بقلبها يخفق بجنون.
-لورين... أريد أن أراك. هل تتعشين معي هذا المساء؟

seba queen
07-17-2011, 07:11 PM
وخرجت منها كلمة قصيرة و كأنها تخرج بكل عنفها.
-لا! لا يا سنيور! اذهب عني!
-لم تكوني مع خطيبك مساء الأمس. سنيوريتا. هل افترقتما؟
-بالتأكيد لا...
و قطع كلامها صوت أبيها المنخفض.
-لورين, من المتكلم؟
ولاحظت لونه الممتقع, فوضعت السماعة, و هي تشعر أنها يجب أن تكون مستعدة لإلتقاطه قبل أن يقع. ولم تلاحظ أنها أخطأت الهاتف و انزلقت السماعة على الطاولة.
-إنه رقم غلط, يا عزيزي.
-هذا الصباح, ذلك المقرض للمال؟ هل نجحت في الحصول على المال لإطلاق سراح ابنتي؟
-لا يا أبي. لا يقرضون المال دون ضمان.
-إذا قضي الأمر! فتاتي... ابنتي المحبوبة... قتلت!
وصرخت وهي تمسك به وهو يترنح.
-لا! سنجد طريقة ما, أبي. يا حبيبي أنت مريض جدا!
-سأموت.
-تعالى, سأضعك على الأريكة...
-سيقتلون حبيبتي فيليس!
وبدأ بالصراخ, و خافت أن يضر بنفسه, و طلبت منه مرة أخرى بلهجة لطيفة ومقتنعة أن يدعها تأخذه إلى غرفة الجلوس حيث يستطيع الإستلقاء على الأريكة.
-كل هذا من أجل خمسة عشر ألف جنيه. لقد ذهبت حياة طفلتي.. بكل بساطة لأننا لا نستطيع إيجاد خمسة عشر ألف جنيه لأجل الفدية ! يجب أن يكون هناك شخص يرغب في إقراضنا!
-يجب أن نلجأ إلى البوليس يا حبيبي...
وصرخ و ذراعه تطير في الهواء.
-لا.. لن تفعلي هذا.. لا ..لا!
و بدأ يترنح, و اصطدم بالطاولة ووقع الهاتف على الأرض و تحطم. و ارتعدت و امسكته بقوة, و سحبته إلى الأمام, و أخيرا هدأ قليلا واستطاعت أن تضعه على الأريكة. ثم عادت إلى الردهة و التقطت الهاتف و اتصلب بالطبيب, ورد عليها مساعده و أبلغها أن الطبيب قد خرج في جولته المعتادة على المرضى. فأعطته اسمها و عنوانها و طلبت منه أن يزور والدها في أسرع وقت ممكن.
و أعدت لوالدها شرابا ساخنا, ثم صعدت لتجلب له وسادة ومرت في طريقها بغرفة شقيقتها, وتوقفت. كم تبدو الفرغة فارغة و قاتمة! فليس.. لو حدث لها شيء, تعرف لورين أنها لن تتغلب على المحنة أبدا. و أنها لو لم يخطبها روجر لما حدث لشقيقتها شيء... لا ... لا يجب أن تموت! من الممكن فعل شيء ما! و عادت بالوسادة إلى أبيها و قالت:
-سيحضر الطبيب قريبا.
ولكنه هز رأسه بيأس وقال:
-لا أريده يا لورين, أريد فقط أن أموت!
ودق جرس الباب.
-إنه هنا.. مع أنني لا أعرف كيف استطاع الحضور بهذه السرعة!
ودق جرس الباب مرة أخرى, وركضت نحو الباب لتفتحه.
-أنت!
وتراجعت خطوة إلى الخلف بشكل آلي, مبتعدة عن الرجل الطويل الذي يقف على السلم.
-سنيوريتا...
و تطلع إلى خلفها نحو عتمة الردهة الصغيرة و قال:
-ألن تدعيني إلى الدخول؟
-نعم... لا...! أذهب عني!
و لكنه دخل مستفيدا من الفراغ الذي احدثته أثناء تراجعها إلى الوراء.
-إنك في ورطة رهيبة, سنيوريتا.
-وكيف عرفت بهذا؟
-لدي طرقي لاكتشاف الأشياء. والدك ليس على ما يرام كما اعتقد؟
وقطبت لورين في وجهه باستغراب:
-كيف عرفت؟
-يجب أن تقولي لي عن متاعبك سنيوريتا.
ودون انتظار دعوتها للدخول, ذهب من الردهة إلى غرفة الجلوس, وعندما شاهد والدها قال محنيا رأسه بالتحية:
-سنيور أنا هنا لأقدم لكم المساعدة في محنتكم.
و تطلع السيد واربي بابنته بسرعة قائلا:
-المساعدة ؟ من هذا الرجل؟
وابلغته لورين أنه صديق لبول التقته ليلة حفلة خطوبتها فسألها والدها:
-ولكن كيف علم بمشاكلنا؟
ولم تستطع لورين إلا أن تعترف بأنها لا تعرف. وقال الدون بلهجة غير مبالية قدر ما استطاع:
-اعتقد, انكم بحاجة إلى خمسة عشر ألف جنيه؟
و اصبحت عينا لورين كعيني الساحرة.
-لقد تحدثت مع... مع...
و لكنها صمتت, مقتنعة أن روجر لن يحل بالوعد الذي قطعه بأن يبقى الأمر سرا.
-لم أتحدث مع أي شخص كان. هل استطيع الجلوس سنيوريتا؟
ودون أن تتفوه بكلمة, هزت رأسها بالإيجاب. لقد كانت في شبه غيبوبة... و لكن عبرها شعاع من الضوء جعلها ترغب في الغناء بفرح. و قالت عندما استطاعت في النهاية أن تسترجع صوتها:
-أنا لا أفهم ... أنت... لقد قلت أنك هنا لتقديم المساعدة؟
-صحيح.. اعتقد أن شقيقتك مخطوفة؟ أخبريني سنيوريتا كيف حدث هذا؟
-سأقول لك بالطبع, ولكن قبل كل شيء, سنيور, يجب أن تقول لي كيف لك أن تعرف كل هذا؟
ومد يده باتجاه الردهة وقال:
-لقد فشلت في وضع السماعة في مكانها, إنه قصر نظر قد يؤدي يا عزيزتي غي بعض الأحيان إلى الخطر.
-هل سمعت؟ أجل, لقد فهمت الآن سنيور.
و أراد والدها أن يعلم ما في الأمر و كان صوته عاليا وهو يقول:
-ما الأمر؟ فسروا لي هذا, واحد منكما, في الحال!
ونظر الدون إليه و عبس.
-كل ما تحتاج لمعرفته سنيور أنه لا لزوم لك لتقلق حول ابنتك, فيليس. سيكون مبلغ الفدية الخمسة عشر ألف جنيه متوفرا.
واستدار نحو لورين.
-والآن سنيوريتا, سنتحدث أنت وأنا على انفراد.
ولكن والدها اعترض, قائلا إن بحث أي شيء يعنيه يجب أن يكون في حضوره. وأمام هذه الخطبة السيئة الطبع الصغيرة وقف دون رامون على قدميه بخيلاء, ونفض بقعة خيالية عن سترته النظيفة واستدار إلى لورين وقال بنعومة, ولكن بنبرة كان يقصد إيصالها إلى والدها:
-لقد غيرت رأيي, سنيوريتا, إذا لم نتكلم على انفراد فلن نتكلم أبدا. أتمنى لك يوما طيبا, سنيور, و آمل ان تكتسب المال اللازم لإطلاق سراح ابنتك. سنيوريتا, يسرني أن ترافقيني في طريقي إلى الخارج!

seba queen
07-17-2011, 07:12 PM
الفصل الخامس

5-عرض من السماء


-لا... انتظر!
وحاول السيد واربي أن يرفع نفسه عن الأريكة, و لكنه سرعان ما وقع على الوسادة.
-لا أعرف من أنت, ولكن عرضك كحبل يرمى إلى غريق. خذ لورين إلى الغرفة الأخرى و تحدث معها ما تشاء...
وتوقف و جاهد ليتنفس.
-أعطني قرص دواء أولا يا لورين. ثم اتركيني!
و أطاعت لورين والدها, وتفكيرها مخدر تقريبا, و جلبت له الدواء وكأسا من الماء, ثم قالت:
-نستطيع التحدث في غرفة الطعام, إنها.. إنها ليست مرتبة تماما.
و أزاحت ابتسامته بعضا من ارتباكها. و سارت امامه, نحو غرفة الطعام.
-أرجوك أن تجلس, سنيور.
-شكرا لك, والآن أريدك أن تخبريني بكل شيء.
-سنيور, لست أرى سببا لتحملك كل هذه المشاكل؟
-لم تكوني موجودة مع خطيبك في حفلة الأمس, وسألتك عما إذا كنت و خطيبك قد انتهيتما...
-لم ينته شيء, لذا أرجوك أن لا تأخذ فكرة خاطئة.
-أخبريني عن شقيقتك.
و قال لها هذا بلهجة آمرة, و دون أي اعتراض أعادت له ما حدث. و بعد ما أنهت حديثها, مرت فترة صمت, وبدا على وجهه أن يراجع أمرا في ذهنه له أهميته, و بعد قليل ظهر الهدوء عليه و قال:
-ألم تطلبي المال من خطيبك؟
-بلى... إنما المبلغ كان عشرين ألفا في البداية وهذا مبلغ كبير لأطلبه منه.
-مبلغ كبير؟ أعتقد أنه لن يفقد مثل هذا الملبلغ.
-إنه مبلغ كبير فعلا.
-وهل هو كثير كثير على سعادتك وراحة بالك سنيوريتا؟
واصبح صوته مرتجفا, و عيناه تلمعان, ونظر إلى البعيد و كأنه قد شاهد شيئا أثار غضبه.
-لا أريد أن أتناقش معك حول خطيبي سنيور. واضح أن عندك الشيء الكثير لتقوله لي, لذا أرجوك أن تقول..
ورفعت عينيها الجميلتين وتطلعت إليه. وحدق بهما, في العمق الأزرق الدخاني, ورأت أن تعبيراته قد تغيرت. فماذا يريد منها مقابل ما ينوي تقديمه؟
-لقد عرفت الآن لماذا لم تكوني مع خطيبك الليلة الماضية, لقد كان عندي أمل بأنكما تشاجرتما و فسختما الخطوبة.
-سنتزوج كما هو مقرر, سنيور.
-هل أنت متأكدة؟
ولم تجب على سؤاله وكلنها سألته عما كان يعنيه عندما قال إن مال الفدية متوفر. و أضافت:
-هناك شروط؟
وكان هذا بمثابة تأكيد أكثر منه بسؤال.و أحنى الدون رأسه ورد عليها دون تردد بأن تخمينها في محله: فهناك شروط!
-تريدني أن أتزوجك؟
-وأحست بالجفاف يتصاعد إلى حلقها, وفكرت بفيليس, وارتعدت متسائلة عما إذا كان سيطلق سراحها أبدا... وعما إذا كانت سترى والدها و شقيقتها ثانية. من الملح أن المال يجب ان يسلم دون تاخير. وقال دون رامون:
-أريدك أن تتزوجيني.
-ومقابل ذلك, تعطيني المال؟
-هذ ما انويه, سنيوريتا.
فقالت و اليأس يغمرها.
-لا أستطيع ان احبك... لأنني احب روجر.
وصمت أمام قولها فترة:
-قد تهتمين بي قليلا, يوما ما.
ولكن لورين هزت رأسها مؤكدة, فاستطرد الدون دون أن تتمكن من الرد.
-لقد قلك لك أنك لا تحبين هذا الرجل.
-سأتزوجك.
قالت هذا بكل هدوء و بساطة. بعد ذلك وبسبب قلة النوم, مجتمعة مع الضغط الهائل على أعصابها في اليومين الماضيين, والدمار التام الذي أصابها من جراء إضرارها لفسخ خطوبتها مع الرجل الذي تحبه, دفنت وجهها بين يديها وانفجرت بنوبة مفاجئة من النحيب.
-إنها ليست بداية تبشر بالخير. لن يكون الأمر سيئا كما تتصورين يا لورين فأنا لست ((غول)). على الرغم من أنك ربما تنظرين إلي الآن هكذا.
-لا, أنا لا... أنت لطيف سنيور... لطيف جدا, لتقديمك المال اللازم لإطلاق شقيقتي.
وتحول صوتها, الذي كان يرتجف من البكاء بين حين و آخر, إلى الصمت عندما شاهدت التقطيبة المفاجئة التي استقرت جبهته, وشده على شفته السفلى بين أسنانه, وسألته بقلق:
-هل هناك ما يزعجك؟ هل ندمت على عرضك؟
-بالطبع لا...
وأخذ يدها ليوقفها على قدميها, وقربها منه, و أخرج منديلا من إحدى جيوبه ليجفف دموعها.
-لا تبكي يا صغيرتي, فلا شيء في الدنيا يستأهل بكائك.
صوته الناعم, الجذاب بلكنته, أعاد لها الطمأنينة, واستطاعت أن تضع ظل ابتسامة على شفتيها, ولكن التنهيدات كانت لا تزال تهزها, ومضى بعض الوقت قبل أن تعود إلى هدوئها.
-المال... إنه مطلوب عند العاشرة غدا.
-سيكون حاضرا.
-لا أدري كيف أشكرك.
ولكنها كانت خائفة, خائفة جدا, بسبب ذكرى تسلطه عليها وسيطرته السهلة القادرة على تحطيم إرادتها, و تساءلت عن سبب انجذابها إليه, فهو لم يذكر الحب, فلماذا هو مصمم على الزواج منها؟ هل يهتم بها؟ و إذا كان كذلك, فإن هذا الحب كان سريع النمو لأن يستمر طويلا. ولكن ماذا يهم؟
وهمست لنفسها (( روجر , لماذا يا حبيبي لم تقدم أنت المال بنفسك؟)) و سألها رامون:
-بماذا تفكرين؟ روجر.
-نعم. فمن المستحيل أن أتخلى عنه دون وخز ضمير, سنيور.
-انسيه, لو أنه كان يحبك حقيقة, لدفع الفدية.
-لا أسمح لك بالتحدث عنه باستخفاف هكذا.
-لن نذكره بعد الآن.
-ولكن يجب ان أراه... أنت تفهم هذا؟
واصبحت لهجتها قلقة, و ادركت أنها قد أصبحت خاضعة منذ الآن لهذا الرجل الذي ستصبح زوجة له عما قريب.
-بالطبع يا لورين, يجب أن تذهبي إليه و أن تكوني صادقة معه.
-إذا غير رأيه حول المال, سأبقى معه عندئذ.
وعلمت وهي تتكلم أنها لن تطلب المال مرة أخرى من روجر أبدا. فرد عليها بإقتناع ثابت:
-لن يغير رأيه.
-هل تحدثت معه الليلة الماضية؟
-قليلا.
-واكتسبت أنت.. نوعا من الانطباع؟
-لقد سبق و قلت لك يا لورين أنا اجيد قراءة شخصية الناس.
-اجل.. أذكر هذا. لقد قلت أشياء رهيبة عن شقيقتي, أرجو أن تكون الآن آسفا لرؤية أنها في محنة صعبة. آه.. كم اتمنى لو اننا نستطيع إطلاقها فورا, في هذه اللحظة. لا أستطيع تحمل التفكير بها وهي جالسة في غرفة ضيقة, تنتظر بخوف أن ترى ماذا سيحدث لها.
ولدهشتها رفع الدون يده ليكتم تثاؤبا. لقد كان من دون قلب, وهزت كتفيها دون اكتراث. فيليس لا تعني له شيئا, وهذا ما أدركته. وهكذا تقبلت واقع أنه لا يظهر أي اهتمام بما قد تكون تعانيه. فيليس بالنسبة له ليست سوى وسيلة تمكنه من تحقيق رغباته. وسألته:
-متى تريد أن نتزوج؟
-فورا.
-أتعني...؟
-بموجب الترخيص الخاص, يجب أن أعود إلى إسبانيا عند نهاية الأسبوع.
-و المال؟ متى ستعطيني إياه؟
-سأذهب انت و أنا لندفعه.
-لنفترض أنهم أخذوا المبلغ ولم ... لم.
وانهارت, غير قادرة على إكمال ما كانت ستقوله, لقد كانت تفكر بإمكانية أن يأخذ الخاطفون المال, ولا يطلقوا سراح فيليس. و بما أن المال قد أصبح الآن متوفرا, فقد عاودتها الفكرة بقوة, وامتلأت عيناها فجأة بالدموع. ولكن الدون كان يهز رأسه بثقة, كانت تثبت أن شيئا لن يحدث. و قال بنعومة:
-فيليس ستعود, لست بحاجة لأن تخافي, يا عزيزتي.

seba queen
07-17-2011, 07:13 PM
وكان على حق, ففي الصباح التالي, ذهبت معه إلى الشجرة و أودعا المبلغ, وخلال بضع ساعات, دخلت فيليس إلى منزلها, دون ان يبدوا عليها أي سوء من التجربة التي مرت بها. وأجابت على تساؤلات والدها:
-لم يكن الأمر سيئا بالمرة, فقد عاملوني جيدا.
و سألتها لورين, وقد تذكرت بأنها شعرت بأن شيئا ما لم يكن ملائما حول هذا الوضع.
-ألم تكوني خائفة؟ يجب ان تكوني بالطبع؟
-كنت خائفة. ولكنهم كانوا متعقلين بحيث شعرت أنهم لن يأذوني أبدا. لقد كان قصدهم أنت, طبعا تعرفين ذلك. أشكري روجر لأنه دفع المبلغ, ألن تفعلي؟ هل كان غاضبا؟ ماذا حدث بالضبط؟ أعلم أنه لم يدفع من البداية, عندما أرادوا مبلغ العشرين ألف.
ولسبب ما لم تقدر لورين أن ترد عليها. وتوجهت نحو الباب وقالت:
-تحدثي مع أبي, سيقول لك ماذا حدث.
وتجاهلت النظرة المتسائلة التي انتشرت على وجه شقيقتها واستدارت و غادرت الغرفة. وبعد أقل من عشر دقائق كانت فيليس تقف على باب غرفة نوم لورين, وواجهت الأختان بعضهما بصمت لفترة طويلة قبل أن تتكلم فيليس.
-لماذا تركتينا؟
-هناك سبب. لم استطع شرحه, ولا أستطيع شرحه الآن.
-لقد تغيرت يا لورين.
-أنا تغيرت؟ أنت التي تغيرت يا فيليس.
-بأية طريقة؟
-لا أستطيع فهم الطريقة التي عدت بها.
-الطريقة التي عدت بها؟
-و كأنما لم يحدث شيء فظيع.
-ماذا كنت تتوقعين؟
-لا أعرف بالضبط يا فيليس, ماذا حدث بالضبط عندما أطلقوا سراحك؟
-لقد أنزلوني عند نهاية الشارع هنا, و أتيت إلى المنزل, وبما أن الباب كان مفتوحا دخلت. هل توقعت منى أن أقرع الباب و أنتظر لتسمحوا لي بالدخول؟
-لقد تغيرت. فأنت لم تظهري أية مشاعر عندما دخلت من الباب....
-آه... فهمت! إذا أردت مني أن ألقي بنفسي بين ذراعيك و أبكي لاجتماع شملنا, هل هذا صحيح؟
وبدت السخرية في كلماتها, ولكن لورين أجابتها, ووجهها الجميل مرهق وشاحب, وأفكراها مليئة بالكارثة التي حلت عليها و أجبرتها على ترك الرجل الذي أحبته و ألزمتها بحياة تقرب من البؤس مع غريب أصبحت الآن موعودة له.
-لا أظن أنني توقعت أي شيء درامي كهذا يا فيليس. ولكني توقعت أن تظهري بعض المشاعر. فقد عانينا انا ووالدك الكثير, كما تعلمين. لقد تخيلتك متكورة على نفسك في غرفة صغيرة مظلمة, ترتجفين من البرد و الخوف, خائفة مما سيحدث لك إذا لم ندفع الفدية... أظن أن الوقت الآن غير مناسب لهذه الذكرى, ولكن, كما قلت لك, توقعت أن أرى بعض المشاعر.
-ربما توقعت مني أن أرمي نفسي عليك و أتمتم بالشكر و عرفان الجميل...
-لا, ليس هذا, أنت تعلمين أن عرفان الجميل آخر شيء أريده منك.
-أتمنى هذا, لأنني أرى انها غلطتك على كل الأحوال, يبدو أنك نسيت ان هذا لم يكن ليحدث بالمرة لو لم تخطبي لروجر.
-فيليس, لم أستطع نسيان الأمر, فوالدي دفعني بالتأكيد لأن لا أنسى.
-أظن أنك تشعرين أنك شهيدة في هذه اللحظات؟
-لقد اتخذت القرار الوحيد الممكن يا فيليس, و اعتقد أنك كنت ستفعلين الشيء نفسه لأجلي.
-طبعا كنت سأفعل. ولكنك الآن ستتزوجين مليونيرا؟.
-أعتقد أنه مليونير نعم.
-لقد كان في حفلة خطوبتك, لقد كان معي ورقص معي ثلاث مرات.
-ما دخل هذا بذاك؟
-تعالي إلى المرآة يا لورين.
-ولم؟
-تعالي إلى المرآة.
و أطاعتها لورين, ونظرت الفتاتان إلى نفسيهما في المرآة المثبتة إلى الجدار. و سألتها لورين.
-حسنا؟
-ماذا تملكين, و لا أملكه أنا؟
واتسعت عينا لورين بالدهشة. وعاودتها لمحات من الذكرى لتأكيدات ذلك الأسباني أن شقيقتها تغار منها.
-أنا لا أفهم؟
-بل تفهمين, مرتين امتلكت فيهما رجلا ثريا, بينما أنا, التي أملك كل الصفات الجسدية التي تملكين, لا ينظر إلي أحد, أقول لك مرة أخرى أن دون رامون كان معي, ولو كان يبحث عن زوجة, فلماذا اختارك أنت, المخطوبة لشخص آخر؟ ماذا جعله لا ينظر إلي؟ فأنا جذابة مثلك تماما!
-بالنسبة لي, كان من الممكن أن تحصلي على دون رامون. يبدوا أنك لم تستوعبي بعد واقع أنني تخليت عن رجل أحبه لأجلك!
-ولكن لتحصلي على رجل أفضل.. ما هذا الحظ؟
وخرجت الكلمات من فيليس قبل أن تتمكن من منعها. وعندما استدارت عن المرآة لتواجه شقيقتها لورين رأت دموع الغضب والاحتقار في عينيها. إذا الإسباني كان على حق. لقد تكلم بالحقيقة عندما أكد لها أن فيليس تغار منها.
-إذا لم يكن لديك شيء آخر لتقوليه لي يا فيليس, فاتركيني لوحدي من فضلك.
وعضت فيليس شفتها.
-لقد آذيتك, أليس كذلك؟
-للمرة الأولى يا فيليس ... للمرة الأولى في حياتنا!
وخيم صمت طويل, و الفتاتان تشعران بازدياد قلة الراحة. ثم استدارت فيليس دون أية كلمة أخرى و غادرت الغرفة. وراقبت لورين الباب وهو يغلق خلف شقيقتها, وفي مدى لحظات انهمرت الدموع من عينيها. ماذا حدث للسعادة التي كانت منذ بضعة أسابيع؟ فقد كانتا رفيقتين, تحسدهما الشقيقات الأخريات اللواتي لم يقدرن على الوفاق. و أدوين كان يزور منزلهما بانتظام لمدة سنة و أصبح عضوا مرحبا به في العائلة. وقالت لنفسها " أجل كل شيء كان سببه أنني خطبت لروجر" و استدارت لتأخذ منديلا من أحد الجوارير, وجففت عيناها من الدموع. ماذا تنفعها الدموع الآن؟ ووضعت المنديل على الطاولة, و دخلت إلى الحمام. وبعد أن استحمت لفت نفسها بمنشفة و عادت إلى غرفة النوم. وبعد نصف ساعة اتصلت بروجر. وقالت له قبل أن يتكلم:
-لقد عادت فيليس إلى المنزل. وصلت قبل ساعة.
-دون أذى؟
-أجل, دون أذى.
هل كان هذا صوتها؟ الخالي من التعبير, و دون حياة.
-كم هذا مريح! أنت تشعرين بالراحة بالتأكيد!
-أشعر بالراحة لعودتها.
-لقد تركوها دون دفع الفدية بالطبع.
-لقد دفعت الفدية.
-دفعتها؟ و لكن من دفعها؟
-سأقول لك كل شيء عندما أراك يا روجر. سآتي لمقابلتك فورا.
-ولكن لورين, ماذا حدث؟ أنت تبدين ... حسنا... مريضة ... أو شيء آخر.
-سأكون معك بعد ساعة تقريبا, هذا يعتمد على الباصات....
-حبيبتي, سآتي إليك أنا...
-لا... أفضل أن آتي إليك. هناك عزلة في بيتك أكثر من بيتي.
-لورين.
-نعم؟
-هناك شيء رهيب في لهجتك. ماذا حدث؟
-لا أريد التحدث بالهاتف, روجر أرجوك احتفظ بفضولك لساعة أخرى.
-إذا هناك شيء ... هل هو شيء خطير؟
-بالخطورة التي يمكن أن يكون بها. سأضع السماعة الآن....
-لا!
ولكنها وضعت السماعة مكانها, وارتدت معطفها, وحيت والدها بينما تمر امامه في غرفة الجلوس, وغادرت المنزل.
وكان روجر ينتظرها على الشرفة عندما وصلت, وركض لملاقاتها وبلحظة سعيدة سماوية كانت بين ذراعيه. فتعلقت به و كأنها لا تريد تركه أبدا, و عيناها مليئتان بالدموع. وفمها يرتجف, ثم أدارت وجهها عنه.
-حبيبتي... ماذا هناك؟ أنت مريضة....
-لست مريضة جسديا يا روجر...

seba queen
07-17-2011, 07:14 PM
و تطلعت حولها. و أحبت أن تجلس في عريشة كانت غالبا تجلس فيها معه, و لكن الوقت الآن ليس مثل هذا. و سألته " هل نستطيع الذهاب إلى مكتبك؟ " ودون أية كلمة قادها إلى المنزل و عبر الممر الطويل إلى مكتبته الخاصة. وجذب لها كرسيا و جلس معها.
-يا حبيبتي , ماذا هناك؟
وبدأت تتحدث, و على الرغم من أن صوتها تهدج عدة مرات, إلا أنها كانت مندهشة من الوضوح الذي روت فيه كل ما تريد قوله. وراقبت روجر, ورأت التغيير في تعبيرات وجهه وهي تتفوه بكلماتها, و عندما علم أنها ستتزوج الرجل الذي دفع الفدية.
-دون رامون؟ ... لورين كيف بإمكانك أن تتزوجي رجلا كهذا؟
-كهذا ؟ ماذا تعني؟
-أجنبي؟
-العديد من الناس يتزوجون أجانب في هذه الأيام.
-تبدين هادئة حول الأمر كله!
-ليس من داخلي يا روجر, ليس من الداخل!
-ستتزوجينه, و أنت تحبيني بهذا القدر؟
-ليس لدي خيار آخر يا روجر, كان علي أن أعده.....
-هذا ابتزاز, على كل, لا يعرفك بعد تماما... ليلة خطوبتنا أحدهم مازحني حول الطريقة التي كان ينظر بها إليك. تذكرت.. لقد كنت غائبة في نفس الوقت الذي كان هو غائبا فيه. لاحظت ذلك لأن بول كان يبحث عنه وقلت له إنني أبحث عنك أيضا! لقد كنت في الحديقة! هل كان في الحديقة أيضا؟
-لقد كنت معه في الحديقة.
-كنت معه ....و ماذا كنتما تفعلان؟ إذا, لقد استسلمت له!
-روجر... هذا لا يهم الآن... أنا مجبرة للزواج بهذا الرجل...
-يبدو لي... أنك تريدين فعلا الزواج منه!
-أنت على خطأ... و كما قلت لك, الأمر لم يعد مهم الآن. جئت لأودعك و ...و لـ... لأقول لك أنني أحبك و ... وسأحبط دائما... أحبك . ولن أحب سواك.
كانت لهجتها هادئة و صادقة رغم حاجتها للحياة و التعبير. وتطلع روجر إليها و تصورت أنها سمعت تعبيرا عن التعاسة يخرج من مكان ما في أعماقه. وقال لها بصوت عال:
-لو أنني أحضرت المال لما حدث كل هذا!
ولم تقل شيئا حتى و لا أن الخاطفين قبلوا في النهاية خمسة عشر ألفا. و تكلم ثانية ربما سبب له الغضب أن يقول شيئا تعلم أنه سيندم عليه في النهاية. ولكنها أخيرا استطاعت الخروج, ولم يعرض عليها إيصالها بل ودعها وداعا مختصرا و تركها دون كلمة أخرى.
كانت الساعة السابعة, و لورين تنتظر وصول دون رامون الذي كان سيأخذها لتناول العشاء في أكثر الفنادق كلفة في البلد. واعدا إياها بالاحتفال لإطلاق سراح فيليس.. الاحتفال... وتساءلت بحرارة بماذا تحتفل.. أتحتفل بالتوقعات المظلمة لحياتها مع رجل لا تستطيع أن تحبه أبدا؟ و دخلت فيليس إلى الغرفة و نظرت لورين إليها و سألتها:
-متى سيأتي ادوين ؟ هل اتصلت به؟
-لقد افترقنا.
-افترقتما؟ ولكن هذا مستحيل! لقد كان أدوين كثير القلق عليك!
-قلق أم لا, لقد تخلى عني. لقد اكتشفنا أننا لا نناسب بعضنا.
-لا أصدق هذا, فيليس, لم تخبريني بكل شيء. هل اتصلت به لتبلغيه أنك ستصلين إلى المنزل؟
واستدارت فيليس ثانية, والتقطت زهرة لتقطعها بين أصابعها وقالت:
-لقد علم أنني عدت, نعم!
-هل رأيته؟
و بشكل غريزي حملتها أفكارها إلى تصرفات ادوين عندما علم أن فيليس مخطوفة, إذ بدا مضطربا, ولكن ليس كما تتوقع لورين منه.
-لقد رأيته.
-فيليس... ما الأمر؟ لماذا لا تنظرين إلي؟
واستدارت شقيقتها و التقت عيناهما. و أحست لورين بعدم الراحة. وتذكرت شعورا مماثلا مرت به من قبل.
-ليس هناك من شيء يا لورين! لقد قررنا الافتراق و هذا كل شيء. وهذا الأمر كان مشتركا.
-لقد قلت لتوك ان ادوين تخلى عنك. يبدو ان الوقت قد فات لكي يتخلى عنك يا فيليس, في اللحظة التي خرجت فيها من محنة قاسية....
-أوه... لأجل السماء كفي عن الضرب على وتر محنتي! ألا ترين أنها شيء لا أريد أن أتذكره؟ أليس لديك مشاعر؟
وتوقفت فيليس عندما دق جرس الباب. ووقفت لورين وجهها مبيض و عيناها تنظران بحيرة غامة إلى شقيقتها.
-منذ البداية كان هناك شيء لم أستطع أن أفهمه. وأنت لم تذكري أي شيء حتى عن الاختطاف نفسه.
-لقد ألقوني داخل سيارة بينما كنت أغادر المكتب. لقد قلت لك, لا أريد التحدث حول الأمر.
وأدارت رأسها بينما كان دون رامون يدخل الغرفة.
-لقد انفتح الباب و أنا أقرع الجرس, و هكذا دخلت...
و توقف عن الكلام لحظة و التفت نحو الفتاة التي سيتزوجها.
-يبدو أنني قاطعت شيئا ما؟ أكنت تتشاجرين مع شقيقتك؟
-أنا مستعدة, سنيور.
والتقطت حقيبتها عن الكرسي.
-كنتما تتشاجران. حول ماذا؟
-لم نكن نتشاجر فعليا. ولكن فيليس كانت غاضبة من تحدثي عن تجربتها القاسية.
-هذا معقول..
-نعم أعتقد ذلك, ومع هذا...
-مع هذا, ماذا؟
-لماذا تكون غاضبة؟ من الطبيعي أن أتكلم حول الأمر.
-ماذا قلت لها بالضبط؟
-لقد سألتها عن الاختطاف الفعلي نفسه. ولكنها تحدثت عن فصل آخر من الاختطاف.
-الاختطاف الفعل.. هل شرحت شيئا حول الاختطاف؟
-لقد ذكرت فقك أنها القيت داخل سيارة بينما كانت تغادر المكتب.
-لا أكثر ... ولا أقل.
وبدا للورين أن دون رامون بنفسه يتصرف بشكل شاذ حيال المسألة. وقالت له وهي تتساءل عن نوع ردة الفعل الذي سيسببه له قولها:
-ادوين تخلى عن فيليس.
-لم يكونا مناسبين لبعضهما, ولا بأية طرية بالمرة.
-كانا مناسبين, فأنا أعلم ذلك أكثر منك, سنيور...
-ألا تظنين إن الوقت قد حان لتناديني رامون, فأصدقائي ينادوني به, لذلك من الطبيعي أن تناديني زوجتي هكذا.
-زوجتك...
والتفت إليها برأسه الأسمر بسرعة, ولكنها استدارت ولم يستطع أن يرى التعبير على وجهها.
-أنت لا تحبين إمكانية أن تصبحي زوجتي. يبدو أن لديك أفكار عني بأنني شيء " كالغول ". ولكن طالما تعامليني باحترام و تتصرفين بلباقة كسنيورا إسبانية, سننجح في زواجنا. أعدك بذلك!
-سأعاملك باحترام, و لكنني أعترض على استخدامك لكلمة " تصرف لائق".
-للأسف, لأنني سأستخدمها ثانية.
-يبدو أنك لا تمانع بأن لا يكون هناك أي حب بيننا أبدا.
وساد صمت, و كأنما لم تتكلم بالحقيقة الكاملة, ومرة أخرى وجدت نفسها تتساءل عما إذا كان يهتم بها.
-لن نخوض بهذا الأمر. هل تبدو أختك متكدرة من تصرف أدوين؟
-لا أعرف. هناك شيء غريب غير عادي بأمرها.
-شقيقتك غريبة الأطوار.
-هل حضرت الترتيبات اللازمة لزواجنا؟
-طبعا. أخبرتك عما انويه هذا الصباح.
هذا الصباح... كم بدا هذا اليوم طويلا ! وكم حدث فيه الكثير! وها هي الآن تتناول العشاء مع الرجل الذي سيحملها بعد أيام إلى قصره في إسبانيا!
وعندما عادا إلى المنزل, ودعها دون أن يقول كلمة عن الزواج. كان والدها في فراشه, و فيليس في غرفة الجلوس تستمع إلى الموسيقى و سألتها فيليس:
-هل قضيت وقتا ممتعا؟
-كان وقتا مسليا.
-مليونير, و تتصرفين هكذا؟

seba queen
07-17-2011, 07:15 PM
-يبدو أنك نسيت إنني لا أحبه.
-إنه أكثر الرجال وسامة ممن قابلتهم, ومن السهل الوقوع في حبه.
-لا تهمني المظاهر.
-ليس المظاهر وحدها, و لكن عندما تجتمع مع المال الذي يملكه دون رامون... ألم نعد أنت و أنا صديقتين يا لورين.
-لقد انتهت صداقتنا, و هذه ليست غلطتي. لست أفهم ما حدث . لقد كنا سعيدتين منذ وقت قصير.
-أنا ذاهبة إلى النوم.
ودون كلمة أخرى غادرت فيليس الغرفة و تركت لورين واقفة هناك, وشعرت بثقل في قلبها حتى أنها وضعت يدها عليه. ماذا تبقى لها لتعيش من أجله الآن؟ هل من الممكن أن تهتم بدون رامون مستقبلا؟ لا, لن تستطيع لأنها تحب روجر, و ستستمر بحبه. ووجدت نفسها تبحث في هذه الإمكانية حتى بعد أن انزلقت بين أغطية الفراش ووضعت رأسها على الوسادة. و قررت أن تتحدث مع فيليس, فهي تريد أن تستمر صداقتهما. لأنها كانت تأمل بأن تحصل على زيارة من شقيقتها و والدها حيث ستعيش في إسبانيا.

seba queen
07-17-2011, 07:17 PM
الفصل السادس

6- اكتشاف الحقيقة


وقفت لورين على الشرفة و حدقت بالحدائق الغناء الواسعة و أفكارها تجول دون قيد بأيامها الأخيرة في انجلترا, و بكل ما حدث في تلك الساعات القليلة ما بين زواجها من رامون وصعودهما الطائرة التي أقلتهما إلى قصره في إسبانيا, كازادو كابريرا, القابع مثل الجوهرة في قلب واد أخضر معشوشب تحت أقدام الجبال. أدارت رأسها بينما كان زوجها قادما من المنزل و متوجها نحو المكان الذي تقف فيه.
-صباح الخير يا لورين. لقد استيقظت باكرا.
-لم أنم جيدا.
-و أين كانت أفكارك؟ ألا تزالين تحلمين بإنجلترا بعد شهر من إقامتك في إسبانيا؟
-أنت على حق لقد كنت أفكر بمنزلي...
-هذا هو منزلك. وكلما كان قبولك بهذا أسرع ستبدأين بإيجاد السعادة والرضى!
-أعتق أنني مع الوقت سأصل لأن أعتبر هذا القصر منزلي.
-أخبريني عن هذه الأفكار.
ونظر إلى وجهها الشاحب ولكن الجميل ثم قطب وهز رأسه و ظنت أنها سمعت تنهيدة قد خرجت من أعماقه.
-أظن أنك تعرف ما هي الصور التي في افكاري يا رامون.
-تعنين تلك الساعات القليلة الأخيرة؟ بعد أن اكتشفت أن الاختطاف كان زائفا و أن الأمر هو مؤامرة دبرتها أختك بنفسها. لقد قررت عندها أنك لو أعدت لي المال ستصبحين حرة من التزاماتك و أن و عدك لي ممكن أن تحنثي به بسهولة... و هكذا.
و أخذ قطعة من غصن عن الشجرة و قطعه إلى نصفين بين أصابعه الطويلة النحيفة.
-لقد كنت ستجعلين مني أضحوكة على الرغم من أنك كنت منجذبة لي.
-لم أكن كذلك!
-لا تنكري أنني أملك بعض السلطة عليك و كلانا يعرف ذلك لذا لا داعي للتظاهر.
و صمتت وعيناها تحدقان على الرغم من عدم رؤيتها لشيء. وفكرت بتلك الرسالة التي تلقتها من ادوين طالبا منها أن تلاقيه. ألم يكن هذا من شهر؟ و اعتقدت لورين أنه كان ينوي أن يطلب منها أن تتحدث من أجله مع فيليس لترجوها أن تعود إليه و لتقول لها إنه قد أدرك الآن أنه ارتكب غلطة فادحة بالتخلي عنها, وقال لها زوجها بصوت قطع حبل تفكيرها:
-بماذا تفكرين الآن؟
-بادوين.
-لو أنه لم يقرر أن يتكلم... كنا سنكون سعداء الآن لولاه.
-الحقيقة كانت ستظهر في يوم ما.
-فيما بعد... ولن تكون ذات فرق عندها.
-ألا يزال عندك أمل أنني سأحبك. و لكني لن أفعل. فأنا أحب روجر.
لماذا تتمتع بالإساءة إليه؟ فهي لا تكرهه, ولم تكرهه أبدا. هي لم تحبه و كانت تخاف منه ولكن لم يكن في قلبها و لا للحظة أية كراهية له.
-لم تقولي لي أبدا كل ما حدث في لقائك مع ادوين. لقد التقيته في مقهى ما. أليس كذلك؟
-لقد طلب مني أن ألاقيه هناك, لقد قلن لك هذا.
-و اعترف لك أن فكرة الاختطاف كانت فكرة شقيقتك. لقد سبق و قلت لك أنها تحسدك لقد حذرتك لأن تكوني منتبهة.
-أعترف بأنك حذرتني...
-وكل ما فعلتيه أنك تجاهلت الأمر.
-كانت غلطة و أدركت ذلك في ما بعد. لقد جلسنا في المقهى و أتذكر أنني قلت إن الأمر كان غامضا و قال ادوين أن من المفترض أنني أعلم أنه و فيليس قد افترقا بعد ذلك أخبرني لماذا...
وارتجف صوتها وشعرت برعدة باردة تغمر جسدها كله نفس الرعدة التي خبرتها عندما قال لها ادوين إن الاختطاف كان فكرة فيليس. و تابع أدوين يقول:
-لقد كانت تغار منك منذ أن أخبرتها أنك سوف تصبحين ثرية و ذات لقب. لقد مرت عليها فترات كانت تنفجر بالبكاء قائلة إنكما يجب أن تكونا دائما متساويتين و صديقتين, ولكنك ابتعدت عنها و اصبحت تنظرين إليها من أعلى.
-هي تعلم أنني لم أفعل هذا أبدا!
-لقد فكرت هكذا. و فجأة جاءتها هذه الفكرة بعد أن قرأت في الجريدة حول اختطاف إحدى الثريات... كنت أحبها كثيرا بحيث أنني وافقت معها على الفكرة لأنها هددت أن تتركني إذا لم أفعل و كنت أنا من اتصل بروجر ثم بك. و كنت أنا من طلب منك المال بعد أن علمت أن روجر لن يدفع و كنت أنا من وضع الرسائل على أرض الردهة في غفلة عنك وعن والدك, لقد كان الأمر سهلا يا لورين, و لكن كان في ذهني سؤال, ماذا كنا سنفعل بذلك المال المسروق. وقالت فيليس إننا سنذهب في رحلة بحرية, و لكنني كنت منزعجا جدا ولم أستطع أن آكل أو أنام. بعد ذلك عرفت منها بأنك ستقومين بهذه التضحية الرهيبة و أنك ستتخلين عن الرجل الذي تحبينه ووافقت على الزواج من هذا الغريب. و لم أعد أهتم بها يا لورين, لقد كرهتها! هل تفهمين تغيرا مفاجئا كهذا؟ لقد كرهتها و لم أعد اريد أن ارتبط بها لقد انتزعت مني و عدا بعدم اخبارك عن خيانتها و لكنني لم استطع المحافظة على الوعد كان ضميري يجرني إلى الجنون! كان علي أن أخبرك بالحقيق, حتى تستطيعي إعادة حياتك إلى وجهتها الصحيحة ثانية. لست بحاجة للزواج من ذلك الإسباني الآن!
ولم تكن لورين قادرة على أن تقول شيئا لفترة طويلة, لأن عقلها كان يحاول بيأس ان يرفض ما قيل لها, فليس من الممكن أن تفعل شقيقتها هذا الشيء. ولكن في النهاية تقبل عقل لورين كل شيء وبذلك توضحت الأمور, ارتياب و عدم تصرف ادوين كما يجب عليه. و الطريقة التي رجعت بها فيليس, و كأنما لم يحدث شيء. و أخيرا كسرت لورين الصمت الذي حل بينها و بين ادوين بعد أن ذكر "ذلك الإسباني ". فقالت:
-لقد تزوجت و سنطير إلى إسبانيا هذا المساء.
و أصبح وجه ادوين أبيض و اغرورقت عيناه بالدموع. و بينما هما يفترقان خارج المقهى توسل إليها ادوين لتسامحه, و سامحته و لكنها لم تقدر أن تقول المزيد و تركته دون أن تودعه. و جاءها صوت رامون الهادئ بعد بضع لحظات من انتهاء حديثها.
-إذا هذا ما حدث في المقهى ذلك اليوم. لقد قلت إن عيناه امتلأتا بالدموع و لكنك لم تقولي ماذا قال عندما أخبرته أنك تزوجت؟
-لقد قال –إنه قد-.... ساعد في تدمير حياتي.
-وهل هذا صحيح؟ هل ساعد في تدمير حياتك؟
-بالطبع, فلو لم يحدث هذا لكنت ما زلت مخطوبة لروجر.
ووقف رامون للحظة طويلة ينظر إليها بعينين باردتين خاليتين من التعبير, ثم قال وهو يستدير:
-في يوم من الأيام يا لورين, سوف تخرجيني عن طوري و عندما يأتي ذلك اليوم ستشعرين بالطعم الحقيقي لغضبي!

seba queen
07-17-2011, 07:20 PM
و راقبته وهو يبتعد على طول شرفة أخرى مفتوحة على بركة سباحة مستطيلة, و عندما اختفى عن ناظرها سمحت لتفكيرها أن ينطلق ثانية. و استعادت ذكرى المشهد بينها و بين شقيقتها عندما كشفت لها قبل ساعتين من سفرها أن ادوين قد اعترف لها. انهارت فيليس لتعترف بغيرتها. ولكنها كانت قلقة حول والدهما متوسلة للورين أن لا تتصرف تصرفا يؤذيه. و طالبتها لورين بالمال فجلبته لها كان لا يزال في نفس الورقة البنية التي لفته بها. بعد نصف ساعة حضر رامون استعدادا لأن يأخذها إلى المطار فقالت له و هي تم يدها بالمال:
-أنا أعيد لك مالك فأنا لست ذاهبة معك إلى إسبانيا رامون.
-ستذهبين.. من أين حصلت على هذا المال؟
فشرحت له الأمر باختصار قدر الإمكان منهية قولها مرة ثانية بأنها تعيد له المال و بما أنها لم تعد مدينة له لن تذهب إلى إسبانيا و إن الزواج من الممكن أن يلغى و تراجعت خطوة إلى الوراء لتضع مسافة بينهما عندما لاحظت تغيرا في الانطباع على وجهه فالغضب و الالتماع في تلك العينين السوداوين كانتا تنمان عن نوايا شريرة و كان هذا كافيا لإرهاب اشجع القلوب و صرخ بها وهو يأخذ الرزمة منها و يرميها عبر الغرفة.
-انت زوجتي. اقول لك زوجتي! و مكانك معي!
-لا تصرخ هكذا فأبي في الغرفة الأخرى ولا يعلم شيئا عن الأمر...
-لا يعلم شيئا؟ هل أخفيت نشاط فيليس الاجرامي عنه؟
-نعم.. بالطبع فهو يحب فيليس ولو علم الحقيقة ستقتله الصدمة لقد حذرنا الطبيب من أن ينفعل.
-هكذا إذا.. حسنا, أيتها الزوجة.... ستأتين معي إلى إسبانيا أو هل أذهب إليه و أعطيه الصدمة التي قد تقتله؟
-وهل تفعل هذا؟
-و هل هذا أقل نبلا مما تريدين أن تفعليه؟
-لن أسامحك أبدا... أبدا... طالما أنا حية!
-هذا... أكثر إعلان غير متعقل سمعته.
وكان هذا آخر شيء يقوله و التقط الحقائب ووضعها في السيارة و خرجت لورين بعد توديع والدها لتنضم لرامون الذي كان يجلس على مقود سيارته.
كانت الشمس قد ارتفعت عاليا في السماء بينما كانت لورين تقف على الشرفة. ووقعت أشعتها على تلك الحدائق الجميلة و البحيرة و الأشجار, وحوافي الزهور للبرك الثلاث الموجودة في أمكنة مختلفة. وجاءها صوت ماريا مدبرة منزل رامون يقول:
-الفطور جاهز يا سنيور.
-شكرا ماريا.
والتفت إلى لورين وهو لا يزال في بركة السباحة.
-هل تنضمين إلي.
-لا, سأغطس في الماء فيما بعد.
-ألا زلت تفكرين؟
-كنت لا ازال أفكر بإنكلترا.
-الندم لا ينفع. عيشي لأجل الحاضر و المستقبل, لا لأجل الماضي, فالماضي مات. إنه كالغبار الذي يمشي عليه الإنسان و يتركه خلفه و غالبا ما يكون شاكرا.
-أنا لم أترك إنكلترا شاكرة.
-يوما ما ستعيدين النظر بكلامك يا لورين.
-لا أعتقد ذلك.
-تعالي إلي الفطور, ستكونين أفضل عندما تأكلين.
كان الفطور جاهزا في غرفة طعام صغيرة أنيقة تطل على جزء من الحديقة تتألف من حديقة خضراء بأطراف مليئة بالعشب حيث السوسن البري ينمو بغزارة بين أزهار " الأوركيدية " و أزهار البيرانوم و البيتونيا المنتظمة بأشكال نجوم و هلال القمر.
و كانت الطاولة تزدان بالكؤوس الكريستال و الفضة, و الطعام كان مكلفا جدا.
-إنك لا تأكلين شيئا.
-لا أستطيع القول انني جائعة.
-ومع ذلك كلي شيئا.
-لا تصدر إلي الأوامر هكذا يا رامون, فإذا كنت أريد أن آكل فسآكل.. و إلا فلا.
-إذا لم تكوني حذة يا لورين سنبقى في المنزل هذا اليوم.
و تنهدت قليلا و قبلت منه بعض اللحم و الكلى.

seba queen
07-17-2011, 07:20 PM
-هذا يكفي, شكرا لك يا رامون.
-لقد قلت لك أن لا تفكري في الماضي يا لورين, فكلما روضت نفسك على القبول بشكل أسرع كان أفضل.
-كيف أستطيع نسيان ما كان سيحدث؟ الزفاف مثلا و ثوب العرس. و الاستقبال بعد ذلك و مئات الضيوف المدعوين و شهر العسل في تاهيتي.
-أستطيع أن آخذك إلى تاهيتي إذا كان هذا مهما لك.
-اردت الذهاب مع روجر, لا معك أنت.
كان يأكل اللحم و لكنه توقف ووضع الشوكة فوق الصحن.
-إلى متى يجب أن استمع إلى تذمراتك حول الرجل الذي كنت مخطوبة له؟
-كان يجب أن تدرك أنني...
-لقد كنا متزوجين في الوقت الذي استطعت فيه ارجاع المال.
-كان بإمكانك أن تتقبل الأمر على كل الأحوال.
-لقد عقدت صفقة يا لورين و عندما عرضت عليك مال الفدية ابديت لي بعض الملاحظات عن لطفي أو ربما كان كرمي. و مهما يكن كنت سعيدة جدا لتقلبي العرض و لتعقدي اتفاقا معي. و بعد أن عقدت الاتفاق اردتي أن تلغيه لأنك فجأة أصبحت في وضع يمكنك من ذلك و لو لم تتغير الظروف عندها طان سيجري كل شيء على ما يرام بيننا, أليس كذلك؟
-لو كنت رجلا مهذبا لتفهمت ما كنت أشعر به, و لكنت حررتني من الصفقة التي عقدتها معك.
-إذا لست رجلا مهذبا؟ إنها المرة الأولى التي يقول فيها أي إنسان مثل هذا عني.
واحمر لونها و علمت أنها يجب أن تعتذر منه و لكن وجدت أن الأمر مستحيل و تناولا بقية الوجبة وهما صامتين. حتى عندما كانا في السيارة و رامون يقودها لم يدر أي حديث بينهما, و أخيرا أدارت رأسها, لتنظر إلى جانب وجه زوجها, و لاحظ نظرتها فالتفت بسرعة ثم أعاد انتباهه إلى الطريق قائلا:
-هل تتمتعين بالرحلة؟
-نعم.
أجابها بتهكم:
-احذري من كثرة الحماس.
-إنها فعلا رحلة رائعة. لقد قلت انني أتمتع بها.
و فاجأها رامون بإيقاف السيارة عند منظر عصفور يطير فوق عشه و قال لها وقد بدا أنه نسي الخلاف الذي حصل بينهما حتى الآن:
-هل أنت مسرورة برؤية العش؟ إنه رائع جدا و مثبت جيدا على أغصان الذرة مثل خيوط العنكبوت.
-خيوط العنكبوت! كم هذا رائع أحب أن أراه..
-سنعود فيما بعد عندما تكون الفراخ قادرة على الطيران فلا تستطيع إزعاج الأبوين الآن.
و أقلع بالسيارة بهدوء عائدا إلى الطريق. بعد هذا الكسر للجليد بينهما تبادلا الحديث حتى وصلا إلى المدينة.
-سنتناول الطعام أولا.
و دخلا إلى مطعم يؤلف جزء من مباني الحمراء القديمة.
-لقد بني هذا المكان أصلا كدير بعد إعادة احتلال " غرناطة " و أعاد هذا القول إلى فكر لورين تلك الملكيات الشهيرة, فرديناند و إزبيلا اللذين هزما " المور " و نجحا في إدخال إسبانيا في المسيحية. و بعد انتهائهما من الطعام نظرت لورين عبر الطاولة و ابتسمت قائلة:
-لقد كان هذا رائعا, شكرا لك لأنك جلبتني إلى هنا يا رامون.
-من دواعي سروري أن أمنحك السعادة يا لورين.
و بينما هما ينهضان عن الطاولة مد يده إليها فوضعت يدها في يده, و خرجا.
-و الآن إلى زيارة قصر الحمراء, لا أدري ماذا تتوقعين يا لورين لكن يجب أن أحذر من أن لا يخيب املك من المنظر الخارجي الرصين للقصر.

seba queen
07-17-2011, 07:21 PM
الفصل السابع

7-عينان حزينتان


دخلا قصر الحمراء المبني في القرن الرابع عشر, عبر بوابة تدعى " بوابة العدالة" , وبعد أن اشترى رامون التذاكر رفض أن يرافقهما دليل. و تجولا في قاعة مفتوحة مزخرفة بأبهة إلى أخرى, و لورين تبدي إعجابها و تعلق على جمال الجدران المخرمة كالدانتيلا و القاعات التي تزينها النوافير الجميلة, التي يبدو ماؤها يلتمع تحت أشعة الشمس, مرسلا شعاعا كقوس القزح ليزيد الفتنة و الجو الرومانسي إلى ذلك المنظر الساحر. و كسرت لورين الصمت الطويل لتسأله وهي تدير رأسها بابتسامة:
-ماهي هذه النقوس العربية؟
-أكثرها يدور حل نفس الكلام " الله وحده الغالب ".
-أتساءل عما كانت الحال هنا عندما كان السلاطين يسكنون فيها؟ و كم كرهوا واقع هزيمتهم في النهاية!
-إنه تاريخ مثير... فرديناند و إزابيلا تركا طابعهما على إسبانيا.
-هما مدفونان هنا, بالطبع؟
و هز رأسه بالإيجاب, ولكنه قال إن افراد هاتين العائلتين المشهورتين كانوا يفضلون أن يبقوا في مدافنهم البسيطة, ولكن أحفادهم رغبوا في نقل رفاتهم إلى هذه المدافن التي بنيت خصيصا لهم.
للمرة الأولى منذ قدومها إلى إسبانيا شعرت بالراحة التامة. و كان من حولها مجموعات من السواح يستمعون إلى المرشدين الرسميين يشرحون لهم التاريخ كالببغاوات.
-هذه الموسيقى التي تنبعث من صوت الماء يجب أن تكون أحد الأسباب لما أشعر به....
-صوت موسيقى الماء.... النوافير دائما تعطي موسيقى لا نهاية لها..
-و هل هناك موسيقى أجمل من صوت الماء الجاري؟
-إنها... مريحة.
-و هل أنت بحاجة للراحة؟
-أحب أن أشعر بالراحة. هذا طبيعي.
-الراحة... كلنا نحب الراحة يا لورين. إنها حالة فكرية تعطينا الرضى في حياتنا.
-و لكنني غير راضية في حياتي, أظن أن " قصر الحمراء " يكتنف بعض الحزن.
-كل القصور التي عرفت الفخامة في ماضيها, ثم خسرته, تبدو حزينة لي. أنت نفسك تبدين حزينة يا عزيزتي, وهكذا فعيناك تجدان الحزن في كل ما حولك... ربما كان يجب أن لا آتي بك إلى هنا...
-آه... لا ... كان يجب أن تحضرني. كان سيفوتني زيارتها. أحب أن أشاهد كل روائع إسبانيا, لأنني قرأت عنها و أعرف أنها جديرة بالزيارة.
-كان من الممكن أن تأتي إلى هنا في وقت آخر, و مع شخص آخر.
-شخص آخر.
-سيكون لك أصدقاء, آمل ذلك. يوم الجمعة القادم سأقيم حفلة عشاء لبعض الأصدقاء, ذلك لأجل أن تلتقي بزوجاتهم, و بناتهم. و أنا متفائل بأن تحبي بعضا منهن ليصبحن صديقات لك.
و حدقت به, مندهشة من انزعاجه حول حاجتها لأصدقاء في هذا البلد الذي جلبها إليه.
-هذا لطف منك... لا أحب أن أزور أي مكان مع أي كان غيرك, رامون. أريدك أن تأخذني أنت إلى مثل هذه الأماكن.
-في هذه الحالة يا عزيزتي, أنا دوما في خدمتك,
-رامون أنت تتكلم مع زوجتك.
-أنت لا تشيرين غالبا إلى كونك زوجتي.
و كانا ينتقلان وقد اقتربا من جناح " الملكة بودوار " و أضاف عندما لم يسمع منها ردا.
-أليس لديك تعليق على ما قلته؟
-لم يمض زمن على زواجنا بعد.
-هذه حجة. فأنا دائما أفكر بنفسي كزوج لك.
-و لكنك أنت أردت الزواج مني. و لم يكن الأمر هكذا بالنسبة لي.
-هل يجب أن تستمري في ذكر ظروف زواجنا يا لورين؟
-لا, فهذا لا يجدي نفعا, كما قلت أنت عدة مرات.
-قلت أنني أردت الزواج منك. و لكنك لم تزعجي نفسك أبدا بالتساؤل عن السبب في رغبتي هذه.
و التفتت إليه بسرعة, وقد لاحظت شيئا في لهجته لم تفهمه و تفحصت وجهه للتفتيش عن الحقيقة, وقالت:
-أعتقد أن السبب هو رغبتك بي و ... ذلك العرض... أعني أول عرض...كان من الواضح يومها أن اهتمامك بي كان فكرته لساعة من التسلية.
-أعترف بذلك, و لكن خلال تلك السهرة, بدأت أفكر بك كزوجة لي, و عندما خرجنا إلى الحديقة في المرة الثانية, كنت قد صممت رأيي على أنك المرأة الوحيدة في العالم التي تناسبني.
-و لكنك لم تشعر بالحب... الرغبة فقط.
-لقد كان هناك انجذاب بيني و بينك يا لورين. وكلانا يعرف ذلك. و كما قلت يومها, كان مقدرا لنا أن نلتقي, و أن نتزوج. إنها " القسمة ".
-كيف يعيش الناس بدون حب؟ الرغبة الجسدية قد تجذبنا و لكن لفترة قصيرة و لكن ماذا بعد ذلك؟
-هذه المرة الأولى التي تعترفين بها أن رغبتك بي هي بنفس قوة رغبتي بك.
-من غير المجدي أن أنكر. لنتابع سيرنا, هناك الكثير لنشاهده بعد.
وهكذا تغير الموضوع, ولم يعد شخصيا. و جولا في " قاعة الأسد " التي كانت في تلك الأيام المكان الخاص لحريم السلطان.
بعد مغادرتهما قصر الحمراء عبر " القيصرية " التي شرح لها رامون أنها قرية بنيت على الطراز " الموري " في قلب " غرناطة " كسوق عام. توقفت عدة مرات عند محال صغيرة فيها بعض الفنون " النبيكو " و الرسومات التي جذبت انتباهها. و اشترت بعض الانتيكات كتذكار لإرسالها إلى بعض الأصدقاء. وعندما بدأت الشمس بالمغيب قال رامون:
-حسنا, هل اكتفيت؟ لنعد ادراجنا إلى المنزل.
و ركبا السيارة عائدين على نفس الطريق التي أتيا منها.
بدأ الظلام يهبط خلف قمم جبال عالية, أشار إليها رامون على أنها ملك له. و أشارت إلى قرية بعيدة .
-ولكن هذه القرية هي في التلال.
فقال رامون :
-إنها أيضا ملك لآل كابريرا.
-و هل تملك كل هذا إضافة إلى ممتلكاتك الأخرى؟
-نعم.
-و شاطئ البحر؟
-أملك إحدى عشر ميلا منها. و أنا أنوي أن أستثمرها عما قريب. سآخذك هناك يوما يا لورين. ففيها بعض المباني الجذابة ذات قباب مكسوة بخشب الأبنوس صنعت من مراكب متحطمة. بعض أثاثها صنع من الحطام أيضا, و لكن كله حاليا موجود في مستودعات القصر, و أنا أفكر بإنشاء مركز سياحي هناك, فيها فندق من أكثر بإنشاء مركز سياحي هناك, فيها فندق من أكثر الفنادق جاذبية و امتيازا. مع ميناء لليخوت. الشاطئ هناك هو من أكثر الشطآن الرملية جمالا, رماله ذهبية, لا تشبه تلك الرمال الرمادية إلى الشرق منه.
و ادارت رأسها إليه, و هي مذهولة بالتغيير المفاجئ, وغير القابل للتصديق من التصرف الجامد البارد لدون إسباني إلى ما يشابه اللهفة الطفولية لرجل على وشك الدخول في ما يشبه المغامرة الجديدة, و المشوقة. فقالت:
-تبدو و كأنك إنكليزي التفكير.
-طبعا, لهذا اخترت فتاة انكليزية كزوجة لي.
ليلة العشاء الذي كان يقيمه رامون لأصدقائه, وقفت لورين تتأمل فخامة غرفة الطعام ذات السقوف العالية وهي تلتمع بالكريستال و الفضة و البورسلان المرسوم يدويا. و المفارش مشغولة بالحرير على خلفية من أفضل الأقمشة, مفروشة على الطاولة الكبيرة. و جعلها صوت زوجها تقفز و قد جذبها عن تفكيرها قائلا:

seba queen
07-17-2011, 07:23 PM
-لقد حان الوقت لتلبسي يا عزيزتي. أحب أن اراك في ذلك الثوب من الحرير الصيني المطرز هذه الليلة.
-كنت أنوي أن ألبس ثوب الدانتيلا الأبيض...
-بل الحرير الصيني, أريدك أن تظهري أنيقة بشكل خاص و أن تبدي شابة صغيرة.
و هكذا ظهرت بعد ثلاثة أرباع الساعة, أنيقة الجمال في الثوب الطويل ذو الياقة و الأكمام البرتقالية اللون. و على شعرها وضعت شريطا فضيا عقدته فوق أحد أذنيها, وعلى عنقها عقد ماسي كان رامون قدمه لها هدية الزفاف.
-أنت تبدين ... جميلة بشكل لا يصدق! أنت بهية الطلعة حتى أنني قد لا أسمح لك بأن تستديري مبتعدة عني يا لورين.
-أشعر أنني مرتعدة الأعصاب.
و نظرت إلى الساعة و أدركت أنه خلال أقل من ربع ساعة سيحضر أول الضيوف.
-هل قلت ماركيز و كونتيسه ؟ لن أعرف كيف أخاطبهما.
-ستستعملين أسماءهم الأولى في وقت قصير. لا تخافي يا لورين, فلن تخذلينا.
-طالما لن أخذلك.
-احترام الانسان لنفسه هو أكثر ممتلكاته الشخصية, تذكري هذا!
أول الضيوف وصل كان دون دياغو دو غواردينا, الذي فور وقوع عينيه على لورين أصدر صيحة تعجب خفيفة و نظر إليها لعدة لحظات و كأنما الدهشة منعته من الكلام. ثم انحنى ليقبل يدها وهو يقول:
-و لكن... أنت جميلة جدا. رامون لم تحضرني لمفاجأة كهذه.
-لم تطلب مني وصف زوجتي يا دياغو.
-في الحقيقة أنا مسرور أنني لم أفعل! فما هو أكثر سعادة لأن اكتشف جمال مضيفتي بنفسي؟
بعد استكمال عقد الضيوف, ولم تكن لورين قد ارتكبت أي خطأ في استقبالهم. جلسوا يتناولون العشاء, و كانت تعامل ضيوفها و كأنها تعرفهم منذ أشهر بدلا من ساعتين أو ثلاثة.
الماركيز فالغا و زوجته لولينا, كانا زوجين رائعين يعملان في السياحة. و الكونتيسه اليني مانزاريز, أرملة منتج أفلام, كانت مرحة و كثيرة الزينة, و السيدة الجالسة على يمين رامون, دونا ماريا لوزانو, التي تعمل مع زوجها و ابنتها في تسويق نوع من الشراب الإسباني. و زوجها دون جوزيه لوزانو, ينحدر من أسرة مشهورة بصنع ذلك الشراب الذي يعتبر انتاجه من أفضل الإنتاج في البلاد.. وابنتهما تيريزا وهي في التاسعة عشر تقريبا, كانت جميلة القسمات ورائعة الشخصية, وبدا لرامون بعد وقت قصير أنها و لورين ستصبحان صديقتين.
و كان على يمين لورين الدون دياغو, الذي اجبرت نظراته المنحصرة بمضيفته على جذب انتباه زوجها, وعندما كانت تتكلم مع دون دياغو في حديث مطول, نظرت لترى عينا رامون مركزتان عليها. و بدا و كأنه سيظهر بعض التوبيخ, و لكنه ادرك عجزها عن منع العازب الوسيم من التحدث معها, و لكن بعد أن غادر آخر الضيوف كان عليها أن تسمع التوبيخ و كان الوقت بعد منتصف الليل, وحاولت أن تتهرب منه بإعلانها أنها ستذهب إلى الفراش. فقال لها:
-هناك شيء أريد قوله أولا, اجلسي يا لورين. إنه حول دون دياغو.
-لا لزوم لأن تقول لي عن هذا, أعرف.
-تعرفين؟ إذا ربما تفسرين لماذا سمحت له باحتكارك هكذا؟
-وكيف أستطيع منعه؟
-كان على شمالك شخص آخر, و في مقابلك أشخاص آخرون. و كضيوف عندك يتوقعون أن تقدمي لهم بعض الاهتمام. يبدو لي لي لورين أنك بحاجة لأن تتعلمي أكثر عن أداب الضيافة.
-أشعر يا رامون إنني تصرفت بشكل لائق جدا هذه الليلة.
-بشكل إجمالي, نعم, و لكنك سمحت لنفسك أن تعطي الكثير من الاهتمام لدون دياغو.
-لا أعترف بهذا!
-لقد قلتِ ...
-عنيت أنني عرفت طبيعة انتقاداتك.
-لن نتفاهم... دعينا ننسى الأمر هذه الليلة.
و صعدا إلى غرفة النوم. و بعد عشرين دقيقة من انتهائها من خلع ملابسها و ارتداء ثياب النوم, و هي على وشك دخول الفراش, دخل عليها رامون بمظهره الجذاب حتى أنها التقطت أنفاسها.
-كنت تبدين جميلة جدا, هذه الليلة, تعالي إلي. أنت ترغبين بي و تعرفين ذلك.
-أتساءل إذا كنت تدرك تماما أنك كثير الوثوق بأرائك يا رامون؟
-أنا صادق على الأقل, أما أنت فلا, أنت حتى غير صادقة مع نفسك يا لورين.
-الوقت متأخر.
و بأربع خطوات سريعة أصبح قربها, و أحاطها بذراعيه.
-أنا متعبة يا رامون, أرجوك إذهب! أنت تطلب المستحيل! أنت تملك بعض المخيلة بالتأكيد! و تستطيع أن تلاحظ أنني أفضل...
-تفضلين أن تكوني بين ذراعيه بدلا مني! أليس هذا ما كنت ستقوليه؟
-من الطبيعي أن أرغب في أن أكون مع الرجل الذي أحبه بدلا من الرجل الذي أرغمت على الزواج به.
-في ذلك الوقت, كنت سعيدة بالمساعدة التي قدمتها لك, و دخلت في المساومة دون تردد, دون أن تتحدثي....
-دعنا من ترديد هذا. نعم أنا من بدأت هذا الحديث, ولكني أرغب الآن في نسيانه.
ونظرت إلى يدي زوجها, كانتا مقفلتين و ممدودتين إلى جانبه فقالت بلهجة باردة و متعلقة:
-أرجوك, اذهب يا رامون, قلت لك انني تعبة. لقد كانت أمسية متعبة... إنها أول حفلة عشاء لي...
كان واقفا دون حراك, و ظهره إلى النافذة, و عيناه ثابتتان على وجهها.
-أنا باق يا لورين.
و قطبت و هزت رأسها, ولكن لم يكن لديها الوقت لتتكلم فقد حملها بحركة سريعة غير توقعة. و أحست بالصدمة من دقات قلبها الصاخبة بينما كانت تتحول الغرفة أمام عيناها إلى الظلام.

seba queen
07-17-2011, 07:24 PM
الفصل الثامن

8-في مواجهة الماضي


بقيت ممددة لفترة طويلة و هي يقظة, و صوت الريح وحده يقاطع هدوء تفكيرها. وعبر الستائر كان يبدو طيف ضوء القمر, بحيث أنها كانت تستطيع تمييز الأشياء المختلفة في الغرفة دون صعوبة.
الثراء... و عاد عقلها إلى العمل, و كانت تعرف أن النوم سيمتنع عنها. ما هو هذا القدر الغريب الذي أوصلها إلى هذا... لقد ولدت في مكان متواضع نسبيا, وها هي تدخل عالم الثراء؟ و لسبب مجهول التقاها روجر من بين كل الفتيات في تلك الحفلة, على الرغم من وجود شقيقتها هناك. بعد ذلك لفتت نظر, دون رامون ادوارد دو كابررا أي مولينا, من بين كل النساء الجميلات في نفس حفلة خطوبتها.
هل هناك شيء يميز فيها يجتذب الرجال؟ هذه الإمكانية لا تسعدها. بل تجذب المشاكل لها. ها هي الآن ترى دون دياغو الوسيم يتطلع إليها بإعجاب غير متستر, و لم تعرفه سوى منذ دقائق لتصبح حذرة من أن تقول شيئا قد يقوده ليظن أنها تشجعه. و سألت نفسها عما لو كانت شقيقتها حاضرة الليلة, فهل كان دون دياغو, مثل الآخرين, سيختارها بدلا من فيليس؟ و تمتمت لحافة الغطاء الأبض القريب من فمها:
-كم هذا غريب, فنحن متشابهتان تماما, فكيف يختار من لا يعرفنا واحدة منا بدل الأخرى؟
بالتدريج, وجدت فكرها قد أصبح مهتزا بينما أخذ النعاس بالدخول إليه. واستدارت لتنظر إلى الرأس الأسود الذي يرقد على المخدة قربها, و استدار رامون وهو لا يزال يغط في نومه, ونظرت إلى وجهه. هل كان يحلم؟ و بدا حزينا بطريقة ما غريبة.. و لسبب لم تستطع تفسيره, شعرت بغصة في حلقها, وبقوة مفاجئة تحركت لتلمس خده الأسمر بشفتيها. ولكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة, لخشيتها من أن توقظه.
في الصباح التالي, وصلتها رسالة, وأخذتها عن الصينية التي قدمتها إحدى الخادمات, جيرونيما, في غرفة نومها. و تطلعت لبرهة في العنوان المطبوع على الآلة الكاتبة, كانت الرسالة تحمل ختم لندن, و فتحتها, وسرت لأنها موجودة في خلوة غرفتها... لأن الرسالة كانت من روجر رسالة حزن و ندم... و توسل.
ادوين, وقد عذبه تبكيت الضمير, و على أمل أن تعود الأمور بطريقة ما إلى نصابها بين روجر و لورين, ذهب إلى روجر و اعترف له بكل شيء, في الصفحة الثانية من الرسالة استمر روجر برواية ما حدث:
" بالكاد كنت أصدق ما يقوله لي, لماذا يا حبيبتي لم تأتي إلي فورا بعد مقابلتك لأدوين, و كنا معا ستتدبر الأمر؟ كنت قد تزوجت, و أنا أعرف هذا, و لكن لم يكن لك حاجة للذهاب إلى إسبانيا, و كان بالإمكان إلغاء الزواج, بعد ذلك لاستطعت أنا و أنت الزواج. اكتب لك لأقول انني ما زالت احبك. و أنا مستعد للانتظار حتى تستطيعي الحصول على الطلاق. ستفعلين هذا بالتأكيد؟ اكتبي لي قريبا, لورين يا حبيبتي, و قولي انك ما زلت تهتمين بي كاهتمامي بك".
مر عليها وقت كانت تشك في صدق حبه لها, نسبة لرفضه دفع مبلغ الفدية, و لكنها الآن لم يعد لديها أي شك بهذا الحب, و تنهدت و هي تقول: " لقد فات الوقت, أحبك و لكن فات الوقت".
و أجابت على رسالته و شكرته على عرضه, ولكنها أخبرته أنها لن تتمكن من الطلاق من زوجها, لأن ليس لديها أسباب موجبة لذلك. و كتبت له تقول:
-" لقد انتهى كل شيء بيننا, رامون لطيف جدا معي. و أنا مصممة على البقاء زوجة له. أعتن بنفسك, و حاول أن تنساني في أسرع وقت".
بعد يومين أعلن رامون عن نيته الذهاب إلى انكلترا, حيث سيتغيب أسبوعا.
-احب أن آخذك معي يا لو